Indexed OCR Text

Pages 101-120

وهو القرآن ، وهو داخل فى اسم التمتع فى الكتاب والسنة ، وكلام
الصحابة، وإن شاء أحرم بالحج مفرداً، وهو الإفراد.
فصل
فى الأفضل من ذلك :
فالتحقيق فى ذلك أنه يتنوع باختلاف حال الحاج فإن كان يسافر
سفرة للعمرة ، وللحج سفرة أخرى ، أو يسافر إلى مكة قبل
أشهر الحج، ويعتمر ويقيم بها حتى يحج، فهذا الإفراد له أفضل
باتفاق الأئمة الأربعة .
والإحرام بالحج قبل أشهره ليس مسنوناً، بل مكروه، وإذا
فعله فهل يصير محرماً بعمرة ، أو بحج ، فيه نزاع .
وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس ، وهو أن يجمع بين
العمرة والحج فى سفرة واحدة، ويقدم مكة في أشهر الحج: وهن
شوال ، وذو العقدة ، وعشر من ذي الحجة ، فهذا إن ساق الهدى
فالقران أفضل له ، وإن لم يسق الهدى فالتحلل من إحرامه بعمرة
أفضل ، فإنه قد ثبت بالنقول المستفيضة التى لم يختلف في صحتها أهل
١٠١

العلم بالحديث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع ، هو
وأصحابه ، أمرهم جميعهم أن يحلوا من إحرامهم ، ويجعلوها عمرة ،
إلامن ساق الهدى، فإنه أمره أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله
يوم النحر، وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد ساق الهدى هو
وطائفة من أصحابه، وقرن هو بين العمرة والحج، فقال ((لبيك
عمرة وحجا )) .
ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبى صلى الله عليه وسلم
إلا عائشة وحدها لأنها كانت قد حاضت ، فلم يمكنها الطواف ، لأن
النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( تقضي الحائض المناسك كلها إلا
الطواف بالبيت » فأمرها أن تهل بالحج ، وتدع أفعال العمرة لأنها
كانت متمتعة ، ثم إنها طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمرها
فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن ، فاعتمرت من التنعيم، والتنعيم هو
أقرب الحل إلى مكة، وبه اليوم المساجد التى تسمى ((مساجد عائشة))
ولم تكن هذه على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم، وإنما بنيت بعد
ذلك علامة على المكان الذي أحرمت منه عائشة ، وليس دخول هذه
المساجد ، ولا الصلاة فيها - لمن اجتاز بها محرماً ــ فرضاً ولا سنة،
بل قصد ذلك ، واعتقاد أنه يستحب بدعة مكروهة ، لكن من خرج
من مكة ليعتمر، فإنه إذا دخل واحداً منها وصلى فيه لأجل الإحرام.
١٠٢

فلا بأس بذلك .
ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين
أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر، لا فى رمضان ولا فى غير رمضان،
والذين حجوا مع النبى صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من اعتمر بعد
الحج من مكة ، إلا عائشة كما ذكر . ولا كان هذا من فعل الخلفاء
الراشدين ، والذين استحبوا الإفراد من الصحابة إنما استحبوا أن يحج
في سفرة ، ويعتمر فى أخرى، ولم يستحبوا أن يحتج ويعتمر عقب ذلك
عمرة مكية ، بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط ، اللهم إلا أن يكون
شيئاً نادراً .
وقد تنازع السلف في هذا : هل يكون متمتعاً عليه دم ؟ أم لا؟
وهل تجزئه هذه العمرة عن عمرة الإسلام ؟ أم لا ؟ .
وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد مهجرته أربع عمر :
عمرة الحديبية ، وصل إلى الحديبية ، والحديبية وراء الجيل الذى بالتنعيم
عند مساجد عائشة عن يمينك وأنت داخل إلى مكة ، فصده المشركون
عن البيت فصالحهم ، وحل من إحرامه، وانصرف . وعمرة القضية اعتمر
من العام القابل .
وعمرة الجعرانة ، فإنه كان قد قائل المشركين بحنين ، وحنين من
١٠٣

