Indexed OCR Text
Pages 141-160
- عامله على المدينة النبوية - أن يزيد فى المسجد . فاشترى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت شرقي المسجد، وقبلته، فزادها فى المسجد ، فدخلت الحجرة إذ ذاك فى المسجد ، وبنوها مسنمة عن سمت القبلة لئلا يصلي أحد إليها . وكذلك («قبر إبراهيم الخليل، لما فتح المسلمون البلاد كان عليه السور السليمانى ، ولا يدخل إليه أحد ، ولا يصلي أحد عنده، بل كان معلى المسلمين بقرية الخليل بمسجد هناك ، وكان الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ، إلى أن نقب ذلك السور ، ثم جعل فيه باب . ويقال : إن النصارى ثم نقبوه وجعلوه كنيسة ، ثم لما أخذ المسلمون منهم البلاد جعل ذلك مسجداً ؛ ولهذا كان العلماء الصالحون من المسلمين لا يصلون فى ذلك المكان . هذا إذا كان القبر صحيحاً ، فكيف وعامة القبور المنسوبة إلى الأنبياء كذب ؟! مثل القبر الذي يقال إنه ((قبر نوح)) فإنه كذب لا ريب فيه، وإنما أظهره الجهال من مدة قريبة ، وكذلك قبر غيره . فصل وأما ((عسقلان)) فإنها كانت ثغرا من ثغور المسلمين كان صالحو ١٤١ المسلمين يقيمون بها لأجل الرباط فى سبيل الله . وهكذا سائر البقاع التى مثل هذا الجنس مثل ((جبل لبنان)) و((الإسكندرية)) ومثل ((عبادان)، ونحوها بأرض العراق، ومثل ((قزوين)) ونحوها من البلاد التى كانت ثغوراً . فهذه كان الصالحون يقصدونها ؛ لأجل الرباط فى سبيل الله؛ فإنه قد ثبت فى صحيح مسلم عن سلمان الفارسي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطاً مات مجاهداً ، وأجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتان )) وفي سنن أبى داود وغيره عن عثمان، من النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رباط يوم فى سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواء من المنازل)) وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة فى سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود . ولهذا قال العلماء : إن الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بالحرمين الشريفين ؛ لأن المرابطة من جنس الجهاد ، والمجاورة من جنس الحج. وجنس الجهاد أفضل باتفاق المسلمين من جنس الحج ، كما قال تعالى : ( أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخِرِ وَجَهَدَفِى سَبِيلِ اللَّهِ لَيَسْتَوُنَ عِنْدَ الَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ * الَّذِينَءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ◌ِأَمَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَاللّهِوَأُوْلَكَ هُ الْفَآِزُونَ * يُبَشِّرُ هُمْ رَبُّهُم ١٤٢ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَُّمْ فِيهَا نَعِيٌ مُّقِيهُ * خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) . فهذا هو الأصل في تعظيم هذه الأمكنة . ثم من هذه الأمكنة ما سكنه بعد ذلك الكفار وأهل البدع والفجور . ومنها ما خرب وصار ثغرا غير هذه الأمكنة . والبقاع تتغير أحكامها بتغير أحوال أهلها . فقد تكون البقعة دار كفر إذا كان أهلها كفاراً، ثم تصير دار إسلام إذا أسلم أهلها ، كما كانت مكة ــ شرفها الله - فى أول الأمر دار كفر وحرب، وقال الله فيها: (وَكَأَيِنِ مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُقُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِى أَخْرَجَنْكَ ) ثم لما فتحها النبى صلى الله عليه وسلم صارت دار إسلام، وهي في نفسها أم القرى ، وأحب الأرض إلى الله. وكذلك الأرض المقدسة كان فيها الجيارون الذين ذكرهم الله تعالى. كما قال تعالى: ( وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَعَلَ فِيَكُمْ أَنِبِيَاءُ وَجَعَلَكُمْ مُلُوَكًا وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ * يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا فْئَدُّ واْعَلَى أَدْبَارِكُمْ فَلَنْقَلِبُواْخَسِرِينَ * قَالُواْيَمُوسَىَّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْ خُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنِ يَخْرُ جُواْمِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ) الآيات ، وقال تعالى لما أنجى موسى وقومه من الغرق: ( سَأُوْرِيَكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ ) وكانت تلك الديار ديار ١٤٣ الفاسقين