Indexed OCR Text

Pages 361-380

وسل
عن إمام يقول يوم الجمعة على المنبر فى خطبته : إن الله تكلم
بكلام أزلي قديم . ليس بحرف، ولا صوت، فهل تسقط الجمعة خلفه أم
لا ؟ وما يجب عليه ؟ .
فأجاب : الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله
منزل غير مخلوق ، وأن هذا القرآن الذي يقرأه الناس هو كلام الله،
يقرأه الناس بأصواتهم . فالكلام كلام الباري ، والصوت صوت القارى
والقرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه .
وإذا كان الإمام مبتدعا ، فإنه يصلى خلفه الجمعة ؛ وتسقط بذلك.
والله أعلم .
وسئل رحم الله:
عن إمام قتل ابن عمه : فهل تصح الصلاة خلفه . أم لا ؟.
فأجاب : إذا كان هذا الرجل قد قتل مسلماً معتمداً بغير حق
٣٦١

فينبغى أن يعزل عن الإمامة ، ولا يصلى خلفه إلا لضرورة ، مثل أن
لا يكون هناك إمام غيره ؛ لكن إذا تاب وأصاح فإن الله يقبل التوبة عن
عباده ويعفو عن السيئات . فإذا تاب التوبة الشرعية جاز أن يقر على
إمامته ، والله أعلى .
وسئل أيضاً
عن إمام مسجد قتل : فهل يجوز أن يصلى خلفه ؟
فأجاب : إذا كان قد قتل القاتل أو لا ، ثم عمدوا أقارب المقتول
إلى أقارب القاتل فقتلوم. فهؤلاء عداة من أظلم الناس ، وفيهم نزل
قوله تعالى: (فَمَنْ أَعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ). ولهذا قالت
طائفة من السلف : إن هؤلاء القاتلين يقتلهم السلطان حداً ، ولا يعفى
عنهم ، وجمهور العلماء يجعلون أمرهم إلى أولياء المقتول ، ومن كان
من الخطباء يدخل في مثل هذه الدماء فإنه من أهل البغي والعدوان،
الذين يتعين عزلهم ، ولا يصلح أن يكون إماماً للمسلمين : بل يكون
إماماً للظالمين المعتدين ، والله أعلم.
٣٦٢

وسئل رحم الله تعالى :
عن إمام المسلمين خبب امرأة على زوجها حتى فارقته ، وصاريخلو
بها . فهل يصلى خلفه ؟ وما حكمه ؟
فأجاب : في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(((ليس منا من خبب امرأة على زوجها، أو عبداً على مواليه))
فسعي الرجل فى التفريق بين المرأة وزوجها من الذنوب الشديدة ،
وهو من فعل السحرة ، وهو من أعظم فعل الشياطين . لا سيما إذا
كان يخبيها على زوجها ليتزوجها هو مع إصراره على الخلوة بها، ولا
سيما إذا دلت القرائن على غير ذلك . ومثل هذا لا ينبغي أن يولى
إمامة المسلمين ، إلا أن يتوب ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإذا أمكن
الصلاة خلف عدل مستقيم السيرة فينبغي أن يصلى خلفه ، فلا يصلى
خلف من ظهر فجوره لغير حاجة ، والله أعلم .
٣٦٣

وسئل رحمه اللّه
عن إمام يقرأ على الجنائز . هل تصح الصلاة خلفه ؟
فأجاب : إذا أمكنه أن يصلي خلف من يصلى صلاة كاملة ، وهو
من أهل الورع فالصلاة خلفه أولى من الصلاة خلف من يقرأ على
الجنائز ، فإن هذا مكروه من وجهين: من وجه أن القراءة على الجنائز
مكروهة في المذاهب الأربعة . وأخذ الأجرة عليها أعظم كراهة ،
فإن الاستئجار على التلاوة لم يرخص فيه أحد من العلماء، والله أعلم .
وسئل
عن إمام ببصق في المحراب هل تجوز الصلاة خلفه أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله . ينبغي أن ينهى عن ذلك . وفى سنن أبى
داود عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه عزل إماماً لأجل بصاقه فى
القبلة ، وقال لأهل المسجد: لا تصلوا خلفه، فجاء إلى النبي صلى الله
٣٦٤

