Indexed OCR Text
Pages 1-20
مِنْصَ فِيَّاوَى شيخ الإسلام أحمَد بن تيميّة ((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ)) جَمْعْ وَتَرَتیبُ عَبَدِ الرَّحَمِن ◌ْ مُحَمَّد بْقَاسْم «رَحَمَةُ الَه) وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللَّه)» المجلّد السابع والعشرون طُبعَ بِأمْر خَادِ مُالجرّهَيْ الشَّرِفَيْن الملِكِ فَهْدِبْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُون أجْزَل اللَّهَ مَتُوبِتَه طبعَت هذه الفتَّاوى في مُجَمَعْ لِلَلِكِ فَهْدِ لُطبَاعَةِ المُنَِّ الشَّرِيف في المدينة المنوّرة تحت إشراف وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالْأَوْقَافِ وَاللَّعْوَةَ وَالإِرْشَادِ بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م ٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه . ٥٢٨ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة) ٨-٤٧-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٧ ) أ - العنوان ١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي ١٥/٢٠٠٩ ديوي ٢٥٨٫٤ رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩ ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) ٨-٤٧- ٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٧ ) كتب الفقة "" الجزء السابع الزيارة x قال شيخ الإسلام رحمه الله: بِسمِاللهِالرَّحِ الرَّحَمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً. فصل فى ((زيارة بيت المقدس)) ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا ، وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد وأبى هريرة، وقد روى من طرق أخرى، وهو حديث مستفيض ٥ متلقى بالقبول ، أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول والتصديق . وانفق علماء المسلمين على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه : كالصلاة . والدعاء ، والذكر ، وقراءة القرآن ، والاعتكاف وقد روى من حديث رواه الحاكم في صحيحه ((أن سليمان عليه السلام سأل ربه ثلاثا : ملكا لا ينبغى لأحد من بعده ، وسأله حكما يوافق حكمه ، وسأله أنه لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له )) ولهذا كان ابن عمر رضى الله عنه يأتى إليه فيصلى فيه ولا يشرب فيه ماء لتصيبه دعوة سليمان لقوله (( لا يريد إلا الصلاة فيه)) فإن هذا يقتضي إخلاص النية في السفر إليه ، ولا يأتيه لغرض دنيوي ولا بدعة . وتنازع العلماء فيمن نذر السفر إليه فى الصلاة فيه أو الاعتكاف فيه هل يجب عليه الوفاء بنذره ؟ على قولين مشهورين ، وهما قولان للشافعي . أحدهما : يجب الوفاء بهذا النذر وهو قول الأكثرين: مثل مالك، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما . والثانى: لا يجب ، وهو قول أبي حنيفة ، فإن من أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان جنسه واجباً بالشرع ، فلهذا يوجب نذر ٦ الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة ، فإن جنسها واجب بالشرع ولا يوجب نذر الاعتكاف، فإن الاعتكاف لا يصح عنده إلا بصوم ، وهو مذهب مالك وأحمد فى إحدى الروايتين عنه . وأما الأكثرون فيحتجون بما رواه البخاري فى صحيحه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من نذر أن يطيع الله فليطعه. ومن نذر أن يعصى الله فلا بعصه)) فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر لكل من نذر أن يطيع اللّه، ولم يشترط أن تكون الطاعة من جنس الواجب بالشرع، وهذا القول أصح. وهكذا النزاع لو نذر السفر إلى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم ، مع أنه أفضل من المسجد الأقصى ، وأما لو نذر إنيان المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه الوفاء بنذره باتفاق العلماء . والمسجد الحرام أفضل المساجد ، ويليه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويليه المسجد الأقصى ، وقد ثبت فى الصحيحين عن النى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)). والذي عليه جمهور العلماء أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل منها فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم، وقد روى أحمد والنسائى وغيرهما ٧ عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( أن الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)) وأما فى المسجد الأقصى فقد روى (( أنها بخمسين صلاة)) وقيل ((بخمسمائة صلاة)) وهو أشبه . ولو نذر السفر إلى ((قبر الخليل عليه السلام)) أو قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى ((الطور)) الذى كلم الله عليه موسى عليه السلام أو إلى ((جبل حراء)» الذى كان النى صلى الله عليه وسلم يتعبد فيه وجاءه الوحى فيه ، أو الغار المذكور فى القرآن ، وغير ذلك من المقابر والمقامات والمشاهد المضافة إلى بعض الأنبياء والمشايخ ، أو إلى بعض