Indexed OCR Text

Pages 241-260

فصل
وإذا ترك الجماعة من غير عذر : ففيه قولان فى مذهب
أحمد وغيره :
أحدهما : نصح صلاته ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
((نفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة))
والثانى : لا تصح ، لما في السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له))
ولقوله: ((لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد)) وقد قواه عبد
الحق الإشبيلي .
وأيضاً فإذا كانت واجبة، فمن ترك واجباً في الصلاة لم
تصح صلاته .
وحديث التفضيل محمول على حال العذر. كما فى قوله: ((صلاة
القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة القائم (١) على النصف من صلاة
(١) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [النائم ]
٢٤١

القاعد )) . وهذا عام فى الفرض والنفل .
والإنسان ليس له أن يصلي الفرض قاعداً أو نائماً، إلا فى حال
العذر، وليس له أن يتطوع نائماً عند جماهير السلف، والخلف ؛ إلا
وجهاً فى مذهب الشافعي وأحمد .
ومعلوم أن التطوع بالصلاة مضطجعاً بدعة ، لم يفعلها أحد من
السلف، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب
له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)» يدل على أنه يكتب له
لأجل نيته ، وإن كان لا يعمل عادته قبل المرض والسفر فهذا يقتضي
أن من ترك الجماعة لمرض أو سفر وكان يعتادها كتب له أجر
الجماعة، وإن لم يكن يعنادها لم يكن يكتب له، وإن كان في الحالين
أن ما له بنفس الفعل صلاة منفرد . وكذلك المريض إذا صلى قاعداً أو
مضطجعاً . وعلى هذا القول فإذا صلى الرجل وحده وأمكنه أن
يصلي بعد ذلك فى جماعة فعل ذلك، وإن لم يمكنه فعل الجماعة استغفر الله،
كمن فاتته الجمعة وصلى ظهراً، وإن قصد الرجل الجماعة ووجدم قد
صلوا كان له أجر من صلى فى الجماعة ، كما وردت به السنة عن النبى
صلى الله عليه وسلم .
وإذا أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك الجماعة ، وإن أدرك أقل
٢٤٢

من ركعة فله بنيته أجر الجماعة ، ولكن هل يكون مدركاً للجماعة أو
يكون بمنزلة من صلى وحده . فيه قولان للعلماء فى مذهب
الشافعي وأحمد .
أحدهما : أنه يكون كمن صلى فى جماعة، كقول أبى حنيفة.
والثانى: يكون كمن صلى منفرداً، كقول مالك، وهذا أصح،
لما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )) ولهذا قال الشافعي وأحمد
ومالك وجمهور العلماء : إنه لا يكون مدركاً للجمعة إلا بإدراك ركعة
من الصلاة ، ولكن أبو حنيفة ومن وافقه يقولون : إنه يكون مدركاً
لها إذا أدركهم فى التشهد .
ومن فوائد النزاع في ذلك : أن المسافر إذا صلى خلف المقيم
أتم الصلاة إذا أدرك ركعة ، فإن أدرك أقل من ركعة فعلى
القولين المتقدمين .
والصحيح أنه لا يكون مدركاً للجمعة ولا للجماعة إلا بإدراك ركعة .
وما دون ذلك لا يعتد له به ، وإنما يفعله متابعة للإمام . ولو بعد
السلام ، كالمنفرد باتفاق الأئمّة .
٢٤٣

