Indexed OCR Text

Pages 201-220

والناس في هذه السنن الرواتب على ثلاثة أقوال :
منهم من لا يوقت في ذلك شيئاً . كقول مالك، فإنه لا يرى سنة
إلا الوتر ، وركعتى الفجر . وكان يقول إنما يوقت أهل العراق .
ومنهم من يقدر فى ذلك أشياء بأحاديث ضعيفة، بل باطلة ، كما
يوجد في مذاهب أهل العراق ، وبعض من وافقهم من أصحاب الشافعي
وأحمد ، فإن هؤلاء يوجد فى كتبهم من الصلوات المقدرة والأحاديث
فى ذلك ما يعلم أهل المعرفة بالسنة أنه مكذوب على النبى صلى الله عليه
وسلم، كمن روى عنه صلى الله عليه وسلم: (( أنه صلى قبل العصر
أربعاً)) ((أو أنه قضى سنة العصر)) أو ((أنه صلى قبل الظهر ستا))
أو ((بعدها أربعاً)) أو ((أنه كان يحافظ على الضحى)). وأمثال ذلك
من الأحاديث المكذوبة على النى صلى الله عليه وسلم .
وأشد من ذلك ما يذكره بعض المصنفين فى ((الرقائق والفضائل)»
في الصلوات الأسبوعية ، والحولية : كصلاة يوم الأحد ، والاثنين ،
والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، والسبت ، المذكورة في كتاب
أبي طالب، وأبى حامد، وعبد القادر، وغيرم. وكصلاة ((الألفية)) التى
في أول رجب، ونصف شعبان، والصلاة ((الاثني عشرية)) التى في
أول ليلة جمعة من رجب ، والصلاة التى فى ليلة سبع وعشرين من
٢٠١

رجب ، وصلوات أخر تذكر فى الأشهر الثلاثة ، وصلاة ليلتى العيدين
وصلاة يوم عاشوراء ، وأمثال ذلك من الصلوات المروية عن النبى صلى
الله عليه وسلم، مع اتفاق أهل المعرفة بحديثه أن ذلك كذب عليه،
ولكن بلغ ذلك أقواماً من أهل العلم والدين ، فظنوه صحيحاً ،
فعملوا به ، وم مأجورون على حسن قصدهم واجتهادم ، لا على
مخالفة السنة .
وأما من تبينت له السنة فظن أن غيرها خير منها فهو ضال مبتدع ،
بل كافر .
والقول الوسط العدل هو ما وافق السنة الصحيحة الثابتة عنه صلى
الله عليه وسلم: وقد ثبت عنه أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ، وفي
صحيح مسلم عنه أنه قال: (( من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل
بعدها أربعاً )) . وقد روى الست عن طائفة من الصحابة جمعاً بين
هذا وهذا .
والسنة أن يفصل بين الفرض والنفل فى الجمعة ، وغيرها . كما
ثبت عنه في الصحيح ((أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن توصل صلاة
بصلاة ، حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام )) فلا يفعل ما يفعله كثير من
الناس . يصل السلام بركعتى السنة ، فإن هذا ركوب لنهي النبي صلى الله
٢٠٢

عليه وسلم . وفي هذا من الحكمة التمييز بين الفرض وغير الفرض ،
كما يميز بين العبادة وغير العبادة.
ولهذا استحب تعجيل الفطور، وتأخير السحور ، والآكل يوم
الفطر قبل الصلاة ، ونهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين ، فهذا
كله للفصل بين المأمور به من الصيام ، وغير المأمور به ، والفصل بين
العبادة وغيرها . وهكذا تميز الجمة التى أوجبها اللّه من غيرها .
وأيضاً فإن كثيراً من أهل البدع كالرافضة وغيرهم لا ينوون الجمعة
بل ينوون الظهر ، ويظهرون أنهم سلموا ، وما سلموا، فيصلون ظهراً
ويظن الظان أنهم يصلون السنة ، فإذا حصل التمييز بين الفرض
والنفل كان فى هذا منع لهذه البدعة ، وهذا له نظائر كثيرة ، والله
سبحانه أعلم .
٢٠٣

