Indexed OCR Text

Pages 121-140

الأشهل كذلك، وسائر بطون الأنصار كذلك ، كما قال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((خير دور الأنصار دار بني النجار ، ثم دار بني عبد
الأشهل ، ثم دار بني الحارث ، ثم دار بني ساعدة . وفى كل دور
الأنصار خير ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل فى بني مالك بن
النجار ، وهناك بنى مسجده ، وكان حائطاً لبعض بني النجار : فيه نخل
وخرب وقبور ، فأمر بالنخل فقطعت ، وبالقبور فنبشت ، وبالحرب
فسويت ، وبى مسجده هناك، وكانت سائر دور الأنصار
حول ذلك .
قال ابن حزم : ولم يكن هناك مصر . قال : وهذا أمر لا يجهله
أحد ، بل هو نقل الكوافى عن الكوافى، وذلك كله مدينة واحدة ، كما
جعل الله الناس نوعين : أهل المدينة ، ومن حولهم من الاعراب . فمن
ء
ليس من الأعراب فهو من أهل المدينة ، لم يجعل للمدينة داخلا وخارجا
وسوراً وربضاً ، كما يقال مثل ذلك في المدائن المسورة ، وقد جعل
النبي صلى الله عليه وسلم حرم المدينة بريداً في بريد ، والمدينة بين
لابتين، واللابة الأرض التى ترابها حجارة سود، وقال: (( ما بين
لابتيها حرم )) فما بين لابتيها كله من المدينة وهو حرم ، فهذا بريد
لا يكون الضارب فيه مسافراً. وإن كان المكي إذا خرج إلى عرفات
مسافراً ، فعرفة ومزدلفة ومنى صحارى خارجة عن مكة ليست كالعوالي
١٢١

من المدينة . وهذا أيضاً مما يبين أنه لا اعتبار بمسافة محدودة ؛ فإن
المسافر في المصر الكبير لو سافر يومين أو ثلاثة لم يكن مسافراً،
والمسافر عن القرية الصغيرة إذا سافر مثل ذلك كان مسافراً ، فعلم أنه
لا بد أن يقصد بقعة يسافر من مكان إلى مكان فإذا كان مابين المكانين
صحراء لا مساكن فيها يحمل فيها الزاد والمزاد فهو مسافر ، وإن وجد
الزاد والمزاد بالمكان الذي يقصده .
وكان عثمان جعل حكم المكان الذي يقصده حكم طريقه فلا بد أن
يعدم فيه الزاد والمزاد، وخالفه أكثر علماء الصحابة ، وقولهم أرجح .
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قصر بمكة عام فتح مكة وفيها الزاد
والمزاد ، وإذا كانت منى قرية فيها زاد ومزاد فبينها وبين مكة صحراء
يكون مسافرا من يقطعها ، كما كان بين مكة وغيرها ، ولكن عثمان قد
تأول فى قصر النبى صلى الله عليه وسلم بمكة أنه كان خائفاً ، لأنه لما
فتح مكة والكفار كثيرون ، وكان قد بلغه أن هوازن جمعت له ،
وعثمان يجوز القصر لمن كان بحضرة عدو ، وهذا كما يحكى عن عثمان
أنه يعنى النبى صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالمتعة لأنهم كانوا خائفين.
وخالفه علي ، وعمران بن حصين ، وابن عمر ، وابن عباس ، وغيرم
من الصحابة. وقولهم هو الراجح . فإن النبى صلى الله عليه وسلم فى
حجة الوداع كان آمنا لا يخاف إلا الله ، وقد أمر أصحابه بفسخ الحج
١٢٢

