Indexed OCR Text

Pages 261-280

يعتبر الفطر بأعلى جنسه ، ومالك يعتبر الفطر مطلقاً، فالنزاع
بينهما إذا أفطر بابتلاع حصاة أو نواة ونحو ذلك . وعن أحمد رواية
أنه إذا أفطر بالحجامة كفر ، كغيرها من المفطرات . بجنس الوطء ، فأما
الأكل والشرب ونحوهما فلا كفارة فى ذلك .
ثم تنازعوا هل يشترط الفطر من الصوم الصحيح ؟ فالشافعي
وغيره يشترط ذلك ، فلو أكل ثم جامع ، أو أصبح غير ناو للصوم
ثم جامع، أو جامع وكفر ثم جامع: لم يكن عليه كفارة ؛ لأنه لم يطأ
فى صوم صحيح .
وأحمد فى ظاهر مذهبه وغيره يقول : بل عليه كفارة فى هذه
الصور ، ونحوها ؛ لأنه وجب عليه الإمساك فى شهر رمضان ، فهو
صوم فاسد، فأشبه الإحرام الفاسد .
وكما أن المحرم بالحج إذا أفسد إحرامه لزمه المضي فيه بالإمساك عن
محظورانه ، فإذا أتى شيئاً منها كان عليه ما عليه من الإحرام الصحيح،
وكذلك من وجب عليه صوم شهر رمضان إذا وجب عليه الإمساك فيه
وصومه فاسد ، لأكل أو جماع ، أو عدم نية ، فقد لزمه الإمساك
عن محظورات الصيام . فإذا تناول شيئاً منها كان عليه ما عليه فى الصوم
٢٦١

الصحيح . وفى كلا الموضعين عليه القضاء .
وذلك لأن هتك حرمة الشهر حاصلة فى الموضعين ؛ بل هي في هذا
الموضع أشد ؛ لأنه عاص بفطره أولا ، فصار عاصياً مرتين ، فكانت
الكفارة عليه أوكد، ولأنه لو لم تجب الكفارة على مثل هذا لصار
ذريعة إلى ألا يكفر أحد ، فإنه لا يشاء أحد أن يجامع فى رمضان إلا
أمكنه أن يأكل ، ثم يجامع بل ذلك أعون له على مقصوده ، فيكون
قبل الغدا عليه كفارة ، وإذا تغدى هو وامرأته ثم جامعها فلا كفارة
عليه ، وهذا شنيع فى الشريعة لا ترد بمثله .
فإنه قد استقر فى العقول والأديان أنه كلما عظم الذنب كانت العقوبة
أبلغ ، وكلما قوى الشبه قويت، والكفارة فيها شوب العبادة ، وشوب
العقوبة ، وشرعت زاجرة وماحية ، فبكل حال قوة السبب يقتضي
قوة المسبب .
ثم الفطر بالأكل لم يكن سبباً مستقلا موجباً للكفارة . كما يقوله
أبو حنيفة ، ومالك ، فلا أقل أن يكون معيناً للسبب المستقل ، بل
٢٦٢

يكون مانعاً من حكمه ، وهذا بعيد عن أصول الشريعة .
ثم المجامع كثيراً ما يفطر قبل الإيلاج ، فتسقط الكفارة عنه بذلك
على هذا القول ، وهذا ظاهر البطلان، والله أعلم .
وسل
عن رجل أفطر نهار رمضان متعمداً، ثم جامع: فهل يلزمه القضاء
والكفارة ؟ أم القضاء بلا كفارة ؟
فأجاب : عليه القضاء .
وأما الكفارة فتجب فى مذهب مالك ، وأحمد ، وأبى حنيفة ،
ولا يجب عند الشافعي .
وسئل
عن رجل وطئ امرأته وقت طلوع الفجر معتقداً بقاء الليل ، ثم
تبين أن الفجر قد طلع ، فما يجب عليه ؟
٢٦٣

