Indexed OCR Text

Pages 261-280

فسقوطه عن المفرد للحج أولى ، وهو قول أبى حنيفة .
ومنهم من يقول جعلها رافضة للعمرة ، وهذا قول مالك ، والشافعي
وأحمد ، لكن تنازعوا فى سقوطه عن غير المعذور ، فعلى القولين ، فهو
يدل على أنها لو كانت مفردة أو قارنة كان سقوط طواف القدوم عنها
إذا كانت حائضا أولى من العمرة وطوافها .
وهذا بخلاف طواف الإفاضة ، فإنه لما قيل إن صفية بنت حيي
قد حاضت: ((قال عقرى حلقى ، أحابستنا هي ؟ فقيل له : إنها قد
أفاضت، قال: فلا إذاً)).
وهذا كما أنه قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ينفر أحد
حتى يكون آخر عهده بالبيت ، وهو طواف الوداع ، ورخص للحائض
أن تنفر قبل الوداع . وما سقط بالعذر على أنه ليس من أركان الحج
الذي لابد منها ، ولهذا لم يكن على أهل مكة طواف قدوم ، ولا
طواف وداع ، لانتفاء معنى ذلك فى حقهم ، فإنهم ليسوا بقادمين إليها
ولا مودعين لها ، ما داموا فيها . فظهر أن الحج الذي أصله التعريف
للطواف بعد ذلك مشروع لوجود حقيقته فيهم .
وأما العمرة : فإن جماعها الطواف بالبيت ، وبين الصفا والمروة ،
وذلك من نفس الحرم ، وهو فى الحرم دائماً . والطواف بين الصفا
٢٦١

والمروة تابع فى العمرة ، ولهذا لا يفعل إلا بعد الطواف ، ولا يتكرر
فعله لا في حج ولا عمرة . فالمقصود الأكبر من العمرة هو الطواف
وذلك يمكن أهل مكة بلا خروج من الحرم ، فلا حاجة إلى الخروج
منه، ولأن الطواف والعكوف هو المقصود بالقادم إلى مكة ، وأهل مكة
متمكنون من ذلك ، ومن كان متمكناً من المقصود بلا وسيلة لم يؤمر أن
يترك المقصود، ويشتغل بالوسيلة .
وأيضاً فمن المعلوم أن مشي الماشي حول البيت طائفا، هو العبادة
المقصودة ، وأن مشيه من الحل هو وسيلة إلى ذلك وطريق ، فمن ترك
المشي من هذا المقصود الذي هو العبادة ، واشتغل بالوسيلة ، فهو ضال
جاهل بحقيقة الدين ، وهو أشر من جهل من كان مجاوراً للمسجد يوم
الجمعة يمكنه التبكير إلى المسجد ، والصلاة فيه ، فذهب إلى مكان
بعيد ليقصد المسجد منه ، وفوت على نفسه ما يمكن فعله في المسجد من
الصلاة المقصودة .
يبين ذلك أن الاعتمار افتعال: من عمر يعمر ، والاسم فيه
«العمرة)) قال تعالى: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ ) وقال تعالى:
أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) . وعمارة المساجد إنما
)
هي بالعبادة فيها ، وقصدها لذلك ، كما قال النى صلى الله عليه وسلم:
(( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان)) لأن الله يقول:
٢٦٢

(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ
والمقيم بالبيت أحق بمعنى العمارة من القاصد
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ) .
له ، ولهذا قيل : العمرة هي الزيارة لأن المعتمر لابد أن يدخل من
الحل ، وذلك هو الزيارة . وأما الأولى فيقال لها عمارة ، ولفظ عمارة
أحسن من لفظ عمرة ، وزيادة اللفظ يكون لزيادة المعنى .
ولهذا ثبت في الصحيح أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: ((لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر
المسجد الحرام ، وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا
أن أسقي الحجيج، فقال علي : الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتم .
فقال عمر: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم،
فإذا قضيت الجمعة إن شاء اللّه دخلت عليه، فسألته ، فأنزل الله تعالى:
أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) الآية.
)
وإذا كان كذلك فالمقيم فى البيت طائفا فيه ، وعامراً له بالعبادة ،
قد أتى بما هو أكمل من معنى المعتمر ، واتى بالمقصود بالعمرة ، فلا
يستحب له ترك ذلك بخروجه عن عمارة المسجد ، ليصير بعد ذلك عامراً
له ؛ لأنه استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .
٢٦٣

