Indexed OCR Text

Pages 81-100

وآل عمران ، قال: ركع نحوا من قيامه، وسجد نحواً من ركوعه))
وفى حديث البراء الصحيح أنه قال: ((كان قيامه فركعته فاعتداله فسجدته
فجلوسه بين السجدتين فجلسته مابين السلام والانصراف قريباً من
السواء)). وفى رواية: ((ماخلا القيام والقعود)).
وثبت في الصحيح عن عائشة: ((أنه كان يسجد السجدة بقدر
ما يقرأ الإنسان خمسين آية)) . فهذه الأحاديث تدل على أن تطويل الصلاة
قيامها وركوعها وسجودها أفضل من تكثير ذلك مع تخفيفه ، وهو
القول الثالث فى الصورة الثانية ، ومن سوى بينهما قال : إن الأحاديث
تعارضت فى ذلك، وليس كذلك ؛ فإن قوله: (( أفضل الصلاة طول
القنوت )» يتناول التطويل في القيام والسجود ، وكذلك ما رواه مسلم
فى صحيحه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن طول
صلاة الرجل ، وقصر خطبته ، مئة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ،
واقصروا الخطبة)) وقال: (( من أم الناس فليخفف ، فإذا صلى لنفسه
فليطول ما شاء )). وأحاديث تفضيل السجود قد بينا أنها لا تنافى ذلك.
ومعلوم: أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى
اللّه عليه وسلم.
وأيضا فإنه لما صلى الكسوف كان يمكنه أن يصلى عشر ركعات ،
أو عشرين ركعة يكثر فيها قيامها وسجودها ، فلم يفعل ؛ بل صلى
٨١

ركعتين أطال فيها القيام والركوع والسجود، وجعل فى كل ركعة قيامين
وركوعين ، وعلى هذا فكثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام
الذي ليس فيه تطويل الركوع والسجود .
وأما إذا أطال القيام والركوع والسجود فهذا أفضل من إطالة
القيام فقط ، وأفضل من تكثير الركوع والسجود والقيام بقدر ذلك .
والكلام إنما هو في الوقت الواحد : كثلث الليل ، أو نصفه ، أو سدسه
أو الساعة . هل هذا أفضل من هذا، أو هذا أفضل من هذا .
وفى الصحيحين عن أم هاني لما صلى الثانى ركعات يوم الفتح
قالت : ((ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها ، غير أنه كان يتم الركوع
والسجود)) وفى رواية لمسلم ( ثم قام فركع ثمانى ركعات ، لا أدري
أقيامه فيها أطول، أم ركوعه أم سجوده، كل ذلك متقارب)) فهذا
يبين أنه طول الركوع. والسجود قريباً من القيام، وأن قولها: ((لم
أره صلى صلاة أخف منها)) إخبار منها عما رأته ، وأم هانئ لم تكن
مباشرة له في جميع الأحوال ، ولعلها أرادت منع كثرة الركعات ، فإنه
لم يصل ثمانيا جميعاً أخف منها، فإن صلاته بالليل كانت أطول من
ذلك ، وهو بالنهار لم يصل ثمانياً متصلة قط ؛ بل إنما كان يصلي المكتوبة
والظهر كان يصلي بعدها ركعتين، وقبلها أربعاً، أو ركعتين ، أو لعله
خففها لضيق الوقت ، فإنه صلاها بالنهار وهو مشتغل بأمور فتح مكة،
٨٢

كما كان يخفف المكتوبة في السفر حتى يقرأ فى الفجر بالمعوذتين .
وروى أنه قرأ فى الفجر بالزلزلة فى الركعتين ، فهذا التخفيف لعارض .
وقد احتج من فضل التكثير على التطويل بحديث ابن مسعود
قال: (( إنى لأعرف السور التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقرأ بهن من المفصل ، كل سورتين فى ركعة )) يدل على أنه لم يكن
يطيل القيام ، وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه أولا جمع بين سورتين من
المفصل ، وأيضاً فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من
أطول منها .
وأيضاً فإن حذيفة روى عنه: أنه قام بالبقرة ، والنساء ، وآل
عمران في ركعة ، وابن مسعود ذكر أنه طول حتى هممت بأمر سوء :
أن أجلس وأدعه. ومعلوم أن هذا لا يكون بسورتين ، فعلم أنه كان
يفعله أحياناً ، ولا ريب أنه كان يطيل بعض الركعات أطول من بعض،
كما روت عائشة وغيرها، والله أعلم.
٨٣

وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه
فصل
قد ذكر الله قيام الليل في عدة آيات . تارة بالمدح ، وتارة
بالأمر أمر إيجاب ، ثم نسخه بأمر الاستحباب ، إذا لم تدخل صلاة العشاء
فيه ، بل أريد القيام بعد النوم ؛ فإنه قد قال سعيد بن المسيب وغيره
من صلى العشاء فى جماعة فقد أخذ بنصيبه من قيام ليلة القدر . فقد
جعل ذلك من القيام .
وقد روي عن عبيدة السلماني : أن قيام الليل واجب لم ينسخ،
ولو كلب شاة . وهذا إذا أريد به ما يتناول صلاة الوتر ، فهو قول
كثير من العلماء .
والدليل عليه: أن فى حديث ابن مسعود لما قال: « أونروا
يا أهل القرآن ، قال أعرابى : ما يقول رسول الله ؟ فقال : إنها
ليست لك ، ولا لأصحابك)، فقد خاطب أهل القرآن من قيام الليل
بما لم يخاطب به غيرهم.
٨٤

وعلى هذا قوله: (فَاقْرَهُوَأَمَاتَسَّرَمِنْهُ ) فسر بقراءته بالليل
لئلا ينساه. وقال: ((نظرت في سيئات أمتى . فوجدت فيها الرجل
يؤتيه الله آية فينام عنها حتى بنساها)) وفى الصحيح عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((من صلى العشاء في جماعة. فكأنما قام نصف الليل
ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله )) : أي الصبح مع
العشاء . فهذا يدل على أنهما ليسا من قيام الليل ، ولكن فاعلها كمن
قام الليل . قال تعالى : (إِنَّالْمُتَّقِينَ فِ جَنَّاتٍ وَعُونٍ * ،َاخِذِينَ مَآءَانَمُهُمْ رَبُهُمْ
ج
إَِّهُمْ كَانُوْ قَّلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوْقَلِيلًاً مِّنَ الَيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
وقال: (الصَِّينَ وَالصََّدِّقِينَ وَاَلْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ
وهذا على أصح الأقوال :
بِالْأَسْحَارِ )
معناه كانوا يهجعون قليلا فـ ( قليلا ) منصوب بـ (يهجعون) و (ما)
مؤكدة. وهذا مثل قوله: (بَل ◌َّعَنَّهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ)
هو مفسر فى سورة
(كَانُوْقَلِيلاً مِّنَ الَّتْلِ مَا يَهْجَعُونَ)
وقوله :
(قُاَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِنْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا * أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَتَّلِ
المزمل بقوله :
فهذا المستثنى من الأمر هو القليل
اُلْقُرْءَانَ تَّرْتِيلاً )
المذكور فى تلك السورة ، وهو قليل بالنسبة إلى مجموع الليل والنهار
فإنهم إذا مهجعوا ثلثه أو نصفه أو ثلثاه ، فهذا قليل بالنسبة إلى مالم
بهجعوه من الليل والنهار، وسواء ناموا بالنهار أو لم يناموا .
٨٥

وقد قيل : لم يأت عليهم ليلة إلا قاموا فيها . فالمراد مهجوع جميع
الليلة ، وهذا ضعيف ؛ لأن مجوع الليل محرم ، فإن صلاة العشاء فرض
وقال تعالى: ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بَِايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بَحَمْدٍ
رَيِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ * نَتَجَانَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا
وَطَمَعًا وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءٌ
وفي حديث معاذ الذي قال
بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
فيه : يا رسول الله ! أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة ، ويباعدنى من النار
قال: (( لقد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من بسره الله عليه ،
تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم
رمضان ، ويحج البيت ، ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟
الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، كما يطفئ الماء النار ، وصلاة
الرجل من جوف الليل ، ثم تلا: (نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ
رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ - حتى بلغ - يَعْمَلُونَ ).
ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟
رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل
اللّه. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت: بلى ، قال: فأخذ
بلسانه - فقال : اكفف عليك هذا، فقلت : يا رسول الله! وإنا
لمؤاخذون بما نتكلم به ؟! فقال : ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب
الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)).
٨٦

وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَقَنِتُّ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاحِدًا وَقَآئِمَا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ
رَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونُ إِنَّمَايَتَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ )
وقال تعالى (مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اُللَّهِ ءَانَّةَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ )
وقال تعالى بعد قوله :
(أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّتْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّإِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِكَانَ
مَشْهُودًا * وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا)
وقال فى سورة المزمل: (قُلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا - إلى قوله - إِنَّنَاشِئَةَ الَيْلِ هِىَ
أَشَدُّوَطْنَا وَأَقْوَمُقِيلًا ) .
وإذا نسخ الوجوب بقي الاستحباب، قال أحمد وغيره: و((الناشئة))
لا تكون إلا بعد نوم ، يقال: نشأ، إذا قام . وقال تعالى :
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا
وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا). وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِر ◌ِشُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمَْائِمًا أَوْكَفُورًا * وَأَذْكُرٍ أَسْمَ رَبِّكَ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ الَّلِ فَأَسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلَا طَوِيلًا ).
فإن هذا يتناول صلاة العشاء ، والوتر ، وقيام الليل .
لقوله: (وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ).
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بَحَمْدِ
٨٧

رَبِكَ وَّكُن مِّنَ السَّجِدِينَ ) . مطلق لم يخصه بوقت آخر .
والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وسلم تسليما .
وسئل
عن رجل لم يصل وتر العشاء الآخرة : فهل يجوز له تركه ؟
فأجاب : الحمد لله، الوتر سنة مؤكدة ، باتفاق المسلمين . ومن
أصر على ترکه فإنه ترد شهادته .
وتنازع العلماء فى وجوبه ، فأوجبه أبو حنيفة ، وطائفة من أصحاب
أحمد ، والجمهور لا يوجبونه : كمالك ، والشافعى ، وأحمد ؛ لأن النى
صلى الله عليه وسلم كان يوتر على راحلته، والواجب لا يفعل
على الراحلة ؛ لكن هو باتفاق المسلمين سنة مؤكدة لا ينبغي
لأحد تركه .
والوتر أوكد من سنة الظهر والمغرب والعشاء ، والوتر أفضل من
جميع تطوعات النهار ، كصلاة الضحى ؛ بل أفضل الصلاة بعد المكتوبة
قيام الليل . وأوكد ذلك الوتر ، وركعتا الفجر ، والله أعلم .
٨٨

وسئل
عما إذا كان الرجل مسافراً وهو يقصر : هل عليه أن يصلي
الوتر أم لا ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : نعم ! يوتر في السفر ، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم
يوتر سفراً وحضراً، ((وكان يصلي على دابته قبل أي وجه توجهت
به ، ويوتر عليها ، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة ))
وسئل
عمن نام عن صلاة الوتر ؟
فأجاب: يصلى ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح ، كما فعل ذلك
عبد الله بن عمر ، وعائشة ، وغيرهما . وقد روى أبو داود فى سننه
عن أبى سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نام
عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح، أو ذكر)).
٨٩

واختلفت الرواية عن أحمد ، هل يقضى شفعه معه ؟ والصحيح
أنه يقضى شفعه معه . وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها . فإن ذلك وقتها))
وهذا يعم الفرض ، وقيام الليل ، والوتر ، والسنن الراتبة . قالت
عائشة: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا منعه من قيام الليل
نوم، أو وجع، صلى من النهار اثنتى عشرة ركعة)) رواه مسلم .
وروى عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( من نام عن حزبه من الليل ، أو عن شيء منه فقرأه بين صلاة
الصبح، وصلاة الظهر. كتب له كأنما قرأه من الليل)) رواه مسلم .
وهكذا السنن الراتبة .
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه لما نام هو
وأصحابه عن صلاة الصبح فى السفر، صلى سنة الصبح ركعتين ، ثم
صلى الصبح بعد طلوع الشمس)) ((ولما فانته سنة الظهر التى بعدها
صلاها بعد العصر)). وقالت عائشة: ((كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر، صلاهن بعدها )) رواه الترمذي .
وروى أبو هريرة عنه أنه قال: (( من لم يصل ركعتى الفجر ، فليحلها
بعد ما تطلع الشمس )) رواه الترمذي ، وصححه ابن خزيمة .
٩٠