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
فأما صلاة الجماعة : فاتبع ما دل عليه الكتاب والسنة ، وأقوال
الصحابة من وجوبها ، مع عدم العذر ، وسقوطها بالعذر .
وتقديم الأمة بما قدم به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :
(( يؤم القوم أقروم لكتاب الله، فإن كانوا فى القراءة سواء ، فأعلمهم
بالسنة ، فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم هجرة)) فيفرق بين العلم
بالكتاب ، أو العلم بالسنة ، كما دل عليه الحديث . وإنما يكون ترجيح
بعض الأئمة على بعض إذ استووا فى المعرفة بإقام الصلاة على الوجه
المشروع ، وفعلها على السنة ، وفى دين الإمام الذي يخرج به المأموم
عن نقص الصلاة خلفه . فإذا استويا فى كمال الصلاة منهما وخلفها ،
قدم الأقرأ ، ثم الأعلم بالسنة ، وإلا ففضل الصلاة فى نفسها مقدم على
صفة إمامها ، وما يحتاج إليه من العلم والدين فيها مقدم على ما يستحب
من ذلك .
٢٤٤

وغيره قد يقول هي سنة مؤكدة . وقد يقول هي فرض
على الكفاية .
ولهم فى تقديم الأئمة خلاف ويأمرهم بإقامة الصفوف فيها ، كما أمر به
النبي صلى الله عليه وسلم من سننها الخمس : وهي تقويم الصفوف ،
ورصها ، وتقاربها ، وسد الأول فالأول ، وتوسيط الإمام حتى ينهى عما
نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة المنفرد خلف الصف،
وبأمره بالإعادة ، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فى حديثين ثابتين
عنه ، فإنه أمر المنفرد خلف الصف بالإعادة، كما أمر المسيء في صلاته
بالإعادة ، وكما أمر المسيء في وضوئه الذي ترك موضع ظفر من قدمه
لم يمسه الماء بالإعادة ، فهذه المواضع دلت على اشتراط الطهارة،
والاصطفاف فى الصلاة ، والإتيان بأركانها .
والذين خالفوا حديث المنفرد خلف الصف كأبى حنيفة ومالك
والشافعي ، منهم من لم يبلغه، أو لم يثبت عنده، والشافعي رآه
معارضاً بكون الإمام يصلي وحده ، وبكون مليكة جدة أنس صلت
خلفهم ، وبحديث أبي بكرة لما ركع دون الصف .
وأما أحمد فأصله فى الأحاديث إذا تعارضت فى قضيتين متشابهتين
غير متماثلتين ، فإنه يستعمل كل حديث على وجهه ، ولا يرد أحدهما
٢٤٥

بالآخر . فيقول في مثل هذه: المرأة إذا كانت مع النساء صلت بينهن وأما إذا
كانت مع الرجال لم تصل إلا خلفهم ، وإن كانت وحدها ؛ لأنها منهية عن
مصافة الرجال ، فانفرادها عن الرجال أولى بها من مصافتهم، كما أنها إذا صلت
بالنساء صلت بينهن؛ لأنه أستر لها، كما يصلي إمام العراة بينهم ، وإن كانت
سنة الرجل الكاسي إذا أم أن يتقدم بين يدي الصف .
ونقول : إن الإمام لا يشبه المأموم ، فإن سنته التقدم لا المصافة ،
وسنة المؤتمين الاصطفاف . نعم يدل انفراد الإمام والمرأة على جواز
انفراد الرجل المأموم لحاجة، وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلا
منفرداً ، فهذا قياس قول أحمد وغيره ، ولأن واجبات الصلاة وغيرها
تسقط بالأعذار ، فليس الاصطفاف إلا بعض واجباتها ، فسقط بالعجز
فى الجماعة ، كما يسقط غيره فيها ، وفى متن الصلاة .
ولهذا كان تحصيل الجماعة فى صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع
استدبار القبلة، والعمل الكثير ، ومفارقة الإمام ، ومع ترك المريض
القيام : أولى من أن يصلوا وحداناً، ولهذا ذهب بعض أصحاب أحمد إلى أنه
يجوز تقديم المؤتم على الإمام عند الحاجة ، كمال الزحام ونحوه ، وإن
كان لا يجوز لغير حاجة ، وقد روى فى بعض صفات صلاة الخوف .
ولهذا سقط عنده وعند غيره من أئمة السنة ما يعتبر للجماعة: من
٢٤٦