إلى العمرة ، والقصر . وقصر العدد إنما هو معلق بالسفر ؛ ولكن إذا
اجتمع الخوف والسفر أبيح قصر العدد وقصر الركعات ، وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم هو وعمر بعده لما صليا بمكة يا أهل مكة: ((أنموا صلاتكم،
فإنا قوم سفر)) بين أن الواجب لصلاتهم ركعتين مجرد كونهم سفرا .
فلهذا الحكم تعلق بالسفر ولم يعلقه بالخوف .
فعلم أن قصر العدد لا يشترط فيه خوف بحال . وكلام الصحابة أو
أكثرهم في هذا الباب . يدل على أنهم لم يجعلوا السفر قطع مسافة
محدودة ، أو زمان محدود : يشترك فيه جميع الناس ، بل كانوا يجيبون
بحسب حال السائل، فمن رأوه مسافراً أثبتوا له حكم السفر، وإلا فلا.
ولهذا اختلف كلامهم فى مقدار الزمان والمكان . فروى وكيع ،
عن الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ،
قال : إذا سافرت يوماً إلى العشاء ، فإن زدت فاقصر . ورواه الحجاج
ابن منهال : ثنا أبو عوانة ، عن منصور بن المعتمر . عن مجاهد، عن
ابن عباس . قال : لا يقصر المسافر في مسيرة يوم إلى العتمة إلا في أكثر
من ذلك. وروى وكيع ، عن شعبة ، عن شبيل، عن أبى جمرة
الضبعي، قال : قلت لابن عباس: أقصر إلى الأيلة ؟ قال تذهب وتجيء
في يوم ؟ قلت : نعم . قال : لا ، إلا يوم تام . فهنا قد نهى أن
يقصر إذا رجع إلى أهله في يوم، وهذه مسيرة بريد ، وأذن فى يوم .
١٢٣

وفى الأول نهاء أن يقصر إلا في أكثر من يوم ، وقد روي نحو
الأول عن عكرمة مولاء ، قال: إذا خرجت من عند أهلك فاقصر،
فإذا أتيت أهلك فأتم ، وعن الأوزاعى : لا قصر إلا في يوم تام ،
وروى وكيع ، عن هشام بن ربيعة بن الغاز الجرشي ، عن عطاء بن
أبى رباح ، قلت : لابن عباس : أقصر إلى عرفة ؟ قال : لا ، ولكن
إلى الطائف وعسفان ، فذلك ثمانية وأربعون ميلا . وروى ابن عيينة ،
عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، قلت : لابن عباس اقصر إلى منى
أو عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى الطائف أو جدة أو عسفان ، فإذا
وردت على ماشية لك أو أهل فأتم الصلاة . وهذا الأثر قد اعتمده
أحمد والشافعي . قال ابن حزم : من عسفان إلى مكة بسير الخلفاء
الراشدين اثنان وثلاثون ميلا ، قال : وأخبرنا الثقاة : أن من جدة إلى
مكة أربعين ميلا .
قلت : نهيه عن القصر إلى منى وعرفة قد يكون لمن يقصد ذلك
لحاجة ويرجع من يومه إلى مكة حتى يوافق ذلك ما تقدم من الروايات
عنه . ويؤيد ذلك أن ابن عباس لا يخفى عليه أن أهل مكة كانوا
يقصرون خلف النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر فى الحج
إذا خرجوا إلى عرفة ومزدلفة ومنى ، وابن عباس من أعلم الناس بالسنة
فلا يخفى عليه مثل ذلك، وأصحابه المكيون كانوا يقصرون في الحج
١٢٤

إلى عرفة ومزدلفة : كطاووس وغيره . وابن عيينة نفسه الذي روى هذا
الأثر عن ابن عباس كان يقصر إلى عرفة فى الحج . وكان أصحاب ابن
عباس كطاووس يقول أحدم: أترى الناس يعنى أهل مكة صلوا في
الموسم خلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذه حجة
قاطعة ؛ فإنه من المعلوم أن أهل مكة لما حجوا معه كانوا خلقاً كثيرا،
وقد خرجوا معه إلى منى يصلون خلفه ، وإنما صلى بمنى أيام منى قصرا،
والناس كلهم يصلون خلفه : أهل مكة وسائر المسلمين، لم يأمر أحدا
منهم أن يتم صلاته ، ولم ينقل ذلك أحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.
ثم أبو بكر وعمر بعده كانا يصليان فى الموسم بأهل مكة وغيرهم كذلك
ولا بأمران أحدا بإتمام، ، مع أنه قد صح عن عمر بن الخطاب أنه
لما صلى بمكة قال: يا أهل مكة! أتموا صلاتكم. فإنا قوم سفر، وهذا
حروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فى أهل مكة عام الفتح لا في
حجة الوداع ؛ فإنه فى حجة الوداع لم يكن يصلي فى مكة بل كان يصلي
بمنزله ، وقد رواه أبو داود وغيره ، وفي إسناده مقال .
والمقصود أن من تدبر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة
ومنى بأهل مكة وغيرهم، وأنه لم ينقل مسلم قط عنه أنه أمرهم بإتمام : على قطعاً
أنهم كانوا يقصرون خلفه، وهذا من العلم العام الذي لا يخفى على ابن
عباس ولا غيره ؛ ولهذا لم يعلم أحد من الصحابة أمر أهل مكة أن
١٢٥