المغارات ، أو الجبال : لم يجب الوفاء بهذا النذر . باتفاق الأئمة الأربعة فإن السفر إلى هذه المواضع منهي عنه ؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) فإذا كانت المساجد التى هي من بيوت الله التى أمر فيها بالصلوات الخمس قد نهي عن السفر إليها - حتى مسجد قباء الذى يستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب إليه لما ثبت فى الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كان بأبى قباء كل سبت راكباً وماشياً)) وروى الترمذى وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( من تطهر فى بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه: كان له كعمرة)، قال الترمذى حديث حسن صحيح . ٨ فإذا كان مثل هذا ينهى عن السفر إليه ، وينهى عن السفر إلى الطور المذكور في القرآن، وكما ذكر مالك المواضع التى لم تبن للصلوات الخمس ؛ بل ينهى عن اتخاذها مساجد ، فقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى مرض موته ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد ، يحذر ما فعلوا ، قالت عائشة ولو لا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً. وفى صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ! فإني أنهاكم عن ذلك )) ولهذا لم يكن الصحابة يسافرون إلى شيء من مشاهد الأنبياء لا مشهد إبراهيم الخليل عليه السلام ولا غيره، والنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج صلى فى بيت المقدس ركعتين كما ثبت ذلك فى الحديث الصحيح ولم يصل فى غيره ، وأما ما يرويه بعض الناس من حديث المعراج ((أنه صلى فى المدينة ، وصلى عند قبر موسى عليه السلام، وصلى عند قبر الخليل ، فكل هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة . وقد رخص بعض المتأخرين فى السفر إلى المشاهد ولم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة ولا احتجوا بحجة شرعية . ۔ ٩ فصل والعبادات المشروعة فى المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في مسجد النى صلى الله عليه وسلم وغيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام ، فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد الطواف بالكعبة ، واستلام الركنين اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود ، وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى وسائر المساجد فليس فيها ما يطاف به ، ولا فيها ما يتمسح به ، ولا ما يقبل. فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبى صلى الله عليه وسلم . ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين ، ولا بصخرة بيت المقدس ، ولا بغير هؤلاء : كالقبة التى فوق جبل عرفات وأمثالها؛ بل ليس فى الأرض مكان يطاف به كما يطاق بالكعبة. ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة إلى المدينة صلى بالمسلمين ثمانية عشر شهراً إلى بيت المقدس، فكانت قبلة المسلمين هذه المدة ، ثم إن الله حول القبلة إلى الكعبة وأنزل الله فى ذلك القرآن ١٠ كما ذكر فى ((سورة البقرة)) وصلى النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى الكعبة ، وصارت هي القبلة، وهي قبلة إبراهيم وغيره من الأنبياء . فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلى إليها فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل ؛ مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك ، فكيف بمن يتخذها مكاناً يطاف به كما يطاف بالكعبة ؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنما أو بقراً ليذبحها هناك ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل ، وأن يحلق فيها شعره فى العيد ، أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة. فهذه الأمور التى يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع والضلالات ، ومن فعل شيئا من ذلك معتقداً أن هذا قربة إلى الله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، كما لو صلى إلى الصخرة معتقداً أن استقبالها فى الصلاة قربة كاستقبال الكعبة ؛ ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين فى مقدم المسجد الأقصى . فإن «المسجد الأقصى ، اسم لجميع المسجد الذى بناه سليمان عليه السلام، وقد صار بعض الناس يسمى الأقصى المصلى الذى بناء عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى مقدمه، والصلاة فى هذا المصلى الذى بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة فى سائر المسجد ؛ فإن عمر بن الخطاب لما ١١ فتح بيت المقدس وكان على الصخرة زبالة عظيمة ، لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذين يصلون إليها ، فأمر عمر رضى الله عنه بإزالة النجاسة عنها، وقال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبنى مصلى المسلمين ؟ فقال : خلف الصخرة ، فقال : يا ابن اليهودية ! خالطتك يهودية بل أبنيه أمامها ؛ فإن لنا صدور المساجد ولهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة فى المصلى الذى بناء عمر ، وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه صلى فى محراب داود . وأما ((الصخرة)) فلم يصل عندها عمر رضى الله عنه، ولا الصحابة ولا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة ، بل كانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي ومعاوية ويزيد ومروان ؛ ولكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام ، ووقع بينه وبين ابن الزبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزبير ، فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزبير فنى القبة على الصخرة ، وكساها فى الشتاء والصيف ، ليرغب الناس فى ((زيارة بيت المقدس)) ويشتغلوا بذلك عن اجتماعهم بابن الزبير ، وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة فإنها قبلة منسوخة ، كما أن يوم السبت كان عيداً في شريعة موسى عليه السلام ثم نسخ فى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بيوم الجمعة ، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة كما تفعل اليهود ١٢ والنصارى ، وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى . وما يذكره بعض الجهال فيها من أن هناك أثر قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وأثر عمامته، وغير ذلك : فكله كذب . وأ كذب منه من يظن أنه موضع قدم الرب ، وكذلك المكان الذى يذكر أنه مهد عيسى عليه السلام كذب ، وإنما كان موضع معمودية النصارى ، وكذا من زعم أن هناك الصراط والميزان ، أو أن السور الذى يضرب به بين الجنة والنار هو ذلك الحائط المبنى شرقى المسجد ، وكذلك تعظيم السلسلة ، أو موضعها ليس مشروعا . فصل وليس فى بيت المقدس مكان بقصد للعبادة سوى المسجد الأقصى . لكن إذا زار قبور الموتى وسلم عليهم وترحم عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه حسن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدم: ((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم)). ١٣ فصل وأما زيارة ((معابد الكفار)) مثل الموضع المسمى ((بالقمامة)) أو ((بيت لحم)) أو ((صهيون)) أو غير ذلك؛ مثل ((كنائس النصارى)) فمنهي عنها . فمن زار مكاناً من هذه الأمكنة معتقداً أن زيارته مستحبة ، والعبادة فيه أفضل من العبادة فى بيته: فهو ضال ، خارج عن شريعة الإسلام ، يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وأما إذا دخلها الإنسان لحاجة وعرضت له الصلاة فيها فللعلماء فيها ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره، قيل : تكره الصلاة فيها مطلقاً، واختاره ابن عقيل ، وهو منقول عن مالك . وقيل : تباح مطلقاً. وقيل : إن كان فيها صور نهى عن الصلاة وإلا فلا ، وهذا منصوص عن أحمد وغيره ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة)) ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان فى الكعبة تماثيل فلم يدخل الكعبة حتى محيت تلك الصور ، والله أعلم . فصل وليس ببيت المقدس مكان يسمى (( حرماً)) ولا بتربة الخليل ، ولا ١٤ بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن : أحدها هو حرم باتفاق المسلمين ، وهو حرم مكة ، شرفها الله تعالى . والثانى حرم عند جمهور العلماء ، وهو حرم النبى صلى الله عليه وسلم من عير إلى ثور ، بريد في بريد؛ فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك ، والشافعى، وأحمد وفيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبى صلى الله عليه وسلم. والثالث ((وج)) وهو واد بالطائف. فإن هذا روى فيه حديث رواه أحمد فى المسند، وليس فى الصحاح، وهذا حرم عند الشافعي ، لاعتقاده صحة الحديث ، وليس حرما عند أكثر العلماء ، وأحمد ضعف الحديث المروى فيه فلم يأخذ به . وأما ما سوى هذه الأماكن الثلاثة فليس حرماً عند أحد من علماء المسلمين، فإن الحرم ما حرم الله صيده ونباته، ولم يحرم الله صيد مكان ونباته خارجاً عن هذه الأماكن الثلاثة. فصل وأما ((زيارة بيت المقدس)) فمشروعة فى جميع الأوقات؛ ولكن لا ينبغي أن يؤتى فى الأوقات التى تقصدها الضلال : مثل وقت عيد النحر ؛ فإن كثيراً من الضلال يسافرون إليه ليقفوا هناك ، والسفر إليه لأجل التعريف به معتقداً أن هذا قربة محرم بلا ريب ، وينبغي أن لا يتشبه بهم، ولا يكثر سوادهم. ١٥ وليس السفر إليه مع الحج قربة . وقول القائل: قدس الله حجتك . قول باطل لا أصل له كما يروى: ((من زارنى وزار أبي في عام واحد ضمنت له الجنة )) فإن هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، بل وكذلك كل حديث يروى فى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ضعيف بل موضوع، ولم يرو أهل الصحاح والسنن والمسانيد كمسند أحمد وغيره من ذلك شيئا ؛ ولكن الذى فى السنن ما رواه أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)، فهو يرد السلام على من سلم عليه