فأجاب: الحمد لله . هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:
أحدها : - أن عليه القضاء والكفارة ، وهو المشهور من
مذهب أحمد .
والثانى : أن عليه القضاء ، وهو قول ثان فى مذهب أحمد ، وهو
مذهب أبى حنيفة ، والشافعي ، ومالك .
والثالث : لا قضاء عليه ، ولا كفارة . وهذا قول طوائف من
السلف: كسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والحسن، وإسحاق ، وداود ،
وأصحابه والخلف . وهؤلاء يقولون : من أكل معتقداً طلوع الفجر ،
ثم تبين له أنه لم يطلع . فلا قضاء عليه .
وهذا القول أصح الأقوال ، وأشبها بأصول الشريعة، ودلالة
الكتاب والسنة ، وهو قياس أصول أحمد وغيره ، فإن الله رفع
المؤاخذة عن الناسي ، والمخطئ. وهذا مخطئ، وقد أباح الله الأكل
والوطء حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ،
واستحب تأخير السحور ، ومن فعل ما ندب إليه، وأبيح له ، لم يفرط
فهذا أولى بالعذر من الناسي ، والله أعلم .
٢٦٤

وسل
عما إذا قبل زوجته ، أو ضمها ، فأمذى . هل يفسد
ذلك صومه ؟ أم لا؟
فأجاب : يفسد الصوم بذلك ، عند أكثر العلماء .
وسئل عمى أفطر في رمضان إلخ
فأجاب : إذا أفطر فى رمضان مستحلا لذلك ، وهو عالم بتحريمه
استحلالا له ، وجب قتله ، وإن كان فاسقاً عوقب عن فطره فى رمضان
بحسب ما يراه الإمام، وأخذ منه حد الزنا ، وإن كان جاهلا
عرف بذلك ، وأخذ منه حد الزنا ، ويرجع فى ذلك إلى اجتهاد
الإمام ، والله أعلم .
٢٦٥

وسئل رحمه اللّه
عن المضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وذوق الطعام ، والقي ،
وخروج الدم، والادهان ، والاكتحال ؟
فأجاب : أما المضمضة والاستنشاق فمشروعان للصائم باتفاق
العلماء . وكان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يتمضمضون، ويستنشقون
مع الصوم. لكن قال للقيط بن صبرة: ((وبالغ فى الاستنشاق إلا أن
تكون صائمًا )). فنهاه عن المبالغة ؛ لا عن الاستنشاق .
وأما السواك فجائز بلا نزاع ، لكن اختلفوا في كراهيته بعد الزوال
على قولين مشهورين ، هما روايتان عن أحمد. ولم يقم على كراهيته
دليل شرعي يصلح أن يخص عمومات نصوص السواك، وقياسه على دم
الشهيد ونحوه ضعيف من وجوه . كما هو مبسوط فى موضعه .
وذوق الطعام بكره لغير حاجة ؛ لكن لا يفطره . وأما للحاجة
٢٦٦

فهو كالمضمضة .
وأما القي : فإذا استقاء: أفطر ، وإن غلبه القيء لم يفطر .
والادهان : لا يفطر بلا ريب .
وأما خروج الدم الذي لا يمكن الاحتراز منه، كدم المستحاضة ،
والجروح ، والذي يرعف ، ونحوه ، فلا يفطر ، وخروج دم الحيض
والنفاس يفطر باتفاق العلماء .
وأما الاحتجام : ففيه قولان مشهوران ، ومذهب أحمد وكثير من
السلف أنه يفطر ، والفصاد ونحوه فيه قولان فى مذهبه أحدهما
أن ذلك كالاحتجام .
ومذهبه فى الكحل الذي يصل إلى الدماغ ، أنه يفطر ، كالطيب
وللحاجة (١) ومذهب مالك نحو ذلك، وأما أبو حنيفة والشافعي رحمها
الله فلا يريان الفطر بذلك ، والله أعلم .
(١) كذا بالأصل.
٢٦٧

وسئل
عن رجل افتصد بسبب وجع رأسه وهو صائم، هل يفطر ويجب
عليه قضاء ذلك اليوم ؟ أم لا؟ وهل إذا أعلم أنه يفطر إذا افتصد ،
يأثم أم لا؟
فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة فيها نزاع فى مذهب أحمد ، وغيره
والأحوط أنه يقضي ذلك اليوم . والله أعلم .
وسئل
عن الفصاد فى شهر رمضان ، هل يفسد الصوم ؟ أم لا ؟
فأجاب: إن أمكنه تأخير الفصاد أخره ، وإن احتاج إليه لمرض
افتصد وعليه القضاء فى أحد قولي العلماء . والله أعلم.
٢٦٨