ناحية المشرق من ناحية الطائف ؛ وأما بدر فهي بين المدينة وبين مكة
وبين الغزوتين ست سنين، ولكن قرنتا فى الذكر ؛ لأن الله تعالى
أنزل فيهما الملائكة لنصر النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فى
القتال ، ثم ذهب فحاصر المشركين بالطائف ، ثم رجع وقسم غنائم
حنين بالجعرانة ، فلما قسم غنائم حنين اعتمر من الجعرانة داخلا إلى مكة
لا خارجا منها للإحرام .
والعمرة الرابعة مع حجته ، فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق
أهل المعرفة بسنته ، وباتفاق الصحابة على ذلك ، ولم ينقل عن أحد
من الصحابة أنه تمتع تمتعاً حل فيه، بل كانوا يسمون القران تمتعاً ، ولا
نقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين ، وسعى سعيين .
وعامة المنقول عن الصحابة فى صفة حجته ليست بمختلفة . وإنما
اشتبهت على من لم يعرف مرادهم ، وجميع الصحابة الذين نقل عنهم أنه
أفرد الحج : كعائشة ، وابن عمر، وجابر. قالوا : إنه تمتع بالعمرة
إلى الحج . فقد ثبت فى الصحيحين عن عائشة وابن عمر بإسناد
أصح من إسناد الإفراد ، ومرادهم بالتمتع القران ، كما ثبت ذلك فى
الصحاح أيضاً .
فإذا أراد الإحرام فإن كان قارنا قال: لبيك عمرة وحجاً . وإن كان
متمتعا قال لبيك عمرة متمتعا بها إلى الحج. وإن كان مفرداً قال: لبيك حجة
١٠٤

أو قال : اللهم إنى أوجبت عمرة وحجا أو أوجبت عمرة أتمتع بها إلى الحج
أو أوجبت حجاً، أو أريد الحج، أو أريدهما، أو أريد التمتع بالعمرة
إلى الحج ، فمهما قال من ذلك أجزاء باتفاق الأئمة ، ليس فى ذلك عبارة
مخصوصة ، ولا يجب شيء من هذه العبارات ، باتفاق الأئمة ، كما لا
يجب التلفظ بالنية فى الطهارة ، والصلاة ، والصيام ، باتفاق الأمة ، بل
متى لى قاصداً للإحرام انعقد إحرامه بانفاق المسلمين . ولا يجب عليه
أن يتكلم قبل التلبية بشيء .
ولكن تنازع العلماء : هل يستحب أن يتكلم بذلك ؟ كما تنازعوا :
هل يستحب التلفظ بالنية فى الصلاة ؟ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب
شيء من ذلك ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسلمين
شيئا من ذلك ، ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ النية .
لا هو ولا أصحابه ، بل لما أمر ضباعة بنت الزبير بالاشتراط ، قالت :
فكيف أقول ؟ قال: (( قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلى من الأرض
حيث تحبسني)) رواه أهل السنن ، وصححه الترمذي ، ولفظ النسائى :
إنى أريد الحج فكيف أقول؟ قال: «قولي : لبيك اللهم لبيك: ومحلي
من الأرض حيث تحبسنى ، فإن لك على ربك ما استثنيت )) وحديث
الاشتراط في الصحيحين .
لكن المقصود بهذا اللفظ أنه أمرها بالاشتراط فى التلبية ، ولم
١٠٥

يأمرها أن تقول قبل التلبية شيئاً، لا اشتراطاً ولا غيره ، وكان يقول
فى تلبيته ((لبيك عمرة وحجا)) وكان يقول للواحد من أصحابه: ((بم
أهللت؟)) وقال فى المواقيت: ((مهل أهل المدينة ذو الحليفة ، ومهل
أهل الشام الجحفة ، ومهل أهل اليمن يلملم ، ومهل أهل نجد قرن
المنازل ، ومهل أهل العراق ذات عرق ، ومن كان دونهن فمهله من
أهله)) والإهلال هو التلبية ، فهذا هو الذي شرع النى صلى الله
عليه وسلم للمسلمين التكلم به فى ابتداء الحج والعمرة، وإن كان مشروعا
بعد ذلك كما تشرع تكبيرة الإحرام ، ويشرع التكبير بعد ذلك عند
تغير الأحوال .
ولو أحرم إحراما مطلقاً جاز ، فلو أحرم بالقصد للحج من حيث
الجملة ، ولا يعرف هذا التفصيل جاز .
ولو أهل ولى كما يفعل الناس قاصداً للنسك ، ولم يسم شيئاً بلفظه
ولا قصد بقلبه لا تمتعاً ولا إفرادا، ولا قراناً صح حجه أيضا، وفعل
واحداً من الثلاثة : فإن فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه
كان حسنا ، وإن اشترط على ربه خوفا من العارض ، فقال : وإن
حبسني حابس فمحلي حيث حبستنى، كان حسناً . فإن النبى صلى الله
عليه وسلم أمر ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أن تشترط
على ربها ، لما كانت شاكية ، فخاف أن يصدها المرض عن البيت ، ولم
١٠٦

