Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌ُمُ فَُّوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْعْ وَتَرَتِبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْمُحَمَّدُ بْزُقَاسْم ◌ُرَحَمَةُ اله)
وَسَاعَدَهُ ابنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللّه)»
المجّد الخامس والعشرون
طَبِعَ بِأمْر
خَادِمُ الجَّهَيْ الشَِّرْفَيْ المَلِ فَهْدِبْ عَبْدِ العَزيز الُعُودِ
أجْزَل اللّه مَتُوبِتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ لِلَلِكِ فَهْلِ لِطْبَّائَةِ المُصُنَّحِفِالشَّرِف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَةُ القُّنُؤُوْنِ الإسْلَامِيَّةِ وَالْأَوْقَافِ وَالَّعْوُمْ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبد الحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٣٥٢ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
١-٤٥ -٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٥)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
١-٤٥- ٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٥ )

كتب
الفقه
الجزء الخامس
الزكاة والصوم

حِلِّ لَّهِالرَّحَمِ
بِسْـ
كتاب الزكاة
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله
الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا،
ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي
له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً
عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما (١) .
أما بعد : فإن الله تعالى أنعم على عباده بمحمد صلى الله عليه وسلم
فهو أعظم نعمة عليهم، ومن قبلها تمت عليه النعمة ، وأكمل له الدين وجعله
من خير أمة أخرجت للناس ، فبعثه بالهدى ودين الحق ، وأنزل عليه الكتاب
والحكمة ، وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب ، وأمر فيه
(١) هذه ((قاعدة تتعلق بالزكاة)).
٥

بعبادة الله، وبالإحسان إلى خلق الله. فقال تعالى: (وَأَعْبُدُ واْ اللَّهَ
وَلَا تُشْرِكُواْبِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَ يْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَنَمَى وَاَلْمَسَكِينِ وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنَّبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ).
وجعل دينه ثلاث درجات : إسلام ، ثم إيمان ، ثم إحسان .
وجعل الإسلام مبنياً على أركان خمسة: ومن آكدها الصلاة،
وهي خمسة فروض ، وقرن معها الزكاة، فمن آكد العبادات الصلاة،
وتليها الزكاة ، ففي الصلاة بعبادته ، وفى الزكاة الإحسان إلى خلقه ،
فكرر فرض الصلاة في القرآن فى غير آبة، ولم يذكرها إلا قرن
معها الزكاة .
من ذلك قوله تعالى: (وَأَقِيمُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ) وقال :
(فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِ آلِينِ ) وقال :
(وَمَا أُمِرُ وَا إِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ حُنَّفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ
اُلْقَيِّمَةِ ) .
وفي الصحيحين : من حديث أبى هريرة ،ورواه مسلم من حديث
عمر (( أن جبريل سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الإسلام
٦

فقال : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)). وعنه قال
صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا
الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا
فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم ، وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على
الله)). ولما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: ((إنك تقدم على قوم أهل
كتاب ، فليكن أول ما ندعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني
رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم
خمس صلوات فى كل يوم وليلة ، فإن م أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله
قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فترد على فقرائهم ، فإن
ثم أطاعوك لذلك خذ منهم، وتوق كراثم أموالهم، وانق دعوة المظلوم
فإنه ليس بينها وبين الله حجاب )) .
فصل
وجاء ذكر الصلاة والزكاة فى القرآن مجملا ، فبينه الرسول
صلى الله عليه وسلم، وإن بيانه أيضاً من الوحي؛ لأنه سبحانه أنزل
عليه الكتاب والحكمة .
٧