عليه وسلم فقال : يا رسول الله! أنت نهيتهم أن يصلوا خلفي ، قال:
نعم ! إنك قد آذيت الله ورسوله )) . فإن عزل عن الإمامة لأجل
ذلك ، أو انتهى الجماعة أن يصلوا خلفه ؛ لأجل ذلك كان ذلك سائغاً ،
والله أعلم .
وسئل
عن رجل فقيه عالم خاتم للقرآن ، وبه عذر: بده الشمال خلفه من
حد الكتف ، وله أصابع لحم ، وقد قالوا : إن الصلاة غير
جائزة خلفه .
فأجاب : إذا كانت يداه يصلان إلى الأرض في السجود ، فإنه
بجوز الصلاة خلفه بلا نزاع . وإنما النزاع فيما إذا كان أقطع اليدين
والرجلين ، ونحو ذلك . وأما إذا أمكنه السجود على الأعضاء السبعة ،
التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أسجد على
سبعة أعظم : الجبهة، واليدين ، والركبتين، والقدمين)). فإن السجود
تام ، وصلاة من خلفه تامة ، والله أعلم.
٣٦٥

وسئل رحمه اللّه
عن الخصي هل تصح الصلاة خلفه ؟
فأجاب : الحمد لله. نصح خلفه. كما تصح خلف الفحل ، باتفاق
أئمة المسلمين ، وهو أحق بالإمامة ممن هو دونه ، فإذا كان أفضل من
غيره في العلم والدين كان مقدماً عليه فى الإمامة ، وإن كان المفضول
فحلا ، والله أعلم .
وسئل
عن رجل ما عنده ما يكفيه ، وهو يصلى بالأجرة . فهل يجوز
٠٠
ذلك أم لا؟
فأجاب : الاستئجار على الإمامة لا يجوز فى المشهور من مذهب
أبى حنيفة، ومالك وأحمد . وقيل : يجوز ، وهو مذهب الشافعي،
ورواية عن أحمد . وقول فى مذهب مالك . والخلاف فى
الأذان أيضاً .
٣٦٦

لكن المشهور من مذهب مالك أن الاستئجار بجوز على الأذان ،
وعلى الإمامة معه ومنفردة ، وفى الاستئجار على هذا ونحوه كالتعليم على
قول ثالث فى مذهب أحمد ، وغيره : أنه يجوز مع الحاجة ، ولا يجوز
بدون حاجة. والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
عن رجل معرف على المراكب ، وبنى مسجداً ، وجعل للإمام فى
كل شهر أجرة من عنده ، فهل هو حلال أم حرام ؟ وهل يجوز
الصلاة فى المسجد أم لا ؟
فأجاب : إن كان يعطى هذه الدرام من أجرة المراكب التى له
جاز أخذها ، وإن كان يعطيها مما يأخذ من الناس بغير حق فلا ،
والله أعلى
وسئل
عن رجل إمام بلد وليس هو من أهل العدالة . وفى البلد رجل
آخر يكره الصلاة خلفه. فهل تصح صلاته خلفه أم لا ؟ وإذا لم يصل
٣٦٧

خلفه ، وترك الصلاة مع الجماعة . هل يأثم بذلك ؟ والذي يكره
الصلاة خلفه ، يعتقد أنه لا يصحح الفاتحة ، وفي البلد من هو أقرأ
منه ، وأفقه .
فأجاب: رحمه الله - الحمد لله . أماكونه لا يصحح الفاتحة،
فهذا بعيد جداً، فإن عامة الخلق من العامة والخاصة يقرأون الفاتحة
قراءة تجزئ بها الصلاة ، فإن اللحن الخفي، واللحن الذي لا يحيل
المعنى لا يبطل الصلاة ، وفى الفاتحة قراءات كثيرة قد قرئ بها.
فلو قرأ (عليهم) و (عليهم)، (عليهُم). أو قرأ: ( الصراط ).
و (السراط)، و (الزراط ). فهذه قراءات مشهورة .
ولو قرأ: (الحمد لله)، و(الحمد لله)، أو قرأ (رب العالمين
أو (رب العالمين). أو قرأ بالكسر ، ونحو ذلك. لكانت قراءات
قد قرئ بها. وتصح الصلاة خلف من قرأ بها . ولو قرأ: (رب
العالمين ) بالضم ، أو قرأ ( مالك يوم الدين ) بالفتح ، لكان هذا
لحناً لا يحيل المعنى ، ولا يبطل الصلاة.
وإن كان إماماً راتباً وفى البلد من هو أقرأ منه صلى خلفه .
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن الرجل في سلطانه))،
وإن كان متظاهراً بالفسق ، وليس هناك من يقيم الجماعة غيره صلى
٣٦٨