لما كان يسكنها إذ ذاك الفاسقون ، ثم لما سكنها الصالحون صارت دار الصالحين . وهذا أصل يجب أن يعرف . فإن البلد قد تحمد أو تذم فى بعض الأوقات لحال أهله، ثم يتغير حال أهله فيتغير الحكم فيهم ؛ إذ المدح والذم والثواب والعقاب إنما يترتب على الإيمان والعمل الصالح ، أو على ضد ذلك من الكفر والفسوق والعصيان . قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ وَتَّقُواْاللّهَ الَّذِى تَسَآءَ لُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم : (( لا فضل لعربى على عجمي ولا لعجمي على عربي ، ولا لأبيض على a أسود ، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى . الناس بنو آدم ، وآدم من تراب)). وكتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي - وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد آخى بينهما، لما آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان أبو الدرداء بالشام ، وسلمان بالعراق نائباً لعمر بن الخطاب - أن هلم إلى الأرض المقدسة . فكتب إليه سلمان : إن الأرض لا تقدس أحدا . وإنما يقدس الرجل عمله . ١٤٤ فصل وقد تبين الجواب فى سائر المسائل المذكورة بأن قصد الصلاة والدعاء عند ما يقال إنه قدم نبي ، أو أثر فى، أو قبر نبي، أو قبر بعض الصحابة، أو بعض الشيوخ ، أو بعض أهل البيت، أو الأبراج ، أو الغيران : من البدع المحدثة ، المنكرة فى الإسلام ؛ لم يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان يفعلونه ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، بل هو من أسباب الشرك وذرائع الإفك . والكلام على هذا مبسوط فى غير هذا الجواب . فصل وأما قول القائل إذا عثر يا جاه محمد ! يا للست نفيسة ! أو يا سيدى الشيخ فلان ! أو نحو ذلك مما فيه استغاثته وسؤاله : فهو من المحرمات، وهو من جنس الشرك ؛ فإن الميت سواء كان نبياً أو غير نبي لا يدعى ولا يسأل ولا يستغاث به لا عند قبره ، ولا مع البعد من قبره ، بل هذا من جنس دين النصارى الذين (اتَّخَذُوَ أْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوْا إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَاحِدًاً لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ سُبْحَنَهُعَمَّا يُشْرِكُونَ ) ومن جنس الذين قال فيهم: ١٤٥ ( قُلِ أَدْعُوْلَّذِينَ زَعَمْتُممِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْأَقْرَبُ وَبَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ, إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) وقد قال تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ اُلْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّيَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَّالِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنَ كُونُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْالْمَئِكَةَ وَالنَّبِنَ أَرْبَابًا أَيَأْ مُرَّكُمْ بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنْتُ مُسْلِمُونَ ) . وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع . فصل وكذلك النذر للقبور أو لأحد من أهل القبور : كالنذر لإبراهيم الخليل ، أو للشيخ فلان أو فلان ، أو لبعض أهل البيت ، أو غيرم: نذر معصية ، لا يجب الوفاء به باتفاق أئمة الدين ؛ بل ولا يجوز الوفاء به ، فإنه قد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ء (( من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)) وفى السنن عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)) فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يبنى على القبور المساجد، ويسرج فيها السرج : ١٤٦ كالقناديل والشمع وغير ذلك. وإذا كان هذا ملعونا فالذى يضع فيها قناديل الذهب والفضة وشمعدان الذهب والفضة ويضعها عند القبور أولى باللعنة. فمن نذر زيتا أو شمعا، أو ذهبا، أو فضة، أو سترا، أو غير ذلك، ليجعل عند قبر نبي من الأنبياء ، أو بعض الصحابة ، أو القرابة ، أو المشايخ : فهو نذر معصية ، لا يجوز الوفاء به وهل عليه كفارة يمين؟ فيه قولان للعلماء . وإن تصدق بما نذره على من يستحق ذلك من أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم من الفقراء الصالحين كان خيرا له عند الله وأنفع له؛ فإن هذا عمل صالح ينيبه اللّه عليه، فإن الله يجزى المتصدقين ، ولا يضيع أجر المحسنين. والمتصدق يتصدق لوجه الله ولا يطلب اجره من المخلوقين ، بل من الله تعالى، كما قال تعالى: ء ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى * الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُرَ * إِلَّا أَبْشِغَاءَ وَجْهِرَيِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ بَرْضَى) وقال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَقْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثْلِ جَنَّةِ بِرَبُوَةٍ ) الآية ، وقال عن عباده الصالحين: ( إِنَّا تُطِعِمُكُوْلِوَجْهِ اللهِلَا تُرِدُ مِنْكُمْ جَزَاءُوَلَا شُكُورًا ). ولهذا لا ينبغى لأحد أن يسأل بغير الله : مثل الذي يقول: كرامة لأبى بكر ، ولعلي، أوللشيخ فلان؛ أو الشيخ فلان ؛ بل لا يعطي إلا من سأل ١٤٧ الله، وليس لأحد أن يسأل لغير الله، فإن إخلاص الدين لله واجب فى جميع العبادات البدنية والمالية: كالصلاة ، والصدقة ، والصيام، والحج فلا يصلح الركوع والسجود إلا اللّه، ولا الصيام إلا لله، ولا الحج إلا إلى بيت الله، ولا الدعاء إلا الله: قال تعالى: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) وقال تعالى: ( وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ) وقال تعالى: (تَنزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِالْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ). وهذا هو أصل الإسلام ، وهو أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: (فَ كَانَيَرْجُواْ لِقََّرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِبِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدَأْ) وقال تعالى: (ِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمُ قال : الفضيل بن عياض : أخلصه وأصوبه أَحْسَنُ عَمَلًا ) قالوا : يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه ؟ قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة والكتاب . ء هذا كله لأن دين الله بلغه عنه رسوله . فلا حرام إلا ما حرمه الله ، ولا دين إلا ما شرعه الله. والله تعالى فم المشركين لأنهم شرعوا ١٤٨ فى الدين ما لم يأذن به الله فخرموا أشياء لم يحرمها الله: كالبحيرة. والسائبة، والوصيلة، والحام . وشرعوا دينا لم يأذن به الله. كدعاء غيره وعبادته ، والرهبانية التى ابتدعها النصارى . والإسلام دين الرسل كلهم أولهم وآخرهم ، وكلهم بعثوا بالإسلام كما قال نوح عليه السلام: (يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبِرُ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمَْكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّلَا يَكُنْ أَمْرُّكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) وقال تعالى: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ. وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَِّحِينَ * إِذْقَالَ لَهُرَبُّهُوَأَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ * وَوَصَّى بِهَآ إَِهِمُ بَنِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّاللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ) وقال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى ◌َقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنْثُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُوْاْإِنَ كُمُسْلِمِينَ ) وقال تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْكِنَ أَنْ ءَامِنُواْبِى وَبِرَسُولِ قَالُواْءَامَنَا وَأَشْهَدْ يِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ). وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد)) فدين الرسل كلهم دين واحد ، وهو دين الإسلام ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما أمر به وشرعه ١٤٩ كما قال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الّذِينِ مَا وَصََّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَاوَصَيْنَابِهِ، إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْفِيْهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) وإنما يتنوع فى هذا الدين الشرعة والمنهاج، كما قال: (لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) ، كما تتنوع شريعة الرسول