يتموا خلف الإمام إذا صلى ركعتين ، فدل هذا على أن ابن عباس إنما
أجاب به من سأله إذا سافر إلى منى أو عرفة سفراً لا ينزل فيه بمنى
وعرفة ؛ بل يرجع من يومه ، فهذا لا يقصر عنده ؛ لأنه قد بين
أن من ذهب ورجع من يومه لا يقصر ، وإنما يقصر من سافر
يوماً ، ولم يقل : مسيرة يوم ؛ بل اعتبر أن يكون السفر يوماً ، وقد
استفاض عنه جواز القصر إلى عسفان . وقد ذكر ابن حزم أنها
اثنان وثلاثون ميلا، وغيره يقول : أربعة برد ثمانية وأربعون ميلا.
ء
والذين حدوها ثمانية وأربعين ميلا عمدتهم قول ابن عباس وابن
عمر ، وأكثر الروايات عنهم تخالف ذلك ، فلو لم يكن إلا قولهما لم
يجز أن يؤخذ ببعض أقوالهما دون بعض ؛ بل إما أن يجمع بينها ، وإما
أن يطلب دليل آخر. فكيف والآثار عن الصحابة أنواع أخر ؟! ولهذا
كان المحددون بستة عشر فرسخاً من أصحاب مالك والشافعي وأحمد
إنما لهم طريقان : بعضهم يقول : لم أجد أحدا قال بأقل من القصر فيما
دون هذا فيكون هذا إجماعا . وهذه طريقة الشافعى . وهذا أيضاً
منقول عن الليث بن سعد . فهذان الإمامان بينا عذرهما أنهما لم يعلما من
قال بأقل من ذلك ، وغيرها قد على من قال بأقل من ذلك .
والطريقة الثانية : أن يقولوا : هذا قول ابن عمر وابن عباس
ولا مخالف لهما من الصحابة فصار إجماعاً . وهذا باطل فإنه نقل عنهما
١٢٦

هذا وغيره ، وقد ثبت عن غيرهما من الصحابة ما يخالف ذلك .
وثم طريقة ثالثة سلكها بعض أصحاب الشافعى وأحمد وهى أن
هذا التحديد مأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن
خزيمة في ((مختصر المختصر)) عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (( يا أهل مكة لا تقصروا فى أقل من أربعة برد من مكة
إلى عسفان)) وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه كذب على النبى
صلى الله عليه وسلم ، ولكن هو من كلام ابن عباس . أفترى رسول
الله صلى الله عليه وسلم إنما حد مسافة القصر لأهل مكة دون أهل
المدينة التى هي دار السنة والهجرة والنصرة ودون سائر المسلمين ؟
وكيف يقول هذا وقد تواتر عنه أن أهل مكة صلوا خلفه بعرفة
ومزدلفة ومنى ، ولم يحد النبى صلى الله عليه وسلم قط السفر بمسافة
لا بريد ولا غير بريد ولا حدها بزمان .
ومالك قد نقل عنه أربعة برد ، كقول الليث والشافعي وأحمد ،
وهو المشهور عنه. قال : فإن كانت أرض لا أميال فيها فلا يقصرون
في أقل من يوم وليلة للثقل . قال : وهذا أحب ما تقصر فيه الصلاة
إلي . وقد ذكر عنه لا قصر إلا فى خمسة وأربعين ميلا فصاعدا.
وروي عنه لا قصر إلا فى اثنين وأربعين ميلا فصاعدا وروي عنه :
لا قصر إلا فى أربعين ميلا فصاعدا وروى عنه إسماعيل بن أبى أويس:
١٢٧