عند قبره ، ويبلغ سلام من سلم عليه من البعيد ، كما في النسائى عنه أنه قال: ((إن اللّه وكل بقبرى ملائكة يبلغوني عن أمتى السلام)) وفى السنن عنه أنه قال: (( أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي ، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء)) فبين ملى الله عليه وسلم أن الصلاة والسلام توصل إليه من البعيد. والله قد أمرنا أن نصلي عليه ونسلم. وثبت فى الصحيح أنه قال: ((من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا )) صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا . ١٦ فصل وأما السفر إلى ((عسقلان)) فى هذه الأوقات فليس مشروعا ، لا واجبا ، ولا مستحبا ؛ ولكن عسقلان كان لسكناها وقصدها فضيلة لما كانت ثغرا للمسلمين يقيم بها المرابطون في سبيل الله، فإنه قد ثبت فى صحيح مسلم عن سلمان عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطاً مات مجاهدا ، وأجرى عليه عمله ، وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتان)) وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة فى سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود . وكان أهل الخير والدين يقصدون ثغور المسلمين للرباط فيها . ثغور الشام: كعسقلان ، وعكة وطرسوس ، وجبل لبنان ، وغيرها . وثغور مصر : كالاسكندرية وغيرها وثغور العراق : كعبادان وغيرها. فما خرب من هذه البقاع ولم يبق بيوتا كعسقلان لم يكن ثغوراً ولا فى السفر إليه فضيلة، وكذلك جبل لبنان وأمثاله من الجبال لا يستحب السفر إليه، وليس فيه أحد من الصالحين المتبعين لشريعة الإسلام، ولكن فيه كثير من الجن، وم ((رجال الغيب)) الذين يرون أحيانا في هذه البقاع، قال تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ ١٧ وكذلك الذين يرون يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا) الخضر أحيانا هو جنى رأوه، وقد رآء غير واحد ممن أعرفه ، وقال إنني الخضر، وكان ذلك جنيا ليس على المسلمين الذين رأوه ؛ وإلا فالخضر الذى كان مع موسى عليه السلام مات ، ولو كان حيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب عليه أن يأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به ويجاهد معه؛ فإن الله فرض على كل أحد أدرك محمداً - ولوكان من الأنبياء - أن يؤمنوا به ويجاهدوا معه ، كما قال الله تعالى: ( وَإِذْأَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآءَ اتَيْتُكُمْ مِّن كِتَدٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ) قال ابن عباس رضى الله عنه لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن بأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وثم أحياء ليؤمنن به ولينصرفه. ولم يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر،، ولا أنه أتى إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فإن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدرا من أن يلبس الشيطان عليهم ؛ ولكن ليس على كثير ممن بعدم، فصار يتمثل لأحدم فى صورة النبى، ويقول : أنا الخضر وإنما هو شيطان، كما أن كثيراً من الناس يرى ميته خرج وجاء إليه وكلمه فى أمور وقضى حوائج فيظنه الميت نفسه ، وإنما هو شيطان تصور بصورته ، وكثير من الناس يستغيث بمخلوق إما نصرانى كجرجس، أو غير ١٨ نصرانى ، فيراه قد جاءه ، وربما يكلمه ، وإنما هو شيطان تصور بصورة ذلك المستغاث به لما أشرك به المستغيث تصور له ، كما كانت الشياطين تدخل فى الأصنام وتكلم الناس ، ومثل هذا موجود كثير فى هذه الأزمان فى كثير من البلاد ، ومن هؤلاء من تحمله الشياطين فتطير به في الهواء إلى مكان بعيد ، ومنهم من محمله إلى عرفة فلا يحج حجا شرعياً، ولا يحرم ولا يلبى ولا يطوف ولا يسعى ؛ ولكن يقف بثيابه مع الناس، ثم يحملونه إلى بلده. وهذا من تلاعب الشياطين بكثير من الناس ، كما قد بسط الكلام في غير هذا الموضع. والله أعلم بالصواب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . ١٩ وسئل رحم الله عن زيارة ((القدس)) و ((قبر الخليل عليه السلام)» وما في أكل الخبز والعدس من البركة ، ونقله من بلد إلى بلد للبركة ، وما فى ذلك من السنة والبدعة . فأجاب: الحمد لله . أما السفر إلى بيت المقدس للصلاة فيه، والاعتكاف أو القراءة أو الذكر ، أو الدعاء : فمشروع مستحب، باتفاق علماء المسلمين . وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبى سعيد أنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا )). والمسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه. وفى الصحيحين عنه أنه قال: ((صلاة فى مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ). وأما السفر إلى مجرد زيارة ((قبر الخليل)، أو غيره من مقار الأنبياء والصالحين ومشاهدهم وآثارثم فلم يستحبه أحد من أئمة المسلمين ، لا الأربعة ولا غيرم ؛ بل لو نذر ذلك نافر لم يجب عليه الوفاء بهذا ٢٠