قال حسان بن عطية : كان جبريل ينزل على النى صلى الله عليه
وسلم بالسنة يعلمه إياها ، كما يعلمه القرآن. وقد ذكرت في الصلاة فصلا
قبل هذا .
والمقصود هنا ذكر الزكاة . فنذكر ما تيسر من أحكامها ، وبعض
الأحاديث ، وشيئاً من أقوال الفقهاء . فقد سمى الله الزكاة صدقة ،
وزكاة . ولفظ الزكاة في اللغة بدل على النمو ، والزرع يقال فيه :
زكا، إذا نما ، ولا ينمو إلا إذا خلص من الدغل . فلهذا كانت
هذه اللفظة فى الشريعة تدل على الطهارة : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّنْهَا )
(قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزََّى ) نفس المتصدق تزكو، وماله يزكو ، يطهر ويزيد
في المعنى .
وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة ، ولا تكون المواساة إلا
فيما له مال من الأموال ، فحد له أنصبة ، ووضعها في الأموال النامية ،
فمن ذلك ما ينمو بنفسه ؛ كالماشية، والحرث . وما ينمو بتغير عينه
والتصرف فيه كالعين ، وجعل المال المأخوذ على حساب التعب ، فما
وجد من أموال الجاهلية هو أقله تعباً ففيه الخمس ، ثم مافيه التعب
من طرف واحد فيه نصف الخمس ، وهو العشر فيما سقته السماء ، وما
فيه التعب من طرفين فيه ربح الخمس ، وهو نصف العشر فيما سقى
بالنضح ، وما فيه التعب في طول السنة كالعين ففيه ثمن ذلك وهو
ربع العشر .
٨

فصل
وافتتح مالك رحمه الله (كتاب الزكاة ) فى موطئه بذكر حديث
أبى سعيد ؛ لأنه أصح ما روى في الباب ، وكذلك فعل مسلم فى صحيحه
وفيه ذكر نصاب الورق ، ونصاب الإبل . ونصاب الحب والثمر ، ثم
الماشية والعين ، لابد فيها من مرور الحول. فثنى بما رواه عن أبى
بكر ، وعمر، وابن عمر ، رضي الله عنهم . فى اعتبار الحول . ولو كان
قد خالفهم معاوية ، وابن عباس ، فما رواه أو قاله الخلفاء حجة على
من خالفهم ، لا سيما الصديق لقوله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتى
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)) وقوله: ((إن يطع القوم
أبا بكر ، وعمر، يرشدوا)).
ثم ذكر ((نصاب الذهب)) والحجة فيه أضعف من الورق ،
فلهذا أخره .
ثم ذكر ما تؤخذ الزكاة منه ، فذكر الأحاديث والآيات فى ذلك
وأجودها حديث عمر بن الخطاب ، وكنابه في الصدقة ، وذكر عن
عمر بن عبد العزيز : أن الصدقة لا تكون إلا فى العين ، والحرث ،
٩

والماشية، واختاره . وقال ابن عبد البر: وهو إجماع ، أن الزكاة
فيما ذكر ، وقال ابن المنذر الإمام أبو بكر النيسابوري : أجمع أهل
العلم على أن الزكاة تجب فى تسعة أشياء: فى الإبل ، والبقر ، والغم
والذهب ، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والزبيب . إذا بلغ من
كل صنف منها ما تجب فيه الزكاة .
فصل
في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ، ولا فيما دون خمس ذود
صدقة ، ولا فيما دون خمس أواق صدقة . وأشار بخمس أصابعه )) وفى
لفظ - ((ليس فيما دون خمسة أو ساق من تمر ، ولا حب صدقة .
وفى لفظ: تمر)) بالثاء المثلثة. وفي لفظ (( ليس فيما دون خمس أواق من
الورق صدقة )) ورواه مسلم عن جابر ، وروى مسلم عن جابر عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((فيما سقت الأنهار والغيم العشر،
وفيما سقى بالسانية نصف العشر )) ورواه البخاري من حديث ابن عمر
ولفظه (( فيما سقت السماء والعيون ، أو كان عثرياً العشر ، وما سقى
بالنضح نصف العشر )).
وفى الموطأ ((العيون والبعل)) والبعل: ما شرب بعروقه ويمتد فى الأرض
١٠

ولا يحتاج إلى سقي من الكرم، والنخل. و((العثرى)) ما نسقيه
السماء ، وتسميه العامة العدى وقيل يجمع له ماء المطر فيصير سواقياً
يتصل الماء بها .
قال أبو عمر بن عبد البر: في الحديث الأول ((فوائد))
منها : إيجاب الصدقة فى هذا المقدار ، ونفيها عما دونه و((النود
من الإبل)) من الثلاثة إلى العشرة، و((الأوقية )) اسم لوزن أربعين
درهما، و ((النش)) نصف أوقية، و ((النواة)) خمسة دراهم، قاله
أبو عبيد القاسم بن سلام ، وما زاد على المائتين: وهي الخمس الأواق
فظاهر هذا الحديث إيجاب الزكاة فيه لعدم النص بالعفو عما زاد ،
ونصه على العفو فيما دونها ، وذلك إيجاب لها فى الخمس فما فوقها ،
وعليه أكثر العلماء ، روي ذلك عن علي ، وابن عمر ، وهو مذهب
مالك ، والثوري ، والأوزاعى ؛ والليث ، وابن أبى ليلى، والشافعي ،
وأبى يوسف ، ومحمد ، وأحمد ، وإسحق ، وأبى عبيد ، وأبى ثور .
وقالت طائفة لا شيء في الزيادة حتى يبلغ أربعين درهما .
وفى الذهب أربعة دنانير . يروى هذا عن عمر ، وبه قال سعيد
والحسن ، وطاووس وعطاء ، والزهري ، ومكحول ، وعمرو بن دينار
١١

