Indexed OCR Text

Pages 281-300

قتل نفسه ؛ ولهذا قال سمرة بن جندب عن ابنه لما أخبر أنه بشم ،
فقال : لو مات لم أصل عليه .
فينبغي للمؤمن أن يفرق بين ما نهى الله عنه من قصد الإنسان
قتل نفسه ، أو تسببه فى ذلك ، وبين ما شرعه الله من بيع المؤمنين
أنفسهم. وأموالهم له. كما قال تعالى: (إِنَّاللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ)، وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى
نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي يبيع نفسه .
والاعتبار فى ذلك بما جاء به الكتاب والسنة ، لا بما يستحسنه المرء
أو يجده ، أو يراء من الأمور المخالفة للكتاب والسنة ؛ بل قد يكون
أحد هؤلاء كما قال عمر بن عبد العزيز : من عبد الله يجهل ، أفسد
أكثر مما يصلح .
ومما ينبغي أن يعرف أن اللّه ليس رضاء أو محبته فى مجرد عذاب
النفس ، وحملها على المشاق ، حتى يكون العمل كل ما كان أشق كان
أفضل ، كما يحسب كثير من الجمال أن الأجر على قدر المشقة ، في كل
شيء ، لا ! ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ، ومصلحته ، وفائدته،
٢٨١

وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله. فأي العملين كان أحسن ، وصاحبه
أطوع ، وأتبع ، كان أفضل . فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة . وإنما
تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل .
ولهذا لما نذرت أخت عقبة بن عامر أن تحج ماشية حافية ، قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لغني عن تعذيب أختك نفسها،
مرها فلتركب)). وروى ((أنه أمرها بالهدى))، وروى ((بالصوم)).
وكذا حديث جويرية فى تسبيحها بالحصى ، أو النوى ، وقد دخل عليها
ضحى ، ثم دخل عليها عشية ، فوجدها على تلك الحال . وقوله لها :
(( لقد قلت بعدك أربع كلمات ، ثلاث مرات ، لو وزنت بما قلت منذ
اليوم لرجحت )).
وأصل ذلك أن يعلم العبد أن الله لم يأمرنا إلا بما فيه صلاحنا ،
ولم ينهنا إلا عما فيه فسادنا ؛ ولهذا يثنى اللّه على العمل الصالح، ويأمر
بالصلاح والإصلاح ، وينهى عن الفساد .
فالله سبحانه إنما حرم علينا الخبائث لما فيها من المضرة والفساد، وأمرنا
بالأعمال الصالحة لما فيها من المنفعة والصلاح لنا. وقد لا تحصل هذه الأعمال إلا
٢٨٢

بمشقة: كالجهاد، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وطلب العلم،
فيحتمل تلك المشقة ، ويثاب عليها لما يعقبه من المنفعة . كما قال النبى صلى الله عليه
وسلم لعائشة لما اعتمرت من التنعيم عام حجة الوداع: ((أجرك على قدر
نصبك)) . وأما إذا كانت فائدة العمل منفعة لا تقاوم مشقته ، فهذا
فساد ، والله لا يحب الفساد .
ومثال ذلك منافع الدنيا ، فإن من تحمل مشقة لربح كثير ، أو
دفع عدو عظيم ، كان هذا محموداً . وأما من تحمل كلفاً عظيمة ،
ومشاقا شديدة ، لتحصيل يسير من المال ، أو دفع يسير من الضرر،
كان بمنزلة من أعطى ألف درهم ، ليعتاض بمائة درهم . أو مشى مسيرة
يوم ، ليتغدى غدوة يمكنه أن يتغدى خيراً منها فى بلده .
فالأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل، والاقتصاد ، والتوسط
الذي هو خير الأمور وأعلاها . كالفردوس فإنه أعلى الجنة ، وأوسط
الجنة ، فمن كان كذلك فمصيره إليه إن شاء الله تعالى .
هذا فى كل عبادة لا تقصد لذاتها، مثل الجوع ، والسهر، والمشي .
وأما ما يقصد لنفسه مثل معرفة الله ، ومحبته ، والإنابة إليه ،
٢٨٣