وسل
عن رجل خرج إلى صلاة الجمعة، وقد أقيمت الصلاة : فهل يجرى
إلى أن يأتي الصلاة ، أو يأتى هونا ولو فانته ؟ .
فأجاب: الحمد لله . إذا خشي فوت الجمعة ، فإنه يسرع حتى يدرك
منها ركعة فأكثر ، وأما إذا كان يدركها مع المشي وعليه السكينة
فهذا أفضل ، بل هو السنة، والله أعلم .
وسئل
عن الصلاة يوم الجمعة بالسجدة : هل يجب المداومة عليها
أم لا ؟.
فأجاب : الحمد لله. ليست قراءة (المّ * تَنزِيلُ) التى فيها السجدة
ولا غيرها من ذوات السجود واجبة فى فجر الجمعة باتفاق الأئمة ، ومن
اعتقد ذلك واجباً أو ذم من ترك ذلك فهو ضال مخطئ ، يجب عليه
٢٠٤

أن يتوب من ذلك باتفاق الأمة . وإنما تنازع العلماء في استحباب ذلك
وكراهيته . فعند مالك يكره أن يقرأ بالسجدة فى الجهر . والصحيح أنه
لا يكره ، كقول أبى حنيفة ، والشافعى، وأحمد ؛ لأنه قد ثبت فى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فى العشاء بـ (إِذَا السَّمَآءُ
آنْتَقَّتْ ) وثبت عنه فى الصحيحين أنه كان يقرأ فى الفجر يوم الجمعة
(الَّ * تَنِيِلُ) و (هَلْأَ). وعند مالك يكره أن يقصد سورة
بعينها . وأما الشافعي وأحمد فيستحبون ما جاءت به السنة، مثل الجمعة
والمنافقين، فى الجمعة . والذاريات واقتربت فى العيد، وألم تنزيل وهل
أتى فى فجر الجمعة.
لكن هنا مسألتان نافعتان :
(إحداهما ) أنه لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى
باتفاق الأئمّة ، فليس الاستحباب لأجل السجدة، بل للسورتين، والسجدة
جاءت اتفاقا، فإن هاتين السورتين فيها ذكر ما يكون فى يوم الجمعة من
الخلق والبعث .
( الثانية ) أنه لا ينبغي المداومة عليها ، بحيث يتوم الجمال أنها
واجبة ، وأن تاركها مسيء ، بل ينبغي تركها أحياناً لعدم وجوبها ،
والله أعلم
٢٠٥

وسل
عمن قرأ ((سورة السجدة)) يوم الجمعة : هل المطلوب السجدة
فيجزئ بعض السورة ، والسجدة في غيرها ؟ أم المطلوب السورة ؟.
فأجاب : الحمد لله. بل المقصود قراءة السورتين: (الّ * تَزِيلُ)
و: (هَلْ أَ عَلى آلْإِنسَنِ) لما فيها من ذكر خلق آدم، وقيام
الساعة ، وما يتبع ذلك ، فإنه كان يوم الجمعة ، وليس المقصود السجدة ،
فلو قصد الرجل قراءة سورة سجدة أخرى كره ذلك . والنبى صلى
الله عليه وسلم يقرأ السورتين كلتيهما، فالسنة قراءتها بكالهما . ولا
ينبغي المداومة على ذلك ، لئلا يظن الجاهل أن ذلك واجب ، بل
بقرأ أحياناً غيرهما من القرآن . والشافعي وأحمد اللذان يستحبان
قراءتهما . وأما مالك وأبو حنيفة فعندهما يكره قصد قراءتهما .
٢٠٦