وفيه قول آخر: إن الوتر لا يقضى ، وهو رواية عن أحمد :
لما روي عنه أنه قال: ((إذا طلع الفجر فقد ذهبت صلاة الليل
والوتر)) قالوا : فإن المقصود بالوتر أن يكون آخر عمل الليل ، كما أن
وتر عمل النهار المغرب : ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا فاته
عمل الليل صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة ، ولو كان الوتر فيهن
لكان ثلاث عشرة ركعة . والصحيح أن الوتر يقضى قبل صلاة
الصبح فإنه إذا صليت لم يبق في قضائه الفائدة التى شرع لها ؛
والله أعلم .
وسئل شيخ الإسلام
عن إمام شافعي بصلى بجماعة : حنفية وشافعية ، وعند الوتر
الحنفية وحدهم ؟
فأجاب : قد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشيت الصبح فصل واحدة
توتر لك ما صليت )) وثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه كان يوتر بواحدة مفعولة عما قبلها ، وأنه كان يوتر بخمس ،
وسبع لا يسلم إلا في آخرهن .
٩١

والذى عليه جماهير أهل العلم أن ذلك كله جائز ، وأن الوتر
بثلاث بسلام واحد جائز أيضاً ، كما جاءت به السنة .
ولكن هذه الأحاديث لم تبلغ جميع الفقهاء ، فكره بعضهم الوتر
بثلاث متصلة كصلاة المغرب ، كما نقل عن مالك ، وبعض الشافعية
والحنبلية. وكره بعضهم الوتر بغير ذلك، كما نقل عن أبى حنيفة وكره
بعضهم الوتر بخمس ، وسبع ، وتسع متصلة ، كما قاله بعض أصحاب
الشافعي ، وأحمد ، ومالك .
والصواب أن الإمام إذا فعل شيئاً مما جاءت به السنة ، وأوتر
على وجه من الوجوه المذكورة ، يتبعه المأموم فى ذلك . والله أعلم .
وسل
عن صلاة ركعتين بعد الوتر ؟
فأجاب : وأما صلاة الركعتين بعد الوتر : فهذه روى فيها مسلم
فى صحيحه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين،
وهو جالس)). وروي ذلك من حديث أم سلمة فى بعض الطرق
الصحيحة: ((أنه كان يفعل ذلك إذا أوتر بتسع)) فإنه كان يوتر
٩٢

بإحدى عشرة، ثم كان يوتر بتسع، ويصلي بعد الوتر ركعتين . وهو
جالس . وأكثر الفقهاء ما سمعوا بهذا الحديث ؛ ولهذا ينكرون هذه ،
وأحمد وغيره سمعوا هذا وعرفوا صحته .
ورخص أحمد أن تصلى هاتين الركعتين ، وهو جالس ، كما فعل
صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك لم ينكر عليه ، لكن ليست واجبة
بالاتفاق، ولا يذم من تركها، ولا تسمى ((زحافة)) فليس لأحد
إلزام الناس بها ، ولا الإنكار على من فعلها .
ولكن الذي ينكر ما يفعله طائفة من سجدتين مجردتين بعد
الوتر ، فإن هذا يفعله طائفة من المنسوبين إلى العلم والعبادة من
أصحاب الشافعي وأحمد، ومستندم: (( أنه صلى الله عليه وسلم كان
يصلي بعد الوتر سجدتين)) رواه أبو موسى المديني ، وغيره . فظنوا
أن المراد سجدتان مجردتان ، وغلطوا . فإن معناه أنه كان يصلي
ركعتين . كما جاء مبيناً في الأحاديث الصحيحة ، فإن السجدة يراد بها
الركعة ، كقول ابن عمر: ((حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
سجدتين قبل الظهر)) الحديث . والمراد بذلك ركعتان ، كما حاء مفسراً
فى الطرق الصحيحة. وكذلك قوله: (( من أدرك سجدة من الفجر
قبل أن تطلع الشمس ، فقد أدرك الفجر)) أراد به ركعة . كما جاء
ذلك مفسراً فى الرواية المشهورة .
٩٣