خلفه أيضاً . ولم يترك الجماعة، وإن تركها فهو آثم ، مخالف للكتاب
والسنة ، ولما كان عليه السلف .
وسئل
عن رجل صلى بغير وضوء إماماً وهو لا يعلم ، أو عليه نجاسة
لا يعلم بها : فهل صلانه جائزة ؟ أم لا ؟ وإن كانت صلاته جائزة : فهل
صلاة المأمومين خلفه تصح ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : أما المأموم إذا لم يعلم بحدث الإمام ، أو النجاسة التى عليه
حتى قضيت الصلاة فلا إعادة عليه ، عند الشافعى ، وكذلك عند مالك
وأحمد ، إذا كان الإمام غير عالم ، ويعيد وحده إذا كان محدثاً . وبذلك
مضت سنة الخلفاء الراشدين ، فإنهم صلوا بالناس ثم رأوا الجنابة
بعد الصلاة فأعادوا، ولم يأمروا الناس بالإعادة، والله أعلم.
٣٦٩

وقال شيخ الإسلام
فصل
فى انعقاد صلاة المأموم بصلاة الإمام . الناس فيه على ثلاثة أقوال
أحدها : أنه لا ارتباط بينهما ، وأن كل امرئ يصلي لنفسه ،
وفائدة الاتتمام فى تكثير الثواب بالجماعة ، وهذا هو الغالب على أصل
الشافعي ، لكن قد عورض بمنعه اقتداء القاري بالأمي ، والرجل بالمرأة،
وإبطال صلاة المؤتم بمن لا صلاة له : كالكافر ، والمحدث . وفي هذه
المسائل كلام ليس هذا موضعه. ومن الحجة فيه قول النبي صلى الله
عليه وسلم في الأئمة: (( إن أحسنوا فلكم ، ولهم ، وإن أساءوا
فلكم وعليهم )) .
والقول الثاني : أنها منعقدة بصلاة الإمام ، وفرع عليها مطلقاً ،
فكل خلل حصل فى صلاة الإمام بسري إلى صلاة المأموم ، لقوله
صلى الله عليه وسلم: ((الإمام ضامن)). وعلى هذا فالمؤتم بالمحدث
٣٧٠

- الناسى لحدثه - بعيد كما يعيد إمامه، وهذا مذهب أبي حنيفة،
ورواية عن أحمد، اختارها أبو الخطاب . حتى اختار بعض هؤلاء كمحمد
ابن الحسن أن لا يأتم المتوضئ بالمتيمم ، لنقص طهارته عنه .
والقول الثالث : أنها منعقدة بصلاة الإمام . لكن إنما يسرى
النقص إلى صلاة المأموم مع عدم العذر منهما ، فأما مع العذر فلا
يسري النقص ، فإذا كان الإمام يعتقد طهارته فهو معذور فى الإمامة ،
والمأموم معذور فى الانتمام ، وهذا قول مالك، وأحمد ، وغيرهما.
وعليه يتنزل ما يؤثر عن الصحابة في هذه المسألة، وهو أوسط الأقوال
كما ذكرنا في نفس صفة الإمام الناقص ؛ أن حكمه مع الحاجة يخالف
حكمه مع عدم الحاجة . فيمحكم صلاته كمكم نفسه .
وعلى هذا أيضاً ينبني اقتداء المؤتم بإمام قد ترك ما يعتقده المأموم من
فرائض الصلاة، إذا كان الإمام متأولا تأويلا يسوغ ، كأن لا يتوضأ من
خروج النجاسات ، ولا من مس الذكر ، ونحو ذلك . فإن اعتقاد
الإمام هنا صحة صلانه ، كاعتقاده صحتها مع عدم العلم بالحدث ، وأولى .
فإنه هناك تجب عليه الإعادة ، وهذا أصل نافع أيضاً .
ويدل على صحة هذا القول ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي
هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بصلون
٣٧١

لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) فهذا نص
فى أن الإمام إذا أخطأ كان درك خطئه عليه ، لا على المأمومين . فمن
صلى معتقداً لطهارته وكان محدثاً أو جنباً أو كانت عليه نجاسة ، وقلنا
عليه الإعادة للنجاسة ، كما يعيد من الحدث : فهذا الإمام مخطئ في هذا
الاعتقاد ، فيكون خطؤه عليه ، فيعيد صلاته . وأما المأمومون فلهم
هذه الصلاة ، وليس عليهم من خطئه شيء ، كما صرح به رسول الله
صلى الله عليه وسلم. وهذا نص فى إجزاء صلاتهم ، وكذلك لو
ترك الإمام بعض فرائض الصلاة بتأويل أخطأ فيه ، عند المأموم: مثل
أن يمس ذكره ويصلي ، أو يحتجم ويصلي ، أو يترك قراءة البسملة ،
أو يصلي وعليه نجاسة لا يعفى عنها عند المأموم ، ونحو ذلك . فهذا
الإمام أسوأ أحواله أن يكون مخطئا ، إن لم يكن مصيباً . فتكون هذه
الصلاة المأموم ، وليس عليه من خطإ إمامه شيء .
وكذلك روى أحمد وأبو داود عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من أم الناس
فأصاب الوقت ، وأتم الصلاة فله ولهم ، ومن انتقص من ذلك شيئاً
فعليه ولا عليهم ، لكن لم يذكر أبو داود ((وأتم الصلاة)) فهذا
الانتقاص يفسره الحديث الأول أنه الخطأ، ومفهوم قوله: (( وإن
أخطأ فعليه ولا عليهم)) أنه إذا تعمد لم يكن كذلك ، ولاتفاق المسلمين
على أن من يترك الأركان المتفق عليها لا تنبغى الصلاة خلفه .
٣٧٢

وسل
عن رجل يؤم قوما وأكثرم له كارهون ؟
فأجاب : إن كانوا يكرهون هذا الإمام لأمر في دينه : مثل كذبه
أو ظلمه ، أو جهله، أو بدعته، ونحو ذلك . ويحبون الآخر لأنه أصلح
في دينه منه . مثل أن يكون أصدق وأعلم وأدين ، فإنه يجب أن يولى
عليهم هذا الإمام الذى يحبونه ، وليس لذلك الإمام الذي يكرهونه أن
يؤمهم . كما فى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثلاثة
لا تجاوز صلاتهم آذانهم: رجل أم قوماً وهم له كارهون، ورجل
لا يأتى الصلاة إلا دباراً ورجل اعتبد محرراً)) والله أعلم .
وسل
عن أهل المذاهب الأربعة: هل تصح صلاة بعضهم خلف بعض ؟ أم
لا ؟ وهل قال أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض ؟
ومن قال ذلك فهل هو مبتدع ؟ أم لا ؟ وإذا فعل الإمام ما يعتقد
٣٧٣

أن صلانه معه صحيحة ، والمأموم يعتقد خلاف ذلك . مثل أن يكون
الإمام تقيأ أو رعف، أو احتجم، أو مس ذكره، أو مس النساء
بشهوة أو بغير شهوة ، أو قهقه فى صلاته ، أو أكل لحم الإبل ،
وصلى ولم يتوضأ ، والمأموم يعتقد وجوب الوضوء من ذلك ، أو كان
الإمام لا يقرأ البسملة، أو لم يتشهد التشهد الآخر ، أو لم يسلم من
الصلاة ، والمأموم يعتقد وجوب ذلك ، فهل نصح صلاة المأموم
والحال هذه ؟ وإذا شرط فى إمام المسجد أن يكون على مذهب معين
فكان غيره أعلم بالقرآن والسنة منه وولي . فهل يجوز ذلك ؟ وهل
تصح الصلاة خلفه ؟ أم لا؟
فأحاب : الحمد لله. نعم! مجوز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان
الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي
بعضهم خلف بعض ، مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة وغيرها .
ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض ، ومن أنكر
ذلك فهو مبتدع ضال ، مخالف للكتاب والسنة ، وإجماع سلف
الأمة ، وأئمتها .
وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم : منهم من يقرأ
البسملة، ومنهم من لا يقرأها ، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا
يجهر بها ، وكان منهم من يقنت في الفجر ، ومنهم من لا يقنت ، ومنهم
٣٧٤