وسل
عمن أدرك ركعة من صلاة الجمعة ، ثم قام ليقضي ما عليه . فهل
يجهر بالقراءة أم لا؟.
فأجاب : بل بخافت بالقراءة ، ولا يجهر؛ لأن المسبوق إذا قام
يقضى فإنه منفرد فيما يقضيه، حكمه حكم المنفرد ، وهو فيما يدركه
فى حكم المؤتم ؛ ولهذا يسجد المسبوق إذا سها فيما يقضيه ، وإذا كان
كذلك فالمسبوق إنما يجهر فيما يجهر فيه المنفرد ، فمن كان من العلماء
مذهبه أن يجهر المنفرد فى العشائين والفجر ، فإنه يجهر إذا قضى
الركعتين الأوليين، ومن كان مذهبه أن المنفرد لا يجهر فإنه لا يجهر
المسبوق عنده. والجمعة لا يصليها أحد منفرداً ، فلا يتصور أن يجهر
فيها المنفرد . والمسبوق كالمنفرد فلا يجهر ، لكنه مدرك للجمعة ضمناً
وتبعاً ، ولا يشترط في التابع ما يشترط فى المتبوع ، ولهذا لا يشترط
لما يقضيه المسبوق العدد ، ونحو ذلك .
لكن مضت السنة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة
فهو مدرك للجمعة ، كمن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس
٢٠٧

ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس ، فإنه مدرك ، وإن
كانت بقية الصلاة فعلت خارج الوقت ، والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن صلاة الجمعة فى جامع القلعة : هل هي جازة ، مع أن فى
البلد خطبة أخرى ، مع وجود سورها ، وغلق أبوابها أم لا ؟
فأجاب : نعم! يجوز أن يصلي فيها جمعة لأنها مدينة أخرى. كمصر
والقاهرة ، ولو لم تكن كمدينة أخرى فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة فى
موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء ؛ ولهذا لما بنيت بغداد ولها
جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي ، وجمعة فى الجانب الغربي .
وجوز ذلك أكثر العلماء ، وشبهوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم (١)
فى مدينته إلا فى موضع يخرج بالمسلمين فيصلي العيد بالصحراء ، وكذلك
كان الأمر فى خلافة أبى بكر وعمر وعثمان . فلما تولى علي بن أبى
طالب وصار بالكوفة ، وكان الخلق بها كثيراً ، قالوا : يا أمير المؤمنين!
إن بالمدينة شيوخا وضعفاء يشق عليهم الخروج إلى الصحراء فاستخلف
(١) كذا بالأصل .
٢٠٨

على بن أبي طالب رجلا يصلي بالناس العيد فى المسجد ، وهو يصلي
بالناس خارج الصحراء ، ولم يكن هذا يفعل قبل ذلك ، وعلى من الخلفاء
الراشدين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتى وسنة
الخلفاء الراشدين من بعدي)). فمن تمسك بسنة الخلفاء الراشدين فقد
أطاع الله ورسوله ، والحاجة فى هذه البلاد وفى هذه الأوقات تدعو
إلى أكثر من جمعة ، إذ ليس للناس جامع واحد يسعهم ، ولا يمكنهم
جمعة واحدة إلا بمشقة عظيمة .
وهنا وجه ثالث : وهو أن يجعل القلعة كأنها قرية خارج المدينة .
والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأحمد أن الجمعة تقام فى القرى؛ لأن
في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ((أول جمعة جمعت فى الإسلام بعد جمعة
المدينة جمعة ((بجوائى)) قرية من قرى البحرين)) وكان ذلك على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه وفد عبد القيس. وكذلك
كتب عمر بن الخطاب إلى المسلمين يأمرهم بالجمعة حيث كانوا . وكان
عبد الله بن عمر يمر بالمياء التى بين مكة والمدينة وم يقيمون الجمعة فلا
ينكر عليهم .
وأما قول علي رضي الله عنه: لا جمعة ولا تشريق إلا فى مصر
جامع . فلو لم يكن له مخالف لجاز أن يراد به أن كل قرية مصر جامع
كما أن المصر الجامع يسمى قرية . وقد سمى الله مكة قرية ، بل سماها
٢٠٩