لا قصر إلا فى ستة وأربعين ميلا قصدا . ذكر هذه الروايات القاضى
إسماعيل بن إسحاق فى كتابه ((المبسوط)) ورأى لأهل مكة خاصة أن
يقصروا الصلاة فى الحج خاصة إلى منى فما فوقها، وهي أربعة أميال
وروى عنه ابن القاسم أنه قال فيمن خرج ثلاثة أميال كالرعاء وغيرهم
فتأول فأفطر فى رمضان : لاشيء عليه إلا القضاء فقط ، وروي عن
الشافعي أنه لا قصر فى أقل من ستة وأربعين ميلا بالهاشمي .
والآثار عن ابن عمر أنواع . فروى محمد بن المثنى : حدثنا عبد
الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان الثوري ، سمعت جبلة بن سحيم
يقول : سمعت ابن عمر يقول : لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة .
وروى ابن أبى شيبة : حدثنا وكيع ، حدثنا مسعر ، عن محارب بن
زياد ، سمعت ابن عمر يقول : إنى لأسافر الساعة من النهار فأقصر
يعني الصلاة . محارب قاضي الكوفة من خيار التابعين أحد الأمّة ،
ومسعر أحد الأئمة . وروى ابن أبى شيبة : حدثنا علي بن مسهر ، عن
أبي إسحاق الشيباني ، عن محمد بن زيد بن خليدة ، عن ابن عمر قال :
تقصر الصلاة فى مسيرة ثلاثة أميال . قال ابن حزم: محمد بن زيد
هو طائي ولاه محمد بن أبى طالب القضاء بالكوفة مشهور من
كبار التابعين .
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قصر إلى ذات النصب
١٢٨

قال وكنت أسافر مع ابن عمر البريد فلا بقصر ، قال عبد الرزاق :
ذات النصب من المدينة على ثمانية عشر ميلا ، فهذا نافع يخبر عنه أنه
قصر فى ستة فراسخ ، وأنه كان يسافر بريداً وهو أربعة فراسخ فلا
يقصر . وكذلك روى عنه ما ذكره غندر حدثنا شعبة ، عن حبيب
ابن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، قال :
خرجت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى ذات النصب ، وهي من
المدينة على ثمانية عشر ميلا ، فلما أتاها قصر الصلاة ، وروى معمر ،
عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يقصر الصلاة فى مسيرة
أربعة برد .
وما تقدم من الروايات يدل على أنه كان يقصر فى هذا وفى ما هو
أقل منه ، وروى وكيع ، عن سعيد بن عبيد الطائي ، عن علي بن
ربيعة الوالى الأسدي ، قال : سألت ابن عمر عن تقصير الصلاة ؟
قال : حاج أو معتمر أو غاز ؟ فقلت لا ؛ ولكن أحدنا يكون له
الضيعة فى السواد ، فقال : تعرف السويداء ؟ فقلت سمعت بها ولم أرها
قال فإنها ثلاث وليلتان وليلة المسرع : إذا خرجنا إليها قصرنا ، قال
ابن حزم : من المدينة إلى السويداء اثنان وسبعون ميلا ، أربعة
وعشرون فرسخا .
قلت: فهذا مع ما تقدم يبين أن ابن عمر لم يذكر ذلك تحديداً ؛
١٢٩

لكن بين بهذا جواز القصر في مثل هذا ، لأنه كان قد بلغه أن أهل
الكوفة لا يقصرون في السواد ، فأجابه ابن عمر بجواز القصر .
وأما ما روي من طريق ابن جريج : أخبرنى نافع : أن ابن عمر
كان أدنى ما يقصر الصلاة إليه مال له بخيبر ، وهي مسيرة ثلاث قواصد ،
لم يقصر فيما دونه . وكذلك ما رواه حماد بن سلمة عن أيوب بن حميد
كلاهما عن نافع عن ابن عمر : أنه كان يقصر الصلاة فيما بين المدينة
وخيبر ، وهي بقدر الأهواز من البصرة ، لا يقصر فيما دون ذلك .
قال ابن حزم بين المدينة وخيبر كما بين البصرة والأهواز ، وهي مائة
ميل غير أربعة أميال . قال : وهذا مما اختلف فيه على ابن عمر ، ثم
على نافع أيضا عن ابن عمر .
قلت : هذا النفي وهو أنه لم يقصر فيما دون ذلك غلط قطعاً ،
ليس هذا حكاية عن قوله حتى يقال إنه اختلف اجتهاده ، بل نفي
لقصره فيما دون ذلك ، وقد ثبت عنه بالرواية الصحيحة من طريق نافع
وغيره : أنه قصر فيما دون ذلك فهذا قد يكون غلطا . فمن روى عن
أيوب إن قدر أن نافعا روى هذا فيكون حين حدث بهذا قد نسي
أن ابن عمر قصر فيما دون ذلك ، فإنه قد ثبت عن نافع عنه أنه قصر
فيما دون ذلك .
١٣٠