وسل
عن الميت فى أيام مرضه أدركه شهر رمضان ، ولم يكن يقدر على
الصيام ، وتوفى وعليه صيام شهر رمضان، وكذلك الصلاة مدة مرضه،
ووالديه بالحياة . فهل تسقط الصلاة والصيام عنه إذا صاما عنه ، وصليا ؟
إذا وصى ، أو لم يوص ؟
فأجاب : إذا اتصل به المرض ، ولم يمكنه القضاء ، فليس على
ورثته إلا الإطعام عنه. وأما الصلاة المكتوبة ، فلا يصلي أحد عن أحد،
ولكن إذا صلى عن الميت واحد منها تطوعا، وأهداه له، أو مام
عنه تطوعا وأهداء له ، نفعه ذلك، والله أعلم.
٢٦٩

الاقتصاد في الأعمال
المسؤول من إحسان السادة العلماء - رضي الله عنهم - حل هذه
الشبهة التى دخل على العباد بسبيها ضرر بين : وهي أن بعضهم سمع
قوله صلى الله عليه وسلم: ((أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب
الصيام إلى الله صيام داود ، كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام
سدسه، وكان يصوم يوماً ، ويفطر يوماً )) فعقد مع الله أن يصوم يوماً،
ويفطر يوماً ، فعل ذلك سنة أو أكثر ، وهو متأهل له عيال ، وهو
ذو سبب يحتاج إلى نفسه في حفظ صحته ، فحدثت عنده بعد ذلك همة
فى حفظ القرآن ، فصار مع هذه المجاهدة يتلقن كل يوم ، ويكرر .
ثم حدثت عنده مع ذلك همة إلى طلب المقصود . وقيام أكثر الليل.
وكثرة الاجتهاد ، والدأب فى العبادة ، فاجتمع عليه ثقل يبس الصيام ،
مع ضعف القوة فى السبب ، مع يبس التكرار وكثرته ، مع الييس
الحادث من الهمة الحادة ، وهو شاب عنده حرارة الشبوبية، فأثر مجموع
ذلك خللا في ذهنه ، من ذهول ، وصداع يلحقه في رأسه، وبلادة
٢٧٠

في فهمه ، بحيث أنه لا يحيط بمعنى الكلام إذا سمعه، وظهر أثر اليبس
في عينيه حتى كادنا أن تغورا . وقد وجد في هذا الاجتهاد شيئاً من
الأنوار ، وهو لا يترك هذا الصيام لعقده الذى عقده مع الله تعالى.
لخوفه أن يذهب النور الذى عنده ، فإذا نهاه أحد من أهل المعرفة
يتعلل ، ويقول : أنا أريد أن أقتل نفسى في الله . فهل صومه هذا
يوافق رضا الله تعالى؟ وهو بهذه الصفة ، أم هو مكروه ؟ لا يرضى
اللّه به . وهل يباح له هذا العقد ؟ وعليه فيه كفارة يمين أم لا؟ وهل
اشتغاله بما فيه صلاح جسمه ، وصيانة دماغه ، وعقله ، وذهنه ، ليتوفر
على حفظ فرائضه ، ومصلحة عياله الذى يرضى الله منه، ويريده منه أم لا ؟
وهل إصراره على ذلك موجب لمقت الله تعالى ، حيث يلقى نفسه إلى
التهلكة بشيء لم يجب عليه ؟
وإن كان مشروعاً فى السنة : فهل هو مشروع مطلقاً لكل أحد ؟
أم هو مخصوص بمن لا يتضرر به ؟ يسأل كشف هذه المسألة ، وحلها .
فقد أعيا هذا الشخص الأطباء ، وأحزن العقلاء لدخوله في السلوك
بالجهل ، غافلا عن مراد ربه ، ونسأل تقييد الجواب، وإعضاده بالكتاب
والسنة ، ليصل إلى قلبه ذلك ، آجركم الله تعالى، ومتع المسلمين بطول
بقائكم، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم. ورضى الله عن أصحابه أجمعين.
٢٧١