وظن بعض أن المراد بها سجدة مجردة ، وهو غلط . فإن تعليق
الإدراك بسجدة مجردة لم يقل به أحد من العلماء ؛ بل لهم فيما ندرك
به الجمعة والجماعة ثلاثة أقوال :
أصحها : أنه لا يكون مدركا للجمعة ولا الجماعة إلا بإدراك ركعة ،
لا يكون مدركا للجماعة بتكبيرة . وقد استفاض عن الصحابة أن من
أدرك من الجمعة أقل من ركعة صلى أربعاً . وفى الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك
الصلاة )) . وعلى هذا إذا أدرك المسافر خلف المقيم ركعة : فهل يتم .
أو يقصر ؟ فيها قولان .
والمقصود هنا: أن لفظ (( السجدة)) المراد به الركعة ، فإن الصلاة
يعبر عنها بأبعاضها ، فتسمى قياماً ، وقعوداً، وركوعا ، وسجوداً ،
وتسبيحاً وقرآناً .
وأنكر من هذا ما يفعله بعض الناس من أنه يسجد بعد السلام
سجدة مفردة، فإن هذه بدعة ، ولم ينقل عن أحد من الأئمة استحباب
ذلك . والعبادات مبناها على الشرع والاتباع ، لا على الهوى والابتداع ؛
فإن الإسلام مبني على أصلين : أن لا نعبد إلا الله وحده ، وأن
نعبده بما شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نعبده
بالأهواء والبدع .
٩٤

ـمل
وأما الصلاة ((الزحافة)» وقولهم: من لم يواظب عليها فليس من
أهل السنة : ومرادم الركعتان بعد الوتر جالساً ، فقد أجمع المسلمون على
أن هذه ليست واجبة، وإن تركها طول عمره ، وإن لم يفعلها ولا
مرة واحدة فى عمره . لا يكون بذلك من أهل البدع، ولا ممن
يستحق الذم والعقاب ، ولا يهجر ، ولا يوسم بميسم مذموم أصلا؛
بل لو ترك الرجل ماهو أثبت منها كتطويل قيام الليل ، كما كان النبى
صلى الله عليه وسلم بطوله، وكقيام إحدى عشرة ركعة . كما كان النبى
صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، ونحو ذلك . لم يكن بذلك خارجا
عن السنة ، ولا مبتدعا ولا مستحقا للذم ، مع انفاق المسلمين على أن قيام
الليل إحدى عشرة ركعة طويلة-كما كان النبى صلى الله عليه وسلم
يفعل أفضل من أن يدع ذلك ويصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس.
فإن الذي ثبت فى صحيح مسلم عن عائشة ((أن النى صلى الله
عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وهو جالس)» ثم
صار يصلي تسعاً يجلس عقيب الثامنة والتاسعة ، ولا يسلم إلا عقيب
٩٥

التاسعة ، ثم يصلي بعدها ركعتين وهو جالس ، ثم صار يوتر بسبع ،
وخمس ، فإذا أوتر بخمس لم يجلس إلا عقيب الخامسة ، ثم يصلي
بعدها ركعتين وهو جالس . وإذا أوتر بسبع : فقد روي أنه لم يكن
يجلس إلا عقيب السابعة ، وروي : أنه كان يجلس عقيب السادسة
والسابعة، ثم يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس . وهذا الحديث
الصحيح دليل على أنه لم يكن يداوم عليها ، فكيف يقال : إن من لم
يداوم عليها فليس من أهل السنة .
والعلماء متنازعون فيها : هل تشرع أم لا ؟ فقال كثير من
العلماء : إنها لا تشرع بحال ، لقوله صلى الله عليه وسلم
((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)). ومن هؤلاء من
تأول الركعتين اللتين روي أنه كان يصليها بعد الوتر على ركعتى الفجر
لكن الأحاديث صحيحة صريحة بأنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو
جالس ، غير ركعتى الفجر . وروي فى بعض الألفاظ: أنه كان بصلي
سجدتين بعد الوتر ، فظن بعض الشيوخ أن المراد سجدتان مجردتان
فكانوا يسجدون بعد الوتر سجدتين مجردتين ، وهذه بدعة لم يستحبها
أحد من علماء المسلمين ، بل ولا فعلها أحد من السلف . وإنما
غرم لفظ السجدتين ، والمراد بالسجدتين الركعتان ، كما قال ابن عمر:
حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر،
وسجدتين بعدها ، وسجدتين بعد المغرب ، وسجدتين بعد العشاء ،
٩٦