والتوكل عليه ، فهذه يشرع فيها الكمال ، لكن يقع فيها سرف ،
وعدوان ، بإدخال ما ليس منها فيها ، مثل أن يدخل ترك الأسباب
المأمور بها في التوكل ، أو يدخل استحلال المحرمات ، وترك المشروعات
فى المحبة، فهذا هذا. والله سبحانه وتعالى أعلم .
وسل
رضى الله عنه وأرضاه - عن ليلة القدر ، وهو معتقل بالقلعة قلعة
الجبل سنة ست وسبعمائة .
فأجاب : الحمد لله. ليلة القدر فى العشر الأواخر من شهر رمضان
هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( هي في العشر
الأواخر من رمضان )) . وتكون في الوتر منها .
لكن الوتر يكون باعتبار الماضي ، فتطلب ليلة إحدى وعشرين ،
وليلة ثلاث وعشرين ، وليلة خمس وعشرين ، وليلة سبع وعشرين ،
وليلة تسع وعشرين .
٢٨٤

ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((التاسعة
تبقى ، السابعة تبقى، الخامسة تبقى، لثالثة تبقى)). فعلى هذا إذا كان
الشهر ثلاثين يكون ذلك ليال الأشفاع . وتكون الاثنين والعشرين تاسعة
تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى . وهكذا فسره أبو سعيد
الخدري فى الحديث الصحيح. وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم
فى الشهر .
وإن كان الشهر تسعاً وعشرين ، كان التاريخ بالباقى .
كالتاريخ الماضي .
وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن فى العشر الأواخر
جميعه. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((تحروها فى العشر الأواخر
وتكون فى السبع الأواخر أكثر . وأكثر ما تكون ليلة سبع وعشرين
كما كان أبي بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين. فقيل له : بأي
شيء علمت ذلك؟ فقال بالآية التى أخبرنا رسول الله. ((أخبرنا أن
الشمس تطلع صبحة صبيحتها كالطشت ، لاشعاع لها)) .
فهذه العلامة التى رواها أبي بن كعب عن النبى صلى الله عليه وسلم
٢٨٥

من أشهر العلامات فى الحديث ، وقد روى في علاماتها (( أنها ليلة
بلجة منيرة ، وهي ساكنة لا قوية الحر ، ولا قوية البرد ، وقد يكشفها
الله لبعض الناس فى المنام، أو اليقظة . فيرى أنوارها ، أو يرى من
يقول له هذه ليلة القدر ، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به
الأمر . والله تعالى أعلم .
وسئل
عن ((ليلة القدر)). و((ليلة الإسراء بالنبى صلى الله عليه وسلم))
أيهما أفضل ؟
فأجاب : بأن ليلة الإسراء أفضل فى حق النبى صلى الله عليه وسلم
وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة، فظ النبى صلى الله عليه وسلم
الذي اختص به ليلة المعراج منها أكمل من حظه من ليلة القدر .
وحظ الأمة من ليلة القدر أكمل من حظهم من ليلة المعراج . وإن
كان لهم فيها أعظم حظ . لكن الفضل والشرف والرتبة العليا إنما
حصلت فيها ، لمن أسرى به صلى الله عليه وسلم .
٢٨٦

وسئل
عن عشر ذي الحجة ، والعشر الأواخر من رمضان . أيهما أفضل ؟
فأجاب: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من
رمضان ، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالى عشر
ذى الحجة .
قال ابن القيم : وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب . وجده
شافياً كافيا ، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر
ذي الحجة ، وفيها : يوم عرفة ، ويوم النحر، ويوم التروية .
وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء ، التى كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يحييها كلها ، وفيها ليلة خير من ألف شهر .
فمن أجاب بغير هذا التفصيل ، لم يمكنه أن يدلى بحجة صحيحة .
٢٨٧

سئل شيخ الإسلام
أيما أفضل : يوم عرفة، أو الجمعة ، أو الفطر، أو النحر ؟
فأجاب : الحمد لله . أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء .
وأفضل أيام العام هو يوم النحر . وقد قال بعضهم يوم عرفة ، والأول
هو الصحيح؛ لأن فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((أفضل الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر)) لأنه يوم الحج
الأكبر فى مذهب مالك والشافعى ، وأحمد كما ثبت فى الصحيح
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يوم النحر هو يوم
الحج الأكبر)).
وفيه من الأعمال مالا يعمل فى غيره : كالوقوف بمزدلفة ، ورمي
جمرة العقبة وحدها ، والنحر ، والحلق ، وطواف الإفاضة ، فإن فعل
هذه فيه أفضل بالسنة ، واتفاق العلماء ، والله أعلم
٠
٢٨٨