فأجاب : شيخ الإسلام العلامة الحافظ المجتهد مفتى الأنام تقى الدين
أحمد بن تيمية بخطه :
الحمد لله. جواب هذه المسألة مبنى على أصلين:
أحدهما : موجب الشرع .
والثاني : مقتضى العهد ، والنذر .
أما الأول : فإن المشروع المأمور به الذى يحبه الله ورسوله صلى
اللّه عليه وسلم هو الاقتصاد فى العبادة، كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((عليكم هدياً قاصداً، عليكم هدياً قاصداً)) وقال: ((إن هذا
الدين متين ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فاستعينوا بالغدوة والروحة
وشيء من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا )) وكلاهما فى الصحيح .
وقال أبى بن كعب: ((اقتصاد فى سنة، خير من اجتهاد فى بدعة)).
فمتى كانت العبادة توجب له ضرراً يمنعه عن فعل واجب أنفع له
منها ، كانت محرمة ، مثل أن يصوم صوماً يضعفه عن الكسب الواجب
أو يمنعه عن العقل، أو الفهم الواجب . أو يمنعه عن الجهاد الواجب،
٢٧٢

وكذلك إذا كانت توقعه في محل محرم لا يقاوم مفسدته مصلحتها ، مثل
أن يخرج ماله كله ، ثم يستشرف إلى أموال الناس ، ويسألهم .
وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها ، وأوقعته فى مكروهات ،
فإنها مكروهة . وقد أنزل الله تعالى فى ذلك قوله :
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَرِّمُواْطَيِّبَتِ مَا أَصَلَّ الَهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُ وَ أَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اَلْمُعْتَدِينَ) فإنها نزلت فى أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا
على التبتل للعبادة : هذا يسرد الصوم ، وهذا يقوم الليل كله ، وهذا
يجتنب أكل اللحم ، وهذا يجتنب النساء . فنهام اللّه سبحانه وتعالى
عن تحريم الطيبات من أكل اللحم، والنساء، وعن الاعتداء وهو الزيادة
على الدين المشروع فى الصيام ، والقيام ، والقراءة ، والذكر ، ونحو
ذلك. والزيادة فى التحريم على ما حرم والزيادة فى المباح على ما أبيح . ثم إنه
أمرم بعد هذا بكفارة ما عقدوه من اليمين على هذا التحريم ، والعدوان .
وفي الصحيحين عن أنس أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم - سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله فى السر ،
فقال بعضهم: أما أنا فأصوم لا أفطر ، وقال الآخر : أما أنا فأقوم لا
أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء: وقال الآخر : أما أنا
٢٧٣

فلا آكل اللحم. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما
بال أقوام يقولون: كذا ، وكذا ، لكني أصلى، وأنام، وأصوم، وأفطر ،
وأتزوج النساء ، وآ كل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس منى)).
وفى الصحاح من غير وجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه
كان قد جعل يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ويقرأ القرآن فى كل ثلاث ،
فنهاه النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ((لا تفعل، فإنك
إذا فعلت ذلك هجمت له العين ، ونفهت له النفس)) أى غارت العين،
وملت النفس، وشمت. وقال له: ((إن لنفسك عليك حقاً، وإن
لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، فَآت كل ذى حق حقه)).
فبين له النبى صلى اللّه عليه وسلم أن عليك أموراً واجبة من
حق النفس ، والأهل، والزائرين ، فليس لك أن تفعل ما يشغلك عن
أداء هذه الحقوق الواجبة ، بل آت كل ذى حق حقه . ثم أمره النبي
صلى الله عليه وسلم أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقال: ((إنه
يعدل صيام الدهر ، وأمره أن يقرأ القرآن فى كل شهر مرة، فقال:
إنى أطيق أفضل من ذلك، ولم يزل يزايده ، حتى قال : فصم
يوماً ، وأفطر يوماً ، فإن ذلك أفضل الصيام . قال : إني أطيق أفضل
٢٧٤

