Indexed OCR Text

Pages 121-140

أرجلهم أول الوضوء ، ويمسحونها في آخره . فمن صلاها قبل العشاء،
فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة ، والله أعلم
•
وسل
عما يصنعه أئمة هذا الزمان من قراءة سورة الأنعام فى رمضان
فى ركعة واحدة ليلة الجمعة هل هي بدعة أم لا ؟
فأجاب : نعم بدعة. فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا
عن أحد من الصحابة والتابعين ولا غيرهم من الأئمة أنهم تحروا ذلك
وإنما عمدة من يفعله ما نقل عن مجاهد وغيره من أن سورة الأنعام
نزلت جملة . مشيعة بسبعين ألف ملك فاقرأوها جملة لأنها نزلت جملة
وهذا استدلال ضعيف وفى قراءتها جملة من الوجوه المكروهة أمور.
منها : أن فاعل ذلك يطول الركعة الثانية من الصلاة على الأولى
تطويلا فاحشاً . والسنة تطويل الأولى على الثانية كما صح عن النبي صلى
الله عليه وسلم . ومنها تطويل آخر قيام الليل على أوله ، وهو خلاف
السنة فإنه كان يطول أوائل ما كان يصليه من الركعات على أواخرها
والله أعلم
١٢١

وسل
عن قوم يصلون بعد التراويح ركعتين فى الجماعة ، ثم فى آخر
الليل يصلون تمام مائة ركعة ، ويسمون ذلك صلاة القدر . وقد امتنع
بعض الأئمة من فعلها . فهل الصواب مع من يفعلها ؟ أو مع من
يتركها ؟ وهل هي مستحبة عند أحد من الأمة أو مكروهة؟ وهل ينبغى
فعلها والأمر بها ، أو تركها والنهي عنها ؟
فأجاب: الحمد لله، بل المصيب هذا الممتنع من فعلها ، والذي تركها .
فإن هذه الصلاة لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين ، بل هي بدعة مكروهة
باتفاق الأئمة ، ولا فعل هذه الصلاة لا رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولا أحد من الصحابة ، ولا التابعين ، ولا يستحبها أحد من أئمة المسلمين
والذي ينبغى أن تترك وينهى عنها .
وأما قراءة القرآن في التراويح فمستحب باتفاق أئمة المسلمين ، بل
من أجل مقصود التراويح قراءة القرآن فيها ليسمع المسلمون كلام اللّه .
فإن شهر رمضان فيه نزل القرآن ، وفيه كان جبريل يدارس النبى صلى
١٢٢

الله عليه وسلم القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس،
وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.
وسل
عن سنة العصر : هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها
حديث ؟ والخلاف الذي فيها ما الصحيح منه ؟.
فأجاب : الحمد لله أما الذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم
حديث ابن عمر: (( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر
ركعات : ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب،
وركعتين بعد العشاء . وركعتين قبل الفجر)). وفي الصحيح أيضاً عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى في يوم وليلة اثنتى
عشرة ركعة تطوعاً بنى الله له بيتاً فى الجنة)) وجاء فى السنن تفسيره :
(( أربعاً قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب، وركعتين
بعد العشاء ، وركعتين قبل الفجر)».
وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة ، بين
كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة ، ثم قال فى الثالثة :
لمن شاء)) كراهية أن يتخذها الناس سنة . ففي هذا الحديث أنه يصلي
١٢٣