((أم القرى)) بل وما هو أكبر من مكة، كما في قوله: (وَكَأَيِّنْ مِّن قَرْيَةٍ
هِىَ أَشَدُقُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِى أَخْرَجَنَّكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَا نَاصِرَلَهُمْ ) وسمى مصر القديمة
قرية بقوله: (وَسْشَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا وَالْعِيَ اَلَِّ أَقْنَافِيهَا). ومثله في
القرآن كثير ، والله أعلم.
وسئل رحمه اللّه
عن رجلين تنازعا فى العيد إذا وافق الجمعة ، فقال أحدهما: يجب
أن يصلي العيد، ولا يصلي الجمعة ؛ وقال الآخر: يصليها . فما الصواب
فى ذلك ؟
فأجاب : الحمد لله. إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد فالعلماء
فى ذلك ثلاثة أقوال :
أحدها: أنه يجب الجمعة على من شهد العيد . كما يجب سائر الجمع
للعمومات الدالة على وجوب الجمعة .
والثانى : تسقط عن أهل البر ، مثل أهل العوالي والشواذ ؛ لأن
عثمان بن عفان أرخص لهم في ترك الجمعة لما صلى بهم العيد .
٢١٠

والقول الثالث : وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه
الجمعة ، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ،
ومن لم يشهد العيد . وهذا هو المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه : كعمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن الزبير
وغيرهم . ولا يعرف عن الصحابة فى ذلك خلاف .
وأصحاب القولين المتقدمين لم يبلغهم ما فى ذلك من السنة عن النبى
صلى الله عليه وسلم ، لما اجتمع فى يومه عيدان صلى العيد ثم رخص فى
الجمعة، وفى لفظ أنه قال: ((أيها الناس! إنكم قد أصبتم خيراً، فمن
شاء أن يشهد الجمعة فليشهد، فإنا مجمعون)).
وأيضاً فإنه إذا شهد العيد حصل مقصود الاجتماع ، ثم إنه يعلي
الظهر إذا لم يشهد الجمعة ، فتكون الظهر فى وقتها ، والعيد يحصل
مقصود الجمعة . وفى إيجابها على الناس تضييق عليهم ، وتكدير لمقصود
عيدهم ، وما سن لهم من السرور فيه ، والانبساط .
فإذا حبسوا عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال ، ولأن
يوم الجمعة عيد ، ويوم الفطر والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا
اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما فى الأخرى . كما يدخل
الوضوء فى الغسل، وأحد الغسلين فى الآخر والله أعلم .
٢١١

وسئل رحمه اللّه
عن رجل قال : إذا جاء يوم الجمعة يوم العيد ، وصلى العيد ،
إن اشتهى أن يصلي الجمعة وإلا فلا . فهل هو فيما قال مصيب
أم مخطئ ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله
وصحبه وسلم تسليماً كثيرا . إذا اجتمع يوم الجمعة ويوم العيد ففيها ثلاثة
أقوال للفقهاء :
( أحدها ) : أن الجمعة على من صلى العيد ، ومن لم يصله كقول
مالك ، وغيره .
( والثانى ) : أن الجمعة سقطت عن السواد الخارج عن المصر ، كما
يروى ذلك عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه صلى العيد ، ثم أذن
لأهل القرى في ترك الجمعة ، واتبح ذلك الشافعي .
( والثالث ) : أن من صلى العيد سقطت عنه الجمعة ، لكن ينبغى
٢١٢

للإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من أحب . كما فى السنن عن النبي صلى
اللّه عليه وسلم: أنه اجتمع فى عهده عيدان فصلى العيد ثم رخص
فى الجمعة .
وفي لفظ أنه صلى العيد وخطب الناس فقال: ((أيها الناس إنكم
قد أصبتم خيراً، فمن شاء منكم أن يشهد الجمعة فليشهد، فإنا مجمعون)
وهذا الحديث روي فى السنن من وجهين . أنه صلى العيد ثم خير
الناس فى شهود الجمعة . وفي السنن حديث ثالث فى ذلك أن ابن
الزبير كان على عهده عيدان نجمعها أول النهار ، ثم لم يصل إلا العصر.
وذكر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فعل ذلك ، وذكر ذلك لابن
عباس - رضى الله عنه - فقال : قد أصاب السنة .
وهذا المنقول هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وخلفائه وأصحابه . وهو قول من بلغه من الأئمة كأحمد وغيره . والذين
خالفوه لم يبلغهم ما في ذلك من السنن والآثار ، والله أعلم .
٢١٣