الواحد. فقد كان الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم فى أول الإسلام أن يصلي إلى بيت المقدس ، ثم أمره فى السنة الثانية من الهجرة أن يصلي إلى الكعبة البيت الحرام ، وهذا فى وقته كان من دين الإسلام ، وكذلك شريعة التوراة في وقتها كانت من دين الإسلام ، وشريعة الإنجيل فى وقته كانت من دين الإسلام ، ومن آمن بالتوراة ثم كذب بالإنجيل خرج من دين الإسلام وكان كافرا ، وكذلك من آمن بالكتابين المتقدمين وكذب بالقرآن كان كافرا خارجا من دين الإسلام ، فإن دين الإسلام يتضمن الإيمان بجميع الكتب وجميع الرسل، كما قال تعالى: (قُولُوَاْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوْتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَتَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) الآية . ١٥٠ ما قول السادة العلماء أئمة الدين فى من ينزل به حاجة من أمر الدنيا أو الآخرة ، ثم يأتى قبر بعض الأنبياء أو غيره من الصلحاء، ثم يدعو عنده فى كشف كربته. فهل ذلك سنة أم بدعة ؟ وهل هو مشروع أم لا ؟ فإن كان ما هو مشروع فقد تقضى حوائجهم بعض الأوقات فهل يسوغ لهم أن يفعلوا ذلك ؟ وما العلة فى قضاء حوائجهم ؟ أفتونا . فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله: الحمد لله رب العالمين. ليس ذلك سنة؛ بل هو بدعة، لميفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه. ولا من أئمة الدين الذين يقتدى بهم المسلمون فى دينهم ، ولا أمر بذلك ولا استحبه : لا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، ولا أئمة الدين؛ بل لا يعرف هذا عن أحد من أهل العلم والدين من القرون المفضلة التى أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم : من الصحابة والتابعين وتابعيهم ، لا من أهل الحجاز ، ولا من اليمن ، ولا الشام ، ولا العراق، ولا مصر، ولا المغرب، ولا خراسان؛ وإنما أحدث بعد ذلك . ١٥١ ومعلوم أن كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء ، الذين يقتدى بهم المسلمون في دينهم ، فإنه يكون من البدع المنكرات ، ولا يقول أحد فى مثل هذا إنه بدعة حسنة؛ إذ البدعة الحسنة - عند من بقسم البدع إلى حسنة ، وسيئة - لا بد أن يستحبها أحد من أهل العلم الذين يقتدى بهم، ويقوم دليل شرعى على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (كل بدعة ضلالة)) ويقول قول عمر فى التراويح: ((نعمت البدعة هذه)) إنما أسماها بدعة: باعتبار وضع اللغة . فالبدعة في الشرع عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعى على استحبابه. ومآل القولين واحد؛ إذ م متفقون على أن ما لم يستحب أو يجب من الشرع فليس بواجب ولا مستحب ؛ فمن اتخذ عملا من الأعمال عبادة وديناً وليس ذلك فى الشريعة واجباً ولا مستحبا فهو ضال باتفاق المسلمين . وقصد القبور لأجل الدعاء عندها ، رجاء الإجابة : هو من هذا الباب ، فإنه ليس من الشريعة : لا واجباً، ولا مستحباً ؛ فلا يكون دينا ولا حسنا، ولا طاعة لله، ولا مما يحبه الله ويرضاه، ولا يكون عملا صالحاً ، ولا قربة ، ومن جعله من هذا الباب فهو ضال باتفاق المسلمين . ١٥٢ ولهذا: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بهم الشدائد ، وأرادوا دماء الله لكشف الضر، أو طلب الرحمة : لا يقصدون شيئاً من القبور ، لا قبور الأنبياء ولا غير الأنبياء ، حتى إنهم لم يكونوا يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل قد ثبت فى ((صحيح البخاري)) عن أنس : أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، قال: اللهم إنا كنا تتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون . وفى صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبى طالب : تمال اليتامى عصمة للأرامل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه وفيه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبى صلى الله عليه وسلم، يستسقى فما ينزل حتی یجیش له ميزاب : ثمال اليتامى عصمة للأرامل وأبيض بستسقى الغمام بوجهه وهو قول أبى طالب وكذلك معاوية بالشام استسقوا بيزيد بن الأسود الجرشي. وكانوا فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم، يأتون إليه ويطلبون ١٥٣ منه الدعاء ، يتوسلون به ، ويستشفعون به إلى الله ؛ كما أن الخلائق يوم القيامة يأتون إليه يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، ثم