قبل العصر ، وقبل المغرب ، وقبل العشاء . وقد صح أن أصحاب
النبى صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها ركعتين
والنبي صلى الله عليه وسلم يرام فلا ينهام ، ولم يكن يفعل ذلك .
فمثل هذه الصلوات حسنة ليست سنة ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم
كره أن تتخذ سنة .
ولم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يصلى قبل العصر ، وقبل المغرب،
وقبل العشاء ، فلا تتخذ سنة ، ولا يكره أن يصلى فيها ؛ بخلاف
ما فعله ورغب فيه، فإن ذلك أوكد من هذا. وقد روى (( أنه كان
يصلي قبل العصر أربعاً))، وهو ضعيف. وروى ((أنه كان يصلي ركعتين)).
والمراد به الركعتان قبل الظهر . والله أعلم.
وسل
هل للعصر سنة راتبة أم لا أفتونا مأجورين؟.
فأجاب : الحمد لله. الذي ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه كان يصلي مع المكتوبات عشر ركعات أو اثنى عشرة
ركعة ركعتين قبل الظهر أو أربعاً وبعدها ركعتين وبعد المغرب ركعتين
وبعد العشاء ركعتين وقبل الفجر ركعتين وكذلك ثبت فى الصحيح أن
١٢٤

النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى فى يوم وليلة ثنتى عشرة ركعة
تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتاً فى الجنة ورويت في السنن أربعاً قبل
الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين
قبل الفجر)) وليس في الصحيح سوى هذه الأحاديث الثلاثة حديث ابن
عمر وعائشة وأم حبيبة . وأما قبل العصر فلم يقل أحد أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر إلا وفيه ضعف بل خطأ
كحديث يروى عن علي أنه كان يصلي نحو ستة عشر ركعة منها قبل
العصر وهو مطعون فيه فإن الذين اعتنوا بنقل تطوعاته كعائشة وابن
عمر بينوا ما كان يصليه وكذلك الصلاة قبل المغرب وقبل العشاء لم
يكن يصليها لكن كان أصحابه يصلون قبل المغرب بين الأذان والإقامة
وهو يرام فلا ينكر ذلك عليهم وثبت عنه فى الصحيح أنه قال بين
كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء -
كراهية أن يتخذها الناس سنة فهذا يبين أن الصلاة قبل العصر
والمغرب والعشاء حسنة وليست بسنة فمن أحب أن يصلي قبل العصر
كما يصلي قبل المغرب والعشاء على هذا الوجه حسن وأما أن يعتقد أن
ذلك سنة راتبة كان يصليها النبى صلى الله عليه وسلم كما يصلي قبل
الظهر وبعدها وبعد المغرب فهذا خطأ . والصلاة مع المكتوبة ثلاث
درجات ( إحداها ) سنة الفجر والوتر فهاتان أمر بهما النبى صلى الله
عليه وسلم ولم يأمر بغيرهما وهما سنة باتفاق الأئمة وكان النبى صلى الله
١٢٥

عليه وسلم يصليها في السفر والحضر ولم يجعل مالك سنة راتبة غيرها
( والثانية ) ما كان يصليه مع المكتوبة فى الحضر وهو عشر ركعات
وثلاث عشرة ركعة وقد أثبت أبو حنيفة والشافعي وأحمد مع المكتوبات
سنة مقدرة بخلاف مالك ( والثالثة ) التطوع الجاز فى هذا الوقت من
غير أن يجعل سنة لكون النبى صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليه ولا
قدر فيه عدداً والصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء من هذا الباب
وقريباً من ذلك صلاة الضحى والله أعلم .
وسئل
هل سنة العصر مستحبة ؟
فأجاب : لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر شيئاً
وإنما كان يصلي قبل الظهر: إما ركعتين، وإما أربعاً ، وبعدها . وكان
يصلي بعد المغرب ركعتين ، وبعد العشاء ركعتين ، وقبل الفجر ركعتين.
وأما قبل العصر ، وقبل المغرب ، وقبل العشاء ، فلم يكن يصلي ؛
لكن ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة، ثم قال
فى الثالثة لمن شاء ) كراهية أن يتخذها الناس سنة ، فمن شاء أن
يصلي تطوعاً قبل العصر ، فهو حسن . لكن لا يتخذ ذلك سنة ،
والله أعلم
١٢٦