فصل
وهذا الذي ذكرناه مما يدل على أن الطواف أفضل ، فهو يدل
على أن الاعتمار من مكة وترك الطواف ليس بمستحب ؛ بل المستحب
هو الطواف دون الاعتمار ؛ بل الاعتمار فيه حينئذ هو بدعة ، لم يفعله
السلف ، ولم يؤمر بها في الكتاب والسنة ، ولا قام دليل شرعي على
استحبابها وما كان كذلك فهو من البدع المكروهة باتفاق العلماء .
ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك ، فروى سعيد فى سننه
عن طاوس أجل أصحاب ابن عباس ، قال : الذين يعتمرون من التنعيم
ما أدري أيؤجرون عليها أم يعذبون ؟ قيل : فلم يعذبون ؟ قال :
لأنه بدع الطواف بالبيت، ويخرج إلى أربعة أميال ويجيء . وإلى أن
يجىء من أربعة أميال قد طاف مائى طواف، وكلما طاف بالبيت كان
أفضل من أن يمشي فى غير شيء .
قال أبو طالب : قيل : لأحمد بن حنبل. ما تقول فى عمرة المحرم؟
فقال أي شيء فيها ؟ العمرة عندي التى تعمد لها من منزلك. قال الله:
٢٦٤

وَأَتِقُوْ اْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) وقالت عائشة: إنما العمرة على قدره؛ يعنى
)
على قدر النصب والنفقة . وذكر حديث علي وعمر : إنما إتمامها أن
تحرم بها من دويرة أهلك .
قال أبو طالب : قلت لأحمد ، قال طاوس : الذين يعتمرون من
التنعيم لا أدري يؤجرون ؟ أو يعذبون ؟ قيل له : لم يعذبون ؟ قال :
لأنه ترك الطوف بالبيت ، ويخرج إلى أربعة أميال ، ويخرج إلى أن
يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتى طواف، وكلما طاف بالبيت كان
أفضل من أن يمشى فى غير شىء. فقد أقر أحمد قول طاوس هذا
الذي استشهد به أبو طالب لقوله ، رواه أبوبكر فى الشافي .
وذكر عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال : سئل علي وعمر وعائشة
عن العمرة ليلة الحصبة ، فقال عمر : هي خير من لا شيء ، وقال هي
خير من مثقال ذرة ، وقالت عائشة : العمرة على قدر النفقة ؟ وعن
عائشة أيضا قالت : لأن أصوم ثلاثة أيام ، أو أتصدق على عشرة
مساكين ، أحب إلي من أن أعتمر العمرة التى اعتمرت من التنعيم .
وقال طاوس : فمن اعتمر بعد الحج ما أدري أيعذبون عليها ، أم يؤجرون؟
وقال عطاء بن السائب : اعتمرنا بعد الحج ، فعاب ذلك علينا سعيد
ابن جبير .
وقد أجازها آخرون ؛ لكن لم يفعلوها، وعن أم الدرداء أنه سألها
٢٦٥