عدل الامام ، وحل البيعة ، ونحو ذلك للحاجة ، فجوزوا ، بل أوجبوا
فعل صلوات الجمعة والعيدين والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأمة
الفاجرين ، وفى الأمكنة المغصوبة إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة
والجماعة، أو إلى فتنة في الأمة، ونحو ذلك. كما جاء فى حديث جابر
((لا يؤمن فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان بخاف سيفه ، أو سوطه))
لأن غاية ذلك أن يكون عدل الإمام واجباً ، فيسقط بالعذر ، كماسقط
كثير من الواجبات فى جماعة الخوف بالعذر .
ومن اهتدى لهذا الأصل . وهو أن نفس واجبات الصلاة نسقط
بالعذر ، فكذلك الواجبات في الجماعات ونحوها ، فقد هدى لما جاءت
به السنة من التوسط بين إهمال بعض واجبات الشريعة رأساً ، كما قد
يبتلى به بعضهم ، وبين الإسراف فى ذلك الواجب حتى يفضي إلى ترك
غيره من الواجبات التى هي أوكد منه عند العجز عنه ، وإن كان ذلك
الأوكد مقدوراً عليه ، كما قد يبتلى به آخرون . فإن فعل المقدور عليه
من ذلك دون العجوز عنه هو الوسط بين الأمرين .
وعلى هذا الأصل تنبني مسائل الهجرة والعزم ، التى هي أصل
((مسألة الإمامة)) بحيث لا يفعل ولا تسع القدرة، ولهذا كان أحمد
فى المنصوص عنه وطائفة من أصحابه يقول : يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل
للحاجة ، كما فى صلاة الخوف . وكما لو كان المفترض غير قارئ كما فى
٢٤٧

حديث عمرو بن سلمة ، ومعاذ، ونحو ذلك . وإن كان لا يجوزه لغير
حاجة على إحدى الروايتين عنه ، فأما إذا جوزه مطلقاً فلا كلام ،
وإن كان من أصحابه من لا يجوز بحال فصارت الأقوال فى مذهبه
وغير مذهبه ثلاثة . والمنح مطلقاً هو المشهور عن أبى حنيفة ومالك ،
كما أن الجواز مطلقاً هو قول الشافعي .
ويشبه هذا مفارقة المأموم إمامه قبل السلام ، فعنه ثلاث روايات :
أوسطها جواز ذلك للحاجة ، كما تفعل الطائفة الأولى فى صلاة
الخوف ، وكما فعل الذي طول عليه معاذ صلاة العشاء الآخرة ، لما شق
عليه طول الصلاة .
والثانية المنح مطلقاً ، كقول أبي حنيفة .
والثالثة : الجواز مطلقاً ، كقول الشافعي ، ولهذا جوز أحمد على
المشهور عنه أن تؤم المرأة الرجال لحاجة ، مثل أن تكون قارئة ،
وثم غير قارئين فتصلي بهم التراويح، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم
لأم ورقة أن تؤم أهل دارها ، وجعل لها مؤذناً وتتأخر خلفهم ، وإن
كانوا مأمومين بها للحاجة ، وهو حجة لمن يجوز تقدم المأموم الحاجة
هذا مع ما روى عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: ((لاتؤمن امرأة
٢٤٨