وروى حماد بن زيد: حدثنا أنس بن سيرين ، قال : خرجت
مع أنس بن مالك إلى أرضه وهي على رأس خمسة فراسخ ، فصلى
بنا العصر فى سفينة وهي تجري بنا فى دجلة قاعداً على بساط ركعتين
ثم سلم، ثم صلى بنا ركعتين ثم سلم. وهذا فيه أنه إنما خرج إلى أرضه
المذكورة ولم يكن سفره إلى غيرها حتى يقال : كانت من طريقه فقصر
في خمسة فراسخ وهي بريد وربع .
وفى صحيح مسلم : حدثنا ابن أبي شيبة وابن بشار كلاهما عن
غندر ، عن شعبة ، عن يحيى بن يزيد الهنائى: سألت أنس بن
مالك عن قصر الصلاة ؟ فقال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة شك - صلى
ركعتين )» ولم ير أنس أن يقطع من المسافة الطويلة هذا ؛ لأن
السائل سأله عن قصر الصلاة ، وهو سؤال عما بقصر فيه ؛ ليس سؤالا
عن أول صلاة يقصرها . ثم إنه لم يقل أحد : إن أول صلاة
لا يقصرها إلا فى ثلاثة أميال أو أكثر من ذلك ، فليس في هذا
جواب لو كان المراد ذلك ، ولم يقل ذلك أحد ، فدل على أن أنساً
أراد أنه من سافر هذه المسافة قصر ، ثم ما أخبر به عن النبي صلى الله
عليه وسلم فعل من النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين هل كان ذلك
الخروج هو السفر ، أو كان ذلك هو الذي قطعه من السفر ، فإن
١٣١

كان أراد به أن ذلك كان سفره فهو نص ، وإن كان ذلك الذي
قطعه من السفر فأنس بن مالك استدل بذلك على أنه يقصر إليه إذا
كان هو السفر : يقول إنه لا يقصر إلا فى السفر ، فلولا أن قطع
هذه المسافة سفر لما قصر .
وهذا يوافق قول من يقول : لا يقصر حتى يقطع مسافة تكون
سفراً ، لا يكفى مجرد قصده المسافة التى هي سفر ، وهذا قول ابن
حزم وداود وأصحابه ، وابن حزم يحد مسافة القصر بميل ، لكن داود
وأصحابه يقولون : لا يقصر إلا في حج أو عمرة أو غزو ، وابن حزم
يقول : إنه يقصر فى كل سفر ، وابن حزم عنده أنه لا يفطر إلا فى
هذه المسافة وأصحابه يقولون : إنه يفطر فى كل سفر ، بخلاف القصر ،
لأن القصر ليس عندهم فيه نص عام عن الشارع ، وإنما فيه فعله أنه
قصر فى السفر ، ولم يجدوا أحداً قصر فيما دون ميل ، ووجدوا الميل
منقولا عن ابن عمر.
وابن حزم يقول السفر هو البروز عن محلة الإقامة ؛ لكن قد علم
أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج
إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصروا ولم يفطروا . مخرج هذا عن
أن يكون سفراً ، ولم يجدوا أقل من ميل يسمى سفراً ؛ فإن ان
عمر قال: لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة ، فلما ثبت أن هذه المسافة
١٣٢