وسجدتين قبل الفجر)» : أي ركعتين .
ولعل بعض الناس يقول : هاتان الركعتان اللتان كان النبى صلى
الله عليه وسلم يصليها بعد الوتر جالساً، نسبتها إلى وتر الليل نسبة
ركعتى المغرب إلى وتر النهار ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((المغرب وتر النهار. فأوتروا صلاة الليل)) رواه أحمد فى المسند.
فإذا كانت المغرب وتر النهار ، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم
يصلي بعد المغرب ركعتين ، ولم يخرج المغرب بذلك عن أن يكون وتراً
لأن تلك الركعتين هما تكميل الفرض وجبر لما يحصل منه من سهو
ونقص ، كما جاءت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن
العبد لينصرف من صلاته ، ولم يكتب له منها إلا نصفها ، إلا ثلثها ،
إلا ربعها، إلا خمسها - حتى قال - إلا عشرها -)) فشرعت
السنن جبراً لنقص الفرائض . فالركعتان بعد المغرب لما كانتا جبراً
للفرض لم يخرجها عن كونها وتراً ، كما لو سجد سجدتي السهو ،
فكذلك وتر الليل جبره النبى صلى الله عليه وسلم بركعتين بعده. ولهذا
كان يجبره إذا أوتر بتسع أو سبع أو خمس لنقص عدده عن إحدى
عشرة . فهنا نقص العدد ، نقص ظاهر .
وإن كان يصليها إذا أوتر بإحدى عشرة كان هناك جبراً لصفة
٩٧

الصلاة ، وإن كان يصليها جالساً ؛ لأن وتر الليل دون وتر النهار .
فينقص عنه فى الصفة ، وهي مرتبة بين سجدتي السهو ، وبين الركعتين
الكاملتين ، فيكون الجبر على ثلاث درجات ، جبر للسهو سجدتان ،
لكن ذاك نقص فى قدر الصلاة ظاهر، فهو واجب متصل بالصلاة .
وأما الركعتان المستقلتان فهما جبر لمعناها الباطل ، فلهذا كانت صلاته
تامة . كما فى السنن: (( إن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة
فإن أكملها ، وإلا قيل : انظروا هل له من تطوع)) ثم يصنع بسائر
أعماله كذلك ، والله أعلم .
وسئل رحمه الله تعالى:
عن قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كان فى العشاء
الآخرة ؟ أو الصبح ؟ وما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل
عليه عند الصحابة ؟.
فأجاب : أما القنوت فى صلاة الصبح . فقد ثبت فى الصحيح
عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقنت فى النوازل . قنت مرة
شهرا يدعو على قوم من الكفار قتلوا طائفة من أصحابه ، ثم تركه.
وقنت مرة أخرى يدعو لأقوام من أصحابه كانوا مأسورين عند أقوام
يمنعونهم من الهجرة إليه .
٩٨

وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده كانوا يقنتون نحو هذا القنوت ،
فما كان يداوم عليه ، وما كان يدعه بالكلية ، والعلماء فيه ثلاثة أقوال :
قيل : إن المداومة عليه سنة .
وقيل : القنوت منسوخ . وأنه كله بدعة .
والقول الثالث : وهو الصحيح أنه يسن عند الحاجة إليه ، كما
قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون. وأما القنوت
فى الوتر فهو جائز وليس بلازم ، فمن أصحابه من لم يقنت ، ومنهم من
قنت فى النصف الأخير من رمضان ، ومنهم من قنت السنة كلها .
والعلماء منهم من يستحب الأول كمالك ، ومنهم من يستحب
الثاني كالشافعي ، وأحمد فى رواية ، ومنهم من يستحب الثالث كأبي
حنيفة ، والإمام أحمد فى رواية ، والجميع جاز .
فمن فعل شيئاً من ذلك فلا لوم عليه ، والله أعلم .
-
٩٩

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
ـل
وأما القنوت : فالناس فيه طرفان ، ووسط :
منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع ، ومنهم من لا يراه
إلا بعده . وأما فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوزون كلا الأمرين
لجيء السنة الصحيحة بها . وإن اختاروا القنوت بعده ؛ لأنه أكثر
وأقيس ، فإن سماع الدعاء مناسب لقول العبد : سمع الله لمن حمده ،
فإنه بشرع الثناء على اللّه قبل دعائه كما بنيت فاتحة الكتاب على ذلك:
أولها ثناء ، وآخرها دعاء .
وأيضاً فالناس فى شرعه فى الفجر على ثلاثة أقوال : بعد اتفاقهم
على أن النبى صلى الله عليه وسلم قنت في الفجر .
منهم من قال : إنه منسوخ ، فإنه قنت ثم ترك . كما جاءت به
الأحاديث الصحيحة .
١٠٠