يكن يأمر بذلك كل من حج .
وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن ، ولا يؤمر
المحرم قبل الإحرام بذلك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ، ولم
يأمر به الناس ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أحداً بعبارة
بعينها، وإنما يقال: أهل بالحج، أهل بالعمرة، أو يقال: لى بالحج،
لى بالعمرة ، وهو تأويل قوله تعالى: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ
فِيهِنَ الْحَجَّ فَلَاَرَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَاجِدَالَ فِىِ الْحَجّ ).
وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: (( من حج هذا البيت : فلم
يرفث، ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه )) وهذا على
قراءة من قرأ ( فلا رفتُ ولا فسوقُ ) بالرفع ، فالرفث اسم للجماع
قولا وعملا، والفسوق اسم للمعاصي كلها ، والجدال على هذه القراءة
هو المراء في أمر الحج . فإن الله قد أوضحه وبينه، وقطع المراء فيه ،
كما كانوا فى الجاهلية يتمارون فى أحكامه وعلى القراءة الأخرى قد يفسر
بهذا المعنى أيضاً ، وقد فسروها بأن لا يماري الحاج أحداً، والتفسير
الأول أصح ، فإن اللّه لم ينه المحرم ولا غيره عن الجدال مطلقاً؛ بل
الجدال قد يكون واجبا أو مستحباً ، كما قال تعالى: (وَحَدِ لْهُمْ بِلَِّى
هِىَ أَحْسَنُ ) وقد يكون الجدال محرما في الحج وغيره كالجدال بغير علم.
وكالجدال في الحق بعد ما تبين .
١٠٧

ولفظ ( الفسوق ) يتناول ما حرمه الله تعالى، ولا يختص بالسباب
وإن كان سباب المسلم فسوقا ، فالفسوق يعم هذا وغيره .
و (الرفث ) هو الجماع، وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا
جنس الرفث ، فلهذا ميز بينه وبين الفسوق .
وأما سائر المحظورات : كاللباس ، والطيب ، فإنه وإن كان بأثم
بها ، فلا تفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين .
وينبغي للمحرم ألا يتكلم إلا بما يعنيه، وكان شريح إذا أحرم كأنه
الحية الصماء ، ولا يكون الرجل محرما بمجرد ما فى قلبه من قصد الحج ،
ونيته ، فإن القصد ما زال فى القلب منذ خرج من بلده ، بل لا بد من
قول أو عمل يصير به محرما ، هذا هو الصحيح من القولين . والتجرد
من اللباس واجب فى الإحرام ، وليس شرطا فيه ، فلو أحرم وعليه
ثياب صح ذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباتفاق أئمة
أهل العلم، وعليه أن ينزع اللباس المحظور .
فصل
يستحب أن يحرم عقيب صلاة : إما فرض ، وإما تطوع إن كان
١٠٨

وقت تطوع في أحد القولين ، وفى الآخر إن كان يصلي فرضا أحرم عقيبه
وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه ، وهذا أرجح .
ويستحب أن يغتسل للإحرام ، ولو كانت نفساء أو حائضا ، وإن
احتاج إلى التنظيف : كتقليم الأظفار ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ،
ونحو ذلك فعل ذلك . وهذا ليس من خصائص الإحرام ، وكذلك لم
يكن له ذكر فيما نقله الصحابة ، لكنه مشروع بحسب الحاجة، وهكذا
يشرع المصلي الجمعة والعيد على هذا الوجه .
ويستحب أن يحرم فى ثوبين نظيفين ، فإن كانا أبيضين فهما
أفضل ، ويجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة : من القطن
والكتان ، والصوف .
والسنة أن يحرم فى إزار ورداء ، سواء كانا مخيطين ، أو غير
مخيطين ، باتفاق الأمة ، ولو أحرم فى غيرهما جاز ، إذا كان مما يجوز
لبسه ، ويجوز أن يحرم فى الأبيض ، وغيره من الألوان الجائزة إن
كان ملونا .
والأفضل أن يحرم فى نعلين إن تيسر ، والنعل هي التى يقال
لها : التاسومة ، فإن لم يجد نعلين لبس خفين ، وليس عليه أن يقطعها
دون الكعبين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقطع أولا، ثم
١٠٩