رجلا)) وأن المنح من إمامة المرأة بالرجال قول عامة العلماء .
ولهذا الأصل استعمل أحمد ما استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم
من قوله فى الإمام: ((إذا صلى جالساً فصلوا جلوسا أجمعون )) وأنه
علل ذلك بأنه يشبه قيام الأعاجم بعضهم لبعض ، فسقط عن المأمومين
القيام لما في القيام من المفسدة التى أشار إليها النبى صلى الله عليه وسلم من
مخالفة الإمام، والتشبه بالأعاجم فى القيام له . وكذلك عمل أئمة الصحابة بعده
لما اعتلوا فصلوا قعوداً، والناس خلفهم قعود . كأسيد بن الحضير ،
ولكن كره هذا لغير الإمام الراتب ، إذ لا حاجة إلى نقص الصلاة في
الائتمام به . ولهذا كرهه أيضاً إذا مرض الإمام الراتب مرضاً مزمنا ؛
لأنه يتعين حينئذ انصرافه عن الإمامة ، ولم ير هذا منسوخاً بكونه
فى مرضه صلى في أثناء الصلاة قاعداً وثم قيام ، لعدم المنافاة بين ما
أمر به وبين ما فعله ، ولأن الصحابة فعلوا ما أمر به بعد موته ، مع
شهودم لفعله .
فيفرق بين القعود من أول الصلاة ، والقعود فى أثنائها ، إذ يجوز
الأمران جميعا ، إذ ليس فى الفعل تحريم للمأمور به محال ، مع ما فى
هذه المسائل من الكلام الدقيق الذى ليس هذا موضعه .
وإنما الغرض التنبيه على قواعد الشريعة التى تعرفها القلوب الصحيحة ،
٢٤٩

التى دل عليها قوله تعالى: (فَنَّقُواْاللَّهَ مَاُسْتَطَعْتُمْ ) وقوله صلى الله
عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) وأنه إذا تعذر
جمع الواجبين قدم أرجحها، وسقط الآخر بالوجه الشرعى ، والتنبيه
على ضوابط من مآخذ العلماء رضي الله عنهم .
وسل
عن أقوام يسمعون الداعى ولم يجيبوا ؟ وفيهم من يصلي فى بيته ،
وفيهم من لا تراه يصلي ، ويراه جماعة من الناس ، ولا يرونه بالصلاة،
وحاله لم ترض الله ولا رسوله من جهة الصلاة وغيرها. فهل يجوز
لمن يراه في هذه الحالة أن يولي عنه أو يسلم عليه؟ أفتونا مأجورين.
وأيضاً : هل يجوز لرجل إذا كان إماماً فى المسجد الذي هو فيه
لم يصل فيه إلا نفران أو ثلاثة فى بعض الأيام هو يصلي فيه احتساباً ؟
وأيضا إن كان يصلي فيه بأجرة لا ما يطلب الصلاة فى غيره إلا لأجل
فضل الجماعة، وهل يجوز ذلك ؟ أفتونا يرحمكم الله .
فأجاب : الصلاة فى الجماعات التى تقام فى المساجد من شعائر
الإسلام الظاهرة ، وسنته الهادية . كما فى الصحيح عن ابن مسعود أنه
قال: ((إن هذه الصلوات الخمس فى المسجد الذي تقام فيه الصلاة
٢٥٠

من سنن الهدى ، وإن اللّه شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنكم لو صليتم
في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ، ولو تركتم
سنة نبيكم لضللتم ، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ، ولقد
كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجال حتى يقام فى الصف))
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لقد
هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من
الخطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار )) وفى
صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم
رجل أعمى ، فقال : يا رسول الله ! ليس لي قائد يقودنى إلى المسجد
فسأله أن يرخص له أن يصلي فى بيته ، فرخص له ، فلما ولى دعاء
فقال: أنسمع النداء بالصلاة ؟ قال : نعم ! قال: أجب - وفى
رواية فى السنن - قال: أتسمع النداء ؟ قال : نعم ! قال : لا أجد
لك رخصة )).
وفي السنن عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر، قالوا : ما العذر ؟ قال :
خوف أو مرض ، لم تقبل منه الصلاة التى صلى )) رواه أبو داود .
وصلاة الجماعة من الأمور المؤكدة فى الدين باتفاق المسلمين .
٢٥١