وسئل
عن يوم الجمعة ، ويوم النحر ، أيهما أفضل ؟
فأجاب: يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع ، ويوم النحر أفضل
أيام العام .
قال ابن القيم : وغير هذا الجواب لا يسلم صاحبه من الاعتراض
الذي لا حيلة له فى دفعه .
وسئل : عن أفضل الأيام؟
فأجاب : الحمد لله . أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة ؛ فيه خلق
آدم. وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها .
وأفضل أيام العام: يوم النحر ، كما روي عن النبي صلى الله
عليه وسلم: (( أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)).
وسل
عن رجل نذر أنه يصوم الاثنين والخميس ، ثم بدا له أن يصوم
يوما ؛ ويفطر يوما . ولم يرتب ذلك إلا بأن يصوم أربعة أيام، ويفطر ثلاثة
أو يفطر أربعة، ويصوم ثلاثة: فأيهما أفضل ؟ أفتونا يرحمكم الله ؟
فأجاب: الحمد الله. إذا انتقل من صوم الاثنين والخميس إلى صوم
٢٨٩

يوم وفطر يوم ، فقد انتقل إلى ما هو أفضل . وفيه نزاع ، والأظهر
أن ذلك جائز . كما لو نذر الصلاة في المسجد المفضول ، وصلى فى
الأفضل ، مثل أن ينذر الصلاة فى المسجد الأقصى ، فيصلي فى مسجد
أحد الحرمين . والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عما ورد فى ثواب صيام الثلاثة أشهر ، وما تقول في الاعتكاف
فيها ، والصمت . هل هو من الأعمال الصالحات ؟ أم لا ؟
فأجاب : أما تخصيص رجب وشعبان جميعاً بالصوم ، أو الاعتكاف
فلم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ، ولا عن أصحابه. ولا
أئمة المسلمين، بل قد ثبت في الصحيح. أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يصوم إلى شعبان ، ولم يكن يصوم من السنة أكثر مما
يصوم من شعبان، من أجل شهر رمضان .
وأما صوم رجب بخصوصه ، فأحاديثه كلها ضعيفة ، بل موضوعة ،
لا يعتمد أهل العلم على شيء منها ، وليست من الضعيف الذي يروى فى
٢٩٠

الفضائل ، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات ، وأكثر ماروى فى
ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب يقول: ((اللهم
بارك لنا في رجب، وشعبان، وبلغنا رمضان » .
وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه نهى عن صوم رجب ، وفي إسناده نظر ، لكن صح
أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس ؛ ليضعوا أيديهم في الطعام
فى رجب . ويقول : لا تشبهوه برمضان .
ودخل أبو بكر فرأى أهله قد اشترواكيزانا للماء ، واستعدوا
للصوم، فقال: ((ما هذا؟! فقالوا : رجب، فقال: أتريدون أن
تشبهوه برمضان؟ وكسر تلك الكيزان)). فمتى أفطر بعضاً لم يكره
صوم البعض .
وفى المسند وغيره : حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه أمر بصوم الأشهر الحرم : وهي رجب، وذو القعدة ، وذو الحجة،
والمحرم . فهذا فى صوم الأربعة جميعاً، لا من يخصص رجبا.
وأما تخصيصها بالاعتكاف فلا أعلم فيه أمراً ، بل كل من صام صوماً
٢٩١

مشروعا ، وأراد أن يعتكف من صيامه كان ذلك حازاً بلا ريب ،
وإن اعتكف بدون الصيام ، ففيه قولان مشهوران ، وهما روايتان
عن أحمد :
أحدهما: أنه لا اعتكاف إلا بصوم، كمذهب أبي حنيفة، ومالك.
والثاني : يصح الاعتكاف ، بدون الصوم . كمذهب الشافعي .
وأما الصمت عن الكلام مطلقاً فى الصوم، أو الاعتكاف ، أو
غيرهما ، فبدعة مكروهة ، باتفاق أهل العلم . لكن هل ذلك محرم ، أو
مكروه ؟ فيه قولان فى مذهبه، وغيره .
وفى صحيح البخاري أن أبا بكر الصديق دخل على امرأة من
أحمس فوجدها مصمتة لا تتكلم، فقال لها أبو بكر : إن هذا لا يحل
إن هذا من عمل الجاهلية، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى
الله عليه وسلم رأى رجلا قائماً في الشمس ، فقال: ((من هذا ؟ فقالوا:
هذا أبو إسرائيل ، نذر أن يقوم فى الشمس ، ولا يستظل ، ولا يتكلم
ويصوم. فقال: مروء فليجلس وليستظل وليتكلم، وليتم صومه)). فأمره
صلى الله عليه وسلم مع نذره للصمت ، أن يتكلم، كما أمره مع
٢٩٢