رخص بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل ، لمن لم يجد إزاراً ، ورخص
فى لبس الخفين لمن لم يجد نعلين ، وإنما رخص في المقطوع أولا ؛
لأنه يصير بالقطع كالنعلين .
ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يلبس مادون الكعبين : مثل
الخف المكعب، والجمجم ، والمداس ، ونحو ذلك ، سواء كان واجداً
للنعلين ، أو فاقداً لهما . وإذا لم يجد نعلين ، ولا ما يقوم مقامها : مثل
الجمجم ، والمداس ، ونحو ذلك. فله أن يلبس الخف ، ولا يقطعه ،
وكذلك إذا لم يجد إزارا فإنه يلبس السراويل، ولا يفتقه ، هذا أصح
قولي العلماء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص فى البدل في عرفات
كما رواه ابن عمر .
وكذلك يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء ،
فله أن يلتحف بالقباء ، والجبة ، والقميص ، ونحو ذلك ، ويتغطى به
باتفاق الأمّة عرضا ، ويلبسه مقلوباً ، يجعل أسفله أعلاه ، ويتغطى
باللحاف وغيره ؛ ولكن لا يغطى رأسه إلا لحاجة، والنبى صلى الله
عليه وسلم نهى المحرم أن يلبس القميص ، والبرنس ، والسراويل ،
والخف ، والعمامة ، ونهام أن يغطوا رأس المحرم بعد الموت ، وأمر من
أحرم فى جبة أن ينزعها عنه ، فما كان من هذا الجنس فهو فى
معنى ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فما كان فى معنى القميص
١١٠

فهو مثله ، وليس له أن يلبس القميص لا بكم، ولا بغير كم ، وسواء
أدخل فيه يديه، أو لم يدخلها، وسواء كان سليما، أو مخروقا، وكذلك
لا يلبس الجبة ، ولا القباء الذي يدخل يديه فيه ، وكذلك الدرع الذي
يسمى: (عرق جين )، وأمثال ذلك باتفاق الأئمة .
وأما إذا طرح القباء على كتفيه ، من غير إدخال يديه ، ففيه نزاع.
وهذا معنى قول الفقهاء : لا يلبس. والمخيط ما كان من اللباس على قدر
العضو ، وكذلك لا يلبس ما كان في معنى الخف : كالموق ، والجورب ،
ونحو ذلك .
ولا يلبس ما كان في معنى السراويل : كالتبان ، ونحوه ، وله أن
يعقد ما يحتاج إلى عقده، كالإزار ، وهميان النفقة، والرداء لا يحتاج
إلى عقده، فلا يعقده ، فإن احتاج إلى عقده ففيه نزاع ، والأشبه جوازه
حينئذ . وهل المنع من عقده منع كراهة أو تحريم ، فيه نزاع ، وليس
على محريم ذلك دليل ، إلا ما نقل عن ابن عمر - رضى الله عنه
أنه كره عقد الرداء. وقد اختلف المتبعون لا بن عمر فمنهم من قال: هو كراهة
تنزيه كأبي حنيفة، وغيره ، ومنهم من قال : كراهة تحريم .
وأما الرأس فلا يغطيه لا بمخيط ولا غيره ، فلا يغطيه بعامة ، ولا
قلنسوة ، ولا كوفية ، ولا ثوب بلصق به ، ولا غير ذلك. وله أن
١١١