وهي فرض على الأعيان عند أكثر السلف ، وأئمة أهل الحديث :
كأحمد وإسحاق ، وغيرهما ، وطائفة من أصحاب الشافعي ، وغيرهم ،
وهي فرض على الكفاية عند طوائف من أصحاب الشافعي ، وغيرم ،
وهو المرجح عند أصحاب الشافعي .
والمصر على ترك الصلاة في الجماعة رجل سوء ينكر عليه ويزجر
على ذلك ، بل يعاقب عليه ، وترد شهادته ، وإن قيل : إنها سنة
مؤكدة . وأما من كان معروفا بالفسق مضيعاً للصلاة ، فهذا داخل فى
قوله: (َلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوْ الشَّهَوَنِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)
ويجب عقوبته على ذلك بما يدعوه إلى ترك المحرمات وفعل الواجبات .
ومن كان إماماً راتباً فى مسجد فصلاته فيه إذا لم تقم الجماعة إلا به
أفضل من صلاته في غيره، وإن كان أكثر جماعة .
ومن عرف منه التظاهر بترك الواجبات ، أو فعل المحرمات ، فإنه
يستحق أن يهجر ، ولا يسلم عليه تعزيرا له على ذلك ، حتى يتوب .
والله سبحانه أعلم .
٢٥٢

وسئل
عن رجل يقتدى به في ترك صلاة الجماعة ؟
فأجاب : من اعتقد أن الصلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة فى
مساجد المسلمين فهو ضال مبتدع باتفاق المسلمين ؛ فإن صلاة الجماعة ؛
إما فرض على الأعيان وإما فرض على الكفاية .
والأدلة من الكتاب والسنة أنها واجبة على الأعيان ، ومن قال :
إنها سنة مؤكدة ، ولم يوجبها ، فإنه يذم من داوم على تركها ، حتى أن
من داوم على ترك السنن التي هي دون الجماعة سقطت عدالته عندهم ،
ولم تقبل شهادته ، فكيف بمن يداوم على ترك الجماعة ؟ فإنه يؤمر
بها باتفاق المسلمين ، وبلام على تركها ، فلا يمكن من حكم ولا شهادة
ولا فتياً مع إصراره على ترك السنن الراتبة ، التى هي دون الجماعة ،
فكيف بالجماعة التى هي أعظم شعائر الإسلام ؟ والله أعلم .
٢٥٣

وسل
عن رجل جار للمسجد، ولم يحضر مع الجماعة الصلاة ويحتج بدكانه.
فأجاب: الحمد لله. يؤمر بالصلاة مع المسلمين، فإن كان لا يصلي
فإنه يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل. وإذا ظهر منه الإهمال للصلاة لم يقبل
قوله : إذا فرغت صليت ، بل من ظهر كذبه لم يقبل قوله ، ويلزم بما
أمر الله به ورسوله .
وسئل
عن رجلين تنازعا فى (( صلاة الفذ)) فقال أحدهما : قال صلى الله
عليه وسلم ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين)) وقال
الآخر: ((متى كانت الجماعة فى غير مسجد فهى كصلاة الفذ))؟
فأجاب : ليست الجماعة كصلاة الفذ ؛ بل الجماعة أفضل ولو كانت
فى غير المسجد؛ لكن تنازع العلماء فيمن صلى جماعة فى بيته ، هل
٢٥٤

يسقط عنه حضور الجماعة فى المسجد ؟ أم لابد من حضور الجماعة في
المسجد ؟ والذي ينبغى له أن لا يترك حضور الجماعة فى المسجد إلا
لعذر كما دلت على ذلك السنن والآثار، والله أعلم.
وسئل رحمه الله تعالى:
عن رجل أدرك آخر جماعة ، وبعد هذه الجماعة جماعة أخرى، فهل
يستحب له متابعة هؤلاء في آخر الصلاة ؟ أو ينتظر الجماعة الأخرى ؟.
فأجاب : أما إذا أدرك أقل من ركعة ، فهذا مبني على أنه هل
يكون مدركا للجماعة بأقل من ركعة ، أم لا بد من إدراك ركعة ؟
فذهب أبى حنيفة : أنه يكون مدركا، وطرد قياسه فى ذلك حتى قال
فى الجمعة : يكون مدركا لها بإدراك القعدة فيتمها جمعة . ومذهب مالك:
أنه لا يكون مدركا إلا بإدراك ركعة، وطرد المسألة في ذلك حتى
فيمن أدرك من آخر الوقت . فإن المواضع التى تذكر فيها هذه
المسألة أنواع:
أحدها : الجمعة .
والثاني : فضل الجماعة .
٢٥٥