وسئل رحم الله:
هل تقضى السنن الرواتب ؟
فأحاب : أما إذا فانت السنة الراتبة . مثل سنة الظهر . فهل تقضى
بعد العصر ؟ على قولين هما روايتان عن أحمد :
أحدهما : لا تقضى ، وهو مذهب أبى حنيفة ، ومالك .
والثانى: تقضى ، وهو قول الشافعي، وهو أقوى. والله أعلم.
وسئل رحم الله
عمن لا يواظب على السنن الرواتب ؟
فأجاب : من أصر على تركها ، دل ذلك على قلة دينه ، وردت
شهادته في مذهب أحمد ، والشافعي ، وغيرهما .
١٢٧

وسئل رحمه الله:
عن صلاة المسافر : هل لها سنة ؟ فإن الله جعل الرباعية ركعتين
رحمة منه على عباده ، فما حجة من يدعى السنة ؟ وقد أنكر عمر على
من سبح بعد الفريضة . فهل في بعض المذاهب تأكد السنة في
السفر كأبى حنيفة ؟ وهل نقل هذا عن أبي حنيفة أم لا؟
فأجاب : أما الذي ثبت عن النى صلى الله عليه وسلم : أنه
كان يصلي فى السفر من التطوع، فهو ركعتا الفجر، حتى إنه لما نام عنها هو
وأصحابه منصرفه من خيبر قضاها مع الفريضة هو وأصحابه ، وكذلك قيام
الليل، والوتر . فإنه قد ثبت عنه فى الصحيح: (( أنه كان يصلي على
راحلته قبل أي وجه توجهت به ، ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلي
عليها المكتوبة )) .
وأما الصلاة قبل الظهر وبعدها : فلم ينقل عنه أنه فعل ذلك في
السفر . ولم يصل معها شيئاً، وكذلك كان يصلى بمنى ركعتين ، ركعتين
ولم ينقل عنه أحد أنه صلى معها شيئاً .
١٢٨

وابن عمر كان أعلم الناس بالسنة ، وأتبعهم لها ، وأما العلماء فقد
تنازعوا فى استحباب ذلك ، والله أعلم .
وسئل
عن الصلاة بعد أذان المغرب ، وقبل الصلاة ؟
فأجاب : كان بلال كما أمره النبى صلى الله عليه وسلم يفصل بين
أذانه وإقامته ، حتى يتسع لركعتين، فكان من الصحابة من يصلي بين
الأذانين ركعتين ، والنبى صلى الله عليه وسلم يرام ويقرم ، وقال :
((بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين
صلاة ، ثم قال في الثالثة لمن شاء)) مخافة أن تتخذ سنة .
فإذا كان المؤذن يفرق بين الأذانين مقدار ذلك ، فهذه الصلاة
حسنة ، وأما إن كان يصل الأذان بالإقامة ، فالاشتغال بإجابة المؤذن هو
السنة، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا
مثل ما يقول )).
ولا ينبغي لأحد أن يدع إجابة المؤذن ، ويصلي هاتين الركعتين ،
فإن السنة لمن سمع المؤذن أن يقول : مثل ما يقول ، ثم يصلي على
١٢٩

النبى صلى الله عليه وسلم، ويقول: ((اللهم رب هذه الدعوة التامة))
إلى آخره - ثم يدعو بعد ذلك .
وسئل
عن امرأة لها ورد بالليل تصليه ، فتعجز عن القيام في بعض
الأوقات . فقيل لها : إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم ،
فهل هو صحيح ؟
فأجاب : نعم . صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)). لكن إذا كان عادته أنه
يصلي قائماً، وإنما قعد لعجزه ، فإن اللّه يعطيه أجر القائم. لقوله صلى
الله عليه وسلم: (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان
يعمله وهو صحيح مقيم)) فلو عجز عن الصلاة كلها لمرض كان الله يكتب
له أجرها كله ؛ لأجل نيته وفعله بما قدر عليه ، فكيف إذا عجز
عن أفعالها ؟ ! .
١٣٠