يستظل تحت السقف ، والشجر، ويستظل فى الخيمة ، ونحو ذلك باتفاقهم
وأما الاستظلال بالمحمل : كالمحارة التى لها رأس في حال السير ، فهذا فيه
نزاع ، والأفضل للمحرم أن يضحي لمن أحرم له ، كما كان النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه يحجون، وقد رأى ابن عمر رجلا ظلل عليه
فقال : أيها المحرم أضح لمن أحرمت له. ولهذا كان السلف يكرهون
القباب على المحامل ، وهي المحامل التى لها رأس ، وأما المحامل المكشوفة
فلم يكرهها إلا بعض النساك ، وهذا فى حق الرجل .
وأما المرأة فإنها عورة ، فلذلك جاز لها أن تلبس الثياب التى نستتر
بها، وتستظل بالمحمل ، لكن نهاها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنتقب،
أو تلبس القفازين ، والقفازان : غلاف يصنع لليد ، كما يفعله حملة
البزاة ، ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه جاز بالانفاق ، وإن
كان يمسه فالصحيح أنه يجوز أيضا . ولا تكلف المرأة أن مجافي سترتها
عن الوجه ، لا بعود ولا بيد ، ولا غير ذلك ، فإن النبى صلى الله عليه
وسلم سوى بين وجهها ويديها ، وكلاهما كبدن الرجل ، لاكرأسه .
وأزواجه صلى الله عليه وسلم كن يسدلن على وجوههن من غير
مراعاة المجافاة، ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((إحرام المرأة في وجهها)) وإنما هذا قول بعض السلف ،
لكن النبى صلى الله عليه وسلم نهاها أن تنتقب ، أو تلبس القفازين ،
١١٢

كما نهى المحرم أن يلبس القميص، والخف، مع أنه يجوز له أن يستر
يديه ورجليه ، باتفاق الآثمة ، والبرقع أقوى من النقاب . فلهذا ينهى
عنه باتفاقهم ، ولهذا كانت المحرمة لا تلبس ما يصنع لستر الوجه ،
كالبرقع ونحوه ، فإنه كالنقاب .
وليس للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عنه إلا لحاجة ، كما أنه ليس للصائم أن يفطر إلا لحاجة ، والحاجة مثل
البرد الذى يخاف أن يمرضه ، إذا لم يغط رأسه ، أو مثل مرض
نزل به يحتاج معه إلى تغطية رأسه ، فيلبس قدر الحاجة فإذا استغنى
عنه نزع .
وعليه أن يفتدى: إما بصيام ثلاثة أيام ، وإما بنسك شاة ، أو
بإطعام ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من تمر ، أو شعير ، أو
مد من بر ، وإن أطعمه خبزا جاز ، ويكون رطلين ، بالعراقي، قريبا من
نصف رطل بالدمشقى ، وينبغي أن يكون مأدوما وإن أطعمه مما يؤكل:
كالبقسماط ، والرقاق ، ونحو ذلك جاز، وهو أفضل من أن يعطيه
قمحا أو شعيرا ، وكذلك في سار الكفارات ، إذا أعطاه مما يقتات به
مع أدمه ، فهو أفضل من أن يعطيه حبا مجردا إذا لم يكن عادتهم أن
يطحنوا بأيديهم ، ويخبزوا بأيديهم ، والواجب فى ذلك كله ما ذكره
( إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
الله تعالى بقوله :
١١٣

أَوْكِسْوَتُهُمْ ) الآية فأمر الله تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم
الناس أهليهم .
وقد تنازع العلماء فى ذلك هل ذلك مقدر بالشرع ، أو يرجع فيه إلى
العرف، وكذلك تنازعوا فى النفقة : نفقة الزوجة، والراجح فى هذا كله أن
يرجع فيه إلى العرف، فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم، ولما كان كعب
ابن حجرة ونحوه يقتاتون التمر، أمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا
من التمر بين ستة مساكين ، والفرق ستة عشر رطلا بالبغدادى .
وهذه الفدية يجوز أن يخرجها إذا احتاج إلى فعل المحظور
قبله وبعده، ويجوز أن يذبح النسك قبل أن يصل إلى مكة
ويصوم الأيام الثلاثة متتابعة إن شاء ، ومتفرقة إن شاء. فإن كان له عذر
أخر فعلها ، وإلا عجل فعلها .
وإذا لبس ، ثم لبس مرارا ، ولم يكن أدى الفدية أجزأنه فدية
واحدة ، فى أظهر قولي العلماء .
فصل
فإذا أحرم لى بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لبيك اللهم
لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا
١١٤