من ذلك ، قال : لا أفضل من ذلك )) .
وكان عبد الله بن عمرو لما كبر يقول : ياليتنى قبلت رخصة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وكان ربما عجز عن صوم يوم، وفطر
يوم . فكان يفطر أياماً ، ثم يسرد الصيام أياماً، بقدرها ، لئلا يفارق
النبى صلى الله عليه وسلم على حال ثم ينتقل عنها . وهذا لأن
بدنه كان يتحمل ذلك . وإلا فمن الناس من إذا صام يوماً ، وأفطر
يوماً ، شغله عما هو أفضل من ذلك ، فلا يكون الصوم أفضل في حقه .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا ، فإنه كان أفضل من
صوم داود . ومع هذا فقد ثبت عنه فى الصحيح أنه سئل عمن يصوم
الدهر فقال: ((من صام الدهر فلا صام، ولا أفطر)). وسئل عمن
يصوم يومين، ويفطر يوماً، فقال: ((ومن يطيق ذلك)). وسئل عمن
يصوم يوماً، ويفطر يومين، فقال: ((وددت أنى طوقت ذلك))،
وسئل عمن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقال: ((ذلك أفضل الصيام)»
فأخبر أنه ود أن يطيق صوم ثلث الدهر ؛ لأنه كان له من الأعمال
التى هي أوجب عليه، وأحب إلى الله ما لا يطيق معه صوم ثلث الدهر.
وكذلك ثبت عنه في الصحيح أنه لما قرب من العدو في غزوة الفتح
٢٧٥

فى رمضان ، أمر أصحابه بالفطر، فبلغه أن قوماً صاموا فقال: ((أولئك
العصاة )) وصلى على ظهر دابته مرة ، وأمرمن معه أن يصلوا على ظهور
دوابهم ، فوثب رجل عن ظهر دابته فصلى على الأرض ، فقال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((مخالف، خالف الله به)). فلم يمت حتى ارتد
عن الإسلام . وقال ابن مسعود : إنى إذا صمت ضعفت عن قراءة
القرآن ، وقراءة القرآن أحب إلي . وهذا باب واسع قد بسط في غير
هذا الموضع .
وأما ((الأصل الثانى)): وهو أنه إذا عاهد الله على ذلك، ونذره.
فالأصل فيه ما أخرجا فى الصحيحين عن عائشة قالت : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، ومن نذر أن
يعصى الله فلا يعصه )) فإذا كان المنذور الذى عاهد الله يتضمن ضرراً
غير مباح ، يفضى إلى ترك واجب ، أو فعل محرم ، كان هذا معصية
لا يجب الوفاء به ، بل لو نذر عبادة مكروهة مثل قيام الليل كله ،
وصيام النهار كله ، لم يجب الوفاء بهذا النذر .
ثم تتنازع العلماء : هل عليه كفارة يمين ؟ على قولين :
أظهرهما : أن عليه كفارة يمين ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه
٢٧٦

وسلم فى الصحيح أنه قال: ((كفارة النذر كفارة يمين)) وقال: ((النذر
حلفة)) وفى السنن عنه: ((لا نذر فى معصية، وكفارته كفارة يمين))
وقد ذكرنا سبب نزول الآية .
ومثل ذلك ما رواه البخارى فى صحيحه ، عن ابن عباس ، أن النبى
صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائماً فى الشمس، فقال: ((ما هذا؟
فقالوا : هذا أبو إسرائيل ، نذر أن يقوم ، ولا يستظل ، ولا يتكلم .
وأن يصوم . فقال: مروه فليتكلم ، وليستظل ، وليقعد، وليتم صومه))
فلما نذر عبادة غير مشروعة من الصمت والقيام والتضحية أمره بفعل
المشروع وهو الصوم في حقه ، ونهاء عن فعل غير المشروع .
وأما إذا عجز عن فعل المنذور ، أو كان عليه فيه مشقة ، فهنا
يكفر ، ويأتى بيدل عن المنذور ، كما في حديث عقبة بن عامر أن أخته
لما نذرت أن تحج ماشية، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله
لغنى عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب ولتهد - وروى ولتصم))
فهذا الرجل الذي عقد مع الله تعالى صوم نصف الدهر، وقد أضر
ذلك بعقله ، وبدنه، عليه أن يفطر ويتناول ما يصلح عقله وبدنه ،
ويكفر كفارة يمين، ويكون فطره قدر ما يصلح به عقله وبدنه ،
٢٧٧