سائل عن العمرة بعد الحج ، فأمرته بها. وسئل عطاء عن عمرة التنعيم
فقال : هي تامة ومجزئة. وعن القاسم بن محمد قال : عمرة المحرم تامة
وروى عبد الرزاق فى مصنفه: قال أخبرنى من سمع عطاء يقول : طواف
سبع خير لك من سفرك إلى المدينة ، قال : فآتي جدة ، قال : لا
إنما أمرتم بالطواف ، قال : قلت : فأخرج إلى الشجرة ، فأعتمر منها ؟
قال : لا .
قال : وقال بعض العلماء ما زالت قدماي منذ قدمت مكة ، قال
قلت : فالاختلاف أحب إليك من الجواز ، قال : لا ، بل الاختلاف .
قال عبد الرزاق : أخبرنى أبى ، قال: قلت للمثنى : إني أربد أن
آتى المدينة ، قال : لا تفعل ، سمعت عطاء سأله رجل ، فقال له :
طواف سبح بالبيت خير لك من سفرك إلى المدينة .
وروى أبو بكر بن أبى شيبة فى (( المصنف )، حدثنا وكيع عن
سفيان عن أسلم المنقري ، قال : قلت لعطاء : أخرج إلى المدينة ، أهل
بعمرة من ميقات النبى صلى الله عليه وسلم؟ قال : طوافك بالبيت أحب
إلي من سفرك إلى المدينة. وقال : حدثنا وكيع ، ثنا عمر بن زر ، عن
مجاهد ، قال : طوافك بالبيت أحب إلي من سفرك إلى المدينة ، وقال :
حدثنا إسماعيل بن عبد الملك عن عطاء قال : الطواف بالبيت أحب إلي
من الخروج إلى العمرة .
٢٦٦

فصل
وأما كثرة الاعتمار في رمضان للمكى وغيره ، فهنا ثلاث
مسائل مرتبة :
أحدها : الاعتمار فى العام أكثر من مرة ، ثم الاعتمار لغير المكي
ثم كثرة الاعتمار للمكي.
فأما ((كثرة الاعتمار المشروع)): كالذي يقدم من دويرة أهله،
فيحرم من الميقات بعمرة كما كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه
يفعلون ، وهذه من العمرة المشهورة عندهم ، فقد تنازع العلماء هل بكره
أن يعتمر فى السنة أكثر من عمرة واحدة ، فكره ذلك طائفة : منهم
الحسن ، وابن سيرين ، وهو مذهب مالك . وقال إبراهيم النخعي :
ما كانوا يعتمرون فى السنة إلا مرة واحدة ؛ وذلك لأن النبى صلى
الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا يعتمرون إلا عمرة واحدة، لم
يعتمروا في عام مرتين ، فتكره الزيادة على ما فعلوه ، كالإحرام من
فوق الميقات ، وغير ذلك ؛ ولأنه فى كتاب النبى صلى الله عليه وسلم
الذي كتبه لعمرو بن حزم : أن العمرة هي الحج الأصغر ، وقد دل
٢٦٧

القرآن على ذلك بقوله تعالى: (يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ) والحج لا يشرع فى
العام إلا مرة واحدة ، فكذلك العمرة .
ورخص فى ذلك آخرون . منهم من أهل مكة : عطاء ، وطاوس ،
وعكرمة وهو مذهب الشافعي ، وأحمد . وهو المروي عن الصحابة :
كعلي ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأنس، وعائشة ؛ لأن عائشة اعتمرت
فى شهر مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، عمرتها التى كانت مع
الحجة ، والعمرة التى اعتمرتها من التنعيم بأمر النبى صلى الله عليه
وسلم ليلة الحصبة ، التى تلى أيام منى ، وهي ليلة أربعة عشر من ذي
الحجة ، وهذا على قول الجمهور الذين يقولون لم ترفض عمرتها ، وإنما
كانت قارنة .
وأيضاً ففي الصحيحين وغيرهما عن أبى هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور
ليس له جزاء إلا الجنة)) وهذا مع إطلاقه وعمومه ، فإنه يقتضي
الفرق بين العمرة والحج ، إذ لو كانت العمرة لا تفعل في السنة إلا مرة
لكانت كالحج، فكان يقال الحج إلى الحج .
وأيضا : فإنه أقوال الصحابة : روى الشافعي عن علي بن أبي
طالب أنه قال : فى كل شهر مرة ، وعن أنس أنه كان إذا حم رأسه
٢٦٨