وأبو حنيفة . وأما ما زاد على الخمسة أوسق ففيه الزكاة عند الجميع .
فصل
((فنصاب الورق)) التى تجب زكاته ماتنا درم ، على ما فى هذا
الحديث، وهو قوله: (( خمس أواق من الورق)) وهذا مجمع عليه.
وفي حديث أنس فى الصحيحين أيضاً: «وفى الرقة ربع العشر)).
وأما ((نصاب الذهب)) فقد قال مالك في الموطأ : السنة التى
لا اختلاف فيها عندنا : أن الزكاة تجب في عشرين ديناراً ، كما يجب
فى مائتى درهم. فقد حكى مالك إجماع أهل المدينة ، وما حكي خلاف إلا
عن الحسن أنه قال : لا شيء فى الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالا . نقله
ابن المنذر . وأما الحديث الذي يروى فيه فضعيف .
وما دون العشرين فإن لم تكن قيمته مائتى درهم ، فلا زكاة فيه
بالإجماع ، وإن كان أقل من عشرين ، وقيمته مائتى درم ، ففيه الزكاة
عند بعض العلماء من السلف .
ودل القرآن والحديث على إيجاب الزكاة فى الذهب ، كما وجبت في
الفضة. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى
١٢

سَكِيلِ اللَّهِ ) الآية. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ما من صاحب
ذهب ولا فضة لا يؤدي منها زكاتها)) الحديث. وسيأتى إن شاء الله ،
وسواء فى ذلك المضروب منها درامٍ ، ودنانير، وغير المضروب .
فصل
وهل يضم الذهب إلى الفضة فيكل بهما النصاب ويزكى أم لا ؟
على ستة أقوال :
قيل : لا يضم أحدهما إلى الآخر ، وهو قول الشافعي ، وروي
عن شريك ، والحسن بن صالح .
وقيل: يضم الذهب؛ لأنه تبع ، ولا يضم الورق إلى الذهب ؛
لأنها أصل .
وقيل : يضم بشرط أن الأقل يتبع الأكثر ، وهو قول
الشعبى ، والأوزاعي .
وقيل : بضم ، لكن بالقيمة . وهو قول أبى حنيفة ، والثوري .
وقيل : يضم بالأجزاء ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، والنخعي .
١٣

وهو مذهب مالك، وصاحب أبى حنيفة : أبو يوسف . فعند هؤلاء :
من كان معه عشرة دنانير ، ومائة درهم ؛ وجبت الزكاة . فإن كان قيمة
العشرة مائة وخمسين ، ومعه خمسون درهما لم تجب الزكاة ؛ لأن
الدينار فى الزكاة عشرة درام ، والضم بالأجزاء لا بالقيمة .
فصل
والحول شرط في وجوب الزكاة فى العين ، والماشية ، كما كان النبى
صلى الله عليه وسلم يبعث عماله على الصدقة كل عام ، وعمل بذلك
الخلفاء فى الماشية والعين ، لما علموه من سنته ، فروى مالك في موطئه
عن أبى بكر الصديق ، وعن عثمان بن عفان ، وعن عبد الله بن عمر
أنهم قالوا : هذا شهر زكاتكم. وقالوا: لا تجب زكاة مال حتى يحول
عليه الحول . قال أبو عمر بن عبد البر : وقد روى هذا عن على ،
وعبد الله بن مسعود ، وعليه جماعة الفقهاء قديماً ، وحديثاً . إلا ما
روى عن معاوية ، وعن ابن عباس ، كما تقدم .
فمن ملك نصابا من الذهب أو الورق وأقام في ملكه حولا ،
وجبت فيه الزكاة . وإن ملك دون النصاب ثم ملك ما يتم النصاب ،
نى الأول على حول الثانى. فالاعتبار من يوم كمل النصاب . وإن ملك
١٤