جعلها سفراً ولم نجد أعلى منها يسمى سفراً جعلنا هذا هو الحد ، قال
وما دون الميل من آخر بيوت قريته له حكم الحضر فلا يقصر فيه
ولا يفطر ، وإذا بلغ الميل فحينئذ صار له سفر بقصر فيه الصلاة
ويفطر فيه ، فمن حينئذ يقصر ويفطر ، وكذلك إذا رجع ، فكان على
أقل من ميل فإنه يتم ليس فى سفر يقصر فيه .
قلت : جعل هؤلاء السفر محدوداً في اللغة. قالوا : وأقل ما سمعنا
أنه يسمى سفراً هو الميل وأولئك جعلوه محدوداً بالشرع ، وكلا القولين
ضعيف . أما الشارع فلم يحده . وكذلك أهل اللغة لم ينقل أحدعنهم
أنهم قالوا : الفرق بين ما يسمى سفراً وما لا يسمى سفراً هو مسافة
محدودة ، بل نفس تحديد السفر بالمسافة باطل فى الشرع واللغة ، ثم
لو كان محدوداً بمسافة ميل ، فإن أريد أن الميل يكون من حدود القرية
المختصة به فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يخرج أكثر من ميل
من محله فى الحجاز ولا يقصر ولا يفطر ، وإن أراد من المكان
المجتمع الذي يشمله اسم مدينة ميلا، قيل له : فلا حجة لك في خروجه
إلى المقار والغائط؛ لأن تلك لم تكن خارجا عن آخر حد المدينة. ففي
الجملة كان يخرج إلى العوالي وإلى أحد كما كان يخرج إلى المقار والغائط وفى
ذلك ما هو أبعد من ميل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخرجون
من المدينة إلى أكثر من ميل ، ويأتون إليها أبعد من ميل ولا يقصرون ،
١٣٣

كخروجهم إلى قباء والعوالي وأحد ، ودخولهم للجمعة وغيرها من
هذه الأماكن .
وكان كثير من مساكن المدينة عن مسجده أبعد من ميل فإن
حرم المدينة بريد فى بريد ، حتى كان الرجلان من أصحابه لبعد المكان
يتناوبان الدخول يدخل هذا يوماً وهذا يوماً ، كما كان عمر بن الخطاب
وصاحبه الأنصاري يدخل هذا يوماً وهذا يوماً ، وقول ابن عمر : لو
خرجت ميلا قصرت الصلاة. هو كقوله: إنى لأسافر الساعة من النهار
فأقصر ، وهذا إما أن يريد به ما يقطعه من المسافة التى يقصدها
فيكون قصده إنى لا أؤخر القصر إلى أن أقطع مسافة طويلة ،
وهذا قول جماهير العلماء ، إلا من يقول إذا سافر نهاراً لم يقصر
إلى الليل .
وقد احتج العلماء على هؤلاء بأن النبى صلى الله عليه وسلم
صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين ، وقد يحمل
حديث أنس على هذا، لكن فعله يدل على المعنى الأول، أو يكون
مراد ابن عمر من سافر قصر ، ولو كان قصده هذه المسافة إذا كان
في صحراء بحيث يكون مسافراً لا يكون متنقلا بين المساكن ؛ فإن هذا
ليس بمسافر باتفاق الناس ، وإذا قدر أن هذا مسافر فلو قدر أنه
مسافر أقل من الميل بعشرة أذرع فهو أيضاً مسافر ، فالتحديد بالمسافة
١٣٤

لا أصل له فى شرع ولا لغة ، ولا عرف ولا عقل ، ولا يعرف عموم
الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقاً
بشيء لا يعرفونه ، ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم، ولا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الأرض لا بأميال ولا
فراسخ ، والرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتى به فيغيب
اليومين والثلاثة فيكون مسافراً ، وإن كانت المسافة أقل من ميل ،
بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك مسافراً ؛
فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثانى . فالمسافة القريبة فى
المدة الطويلة تكون سفراً ، والمسافة البعيدة في المدة القليلة
لا تكون سفراً .
فالسفر يكون بالعمل الذي سمي سفراً لأجله . والعمل لا يكون
إلا فى زمان، فإذا طال العمل وزمانه فاحتاج إلى ما يحتاج إليه المسافر
من الزاد والمزاد سمي مسافراً، وإن لم تكن المسافة بعيدة ، وإذا قصر
العمل والزمان بحيث لا يحتاج إلى زاد ومزاد لم يسم سفراً ، وإن
بعدت المسافة فالأصل هو العمل الذي يسمى سفراً ، ولا يكون العمل
إلا فى زمان ، فيعتبر العمل الذي هو سفر ، ولا يكون ذلك إلا فى
مکان یسفر عن الأما کن ، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم ، ليس له حد
فى الشرع ولا اللغة ، بل ما سموه سفراً فهو سفر .
١٣٥