نذره للقيام أن يجلس ، ومع نذره ألا يستظل، أن يستظل . وإنما
أمره بأن يوفى بالصوم فقط . وهذا صريح في أن هذه الأعمال ليست
من القرب التى يؤمر بها الناذر .
وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((من نذر
أن يطيح الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)). كذلك
لا يؤمر الناذر أن يفعلها ، فمن فعلها على وجه التعبد بها والتقرب ،
واتخاذ ذلك ديناً وطريقا إلى الله تعالى، فهو ضال جاهل، مخالف
لأمر الله ورسوله. ومعلوم أن من يفعل ذلك من نذر اعتكافاً،
ونحو ذلك ، إنما يفعله تدينا ، ولا ريب أن فعله على وجه التدين
حرام ، فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة ، ويتقرب إلى الله تعالى بمالا يحبه
الله، وهذا حرام ، لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم إليه ، فقد يكون
معذوراً بجهله ، إذا لم تقم عليه الحجة ، فإذا بلغه العلم فعليه التوبة .
وجماع الأمر في الكلام قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر. فليقل خيراً أو ليصمت)) فقول الخير ، وهو
الواجب ، أو المستحب ، خير من السكوت عنه ، وما ليس بواجب ،
ولا مستحب ، فالسكوت عنه خير من قوله .
٢٩٣

ولهذا قال بعض السلف لصاحبه : السكوت عن الشر خير من
التكلم به ، فقال له الآخر : التكلم بالخير خير من السكوت عنه .
وقد قال تعالى :
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْإِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْبِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ
وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْ بِأَلِّوَالنَّقْوَى ) وقال تعالى:
(لَّاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَِ بَيْنَ
النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ).
وفي السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل كلام ابن آدم
عليه لا له، إلا أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، أو ذكراً لله تعالى)
والأحاديث فى فضائل الصمت كثيرة ، وكذلك فى فضائل التكلم بالخير
والصمت عما يجب من الكلام حرام ، سواء انخذه دينا أو لم يتخذه
كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيجب أن تحب ما أحبه
الله ورسوله، وتبغض ما يبغضه الله ورسوله، وتبيح ما أباحه
الله ورسوله، ومحرم ما حرمه الله ورسوله .
٢٩٤

وقال رحم الله
فصل
قول عائشة: ((ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم
يعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله)) هذا إشارة إلى مقامه في المدينة
وأنه كان يعتكف أداء ، أو قضاء ، فإنه قد ثبت فى الصحيح أنه أراد
أن يعتكف مرة ، فطلب نساؤه الاعتكاف معه ، فرأى أن مقصود
بعضهن المباهاة ، فأمر بالخيام فقوضت ، وترك الاعتكاف ذلك العام .
حتى قضاه من شوال .
وهو صلى الله عليه وسلم لم يصم رمضان إلا تسع مرات ، فإنه
فرض فى العام الثانى من الهجرة ، بعد أن صام يوم عاشوراء ، وأمر
الناس بصيامه مرة واحدة ، فإنه قدم المدينة في شهر ربيع الأول ،
من السنة الأولى. وقد تقدم عاشورا. فلم يأمر ذلك العام بصيامه ،
فلما أهل العام الثانى أمر الناس بصيامه ، وهل كان أمر إيجاب ، أو
٢٩٥

استحباب ؟ على قولين لأصحابنا وغيرهم . والصحيح أنه كان أمر إيجاب
ابتدئ في أثناء النهار ، لم يؤمروا به من الليل .
فلما كان فى أثناء الحول - رجب أو غيره - فرض شهر رمضان
وغزا النبى صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ذلك العام - أول شهر
فرض - غزوة بدر ، وكانت يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من الشهر،
فلما نصره الله على المشركين أقام بالعرصة بعد الفتح ثلاثاً، فدخل عليه
العشر وهو في السفر ، فرجع إلى المدينة ، ولم يبق من العشر إلا
أقله ، فلم يعتكف ذلك العشر بالمدينة ، وكان في تمامه مشغولا
بأمر الأسرى ، والفداء . ولما شاورم في الفداء قام فدخل بيته
ثم خرج.
وأحواله المنقولة عنه تدل على أنه لم يعتكف تمام ذلك العشر،
لكن يمكن أنه قضى اعتكافه كما قضى صيامه ، وكما قضى اعتكاف العام
الذي أراد نساؤه الاعتكاف معه فيه، فهذا عام بدر .
وأيضا فعام الفتح سنة ثمان ، كان قد سافر في شهر رمضان ،
ودخل مكة فى أثناء الشهر ، وقد بقى منه أقله ، وهو فى مكة مشتغل
بآثار الفتح، وتسرية السرايا إلى ما حول مكة ، وتقرير أصول
٢٩٦