من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك
ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ، ومس النساء بشهوة ، ومنهم من
لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من القهقهة فى صلاته ، ومنهم
من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ،
ومنهم من لا يتوضأ من ذلك . ومع هذا فكان بعضهم يصلي
خلف بعض :
مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي وغيرهم يصلون خلف
أئمة أهل المدينة من المالكية ، وإن كانوا لا يقرأون البسملة لا سراً
ولا جهراً، وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم . وأفتاه مالك
بأنه لا يتوضأ ، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يعد .
وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف ، فقيل له :
فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ . تصلي خلفه ؟ فقال :
كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب، ومالك .
وبالجملة فهذه المسائل لها صورتان :
إحداهما : أن لا يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل الصلاة ، فهنا
يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف، والأئمة الأربعة ، وغيرهم . وليس فى
هذا خلاف متقدم ، وإنما خالف بعض المتعصبين من المتأخرين : فزعم
٣٧٥

أن الصلاة خلف الحنفي لا تصح ، وإن أتى بالواجبات ؛ لأنه أداها وهو
لا يعتقد وجوبها ، وقائل هذا القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل
البدع أحوج منه إلى أن يعتد بخلافه ، فإنه ما زال المسلمون على معهد
النبى صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه يصلي بعضهم ببعض، وأكثر
الأئمة لا يميزون بين المفروض والمسنون ، بل يصلون الصلاة الشرعية ،
ولو كان العلم بهذا واجباً لبطلت صلوات أكثر المسلمين ، ولم يمكن
الاحتياط، فإن كثيراً من ذلك فيه نزاع، وأدلة ذلك خفية، وأكثر
ما يمكن المتدين أن يحتاط من الخلاف ، وهو لا يجزم بأحد القولين .
فإن كان الجزم بأحدهما واجباً فأكثر الخلق لا يمكنهم الجزم بذلك ،
وهذا القائل نفسه ليس معه إلا تقليد بعض الفقهاء ، ولو طولب بأدلة
شرعية تدل على صحة قول إمامه دون غيره لعجز عن ذلك ؛ ولهذا
لا يعتد بخلاف مثل هذا، فإنه ليس من أهل الاجتهاد .
الصورة الثانية : أن يتيقن المأموم أن الإمام فعل مالا يسوغ عنده:
مثل أن يمس ذكره، أو النساء لشهوة ، أو يحتجم ، أو يقتصد ، أو
يتقيأ . ثم يصلي بلا وضوء، فهذه الصورة فيها نزاع مشهور :
فأحد القولين لا تصح صلاة المأموم ؛ لأنه يعتقد بطلان صلاة
إمامه . كما قال ذلك من قاله من أصحاب أبى حنيفة، والشافعي، وأحمد .
٣٧٦

والقول الثانى : تصح صلاة المأموم ؛ وهو قول جمهور السلف ،
وهو مذهب مالك ، وهو القول الآخر في مذهب الشافعى ، وأحمد ؛
بل وأبى حنيفة وأكثر نصوص أحمد على هذا. وهذا هو الصواب ؛
لما ثبت فى الصحيح وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)).
فقد بين صلى الله عليه وسلم أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم ،
ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له ، وأنه لا إثم عليه فيما
فعل ، فإنه مجتهد أو مقلد مجتهد . وهو يعلم أن هذا قد غفر الله له
خطأه، فهو يعتقد صحة صلاته ، وأنه لا يأثم إذا لم يعدها ، بل لو
حكم بمثل هذا لم يجز له نقض حكمه ، بل كان ينفذه . وإذا كان
الإمام قد فعل باجتهاده ، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والمأموم
قد فعل ما وجب عليه كانت صلاة كل منهما صحيحة ، وكان كل
منها قد أدى ما يجب عليه ، وقد حصلت موافقة الإمام فى
الأفعال الظاهرة .
وقول القائل : إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام . خطأ منه .
فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه ، وأن الله قد غفر له
ما أخطأ فيه ، وأن لا تبطل صلاته لأجل ذلك .
ولو أخطأ الإمام والمأموم فسلم الإمام خطأ ، واعتقد المأموم جواز
٣٧٧