لما مات وأصابهم الجدب عام الرمادة فى خلافة عمر ، وكانت شدة عظيمة ، أخذوا العباس فتوسلوا به ، واستسقوا به بدلا عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ولم يأتوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعون عنده، ولا استسقوا به ولا توسلوا به . وكذلك في الشام لم يذهبوا إلى ما فيها من القبور؛ بل استسقوا بمن فيهم من الصالحين ومعلوم أنه لو كان الدعاء عند القبور والتوسل بالأموات مما يستحب لهم لكان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من التوسل بالعباس وغيره. وقد كانوا يستسقون على (( ثلاثة أوجه)» تارة: يدعون عقب الصلوات . ونارة : يخرجون إلى المصلى فيدعون من غير صلاة ، ونارة يصلون ويدعون ، والوجهان الأولان مشروعان باتفاق الأمة . والوجه الثالث مشروع عند الجمهور: كمالك ، والشافعي ، وأحمد . ولم يعرفه أبو حنيفة . وقد أمروا فى الاستسقاء بأن يستسقوا بأهل الصلاح : لا سيما بأقارب النبى صلى الله عليه وسلم، كما فعل الصحابة. وأمروا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه. ولم يأمر أحد منهم بالاستسقاء عندشيء من قبور الأنبياء ، ولا غير الأنبياء ، ولا الاستعانة ١٥٤ بميت والتوسل به ، ونحو ذلك مما يظنه بعض الناس دينا وقربة . وهذا فيه دلالة للمؤمن على أن هذه محدثات لم تكن عند الصحابة من المعروف بل من المنكر . فصل وهذا كاف لو لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من النهي ما يدل على النهي عن ذلك ؛ كيف وسنته المتواترة تدل على النهي عن ذلك . مثلما في الصحيحين عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ولولا ذلك أبرز قبره ؛ غير أنه خَشِيَ ، - أو خشيَ - أن يتخذ مسجداً. وهذا بعض ألفاظ البخاري ، وفى الصحيحين أيضاً عن عائشة قالت: لما كان مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة . يقال لها ((مارية)) وذكرن من حسنها ، وتصاوير فيها ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: ((إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند اللّه)). ١٥٥ وهذا المعنى مستفيض عنه في الصحاح والسنن والمسانيد من غير وجه . وفى صحيح مسلم عن جندب : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يموت بخمس: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور - أو قال - قبور أنبيائهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك)، وفيه: ((لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله)) وهذا المعنى فى الصحيحين من وجوه ، وفيه: ((لا يبقين فى المسجد خوخة إلا سدت؛ إلا خوخة أبي بكر. بين هذين الأمرين اللذين تواترا عنه ، وجمع بينهما قبل موته بخمسة أيام: من ذكر فضل أبى بكر الصديق ، ومن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد فيها حسم مادة الشرك التى أفسد بها الدين ، وظهر بها دين المشركين . فإن الله قال فى كتابه عن قوم نوح : (وَقَالُوْلَ نَذَرُنَّءَ الِهَتَّكُمْ وَلَنَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْأَضَلُّواْ كَثِيرًا ) . وقد روى البخاري فى صحيحه بإسناده عن ابن عباس قال : صارت الأوثان التى كانت فى قوم نوح في العرب تعبد ؛ أما ( ود ) : فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما (سواع ) : فكانت لهذيل ، وأما ( يغوث ) : فكانت لمراد ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما ( يعوق ) : فكانت لهمدان ، وأما ( نسر ): فكانت لمير لآل ذي ١٥٦ الكلاع ؛ وكانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا : أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التى كانوا يجلسون فيها أنصاباً ، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت . وقد ذكر قريباً من هذا المعنى طوائف من السلف ، فى (( كتب التفسير)). و((قصص الأنبياء)) وغيرها : أن هؤلاء كانوا قوما صالحين . ثم منهم من ذكر أنهم كانوا يعكفون على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ، ومنهم من ذكر أنهم كانوا يصحبون تماثيلهم معهم فى السفر يدعون عندها ، ولا يعبدونها ، ثم بعد ذلك : عبدت الأوثان . ولهذا : جمع النبي صلى الله عليه وسلم: بين القبور والصور؛ في غير حديث ، كما فى صحيح مسلم، عن أبى الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبى طالب : ألا أبشك على ما بعثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (( أمرنى أن لا أدع قبراً مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته)). فأمره بمحو الصور، وتسوية القبور، كما قال فى الحديث الآخر الصحيح: ((إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك التصاوير ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)). والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فى النهي عن اتخاذ ١٥٧ القبور مساجد، والصلاة فى المقبرة : كثيرة جداً ، مثل ما فى الصحيحين والسنن ، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وعن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ، ومن يتخذ القبور مساجد)) رواه أحمد في المسند ، وأبو حاتم بن حبان فى صحيحه . وعن ابن عباس قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور . والمتخذين عليها المساجد والسرج)) رواه أحمد فى المسند وأهل السنن الأربعة وأبو حاتم بن حبان فى صحيحه . وروى أيضا فى صحيحه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله من اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وفى الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا من صلاتكم فى بيوتكم ولا تتخذوها قبورا)). وفى صحيح مسلم عن أبى مرثد الغنوي: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)). وعن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: ((الصلاة فى المقبرة)) رواه أبو حاتم فى صحيحه، وروى أيضا عن أنس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى بين القبور )) وعن أبى سعيد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ١٥٨ ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) رواه أحمد وأهل الكتب الأربعة ، وابن حبان في صحيحه . وقال الترمذي : فيه اضطراب ؛ لأن سفيان الثوري أرسله ؛ لكن غير الترمذي جزم بصحته ، لأن غيره من الثقات أسندوه وقد صححه ابن حزم أيضاً . وفى سنن أبى داود عن علي قال : (( إن خليلي نهانى أن أصلي فى المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل)). والآثار فى ذلك كثيرة جداً . وقد ظن طائفة من أهل العلم أن الصلاة فى المقبرة نهى عنها من أجل النجاسة ؛ لاختلاط تربتها بصديد الموتى، ولحومهم ، وهؤلاء قد يفرقون بين المقبرة الجديدة . والقديمة ، وبين أن يكون هناك حائل أو لا يكون . والتعليل بهذا ليس مذكوراً فى الحديث، ولم يدل عليه الحديث لا نصا ولا ظاهراً، وإنما هي علة ظنوها ، والعلة الصحيحة عند غيرهم ما ذكره غير واحد من العلماء من السلف والخلف فى زمن مالك والشافعي وأحمد وغيرم: إنما هو ما فى ذلك من التشبه بالمشركين، وأن تصير ذريعة إلى الشرك ؛ ولهذا نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. وقال: ((إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير)). وقال: (( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد » ونهى عن الصلاة إليها . ١٥٩ ومعلوم أن النهي لو لم يكن إلا لأجل النجاسة . فمقابر الأنبياء لا تنتن ، بل الأنبياء لا يبلون ، وتراب قبورم طاهر ، والنجاسة أمام المصلى لا تبطل صلاته ، والذين كانوا يتخذون القبور مساجد كانوا يفرشون عند القبور المفارش الطاهرة فلا يلاقون النجاسة ، ومع أن الذين يعللون بالنجاسة لا ينفون هذه العلة ؛ بل قد ذكر الشافعي وغيره النهي عن اتخاذ المساجد على القبور ، وعلل ذلك بخشية التشبه بذلك . وقد نص على النهي عن بناء المساجد على القبور غير واحد من علماء المذاهب ؛ من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ، ومن فقهاء الكوفة أيضاً ، وصرح غير واحد منهم بتحريم ذلك ، وهذا لا ريب فيه بعد لعن النبي صلى الله عليه وسلم ومبالغته في النهي عن ذلك . واتخاذها مساجد يتناول شيئين: أن يبنى عليها مسجد ، أو يصلى عندها من غير بناء، وهو الذي خافه هو ، وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزاً : خافوا أن يصلى عنده فيتخذ قبره مسجداً . وفي موطأ مالك عنه أنه قال: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا بعبد )) روى ذلك مسنداً ومرسلا وفى سنن أبى داود أنه قال: (( لا نتخذوا قبري عيداً. وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى ». وما يرويه بعض الناس أنه صلى الله عليه وسلم صلى بمسجد الخليل ، أو صلى عند قبر الخليل ، فإن هذا الحديث غير ثابت عند ١٦٠