والثالث : إدراك المسافر من صلاة المقيم.
والرابع : إدراك بعض الصلاة قبل خروج الوقت ، كإدراك بعض
الفجر قبل طلوع الشمس .
والخامس: إدراك آخر الوقت ، كالحائض تطهر، والمجنون يفيق،
والكافر يسلم في آخر الوقت .
والسادس: إدراك ذلك من أول الوقت عند من يقول إن الوجوب
بذلك ، فإن في هذا الأصل السادس نزاعا . وأما مذهب الشافعي وأحمد
فقالا فى الجمعة بقول مالك ، لاتفاق الصحابة على ذلك ، فإنهم قالوا
فيمن أدرك من الجمعة ركعة يصلي إليها أخرى، ومن أدركهم فى التشهد
صلى أربعاً .
وأما سائر المسائل ففيها نزاع في مذهب الشافعي وأحمد ، وهما
قولان للشافعي ، وروايتان عن أحمد، وكثير من أصحابها يرجح
قول أبي حنيفة .
والأظهر هو مذهب مالك، كما ذكره الخرقى فى بعض الصور ،
وذلك أنه قد ثبت فى الصحيح عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك
٢٥٦

الصلاة)) فهذا نص عام في جميع صور إدراك ركعة من الصلاة ، سواء
كان إدراك جماعة أو إدراك الوقت . وفي الصحيحين عنه صلى الله
عليه وسلم أنه قال: (( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس
فقد أدرك الفجر ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس
فقد أدرك العصر)) . وهذا نص فى ركعة فى الوقت .
وقد عارض هذا بعضهم بأن في بعض الطرق: «من أدرك
سجدة)) وظنوا أن هذا يتناول ما إذا أدرك السجدة الأولى ، وهذا
باطل فإن المراد بالسجدة الركعة، كما فى حديث ابن عمر: ((حفظت
عن رسول صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر ، وسجدتين بعدها
وسجدتين بعد المغرب)) إلى آخره. وفى اللفظ المشهور ((ركعتين)) وكما
روى: (( أنه كان يصلي بعد الوتر سجدتين)، وهما ركعتان، كما حاء
ذلك مفسراً فى الحديث الصحيح . ومن سجد بعد الوتر سجدتين
مجردتين عملا بهذا فهو غالط باتفاق الأئمة .
وأيضاً فإن الحكم عندم ليس متعلقاً بإدراك سجدة من السجدتين ،
فعلم أنهم لم يقولوا بالحديث . فعلى هذا إذا كان المدرك أقل من ركعة
وكان بعدها جماعة أخرى فصلى معهم فى جماعة صلاة تامة فهذا أفضل ،
فإن هذا يكون مصلياً فى جماعة؛ بخلاف الأول ، وإن كان المدرك ركعة أو كان
أقل من ركعة، وقلنا إنه يكون به مدركاً للجماعة، فهنا قد تعارض إدراكه
٢٥٧