شربك لك)) وإن زاد على ذلك: لبيك ذا المعارج ، أو لبيك وسعديك،
ونحو ذلك ، جاز كما كان الصحابة يزيدون ، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يسمعهم ، فلم ينههم، وكان هو يداوم على تلبيته ، ويلبي
من حين يحرم ، سواء ركب دابة. أو لم يركبها ، وإن أحرم بعد
ذلك جاز .
والتلبية هي: إجابة دعوة الله تعالى لخلقه، حين دعاهم إلى حج بيته على لسان
خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره، كما ينقاد
الذى ليب ، وأخذ بلبته. والمعنى : أنا مجيبوك لدعوتك ؛ مستسلمون
لحكمتك ، مطيعون لأمرك مرة بعد مرة لا نزال على ذلك، والتلبية
شعار الحج، فأفضل الحج المج والنج ، فالعج: رفع الصوت بالتلبية ،
والتج إراقة دماء الهدى .
ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل ، بحيث لا يجهد نفسه ،
والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقتها، ويستحب الإكثار منها
عند اختلاف الأحوال ، مثل أدبار الصلوات ، ومثل ما إذا صعد نشزا،
أو هبط واديا، أو سمع ملبياً أو أقبل الليل ، والنهار ، أو التقت
الرفاق ، وكذلك إذا فعل ما نهى عنه ، وقد روى أنه من لبى حتى
تغرب الشمس ، فقد أمسى مغفوراً له .
وإن دعا عقيب التلبية : وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ،
١١٥

وسأل الله رضوانه، والجنة، واستعاذ برحمته من سخطه، والنار: فحسن.
فصل
ومما ينهى عنه المحرم: أن يتطيب بعد الإحرام فى بدنه أو ثيابه أو يتعمد
شم الطيب، وأما الدهن فى رأسه، أو بدنه، بالزيت والسمن ، ونحوه
إذا لم يكن فيه طيب، ففيه نزاع مشهور، وتركه أولى.
ولا يقلم أظفاره ، ولا يقطع شعره. وله أن يحك بدنه إذا حكه،
ويحتجم فى رأسه، وغير رأسه ، وإن احتاج أن يحلق شعرا لذلك جاز.
فإنه قد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم احتجم في وسط
رأسه ، وهو محرم ، ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر.
وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره وإن
تيقن أنه انقطع بالغسل ، ويفتصد إذا احتاج إلى ذلك ، وله أن
يغتسل من الجنابة بالاتفاق، وكذلك لغير الجنابة ، ولا ينكح المحرم،
ولا ينكح ، ولا يخطب ، ولا يصطاد صيداً برياً ولا يتملكه بشراء،
ولا اتهاب، ولا غير ذلك ، ولا يعين على صيد ولا يذبح صيداً.
فأما صيد البحر كالسمك ونحوه ، فله أن يصطاده ، ويأكله .
وله أن يقطع الشجر ، لكن نفس الحرم لا يقطع شيئاً من
١١٦

شجره، وإن كان غير محرم ، ولا من نباته المباح، إلا الإذخر، وأماما
غرس الناس ، أو زرعوه ، فهو لهم ، وكذلك ما يبس من النبات ،
يجوز أخذه ، ولا يصطاد به صيداً ، وإن كان من الماء كالسمك على
الصحيح ؛ بل ولا ينفر صيده : مثل أن يقيمه ليقعد مكانه .
وكذلك حرم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما بين
لابتيها، و((اللابة)) هي الحرة ، وهي الأرض التى فيها حجارة سود،
وهو بريد فى بريد، والبريد أربعة فراسخ ، وهو من عير إلى ثور ،
وعير هو جبل عند الميقات يشبه الغير ، وهو الحمار ، وثور هو جبل
من ناحية أحد ، وهو غير جبل ثور الذى بمكة ؛ فهذا الحرم أيضا لا
يصاد صيده ولا يقطع شجره، إلا لحاجة كآلة الركوب، والحرث، ويؤخذ
من حشيشه ما يحتاج إليه للعلف ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم
رخص لأهل المدينة فى هذا لحاجتهم إلى ذلك ، إذ ليس حولهم ما
يستغنون به عنه ، بخلاف الحرم المكى . وإذا أدخل عليه صيد لم يكن
عليه إرساله .
وليس في الدنيا حرم لا بيت المقدس ، ولا غيره، إلا هذان الحرمان،
ولا يسمى غيرها حرما كما يسمى الجهال. فيقولون : حرم المقدس ، وحرم
الخليل . فإن هذين وغيرهما ليسا بحرم باتفاق المسلمين ، والحرم المجمع
عليه حرم مكة. وأما المدينة فلها حرم أيضا عند الجمهور ، كما استفاضت
١١٧

بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتنازع المسلمون فى
حرم ثالث: إلا في ((وج)) وهو واد بالطائف ، وهو عند بعضهم حرم ،
وعند الجمهور ليس محرم .
وللمحرم أن يقتل ما يؤذي بعادته الناس: كالحية ، والعقرب، والفأرة،
والغراب، والكلب العقور، وله أن يدفع ما يؤذيه من الآدميين ، والبهائم.
حتى لو صال عليه أحد، ولم يندفع إلا بالقتال قاتله ، فإن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: « من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون
دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون حرمته
(١)
فهو شهيد )(١)
وإذا قرصته البراغيث والقمل فله إلقاؤها عنه، وله قتلها ولا شيء
عليه ، وإلقاؤها أهون من قتلها ، وكذلك ما يتعرض له من الدواب
فينهى عن قتله ، وإن كان فى نفسه محرما كالأسد ، والفهد ، فإذا قتله
فلا جزاء عليه فى أظهر قولي العلماء ، وأما التغلى بدون التأذى فهو من
الترفه فلا يفعله ، ولو فعله فلا شيء عليه .
ويحرم على المحرم الوطء، ومقدماته، ولا يطأ شيئاً سواء كان امرأة
ولا غير امرأة ، ولا يتمتع بقبلة ، ولامس بيد ولا نظر بشهوة.
فإن جامع فسد حجه ، وفي الإنزال بغير الجماع نزاع ولا يفسد
(١) الحديث رواه الترمذي في سننه مجلد ٤ ص ٢٢ وفيه: (ومن قتل دون أهله فهو شهيد )
١١٨

الحج بشيء من المحظورات، إلا بهذا الجنس ، فإن قبل بشهوة أو أمذى
لشهوة فعليه دم .
فصل
إذا أتى مكة جاز أن يدخل مكة والمسجد من جميع الجوانب، لكن
الأفضل أن يأتى من وجه الكعبة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم،
فإنه دخلها من وجهها من الناحية العليا التى فيها اليوم باب المعلاة .
ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لمكة ولا للمدينة سور،
ولا أبواب مبنية ، ولكن دخلها من الثنية العليا ثنية كداء بالفتح والمد
المشرفة على المقبرة ، ودخل المسجد من الباب الأعظم الذى يقال له :
باب بنى شيبة ، ثم ذهب إلى الحجر الأسود ، فإن هذا أقرب الطرق
إلى الحجر الأسود لمن دخل من باب المعلاة .
ولم يكن قديما بمكة بناء يعلو على البيت ، ولا كان فوق الصفا
والمروة والمشعر الحرام بناء، ولا كان بمنى ولا بعرفات مسجد ، ولا عند
الجمرات مساجد ، بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين ، ومنها ما أحدث
بعد الدولة الأموية ، ومنها ما أحدث بعد ذلك ، فكان البيت يرى قبل
دخول المسجد .
١١٩

وقد ذكر ابن جرير أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا
رأى البيت رفع يديه وقال: ((اللهم زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما،
وتكريما ، ومهابة وبرا، وزد من شرفه وكرمه، ممن حجه أو امتمره
تشريفا وتعظيما )) فمن رأى البيت قبل دخول المسجد فعل ذلك،
وقد استحب ذلك من استحبه عند رؤية البيت ، ولو كان بعد
دخول المسجد .
لكن النبى صلى الله عليه وسلم بعد أن دخل المسجد ابتدأ بالطواف
ولم يصل قبل ذلك تحية المسجد ، ولا غير ذلك ، بل تحية المسجد
الحرام هو الطواف بالبيت ، وكان صلى الله عليه وسلم يغتسل لدخول
مكة، كما يبيت بذي طوى، وهو عند الآبار التى يقال لها : آبار
الزاهر . فمن تيسر له المبيت بها ، والاغتسال ، ودخول مكة نهاراً ،
وإلا فليس عليه شيء من ذلك .
وإذا دخل المسجد بدأ بالطواف ، فيبتدئ من الحجر الأسود
يستقبله استقبالا ، ويستلمه ، ويقبله إن أمكن ، ولا يؤذي أحداً بالمزاحمة
عليه، فإن لم يمكن استلمه ، وقبل بده، وإلا أشار إليه ، ثم ينتقل
للطواف ، ويجعل البيت عن يساره، وليس عليه أن يذهب إلى مابين
الركنين، ولا يمشي عرضاً ثم ينتقل للطواف، بل ولا يستحب ذلك .
ويقول إذا استلمه: بسم الله، والله أكبر، وإن شاء قال :
١٢٠