وسئل رحمه الله
عن خطبة بين صلاتين . كلاهما فرض لوقتها ، فى ساعة مشكلة
العين . واعتبار الشرط فيها كما في غيرها من هيئة الدين . كالظهر
والسنن ، والوقت ، والقبلة أيضاً بالتأذين .
فأجاب : الحمد لله. هذه المسألة قد تنزل على عدة مسائل ، بعضها
متفق عليه ، وبعضها متنازع فيه :
منها إذا اجتمع عيد وجمعة فمن قال : إن العيد فرض ، يقول :
إن خطبة الجمعة هي خطبة بين صلاتين كلاهما فرض ، بخلاف خطبة
العيد . فإنه يقول ليست فرضاً .
وإما أن تنزل على ما إذا عقد جمعتان فى موضع لا تصح فيه
جمعتان ، فإنه تصح الأولى وتبطل الثانية ، إذا كانا بإذن الإمام . فإن
أشكل عين السابقة بطلنا جميعاً ، وصلوا ظهراً . فالخطبة التى قبل الثانية
خطبة بين صلاتين كلاهما فرض ، إذا كان الإمام قد أذن في كل منها،
٢١٤

واعتقدوا أن الجمعة لا تقام عندهم ، وكلاهما يعتقد أن جمعته فرض .
ويمكن أن يريد السائل الفجر والجمعة ، فإن الفجر فرض فى
وقتها ، والجمعة فرض لوقتها ، وبينهما خطبة هي خطبة الجمعة .
ومنها خطب الحج : فإن خطبة عرفة تكون بين الصلاة بعرفة ،
وبين صلاة المغرب ، فكلاهما فرض ، والخطبة يوم النحر : تكون بين
الفجر والظهر ، فكلاهما فرض .
وسل
هل قراءة الكهف بعد عصر الجمعة ، جاء فيه حديث أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله. قراءة سورة الكهف يوم الجمعة فيها آثار ،
ذكرها أهل الحديث والفقه ، لكن هي مطلقة يوم الجمعة ، ما سمعت
أنها مختصة بعد العصر، والله أعلم.
٢١٥

وسئل
عن فرش السجادة فى الروضة الشريفة ، هل يجوز أم لا ؟
فأجاب : ليس لأحد أن يفرش شيئاً ويختص به مع غيبته ،
ويمنع به غيره . هذا غصب لتلك البقعة ، ومنع للمسلمين مما أمر الله
تعالى به من الصلاة .
والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه ، وأما من يتقدم بسجادة فهو
ظالم ، ينهى عنه ويجب رفع تلك السجاجيد ، ويمكن الناس
من مكانها .
هذا مع أن أصل الفرش بدعة ، لا سيما في مسجد النبي صلى الله
عليه وسلم . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا
يصلون على الأرض ، والخمرة التى كان يصلي عليها رسول الله صلى
الله عليه وسلم صغيرة ، ليست بقدر السجادة.
قلت فقد نقل ابن حزم في المحلَّى عن عطاء بن أبى رباح : أنه
٢١٦