خرج فاعتمر، وروى وكيع عن إسرائيل عن سويد بن أبي ناجية عن
أبى جعفر قال : قال علي : اعتمر فى الشهر إن أطقت مراراً . وروى
سعيد بن منصور عن سفيان عن ابن أبى حسين عن بعض ولد أنس :
أن أنساً كان إذا كان بمكة فحمم رأسه خرج إلى التنعيم، واعتمر .
وهذه - والله أعلم - هي عمرة المحرم، فإنهم كانوا يقيمون بمكة
إلى المحرم ، ثم يعتمرون . وهو يقتضى أن العمرة من مكة مشروعة فى
الجملة ، وهذا مما لا نزاع فيه ، والأئمة متفقون على جواز ذلك ، وهو
معنى الحديث المشهور مرسلا : عن ابن سيرين ، قال: ((وقت رسول
الله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة التنعيم)). وقال عكرمة: يعتمر
إذا أمكن الموسى من رأسه ، إن شاء اعتمر فى كل شهر مرتين ، وفى
رواية عنه : اعتمر فى الشهر مراراً .
وأيضاً فإن العمرة ليس لها وقت يفوت به كوقت الحج ، فإذا
كان وقتها مطلقاً فى جميع العام ، لم تشبه الحج فى أنها لا تكون
إلا مرة.
فصل
((المسألة الثانية)): في الإكثار من الاعتمار، والموالاة بينها :
٢٦٩

مثل أن يعتمر من يكون منزله قريباً من الحرم كل يوم، أو كل يومين
أو يعتمر القريب من المواقيت التى بينها وبين مكة يومان : فى الشهر
خمس عمر ، أو ست عمر ، ونحو ذلك . أو يعتمر من يرى العمرة من
مكة كل يوم عمرة ، أو عمرتين ، فهذا مكروه باتفاق سلف الأمة ، لم
يفعله أحد من السلف ، بل اتفقوا على كراهيته ، وهو وإن كان استحبه
طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي ، وأحمد ، فليس معهم فى ذلك
حجة أصلا ، إلا مجرد القياس العام . وهو أن هذا تكثير للعبادات ، أو
التمسك بالعمومات فى فضل العمرة ، ونحو ذلك .
والذين رخصوا فى أكثر من عمرة في الحول ، أكثر ما قالوا :
يعتمر إذا أمكن الموسى من رأسه ، أو فى شهر مرتين ، ونحو ذلك .
وهذا الذى قاله الإمام أحمد . قال أحمد : إذا اعتمر فلا بد من
أن يحلق ، أو يقصر ، وفى عشرة أيام يمكن حلق الرأس .
وهذا الذي قاله الإمام أحمد فعل أنس بن مالك ، الذي رواه
الشافعي: أنه كان إذا حم رأسه خرج فاعتمر . وهذا لأن تمام النسك
الحلق ، أو التقصير ، وهو إما واجب فيه ، أو مستحب . ومن حكى
عن أحمد أو نحوه أنه ليس إلا مباحا لا استحبابا ، فقد غلط . فمدة
نبات الشعر أقصر مدة يمكن فيها إتمام النسك ، ولا ينتقضى هذا بالعمرة
٢٧٠

عقيب الحج من أدنى الحل للمفرد ، فإن ذلك مشروع لضرورة فعل
العمرة ، ومع هذا لم يكن بفعله السلف ، ولا فعله أحد على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل الثابت المنقول بالتواتر في حجة
النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، أنه أمر أصحابه جميعهم إذا طافوا
بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، أن يحلوا من إحرامهم ، ويجعلوها عمرة
إلا من ساق الهدى فإنه لا يحل إلى يوم النجر ، حتى يبلغ الهدي محله ،
وقال: (( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)).
فكانت عمرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وجميع أصحابه بأمره
فى حجة الوداع داخلة في حجهم ، ليس بينهم فرق ، إلا أن أكثرم
- وهم الذين لا هدي معهم ــ حلوا من إحرامهم ، والذين معهم الهدي
أقاموا على إحرامهم ، وكل ذلك كانوا يسمونه تمتعاً بالعمرة إلى الحج ،
كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة ، التى تبين أن القارن متمتح، كما
أن من حل من العمرة ثم حج متمتع .
فمن اعتمر في أشهر الحج، وحج من عامه ، فهو متمتع فى لغة الصحابة
الذين نزل القرآن بلسانهم ، والقارن يكون قارناً إذا أحرم بالعمرة والحج
ابتداء، ويكون قارناً إذا أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف، باتفاق
الأئمة الأربعة وغيرهم، وإذا لم يحل المتمتع من إحرامه لكونه قد ساق الهدي
وأحرم بالحج انعقد إحرامه بالحج، ويسميه بعض الفقهاء من أصحاب أحمد
٢٧١