نصابا ثم بعد مدة ملك نصابا بنى كل واحد منهما على حوله ، وربح
المال مضموم إلى أصله، يزكى الربح الحول الأصل ، وإذا كان الأصل
نصابا عند الجمهور . وإن كان الأصل دون النصاب فتم عند الحول نصابا
برمجه ففيه الزكاة عند مالك - رحمه الله - وإن كان معه عرض
للتجارة ، ثم ملك ما يكمل النصاب فعليه الزكاة .
ـصـل
وأما العروض التى للتجارة ، ففيها الزكاة ، وقال ابن المنذر : أجمع
أهل العلم أن في العروض التى يراد بها التجارة الزكاة ، إذا حال عليها
الحول : روي ذلك عن عمر وابنه ، وابن عباس ، وبه قال الفقهاء
السبعة ، والحسن ، وجابر بن زيد ، وميمون بن مهران ، وطاوس ،
والنخعي ، والثوري ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة، وأحمد ، وإسحاق ،
وأبو عبيد ، وحكى عن مالك وداود : لا زكاة فيها . وفى سنن أبى
داود عن سمرة قال: ((كان النبى صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن يخرج
الزكاة مما نعده للبيع)). وروى عن حماس، قال: مر بى عمر،
فقال : أد زكاة مالك ، فقلت : مالي إلا جعاب وأحم ، فقال قومها ،
ثم أد زكاتها . واشتهرت القصة بلا منكر ، فهي إجماع .
١٥

وأما مالك فمذهبه أن التجار على قسمين : متربص ، ومدير .
فالمتربص : وهو الذي يشتري السلع ، وينتظر بها الأسواق ،
فربما أقامت السلع عنده سنين ، فهذا عنده لا زكاة عليه، إلا أن يبيع
السلعة فيزكيها لعام واحد ، وحجته أن الزكاة شرعت فى الأموال النامية
فإذا زكى السلعة كل عام - وقد تكون كاسدة - نقصت عن
شرائها فيتضرر ، فإذا زكيت عند البيع فإن كانت ربحت فالربح كان
كامناً فيها ، فيخرج زكاته ، ولا يزكي حتى يبيع بنصاب ثم يزكي بعد
ذلك ما يبيعه من كثير ، وقليل .
وأما المدير: وهو الذي يبيع السلع في أثناء الحول ، فلا يستقر بيده
سلعة ، فهذا يزكى فى السنة الجميع ، يجعل لنفسه شهراً معلوماً ، بحسب
ما بيده من السلع والعين، والدين الذي على المليء الثقة ، ويزكي
الجميع ، هذا إذا كان ينض فى يده فى أثناء السنة ، ولو درهم ، فإن لم
يكن يبيع بعين أصلا ، فلا زكاة عليه عنده .
فصل
وأما ((الحلي)) فإن كان للنساء فلا زكاة فيه عند مالك، والليث
والشافعي ، وأحمد، وأبى عبيد، وروي ذلك عن عائشة ، وأسماء،
١٦

وابن عمر، وأنس، وجابر - رضي الله عنهم - وعن جماعة من
التابعين . وقيل : فيه الزكاة ، وهو مروى عن عمر ، وابن مسعود ،
وابن عباس ، وابن عمر، وجماعة من التابعين ، وهو مذهب أبى حنيفة
والثوري ، والأوزاعي .
وأما حلية الرجال : فما أبيح منه فلا زكاة فيه ، كلية السيف ،
والخاتم الفضة، وأما ما يحرم اتخاذه كالأوانى، ففيه الزكاة . وما
اختلف فيه من محلية المنطقة ، والخوذة ، والجوشن ، ونحو ذلك ففي
زكانه خلاف ، فعند مالك والشافعي فيه الزكاة ، ولا يجوز اتخاذه ،
وأباحه أبو حنيفة وأحمد إذا كان من فضة ، وأما حلية الفرس كالسرج
واللجام والبرذون ، فهذا فيه الزكاة عند جمهور العلماء . وقد منع من
اتخاذه مالك، والشافعى، وأحمد. وكذلك الدواة، والمكحلة ، ونحو
ذلك فيه الزكاة عند الجمهور ، سواء كان فضة أو ذهباً .
فصل
وتجب الزكاة فى مال اليتامى عند مالك ، والليث ، والشافعي ،
وأحمد، وأبي ثور ، وهو مروى عن عمر، وعائشة، وعلي ، وابن عمر
وجابر - رضي الله عنهم - قال عمر : انجروا فى أموال اليتامى،
١٧