فصل
وأما (( الإقامة)) فهى خلاف السفر ، فالناس رجلان مقيم ،
ومسافر . ولهذا كانت أحكام الناس في الكتاب والسنة أحد هذين
الحكمين: إما حكم مقيم، وإما حكم مسافر . وقد قال تعالى : (يَوْمَ
طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ) فجعل للناس يوم ظعن ، ويوم إقامة . والله
وقال : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ
تعالی أوجب الصوم
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) فمن ليس مريضاً ولا على سفر فهو الصحيح المقيم ،
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله وضع عن المسافر
الصوم وشطر الصلاة)) ثمن لم يوضع عنه الصوم وشطر الصلاة
فهو المقيم .
وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم فى حجته بمكة أربعة أيام،
ثم ستة أيام بمنى ومزدلفة وعرفة بقصر الصلاة هو وأصحابه ، فدل على
أنهم كانوا مسافرين ، وأقام فى غزوة الفتح تسعة عشر يوما بقصر
الصلاة ، وأقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة. ومعلوم بالعادة أن
ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي فى ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال :
١٣٦

إنه كان يقول اليوم أسافر ، غداً أسافر. بل فتح مكة وأهلها وما
حولها كفار محاربون له ، وهي أعظم مدينة فتحها ، وبفتحها ذلت
الأعداء ، وأسلمت العرب . وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم،
ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي فى أربعة أيام ، فعلم أنه أقام
الأمور يعلم أنها لا تنقضي فى أربعة ، وكذلك فى تبوك .
وأيضاً فمن جعل للمقام حداً من الأيام : إما ثلاثة ، وإما أربعة ،
وإما عشرة، وإما اثنى عشر، وإما خمسة عشر ، فإنه قال قولا لادليل
عليه من جهة الشرع ، وهي تقديرات متقابلة . فقد تضمنت هذه
الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام : إلى مسافر ، وإلى مقيم مستوطن ،
وهو الذي ينوي المقام فى المكان ، وهذا هو الذي تنعقد به الجمعة
ويجب عليه ، وهذا يجب عليه إتمام الصلاة بلا نزاع، فإنه المقيم المقابل
للمسافر ، والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة والصيام
وأوجبوا عليه الجمعة ، وقالوا : لا تنعقد به الجمعة ، وقالوا : إنما تنعقد
الجمعة بمستوطن .
وهذا التقسيم - وهو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن -
تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع ، ولا دليل على أنها يجب على من
لا تنعقد به ؛ بل من وجبت عليه انعقدت به ، وهذا إنما قالوه لما
أثبتوا مقيما يجب عليه الإتمام والصيام ووجدوه غير مستوطن، فلم يمكن
١٣٧

أن يقولوا تنعقد به الجمعة . فإن الجمعة إنما تنعقد بالمستوطن ؛ لكن إيجاب
الجمعة على هذا ، وإيجاب الصيام والإتمام على هذا هو الذي يقال إنه
لا دليل عليه ، بل هو مخالف للشرع ، فإن هذه حال النبى صلى الله
عليه وسلم بمكة فى غزوة الفتح ، وفى حجة الوداع ، وحاله بتبوك ؛ بل
وهذه حال جميع الحجيج الذين يقدمون مكة ليقضوا مناسكهم ثم يرجعوا،
وقد يقدم الرجل بمكة رابع ذي الحجة ، وقد يقدم قبل ذلك بيوم أو
أيام، وقد يقدم بعد ذلك ، وثم كلهم مسافرون لا تجب عليهم جمعة ولا
إتمام ، والنبي صلى الله عليه وسلم قدم صبح رابعة من ذي الحجة
وكان يصلى ركعتين ، لكن من أين لهم أنه لو قدم صبح ثالثة وثانية
كان يتم ويأمر أصحابه بالإتمام؟! ليس فى قوله وعمله ما يدل
على ذلك .
ولو كان هذا حداً فاصلا بين المقيم والمسافر لبينه للمسلمين كما قال
تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْهَدَنْهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ)
والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو
أمراً معلوما لا بشرع ولا لغة ولا عرف. وقد رخص النبى صلى الله
عليه وسلم للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، والقصر فى
هذا حاْ عند الجماعة ، وقد سماه إقامة ، ورخص للمهاجر أن يقيمها ،
فلو أراد المهاجر أن يقيم أكثر من ذلك بعد قضاء النسك لم يكن
١٣٨