وغيرم قارناً لعدم وجود التحلل ، وبعضهم يقول لا يسمى قارناً لأن عليه
عندهم سعياً آخر بعد طواف الفرض ، بخلاف القارن .
وهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان ، فقد استحب السعي مرة
ثانية على المتمتع ، وقد نص فى غير موضع على ان المتمتع يكفيه السعي
الأول، كما ثبت فى الصحيح من حديث عائشة وغيرها: ((أن الصحابة
الذين تمتعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يطوفوا بالبيت ، وبين
الصفا والمروة ، إلا مرة واحدة، طوافهم الأول)). ولهذا لما أوجب
الله تعالى فيمن تمتع بالعمرة إلى الحج ما استيسر من الهدي ، كان
واجباً على من أحرم بالحج بعد تحملله من العمرة التى أحرم بها فى أشهر
الحج ، وعلى من قرن العمرة بالحج من حين إحرامه بالحج ، أو في
اثناء إحرامه في الحج .
ولهذا كان من ساق الهدي محرماً بعمرة التمتع ، ولم يحرم بالحج
إلا بعد الطواف والسعي ، قد يسميه - من يفرق بين القرآن ، وبين
التمتع الخاص - قارناً، لكونه أحرم بالحج قبل تحلله من العمرة ، وقد
يسمونه متمتعاً وهو أشهر ، لكونه لم يحرم إلا بعد قضاء العمرة ، وهو
نزاع لفظي لا يختلف به الحكم بحال ، إلا ماذكرنا من وجوب السعي
ثانياً ، وفيمن قد يستحب للمتمتع أن يطوف طواف القدوم بعد رجوعه
من عرفة ، قبل طواف الإفاضة . وهذا وإن كان منقولا عن أحمد
٢٧٢

واختاره طائفة من أصحابه ، فالصواب الذي عليه جماهير العلماء أنه لا
يستحب ؛ لأن الصحابة لم يفعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم،
وهذا هو القول الأخير من مذهب أحمد .
ولهذا كان من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة
إلى الحج ، ومن روى أنه قرن بينهما ، كان كلا الحديثين صوابا . والمعنى
واحد . وكذلك من روى أنه أفرد الحج: كابن عمر ، وعائشة،
وغيرهما؛ لأنهم أرادوا إفراد أعمال الحج ، ولهذا كان هؤلاء الذين
رووا ذلك م الذين رووا أنه أفرد أعمال الحج، فلم يفصل بينهما بتحلل
كما يفعل المتمتع إذا تحلل من عمرته ، ولا كان فى عمله زيادة على عمل
المفرد ؛ بخلاف المتمتع الذي تحلل من إحرامه فإنه فصل بين عمرة تمتعه
وحجه بتحلل .
ولم يعتمر النبى صلى الله عليه وسلم بعد حجته لا هو، ولا أحد
من أصحابه الذين حجوا معه ، إلا عائشة . فهذا متفق عليه بين جميع
ء
الناس ، متواتر تواترا يعرفه جميع العلماء بحجته ، لا يتنازعون انه لم
يعتمر بعد حجته ، لا من أدنى الحل الذي هو التنعيم ، الذي بنيت
به بعد ذلك المساجد التى تسميها العامة ((مساجد عائشة)) ولا من
غير التنعيم .
٢٧٣