متابعته فسلم، كما سلم المسلمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم لما
سلم من اثنتين سهواً ، مع علمهم بأنه إنما صلى ركعتين ، وكما لو صلى
خمسا سهواً فصلوا خلفه خمسا ، كما صلى الصحابة خلف النبي صلى الله
عليه وسلم لما صلى بهم خمسا ، فتابعوه ، مع علمهم بأنه صلى خمسا ؛
لاعتقادهم جواز ذلك فإنه تصح صلاة المأموم فى هذه الحال ، فكيف
إذا كان المخطئ هو الإمام وحده . وقد اتفقوا كلهم على أن الإمام
لو سلم خطأ لم تبطل صلاة المأموم ، إذا لم يتابعه ، ولو صلى خمسا لم
تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه ، فدل ذلك على أن ما فعله الإمام
خطأ لا يلزم فيه بطلان صلاة المأموم ، والله أعلم .
وسئل رحمه اللّه
هل نصح صلاة المأموه خلف من يخالف مذهبه ؟
فأجاب : وأما صلاة الرجل خلف من يخالف مذهبه ، فهذه نصح
باتفاق الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، والأئمة الأربعة ، ولكن النزاع
فى صورتين :
إحداهما : خلافها شاذ ، وهو ما إذا أتى الإمام بالواجبات كما يعتقده
٣٧٨

المأموم ، لكن لا يعتقد وجوبها مثل التشهد الأخير إذا فعله من لم
يعتقد وجوبه ، والمأموم يعتقد وجوبه ، فهذا فيه خلاف شاذ. والصواب
الذي عليه السلف وجمهور الخلف صحة الصلاة .
والمسألة الثانية : فيها نزاع مشهور ، إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم
وجوبه مثل أن يترك قراءة البسملة سراً وجهراً ، والمأموم يعتقد
وجوبها . أو مثل أن يترك الوضوء من مس الذكر ، أو لمس النساء
أو أكل لحم الإبل ، أو القهقهة ، أو خروج النجاسات ، أو
النجاسة النادرة ، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك ، فهذا فيه
قولان . أصحها صحة صلاة المأموم ، وهو مذهب مالك، وأصرح
الروايتين عن أحمد فى مثل هذه المسائل ، وهو أحد الوجهين فى
مذهب الشافعي ، بل هو المنصوص عنه ، فإنه كان يصلي خلف
المالكية الذين لا يقرأون البسملة ، ومذهبه وجوب قراءتها . والدليل
على ذلك ما رواه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (( يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم ، وإن أخطأوا فلكم
وعليهم ، فجعل خطأ الإمام عليه دون المأموم .
وهذه المسائل إن كان مذهب الإمام فيها هو الصواب فلا
نزاع، وإن كان مخطئاً خطؤه مختص به ، والمنازع يقول : المأموم
يعتقد بطلان صلاة إمامه ، وليس كذلك ، بل يعتقد أن الإمام يصلي
٣٧٩

باجتهاد أو تقليد ، إن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر ، وهو
ينفذ حكم الحاكم فى مسائل الاجتهاد ، وهذا أعظم من اقتدائه به، فإن
كان المجتهد حكمه باطلا لم يجز إنفاذ الباطل ، ولو ترك الإمام الطهارة
ناسياً لم يعد المأموم عند الجمهور . كما ثبت عن الخلفاء الراشدين ، مع
أن الناسى عليه إعادة الصلاة ، والمتأول لا إعادة عليه .
فإذا صحت الصلاة خلف من عليه الإعادة ، فلأن تصح خلف من
لا إعادة عليه أولى ، والإمام يعيد إذا ذكردون المأموم ، ولم يصدر
من الإمام ولا من المأموم تفريط : لأن الإمام لا يرجع عن اعتقاده
بقوله. بخلاف ما إذا رأى على الإمام نجاسة ولم يحذره منها ، فإن
المأموم هنا مفرط ، فإذا صلى يعيد لأن ذلك لتفريطه ، وأما الإمام فلا
يعيد فى هذه الصورة في أصح قولي العلماء ، كقول مالك ، والشافعي
فى القديم ، وأحمد في أصح الروايتين عنه .
وعلى المأموم بحال الإِمام فى صورة التأويل يقتضى أنه يعلم أنه مجتهد
مغفور له خطؤه ، فلا تكون صلاته باطلة ، وهذا القول هو الصواب
المقطوع به ، والله أعلم .
٣٨٠