الإسلام بأم القرى ، والتجهز لغزو هوازن ، لما بلغه أنهم قد جمعوا له
مع مالك بن عوف النضري . وقد أقام بمكة فى غزوة الفتح تسع عشرة
ليلة بقصر الصلاة.
قالوا : لأنه لم يكن قد أجمع المقام بمكة ، لأجل غزو هوازن ،
فكان مسافراً فيها غير متفرغ للاعتكاف بمكة ذلك العام . فهذه ثلاثة
أعوام لم يعتكف فيها فى رمضان ، بل قضى العام الواحد الذي أراد
اعتكافه ثم تركه، وأما الآخران - فالله أعلم - أقضاهما مع الصوم،
أم لم يقضها مع شطر الصلاة. فقد ثبت عنه أنه قال: ((إذا مرض
العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)
وثبت عنه أنه قال: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة)):
أي الصوم أداء، والشطر أداء وقضاء ، فالاعتكاف ملحق بأحدهما .
ولم ينقل عنه أنه قضى اعتكافا فانه فى السفر ، فلا يثبت الجواز ،
إلا أنه لعموم حديث عائشة يبقى فيه إمكان، والله أعلم .
٢٩٧

وسل
عمن يعمل كل سنة ختمة فى ليلة مولد النى صلى الله عليه
وسلم ، هل ذلك مستحب ؟ أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله : جمع الناس للطعام في العيدين ، وأيام التشريق
سنة ، وهو من شعائر الإسلام التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
للمسلمين ، وإعانة الفقراء بالإطعام فى شهر رمضان ، هو من سنن
الإسلام . فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من فطر صائماً فله
مثل أجره)) وإعطاء فقراء القراء ما يستعينون به على القرآن عمل صالح
في كل وقت ، ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم فى الأجر .
وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية ، كبعض ليالي شهر ربيع
الأول ، التى يقال : إنها ليلة المولد ، أو بعض ليالي رجب ، أو ثامن
عشر ذي الحجة ، أو أول جمعة من رجب ، أو ثامن شوال ، الذي
بسميه الجمال عيد الأبرار ، فإنها من البدع التى لم يستحبها السلف ولم
يفعلوها ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٢٩٨

وسئل شيخ الإسلام
عما يفعله الناس فى يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء،
والمصافحة ، وطبخ الحبوب ، وإظهار السرور ، وغير ذلك إلى الشارع.
فهل ورد فى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث صحيح؟
أم لا ؟ وإذا لم يرد حديث صحيح فى شىء من ذلك فهل يكون فعل
ذلك بدعة أم لا ؟ وما نفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن ، والعطش،
وغير ذلك من الندب والنياحة ، وقراءة المصروع ، وشق الجيوب .
هل لذلك أصل ؟ أم لا ؟ .
فأجاب: الحمد لله رب العالمين . لم يرد فى شيء من ذلك حديث
صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا استحب
ذلك أحد من أئمة المسلمين . لا الأئمة الأربعة ، ولا غيرم. ولا روى
أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئا ، لا عن النبى صلى الله عليه وسلم،
ولا الصحابة ، ولا التابعين، لاصحيحا ولا ضعيفاً، لا فى كتب الصحيح،
٢٩٩

ولا في السنن ، ولا المسانيد ، ولا يعرف شىء من هذه الأحاديث على
عهد القرون الفاضلة .
ولكن روى بعض المتأخرين فى ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من
اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء
لم يمرض ذلك العام ، وأمثال ذلك .
ورووا فضائل فى صلاة يوم عاشوراء، ورووا أن فى يوم عاشوراء
توبة آدم ، واستواء السفينة على الجودي ، ورد يوسف على يعقوب ،
وإنجاء إبراهيم من النار ، وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك .
ورووا فى حديث موضوع مكذوب على النبى صلى الله عليه وسلم،
(( أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة)).
ورواية هذا كله عن النبى صلى الله عليه وسلم كذب ، ولكنه معروف من
رواية سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه . قال:
(( بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته))
وإبراهيم بن محمد بن المنتشر من أهل الكوفة ، وأهل الكوفة كان
فيهم طائفتان .
٣٠٠