وسئل
عن معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)).
فأجاب: وأما لفظ الحديث ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم)) وإذا
لم تذكروا الله فيها كنتم كالميت، وكانت كالقبور؛ فإن فى الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل الذي يذكر ربه ، والذي
لا يذكر ربه ، كمثل الحي والميت - وفى لفظ - مثل البيت الذي
يذكر الله فيه، والذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت)).
وسئل
عن صلاة نصف شعبان ؟ .
فأجاب : إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده ، أو فى جماعة خاصة
كما كان يفعل طوائف من السلف، فهو أحسن . وأما الاجتماع فى
المساجد على صلاة مقدرة . كالاجتماع على مائة ركعة ، بقراءة ألف :
(قُلُ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) دائماً. فهذا بدعة، لم يستحبها أحد من الأثمة .
والله أعلم .
١٣١

وقال شيخ الإسلام
وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها . بل هي محدثة . فلا تستحب
لا جماعة ، ولا فرادى . فقد ثبت فى صحيح مسلم أن النبى صلى الله
عليه وسلم نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام. أو يوم الجمعة بصيام. والأثر
الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء. ولم يذكره أحد من
السلف والأئمة أصلاً . وأما ليلة النصف فقد روى فى فضلها أحاديث
وآثار ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها ، فصلاة
الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل
هذا . وأما الصلاة فيها جماعة فهذا مبنى على قاعدة عامة فى الاجتماع
على الطاعات والعبادات فإنه نوعان أحدهما سنة راتبة إما واجب وإما
مستحب كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين .
وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح فهذا سنة راتبة ينبغي
المحافظة عليها والمداومة . والثانى ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع الصلاة
تطوع مثل قيام الليل أو على قراءة قرآن، أو ذكر الله ، أو دعاء.
فهذا لا بأس به إذا لم يتخذ عادة راتبة . فإن النبى صلى الله عليه وسلم
١٣٢

صلى التطوع في جماعة أحياناً ولم يداوم عليه إلا ما ذكر، وكان أصحابه
إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم أن يقرأ والباقى يستمعون . وكان
عمر بن الخطاب يقول لأبى موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة ومنهم
واحد يقرأ جلس معهم وقد روى فى الملائكة السيارين الذين يتبعون
مجالس الذكر الحديث المعروف . فلو أن قوماً اجتمعوا بعض الليالي
على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راقبة تشبه السنة
الراتبة لم يكره . لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما
فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع . ولو ساغ ذلك
الساغ أن يعمل صلاة أخرى وقت الضحى أو بين الظهر والعصر أو
تراويح في شعبان أو أذان فى العيدين ، أو حج إلى الصخرة ببيت
المقدس ، وهذا تغيير لدين الله وتبديل له . وهكذا القول في ليلة المولد
وغيرها . والبدع المكروهة ما لم تكن مستحبة فى الشريعة وهي أن
يشرع ما لم يأذن به الله فمن جعل شيئاً ديناً وقربة بلا شرع من الله
فهو مبتدع ضال وهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((كل بدعة
ضلالة)) فالبدعة ضد الشرعة، والشرعة ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب
أو أمر استحباب ، وإن لم يفعل على عهده كالاجتماع فى التراويح على
إمام واحد وجمع القرآن فى المصحف . وقتل أهل الردة والخوارج ونحو
ذلك . وما لم يشرعه الله ورسوله . فهو بدعة وضلالة: مثل تخصيص
١٣٣
ء

مكان أو زمان باجتماع على عبادة فيه كما خص الشارع أوقات الصلوات
وأيام الجمع والأعياد . وكما خص مكة بشرفها والمساجد الثلاثة وسائر
المساجد بما شرعه فيها من الصلوات وأنواع العبادات كل بحسبه؛ وبهذا
التفسير يظهر الجمع بين أدلة الشرع من النصوص والإجماعات ، فإن المراد
بالبدعة ضد الشرعة وهو مالم يشرع فى الدين ، فمتى ثبت بنص أو إجماع
فى فعل أنه مما يحبه الله ورسوله خرج بذلك عن أن يكون بدعة،
وقد قررت ذلك مبسوطا في قاعدة كبيرة من القواعد الكبار ؟.
وقال رحمه الله
((صلاة الرغائب)) بدعة باتفاق أئمة الدين ، لم يسنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من خلفائه ، ولا استحبها أحد من
أئمة الدين : كمالك، والشافعي ، وأحمد ، وأبى حنيفة ، والثوري،
والأوزاعى، والليث ، وغيرم . والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل
المعرفة بالحديث ، وكذلك الصلاة التى تذكر أول ليلة جمعة من رجب ،
وفي ليلة المعراج ، وألفية نصف شعبان ، والصلاة يوم الأحد ، والاثنين
وغير هذا من أيام الأسبوع ، وإن كان قد ذكرها طائفة من
المصنفين فى الرقائق ، فلا نزاع بين أهل المعرفة بالحديث أن أحاديثه
كلها موضوعة ، ولم يستحبها أحد من أئمة الدين . وفى صحيح مسلم
١٣٤

عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تخصوا ليلة
الجمعة بقيام، ولا يوم الجمعة بصيام)).
والأحاديث التى تذكر فى صيام يوم الجمعة ، وليلة العيدين ،
كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم .
وسئل
عن صلاة الرغائب هل هي مستحبة أم لا ؟
فأجاب : هذه الصلاة لم يصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا
أحد من أصحابه ، ولا التابعين ، ولا أئمة المسلمين ، ولا رغب فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من السلف، ولا الأمة
ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها . والحديث المروي في ذلك عن
النبى صلى الله عليه وسلم كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك ؛
ولهذا قال المحققون : إنها مكروهة غير مستحبة ، والله أعلم.
١٣٥

وقال شيخ الإسلام (١)
فصل
فى ((سجود القرآن)) وهو نوعان : خبر عن أهل السجود ،
ومدح لهم ، أو أمر به ، وضم على تركه .
فالأول سجدة الأعراف (إِنَّالَّذِينَ عِندَرَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْعِبَادَتِهِ،
وَيُسَبِحُونَهُ, وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٤) وهذا ذكره بعد الأمر باستماع القرآن
والذكر .
وفى الرعد ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرُهَا وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ
وَاْأَصَالِ ؟) وفى النحل (أَوَلَمْيَرَوْاْإِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ
وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدً الِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِيَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ
وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) وفى
(١) هذه مما كتبه بالقلعة .
١٣٦

سبحان: (إِنَّالَّذِينَ أَوْ تُوْ ◌ٌلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ
سُبْحَنَ رَبَِّ إِنْ كَنَ وَعْدُرَيْنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا(٢)
وهذا خبر عن سجود مع من سمع القرآن فسجد .
وكذلك في مريم (أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِنَ مِنْ ذُرِيَةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ
حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِيَّةَِّهِيمَ وَ إِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَاجْتَيْنَا إِذَا ◌ْلَى عَهِمْ ءَ أَنْتُ الرَّحْمَنِ
خَرُواْسُجَّدًا وَتُكِيًّا(١) فهؤلاء الأنبياء سجدوا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ،
وأولئك الذين أوتوا العلم من قبل القرآن إذا يتلى عليهم القرآن
يسجدون .
( وَآدْخُلُواْ
وظاهر هذا سجود مطلق كسجود السحرة ، وكقوله
الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ) وإن كان المراد به الركوع . فالسجود
هو خضوع له وذل له ؛ ولهذا يعبر به عن الخضوع . كما
قال الشاعر :
ترى الأكم فيها سجداً للحوافر .
قال جماعة من أهل اللغة : السجود التواضع والخضوع وأنشدوا :
١٣٧

ساجد المنخر ما يرفعه خاشع الطرف أصم المسمع
قيل لسهل بن عبد الله: أيسجد القلب ؟ قال : نعم ، سجدة
لا يرفع رأسه منها أبداً .
وفي «سورة الحج)) الأولى خبر: (أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهُ يَسْجُدُ لَهُ, مَنْ فِى
السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ وَكَثِيرٌ
مِّنَ النَّاسِّ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍّ إِنَّاللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ )
والثانية أمر مقرون بالركوع ، ولهذا صار فيها نزاع .
وسجدة الفرقان :
( وَإِذَاقِيلَ لَهُمُ
أُسْجُدُ واْلِلَّحْمَنِ قَالُواْوَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَاتَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٤) خبر مقرون بذم من
أحر بالسجود فلم يسجد، ليس هو مدحاً. وكذلك سجدة ((النمل)):
(وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ
السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّايَسْجُدُ والِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَاتُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (أ) خبر يتضمن
ذم من يسجد لغير الله، ولم يسجد لله. ومن قرأ ألا يا
اسجدوا . كانت أمراً .
وفى «المّ تنزيل السجدة)) (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِهَا
١٣٨