لا يجوز الصلاة فى مسجد إلا على الأرض ، ولما قدم عبد الرحمن بن
مهدي من العراق ، وفرش فى المسجد . أمر مالك بن أنس بحبسه
تعزيراً له ، حتى روجع في ذلك ، فذكر أن فعل هذا فى مثل هذا
المسجد بدعة يؤدب صاحبها .
وعلى الناس الإنكار على من يفعل ذلك ، والمنع منه ، لا سيما
ولاة الأمر الذين لهم هنالك ولاية على المسجد ، فإنه يتعين عليهم رفع
هذه السجاجيد ، ولو عوقب أصحابه بالصدقة بها لكان هذا مما يسوغ
فى الاجتهاد ، انتهى .
وسئل رحم الله
عن قول المؤذن يوم الجمعة وقت دخول الإمام المسجد: ((اللهم
صل على محمد ، وعلى آل محمد وسلم . ورضي الله عن أصحاب رسول
الله أجمعين)). وفي دعاء الإمام بعد صعوده على المنبر، وفي قول
المؤذن بعد الأذان الثانى : عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب
يوم الجمعة أنصت فقد لغوت)) أذلك مسنون ، أو مستحب ، أو
مكروه فى صلاة الجمعة ؟
٢١٧

فأجاب: الحمد لله ليس هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين العلماء ، لكن تبليغ الحديث
فعله من فعله لأمر الناس بالإنصات ، وهو من نوع الخطبة .
وأما دعاء الإمام بعد صعوده ، ورفع المؤذنين أصواتهم بالصلاة ،
فهذا لم يذكره العلماء ، وإنما يفعله من يفعله بلا أصل شرعى .
وأما رفع المؤذنين أصواتهم وقت الخطبة بالصلاة وغيرها ، فهذا
مكروه باتفاق الأئمة .
وسئل
عن رجل مؤذن يقول عند دخول الخطيب إلى الجامع: (( إن
الله وملائكته يصلون على النى)). فقال رجل : هذا بدعة . فما
يجب عليه؟
فأجاب : جهر المؤذن بذلك ، كجهره بالصلاة والترضى عند رقي
الخطيب المنبر ، أو جهره بالدعاء للخطيب والإمام ، ونحو ذلك : لم يكن
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين ، ولا
استحبه أحد من الأمّة .
وأشد من ذلك الجهر بنحو ذلك فى الخطبة، وكل ذلك بدعة، والله أعلم.
٢١٨

باب صلاة العيدين
سئل شيخ الإسلام
هل يتعين قراءة بعينها فى صلاة العيدين ؟ وما يقول الإنسان بين
كل تكبيرتين ؟
فأجاب : الحمد لله. مها قرأ به جاز. كما تجوز القراءة فى نحوها
من الصلوات . لكن إذا قرأ بقاف ، واقتربت ، أو نحو ذلك . مما جاء
فى الأثر ، كان حسناً .
وأما بين التكبيرات : فإنه يحمد الله، وبثنى عليه ، ويصلي على
النبى صلى الله عليه وسلم، ويدعو بما شاء . هكذا روى نحو هذا
العلماء عن عبد الله بن مسعود. وإن قال: سبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا الله، والله أكبر. اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد
اللهم اغفر لي، وارحمني، كان حسناً. وكذلك إن قال: الله أكبر
كبيراً، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. ونحو ذلك،
٢١٩

وليس فى ذلك شيء مؤقت عن النبى صلى الله عليه وسلم ، والصحابة
والله أعلم .
وسل
عن صفة التكبير فى العيدين . ومتى وقته ؟
فأجاب : الحمد لله. أصح الأقوال فى التكبير الذي عليه جمهور
السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة : أن يكبر من فجر يوم عرفة ،
إلى آخر أيام التشريق ، عقب كل صلاة ، ويشرع لكل أحد أن
يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة .
وصفة التكبير المنقول عند أكثر الصحابة : قد روى مرفوعا
إلى النبى صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر، الله أكبر،
لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)). وإن قال
الله أكبر ثلاثاً جاز . ومن الفقهاء من يكبر ثلاثاً فقط ، ومنهم
من يكبر ثلاثاً ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك
وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير .
وأما التكبير فى الصلاة فيكبر المأموم تبعاً للإمام ، وأكثر الصحابة
رضي الله عنهم والأئمة يكبرون سبعاً في الأولى ، وخمساً في الثانية .
٢٢٠