ولهذا اتفقوا على أن الأحاديث الثابتة في الصحاح وغيرها أن
النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية ، وعمرة
القضية ، وعمرة الجعرانة ، والعمرة التى مع حجته . فإنما معناها أنه
اعتمر عمرة متمتع ، ساق الهدي . وهذا أيضا قارن ، فتسميته متمتعاً
وقارناً سواء ، إذا كان قد أهل بالعمرة والحج ، وهذا متمتع وهو
قارن ؛ ولهذا كان من غلط من الفقهاء فقال: إنه أحرم بالحج فقط ،
ولم يقرن به عمرة لاقبله ، ولا معه، أو قال: إنه أحرم إحراماً مطلقاً
ثم عقبه الحج ، فإنه ينكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر
مع حجته ، ويلزمه رد هذه الأحاديث الصحيحة المبينة أنه اعتمر أربع
عمر ، لا تفاق المسلمين على أنه لم يعتمر هو ولا أحد من أصحابه غير
عائشة عقب الحج.
ولهذا كان هذا حجة قاطعة على مالم يتنازع فيه الأئمة الأربعة ،
وعامة الفقهاء في أن المتمتع بالعمرة إلى الحج سقط عنه بذلك الحج والعمرة
سواء قيل بوجوبها ، أو بتوكيد استحبابها دون وجوبها ؛ لأن الصحابة
الذين حجوا مع النبى صلى الله عليه وسلم بأمره هكذا فعلوا ،
وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن العمرة دخلت في الحج إلى
يوم القيامة . وقالوا له : أعمرتنا هذه لعامنا هذا ؟ أم للأبد ؟ فقال :
بل للأبد، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة )).
٢٧٤

قال : ومن روى من الصحابة أن النبى صلى الله عليه وسلم أفرد
الحج ، أرادوا بذلك بيان أنه لم يحل من إحرامه لعمرة التمتع ، كما أمر
بذلك جمهور أصحابه، وهم الذين لم يكونوا ساقوا الهدي ، فإن الأحاديث
الثابتة المتواترة كلها متفقة على أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه
حين قدموا مكة فطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحلوا من
إحرامهم ويجعلوها عمرة ، إلا من ساق الهدي، فإنه أمره أن يبقى على
إحرامه إلى يوم النحر ، حتى يبلغ الهدي محله ، عملا بمعنى قوله : ( وَلَا
فهذه الجملة لم يتنازع فيها أحد
تَخْلِّقُواْرُءُ وسَكُم ◌َّى بَلُغَ اَلْهَدْىُ مَجِلَّهُ )
من العلماء : أن حجة الوداع كانت هكذا .
ثم إن كثيراً من الصحابة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع
بالعمرة إلى الحج، فصار يظن قوم أنهم أرادوا بذلك أنه حل من
إحرامه بالعمرة ثم أحرم بالحج ، كما أمر بذلك أصحابه الذين لم يسوقوا
الهدي ، وروى أيضاً من روى من هؤلاء الصحابة: أنه أفرد الحج:
ليزيلوا بذلك ظن من ظن أنه حل من إحرامه ، وأخبروا أنه لم يحل
من إحرامه ، بل فعل كما يفعل من افرد الحج، من بقائه على إحرامه
وعمل ما يعمله المفرد . فروايات الصحابة متفقة على هذا .
وكل من روى عنه من الصحابة أنه روى الإفراد ، فقد روى
التمتع، وفسروا التمتع بالقران، ورووا عنه صريحاً أنه قال: ((لبيك
٢٧٥