(أ) وهذا من أبلغ
خَرُواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بَحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
الأمر والتخصيص ؛ فإنه نفى الإيمان عمن ذكر بآيات ربه ولم يسجد
إذا ذكر بها .
وفى (( صّ)) خبر عن سجدة داود، وسماها ركوعا. و((حم
(وَمِنْ ءَايَتِهِ الَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ
تنزيل)) أمر صريح:
وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُ واْلِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُ واْللَّهِالَّذِى خَلَفَهُنَّ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِوَهُمْ
(فَأَسْبُدُ وْلِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ هَا)
لَا يَسْتَمُونَ(!). و ((النجم)) أمر صريح:
(فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
و ((الانشقاق)) أمر صريح عند سماع القرآن
وَإِذَا قُرِئَّ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ؟). و
(آقْرَأْبِاسْدِرَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)
أمر مطلق: (وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ ) فالستة الأول إلى الأولى من الحج
خبر ومدح. والتسع البواقي من الثانية من الحج أمر وذم لمن لم يسجد،
إلا (( صّ)) فنقول : قد تنازع الناس فى وجوب سجود التلاوة. قيل:
يجب ، وقيل لا يجب ، وقيل يجب إذا قرئت السجدة فى الصلاة ،
وهو رواية عن أحمد ، والذي يتبين لي أنه واجب : فإن الآيات التى
فيها مدح لا تدل بمجردها على الوجوب ، لكن آيات الأمر والنم
والمطلق منها قد يقال : إنه محمول على الصلاة، كالثانية من الحج ،
والفرقان ، واقرأ ، وهذا ضعيف ، فكيف وفيها مقرون بالتلاوة كقوله
١٣٩

( إِنَّمَايُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْبِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَحُواْ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ ﴾) فهذا نفي للإيمان بالآيات عمن لا يخر ساجداً إذا
ذكر بها . وإذا كان سامعاً لها ، فقد ذكر بها .
﴿فَمَالَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَاقُرِينَ عَلَيْهِمُ
وكذلك ((سورة الانشقاق )»
اُلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ (Q) وهذا ذم لمن لا يسجد إذا قرئ عليه القرآن
(وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ
(فَمَالَهُمْ عَنِ التَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ)
كقوله :
(فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ
بِاللَّهِوَالرَّسُولُ يَدْ عُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ )
(أَفَنْ هَذَا
حَدِيثًا). وكذلك ((سورة النجم)) قوله :
اْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَانَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ * فَسَُّ واْللَّهِ وَاعْبُدُ وا لها) أمس
بالغاً عقب ذكر الحديث الذي هو القرآن يقتضي أن سماعه سبب الأمر
بالسجود ، لكن السجود المأمور به عند سماع القرآن كما أنه ليس مختصا
بسجود الصلاة فليس هو مختصا بسجود التلاوة ، فمن ظن هذا أو هذا فقد
غلط ، بل هو متناول لهما جميعاً ، كما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم.
فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه . فالسجود عند سماع آية
السجدة هو سجود مجرد عند سماع آية السجدة ، سواء تليت مع سائر
القرآن ، أو وحدها ، ليس هو سجوداً عند تلاوة مطلق القرآن ، فهو
سجود عند جنس القرآن. وعند خصوص الأمر بالسجود، فالأمر يتناوله .
وهو أيضاً متناول لسجود القرآن أيضا ، وهو أبلغ، فإنه سبحانه وتعالى
١٤٠