على حسب ما يحتمله حاله إما أن يفطر ثلثى الدهر، أو ثلاثة أرباعه ، أو
جميعه، فإذا أصلح حاله ، فإن أمكنه العود إلى صوم يوم ، وفطر يوم
بلا مضرة ، وإلا صام ما ينفعه من الصوم ، ولا يشغله عما هو أحب
إلى اللّه منه. فالله لا يحب أن يترك الأحب إليه بفعل ما هو دونه،
فكيف يوجب ذلك .
وأما النور الذى وجده بهذا الصوم: فمعلوم أن جنس العبادات ليس شراً
محضاً ، بل العبادات المنهي عنها تشتمل على منفعة ومضرة، ولكن لما ترجح
ضررها على نفعها نهى عنها الشارع، كما نهى عن صيام الدهر، وقيام الليل كله .
دائماً . وعن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، مع أن خلقاً يجدون في المواصلة
الدائمة نوراً بسبب كثرة الجوع ، وذلك من جنس ما يجده الكفار من
أهل الكتاب والأميين ، مثل الرهبان ، وعباد القبور ، لكن يعود ذلك
الجوع المفرط الزائد على الحد المشروع يوجب لهم ضرراً فى الدنيا
والآخرة، فيكون إنمه أكثر من نفعه. كما قد رأينا من هؤلاء خلقاً
كثيراً آل بهم الإفراط فيما يعانونه من شدائد الأعمال إلى التفريط
والتشبيط ، والملل والبطالة ، وربما انقطعوا عن الله بالكلية ، أو بالأعمال
المرجوحة عن الراجحة ، أو بذهاب العقل بالكلية ، أو بحصول خلل
فيه ، وذلك لأن أصل أعمالهم وأساسها على غير استقامة ومتابعة .
٢٧٨

وأما قوله: أريد أن أقتل نفسي فى الله . فهذا كلام مجمل ، فإنه
إذا فعل ما أمره الله به ، فأفضى ذلك إلى قتل نفسه، فهذا محسن في
ذلك كالذي يحمل على الصف وحده حملا فيه منفعة للمسلمين ، وقد
اعتقد أنه يقتل ، فهذا حسن . وفي مثله أنزل الله قوله : (وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللَّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ)، ومثل
ما كان بعض الصحابة ينغمس فى العدو بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم
وقد روي الخلال بإسناده عن عمر بن الخطاب: (( أن رجلا حمل على
العدو وحده ، فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة . فقال عمر:
لا، ولكنه ممن قال الله فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْثِغَآءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ).
وأما إذا فعل مالم يؤمر به، حتى أهلك نفسه ، فهذا ظالم متعد
بذلك : مثل أن يغتسل من الجنابة فى البرد الشديد ، بماء بارد ، يغلب
على ظنه أنه يقتله ، أو يصوم فى رمضان صوماً يفضي إلى هلاكه ، فهذا
لا يجوز . فكيف فى غير رمضان .
وقد روى أبو داود فى سننه ، فى قصة الرجل الذي أصابته جراحة
فاستفتى من كان معه : هل تجدون لي رخصة فى التيمم ؟ فقالوا : لا
نجد لك رخصة ، فاغتسل ، فمات . فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
٢٧٩

((قتلوه، قتلهم الله، هلا سألوا إذا لم يعلموا ، فإنما شفاء
العي السؤال )).
وكذلك روى حديث عمرو بن العاص ، لما أصابته الجنابة فى غزوة
ذات السلاسل . وكانت ليلة باردة فتيمم ، وصلى بأصحابه ، بالتيمم ،
ولما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (( يا عمرو:
أصليت بأصحابك ، وأنت جنب؟ فقال : يا رسول الله ! إنى سمعت الله
يقول: (وَلَا نَقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ) فضحك، ولم يقل شيئاً)) فهذا عمرو قد
ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مأمور بها ،
هي من قتل النفس المنهى عنه ، وأقره النبى صلى الله عليه وسلم
على ذلك .
وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة ، والإجماع ، كما ثبت
عنه فى الصحاح أنه قال: ((من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة))
وفي الحديث الآخر: (( عبدي بادأنى بنفسه ، فحرمت عليه الجنة ،
وأوجبت له النار)). وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه
الجراح ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بخبر أنه من أهل النار،
لعلمه بسوء خاتمته، وقد كان صلى اللّه عليه وسلم لا يصلي على من
٢٨٠