له ذلك ، وليس فى هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر
والمقيم بل المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد
قضاء المناسك .
[ فعلم ] أن الثلاث مقدار يرخص فيه فيما كان محظور الجنس . قال
صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن
تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج)) وقال: (( لا يحل لمسلم أن
يهجر أخاه فوق ثلاث)) وجعل ما تحرم المرأة بعده من الطلاق ثلاثاً،
فإذا طلقها ثلاث مرات حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، لأن
الطلاق فى الأصل مكروه، فأبيح منه للحاجة ما تدعو إليه الحاجة
وحرمت عليه بعد ذلك إلى الغاية المذكورة ، ثم المهاجر لو قدم مكة
قبل الموسم بشهر أقام إلى الموسم ، فإن كان لم يبح له إلا فيما يكون سفراً
كانت إقامته إلى الموسم سفراً فتقصر فيه الصلاة .
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا صبح رابعة من
ذي الحجة فلو أقاموا بمكة ، بعد قضاء النسك ثلاثا كان لهم ذلك ،
ولو أقاموا أكثر من ثلاث لم يجز لهم ذلك ، وجاز لغيرهم أن يقيم
أكثر من ذلك ، وقد أقام المهاجرون مع النبى صلى الله عليه وسلم عام
الفتح قريباً من عشرين يوماً بمكة ولم يكونوا بذلك مقيمين إقامة خرجوا
بها عن السفر ، ولا كانوا ممنوعين ، لأنهم كانوا مقيمين لأجل تمام
١٣٩

الجهاد ، وخرجوا منها إلى غزوة حنين ؛ وهذا بخلاف من لا يقدم إلا
للنسك فإنه لا يحتاج إلى أكثر من ثلاث. فعلم أن هذا التحديد لا يتعلق
بالقصر ولا بتحديد السفر .
والذين حدوا ذلك بأربعة منهم من احتج بإقامة المهاجر وجعل يوم
الدخول والخروج غير محسوب ، ومنهم من بنى ذلك على أن الأصل فى
كل من قدم المصر أن يكون مقيما يتم الصلاة ؛ لكن ثبتت الأربعة
بإقامة النبى صلى اللّه عليه وسلم في حجته، فإنه أقامها وقصر . وقالوا
فى غزوة الفتح وتبوك إنه لم يكن عزم على إقامة مدة ؛ لأنه كان يريد
عام الفتح غزو حنين ، وهذا الدليل مبنى على أنه من قدم المصر فقد
خرج عن حد السفر، وهو ممنوع ، بل هو مخالف للنص والإجماع
والعرف ، فإن التاجر الذي يقدم ليشتري سلعة أو يبيعها ويذهب هو
ء
مسافر عند الناس ، وقد يشتري السلعة ويبيعها في عدة أيام ولا يحد
الناس فى ذلك حداً .
والذين قالوا : يقصر إلى خمسة عشر قالوا : هذا غابة ما قيل ،
وما زاد على ذلك فهو مقيم بالإجماع ، وليس الأمر كما قالوه ، وأحمد
أمر بالإتمام فيما زاد على الأربعة احتياطاً، واختلفت الرواية عنه إذا
نوى إقامة إحدى وعشرين هل يتم أو يقصر ؟ لتردد الاجتهاد في صلاة
النبى صلى الله عليه وسلم يوم الرابع ، فإن كان صلى الفجر بمبيته وهو
١٤٠