لا تأكلها الزكاة ، وقالته عائشة أيضاً . وروى ذلك عن الحسن بن
علي ، وهو قول عطاء ، وجابر بن زيد ، ومجاهد ، وابن سيرين .
فصل
المال المغصوب والضائع ونحو ذلك. قال مالك : ليس فيه زكاة
حتى يقبضه ، فيزكيه لعام واحد ، وكذلك الدين عنده لا يزكيه حتى
يقبضه زكاة واحدة ، وقول مالك: يروى عن الحسن ، وعطاء ، وعمر
ابن عبد العزيز . وقيل : يزكى كل عام إذا قبضه زكاه عما مضى ،
وللشافعي قولان .
فصل
والمعادن : إذا أخرج منها نصابا من الذهب ، والفضة ، ففيه الزكاة
عند أخذه : عند مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وزاد أحمد الياقوت ،
والزبرجد، والبلور، والعقيق، والكحل ، والسبح، والزرنيخ . وعند
إسحاق ، وابن المنذر : يستقبل به حولا ويزكيه ، وأبو حنيفة يجعل
فيه الخمس ، وله قول أنه لا يخرج إلا فيما ينطبع : كالحديد، والرصاص
والنحاس ، دون غيره .
١٨

وأما ما يخرج من البحر كاللؤلؤ، والمرجان ، فلا زكاة فيه عند
الجمهور . وقيل فيه الزكاة ، وهو قول الزهري ، والحسن البصري ،
ورواية لأحمد .
فصل
والدين بسقط زكاة العين: عند مالك، وأبى حنيفة ، وأحمد ،
وأحد قولي الشافعي ، وهو قول عطاء ، والحسن، وسليمان بن يسار ،
وميمون بن مهران ، والنخعي ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ،
وإسحق ، وأبى ثور .
واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد قال :
سمعت عثمان - رضي الله عنه - يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن
كان عليه دين فليؤده ، حتى تخلص أموالكم تؤدون منها الزكاة .
وعند مالك إن كان عنده عروض توفي الدين ترك العين وجعلها فى
مقابلة الدين ، وهي التى يبيعها الحاكم فى الدين ما يفضل عن ضرورته ،
وإن كان له دين على مليء ثقة جعله فى مقابلة دينه أيضاً . وزكى العين
فإن لم يكن إلا ما بيده ، سقطت الزكاة .
فصل
واختلف: هل فى العسل زكاة ؟ فكان الخلاف فيه بين أهل المدينة.
١٩

فرأى الزهري أن فيه الزكاة ، وهو قول الأوزاعي، وأبى حنيفة
وأصحابه ، وهو قول ربيعة ، ويحيى بن سعيد ، وهو العشر . وفند
مالك والشافعى وأحمد لا زكاة فيه .
فصل
وأما الحديث الثانى: وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((فيما سقت
السماء ، والعيون العشر)). الحديث. ففيه ما اتفق العلماء عليه ، وهو
المقدار المأخوذ من المعشرات ، ولكن اختلفوا فى أي شيء يجب
العشر ، ونصفه .
فقالت طائفة يجب العشر فى كل ما يزرعه الآدميون من الحبوب،
والبقول، وما أنبته تجاراتهم من الثمار ، قليل ذلك وكثيره، ويروى
هذا عن حماد بن أبي سليمان ، وأبى حنيفة ، وزفر .
وقال أبو يوسف ومحمد : لا يجب إلا فيما له ثمرة باقية ، فيما يبلغ
خمسة أوسق . وقال أحمد: يجب العشر فيما بيبس ، ويبقى ، مما يكال
ويبلغ خمسة أوسق ، فصاعداً . وسواء عنده أن يكون قوناً كالخنطة ،
والشعير، والأرز ، والذرة ، أو من القطنيات كالباقلاء، والعدس، أو
من الأبازير كالكفرة، والكمون، والكراويا، والبزر ، كبزر الكتان،
٢٠