عمرة وحباً)) وأنه قال: (( أتانى آت من ربي فى هذا الوادي المبارك،
فقال: قل عمرة فى حجة)).
ولهذا كان الصواب أن من ساق الهدي فالقران له أفضل ، ومن
لم يسق الهدي ، وجمع بينهما فى سفر، وقدم فى أشهر الحج ، فالتمتع
الخاص أفضل له ، وإن قدم في شهر رمضان وقبله بعمرة فهذا أفضل
من التمتع ، وكذلك لو أفرد الحيج بسفرة ، والعمرة بسفرة ، فهو
أفضل من المتعة المجردة ؛ بخلاف من افرد العمرة بسفرة ، ثم قدم فى
٥
أشهر الحج متمتعا ، فهذا له عمرتان وحجة ، فهو افضل ، كالصحابة
الذين اعتمروا مع النبى صلى الله عليه وسلم عمرة القضية ، ثم تمتعوا معه
فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، فهذا أفضل الإتمام . وكذلك فعل
النبى صلى الله عليه وسلم: اعتمر أولا ، ثم قرن فى حجه بين
العمرة والحج لما ساق الهدي ؛ لكنه لم يزد على عمل المفرد ، فلم يطف
للعمرة طوافا رابعاً ولهذا قيل : إنه أفرد بالحج .
ثم إن الناس كانوا في عهد أبى بكر وعمر لما رأوا في ذلك من
السهولة ، صاروا يقتصرون على العمرة في أشهر الحج ، ويتركون
سائر الأشهر. لا يستمرون فيها من أمصارم ، فصار البيت يعرى عن العمار
من أهل الأمصار فى سائر الحول ، فأمرهم عمر بن الخطاب بما هو أكمل
لهم بأن يعتمروا فى غير أشهر الحج ، فيصير البيت مقصوداً معموراً
٢٧٦

فى أشهر الحج، وغير أشهر الحج، وهذا الذي اختاره لهم عمر هو
الأفضل، حتى عند القائلين بأن التمتع أفضل من الإفراد ، والقرآن ،
كالإمام أحمد وغيره .
فإن الإمام أحمد يقول: إنه إذا اعتمر فى غير أشهر الحج كان
أفضل من أن يؤخر العمرة إلى أشهر الحج ، سواء قدم مكة قبل أشهر
الحج واعتمر وأقام بمكة حتى يحج من عامه ذلك ، أو اعتمر ثم رجع
إلى مصره، أو ميقات بلده، وأحرم بالحج ، وهذا ظاهر ، فإن القاصد
لمكة إذا قدم مثلا فى شهر رمضان فاعتمر فيه ، حصل له ما ذكره
النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)). وإن قدم
قبل ذلك معتمراً وأقام بمكة ، فذلك كله أفضل له ، فإنه يطوف بمكة
ويعتكف بها تلك المدة إلى حين الإهلال بالحج ، وإن رجع إلى مصر. ثم
قدم وأحرم بالحج فقد أفرد للعمرة سفراً، وللحج سفراً، وذلك أتم لهما، كما
قال علي في قوله تعالى: ( وَتِقُوْ الْحَجَّوَالْعُهْرَةَ لِلَّهِ ) إتمامها أن تحرم بها
من دويرة أهلك . أي : تنشئ السفر لهما من دويرة أهلك .
وأما من اعتمر قبل أشهر الحج . ثم رجع إلى مصره ، ثم قدم
ثانيا في أشهر الحج فتمتع بعمرة إلى الحج ، فهذا أفضل ممن اقتصر على
مجرد الحج فى سفرته الثانية ، إذا اعتمر معها عقيب الحج؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم اعتمر مع الحج تمتما هو قران كما بينوا ، ولأن من
٢٧٧

تحصل له عمرة مفردة ، وعمرة مع حجة ، أفضل ممن لا يحصل له إلا
عمرة وحجة ، وعمرة تمتع أفضل من عمرة مكية عقيب الحج.
فهذا الذي اختاره عمر للناس هو الاختيار عند عامة الفقهاء : كالإمام
أحمد ، ومالك ، والشافعي ، وغيرهم ، وكذلك ذكر أصحاب أبي حنيفة
عن محمد بن الحسن . ولا يعرف فى اختيار ذلك خلاف بين العلماء .
ولما كان ذلك هو الأفضل الأرجح، وكان إن لم يؤمر الناس به
زهدوا فيه ، وأعرضوا عما هو أنفع لهم فى دينهم ، كان من اجتهاد
عمر ، ونظره لرعيته ، أنه ألزمهم بذلك ، كما يلزم الأب الشفيق ولده
ما هو أصلح له ، ولما فى ذلك من المنفعة لأهل مكة ، وهذا كان موضع
اجتهاد خالفه فيه علي ، وعمران بن حصين ، وغيرهما من الصحابة ، ولم
بروا أن يؤمر الناس بذلك أمراً ، بل يتركون من أحب اعتمر قبل
أشهر الحج ، ومن أحب اعتمر فيها ، وإن كان الأول أكمل .
وقوي النزاع في ذلك فى (( خلافة عثمان )» حتى ثبت فى الصحيحين
أن عثمان كان ينهى عن المتعة ، فلما رآه علي أهل بها، وقال: لم أكن
الأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد ، ونهي عثمان
كان لاختيار الأفضل، لا نهي كراهة .
فلما حصلت الفرقة بعد ذلك بين الأمة بمقتل عثمان ، ومصير الناس
٢٧٨