لهذه الجماعة ، وإدراكه للثانية من أولها ، فإن إدراك الجماعة من أولها
أفضل . كما جاء فى إدراكها بحدها ، فإن كانت الجماعتان سواء فالثانية
أفضل ، وإن تميزت الأولى بكال الفضيلة ، أو كثرة الجمع ، أو فضل
الإمام ، أو كونها الراتبة ، فهى في هذه الجهة أفضل ، وتلك من جهة
إدراكها بحدها أفضل ، وقد يترجح هذا تارة وهذا نارة . وأما إن
قدر أن الثانية أكمل أفعالا ، وإماماً ، أو جماعة ، فهنا قد ترجحت
من وجه آخر .
ومثل هذه المسألة لم تكن تعرف في السلف إلا إذا كان مدركاً
المسجد آخر ، فإنه لم يكن يصلي فى المسجد الواحد إمامان راتبان ،
وكانت الجماعة تتوفر مع الإمام الراتب ، ولا ريب أن صلاته مع
ء
الإمام الراتب فى المسجد جماعة ولو ركعة خير من صلاته فى بيته ولو
كان جماعة ، والله أعلم .
وسئل
عن رجل صلى فرضه ، ثم أتى مسجد جماعة فوجدم يصلون، فهل
له أن يصلي مع الجماعة من الفائت ؟.
فأجاب: إذا صلى الرجل الفريضة ثم أتى مسجداً تقام فيه تلك
٢٥٨

الصلاة فليصلها معهم، سواء كان عليه فاتنة أو لم يكن ، كما أمر النبي
صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال لرجلين لم يصليا مع الناس :
فقال: ((مالكما لم تصليا؟ ألستما مسلمين؟ فقالا: يارسول الله! صلينا
فى رحالنا ، فقال : إذا صليتا فى رحالكا ثم أنيتما مسجد جماعة فصليا
معهم ، فإنها لكا نافلة )).
ومن عليه فائتة فعليه أن يبادر إلى قضائها على الفور ، سواء فانته
عمداً أو سهواً ، عند جمهور العلماء. كمالك وأحمد وأبي حنيفة ، وغيرهم.
وكذلك الراجح فى مذهب الشافعي أنها إذا فاتت عمداً كان قضاؤها
واجباً على الفور .
وإذا صلى مع الجماعة نوى بالثانية معادة ، وكانت الأولى فرضاً
والثانية نفلا على الصحيح ، كما دل عليه هذا الحديث وغيره . وقيل :
الفرض أكملها، وقيل: ذلك إلى الله تعالى، والله أعلم.
وسئل رحم الله
عن حديث يزيد بن الأسود قال: ((شهدت حجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما
قضى الصلاة وانحرف فإذا هو برجلين فى أخريات القوم لم يصليا ، فقال:
٢٥٩

علي بهما ، فإذا بهما ترعد فرائصها ، فقال: مامنعكما أن تصليا معنا ؟
فقالا : يا رسول الله ! إنا كنا صلينا في رحالنا ، قال : فلا تفعلا ،
إذا صليتما فى رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم ، فإنها
لكا نافلة )» .
والثاني: عن سلمان بن سالم قال: «رأيت عبد الله بن عمر جالساً
على البلاط ، والناس يصلون ، فقلت : يا عبد الله ! مالك لا تصلي ؟
فقال: إنى قد صليت ، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقول : لا تعاد صلاة مرتين)) هما الجمع بين هذا، وهذا ؟.
فأجاب : الحمد لله . أما حديث ابن عمر فهو فى الإعادة مطلقاً من
غير سبب . ولا ريب أن هذا منهي عنه، وأنه يكره للرجل أن يقصد
إعادة الصلاة من غير سبب يقتضي الإعادة، إذ لو كان مشروعا للصلاة
الشرعية عدد معين، كان يمكن الإنسان أن يصلي الظهر مرات، والعصر
مرات، ونحو ذلك، ومثل هذا لاريب فى كراهته .
وأما حديث ابن الأسود : فهو إعادة مقيدة بسبب اقتضى الإعادة،
وهو قوله: ((إذا صليتها فى رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا
معهم ، فإنها لكما نافلة )، فسبب الإعادة هنا حضور الجماعة الراتبة ،
ويستحب لمن صلى ثم حضر جماعة راتبة . أن يصلي معهم.
٢٦٠