شيعتين : قوما يميلون إلى عثمان وشيعته ، وقوما يميلون إلى علي وشيعته
صار قوم من ولاة بنى أمية ينهون عن المتعة ، ويعاقبون من يتمتع ،
ولا يمكنون أحداً من العمرة فى أشهر الحج ، وكان فى ذلك نوع من
الجهل والظلم . فلما رأى ذلك علماء الصحابة كعبد الله بن عباس ، وعبد
الله بن عمر، وغيرهما جعلوا ينكرون ذلك، ويأمرون الناس بالمتعة
ء
اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويخبرون الناس أن
النبى صلى الله عليه وسلم. أمر بها أصحابه فى ((حجة الوداع» فصار
بعض الناس يناظرهم بما توهمه على أبى بكر ، وعمر، فيقولون لعبد الله
٥
ابن عمر: إن اباك كان ينهى عنها ، فيقول : إن أبي لم يرد ذلك ،
ولا كان يضرب الناس عليها ، ونحو ذلك .
فبين لهم أن عمر قصد أمر الناس بالأفضل ، لا تحريم المفضول ،
ء
وعمر إنما أمرهم بالاعتمار في غير أشهر الحج ، فأما أن يكون عمر أو أحد
من الصحابة اختار للناس أن يفردوا الحج فى اشهره، ويعتمروا فيه
عمرة مكية ، فهذا لم يأمر به ، ولم يختره أحد من الصحابة أصلا، ولم
يفعله أحد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً، وأكبر ظني
أنه لم يفعله أحد من الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم،
ولم يأمر به .
وقد حمل طائفة من العلماء نهي عمر على أنه نهى عن متعة الفسخ
٢٧٩

وهؤلاء يقولون الفسخ إنما كان جائزا لمن كان مع النبى صلى الله عليه
وسلم . وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع .
وبين أن السلف والعلماء تنازعوا في الفسخ . فمذهب ابن عباس
وأصحابه وكثير من الظاهرية والشيعة : يرون أن الفسخ واجب ، وأنه
ليس لأحد أن يحج إلا متمتعا . ومذهب كثير من السلف والخلف أنه
وإن جاز التمتع ، فليس لمن أحرم مفردا . أو قارنا، أن يفسخ . وهذا
مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعي . ومذهب كثير من فقهاء الحديث
وغيرم : كأحمد بن حنبل ، أن الفسخ هو الأفضل ، وأنه إن حج مفردا
أو قارنا ، ولم يفسخ باز . وأما من ساق الهدى فلا يفسخ بلا نزاع
والفسخ جائز ما لم يقف بعرفة ، وسواء كان قد نوى عند الطواف
طواف القدوم ، أو غير ذلك، وسواء كان قد نوى عند الإحرام
القران ، أو الإفراد ، أو أحرم مطلقا .
فالأفضل عند هؤلاء لكل من لم يسق الهدي أن يحل من إحرامه
بعمرة تمتع . كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فى حجة
الوداع ، وليس له أن يتحلل بعمرة إذا كان قصده أن يحج من عامه
فيكون متمتعا .
فأما الفسخ بعمرة مجردة ، فلا يجوزه أحد من العلماء . ولا للذي
٢٨٠