Indexed OCR Text
Pages 61-80
وسئل أيما أفضل قارئ القرآن الذي لا يعمل ، أو العابد ؟ . فأجاب : إن كان العابد يعبد بغير علم ، فقد يكون شراً من العالم الفاسق ، وقد يكون العالم الفاسق شراً منه . وإن كان يعبد الله بعلم فيؤدي الواجبات ، ويترك المحرمات ، فهو خير من الفاسق ، إلا أن يكون للعالم الفاسق حسنات تفضل على سيئاته، بحيث يفضل له منها أكثر من حسنات ذلك العابد، والله أعلم. وسئل أيما أفضل استماع القرآن ؟ أو صلاة النفل ؟ وهل نكره القراءة عند الصلاة غير الفرض أم لا؟. فأجاب : من كان يقرأ القرآن والناس يصلون تطوعا فليس له أن يجهر جهراً يشغلهم به ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه ٦١ وهم يصلون من السحر فقال: ((يا أيها الناس! كلكم يناجي ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض فى القراءة)). والقراءة فى الصلاة النافلة أفضل فى الجملة ؛ لكن قد تكون القراءة وسماعها أفضل لبعض الناس ، والله أعلم . وسئل أما أفضل إذا قام من الليل ، الصلاة أم القراءة ؟. فأجاب : بل الصلاة أفضل من القراءة فى غير الصلاة ، نص على ذلك أئمة العلماء . وقد قال: ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)) لكن من حصل له نشاط وتدبر ، وفهم للقراءة دون الصلاة ، فالأفضل فى حقه ما كان أنفع له . وسئل عن رجل أراد تحصيل الثواب : هل الأفضل له قراءة القرآن ؟ أو الذكر والتسبيح ؟. ٦٢ فأجاب: قراءة القرآن أفضل من الذكر ، والذكر أفضل من الدعاء من حيث الجملة ؛ لكن قد يكون المفضول أفضل من الفاضل فى بعض الأحوال، كما أن الصلاة أفضل من ذلك كله . ومع هذا فالقراءة والذكر والدعاء في أوقات النهي عن الصلاة كالأوقات الخمسة، ووقت الخطبة، هي أفضل من الصلاة، والتسبيح فى الركوع والسجود أفضل من القراءة ، والتشهد الأخير أفضل من الذكر . وقد يكون بعض الناس انتفاعه بالمفضول أكثر بحسب حاله ، إما لاجتماع قلبه عليه ، وانشراح صدره له ، ووجود قوته له ، مثل من يجد ذلك فى الذكر أحيانا ، دون القراءة ، فيكون العمل الذي أتى به على الوجه الكامل أفضل فى حقه من العمل الذي يأتي به على الوجه الناقص، وإن كان جنس هذا [أفضل](١)، وقد يكون الرجل عاجزاً عن الأفضل فيكون مايقدر عليه فى حقه أفضل له ، والله أعلم . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٦٣ وسئل رحم الله ما يقول سيدنا : فيمن يجهر بالقراءة ، والناس يصلون في المسجد السنة أو التحية ، فيحصل لهم بقراءته جهراً أذى . فهل يكره جهر هذا بالقراءة أم لا ؟. ء فأجاب : ليس لأحد ان يجهر بالقراءة لا فى الصلاة ، ولا في غير الصلاة، إذا كان غيره يصلي فى المسجد، وهو يؤذيهم بجهره ؛ بل قد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وهم يصلون فى رمضان ، ويجهرون بالقراءة. فقال: ((أيها الناس كلكم يناجى ربه ، فلا يجهر بعضكم على بعض فى القراءة » . وأجاب: أيضاً - رحمه الله تعالى - وليس لأحد أن يجهر بالقراءة ، بحيث يؤذي غيره كالمصلين . ٦٤ وسئل رحمه الله عن القيام للمصحف وتقبيله ؟ وهل يكره أيضاً أن يفتح فيه الفأل ؟ (١) فأجاب: الحمد لله . القيام للمصحف وتقبيله لا نعلم فيه شيئاً مأتوراً عن السلف ، وقد سئل الإمام أحمد عن تقبيل المصحف . فقال : ما سمعت فيه شيئاً ؛ ولكن روى عن عكرمة بن أبي جهل : أنه كان يفتح المصحف، ويضع وجهه عليه، ويقول: ((كلام ربى . كلام ربى)) ولكن السلف وإن لم يكن من عادتهم القيام له ، فلم يكن من عادتهم قيام بعضهم لبعض ، اللهم إلا لمثل القادم من مغيبه ونحو ذلك . ولهذا قال أنس: (( لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهته لذلك)) والأفضل للناس أن يتبعوا طريق السلف فى كل شيء فلا (١) موضعها المناسب في ((كتاب مقدمة التفسير)). ٦٥ يقومون إلا حيث كانوا يقومون . فأما إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض . فقد يقال : لو تركوا القيام للمصحف مع هذه العادة لم يكونوا محسنين في ذلك ، ولا محمودين بل هم إلى الفم أقرب ، حيث يقوم بعضهم لبعض ، ولا يقومون للمصحف الذي هو أحق بالقيام . حيث يجب من احترامه وتعظيمه مالا يجب لغيره . حتى ينهى أن يمس القرآن إلا طاهر ، والناس يمس بعضهم بعضاً مع الحدث ، لاسيما وفى ذلك من تعظيم حرمات الله وشعاره ما ليس في غير ذلك، وقد ذكر من ذكر من الفقهاء الكبار قيام الناس للمصحف ذكر مقرر له غير منكر له . وأما استفتاح الفأل فى المصحف : فلم ينقل عن السلف فيه شيء وقد تنازع فيه المتأخرون . وذكر القاضى أبو يعلى فيه نزاعا : ذكر عن ابن بطة أنه فعله، وذكر عن غيره أنه كرهه ، فإن هذا ليس الفأل الذى يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة . والفأل الذي يحبه هو أن يفعل أمراً أو يعزم عليه متوكلا على الله، فيسمح الكلمة الحسنة التى تسره : مثل أن يسمع با نجيح ! يا مفلح! يا سعيد! يا منصور! ونحو ذلك . كما لقى في سفر الهجرة ٦٦ رجلا فقال: ((ما اسمك؟ قال: يزيد. قال: يا أبا بكر! يزيد أمرنا)) وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمراً متوكلا على الله . أو يعزم عليه ، فيسمح كلمة مكروهة : مثل ما يتم ، أو ما يفلح ، ونحو ذلك . فيتطير ويترك الأمر ، فهذا منهي عنه . كما في الصحيح عن معاوية بن الحكم السلمي قال: ((قلت: يارسول الله! منا قوم يتطيرون، قال: ذلك شيء يجده أحدكم فى نفسه فلا يصدنكم)، فهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تصد الطيرة العبد عما أراد ، فهو في كل واحد من محبته للفأل وكراهته للطيرة، إنما يسلك مسلك الاستخارة لله، والتوكل عليه ، والعمل بما شرع له من الأسباب ، لم يجعل الفأل آمراً له ، وباعثاً له على الفعل ، ولا الطيرة ناهية له عن الفعل ، وإنما بأتمر وينتهي عن مثل ذلك أهل الجاهلية الذين يستقسمون بالأزلام ، وقد حرم الله الاستقسام بالأزلام فى آيتين من كتابه ، وكانوا إذا أرادوا أمراً من الأمور أحالوا به قداحا مثل السهام أو الحصى ، أو غير ذلك وقد علموا على هذا علامة الخير ، وعلى هذا علامة الشر، وآخر غفل . فإذا خرج هذا فعلوا ، وإذا خرج هذا تركوا ، وإذا خرج الغفل أعادوا الاستقسام . فهذه الأنواع التى تدخل في ذلك : مثل الضرب بالحصى والشعير واللوح والخشب ، والورق المكتوب عليه حروف أيجد ، أو أبيات من ٦٧ الشعر ، أو نحو ذلك مما يطلب به الخيرة فما يفعله الرجل ويتركه ينهى عنها ، لأنها من باب الاستقسام بالأزلام ، وإنما يسن له استخارة الخالق ، واستشارة المخلوق ، والاستدلال بالأدلة الشرعية التى تبين ما يحبه الله ويرضاه ، وما يكرهه وينهى عنه. وهذه الأمور تارة يقصد بها الاستدلال على ما يفعله العبد : هل هو غير أم شر؟ وتارة الاستدلال على ما يكون فيه نفع فى الماضي والمستقبل . وكلاً غير مشروع ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ٦٨ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله (١) فصل تنازع الناس : أيما أفضل كثرة الركوع والسجود ؟ أو طول القيام ؟ وقد ذكر عن أحمد فى ذلك ثلاث روايات : إحداهن : أن كثرة الركوع والسجود أفضل ، وهي التى اختارها طائفة من أصحابه . والثانية أنهما سواء . والثالثة : أن طول القيام أفضل ، وهذا يحكى عن الشافعي فنقول : هذه المسألة لها صورتان : إحداهما : أن يطيل القيام ، مع تخفيف الركوع والسجود . فيقال: (١) بالأصل : هذا مما كتبه بالقلعة أخيرا . ٦٩ أيما أفضل؟ هذا أم تكثير الركوع والسجود مع تخفيف القيام ؟ ويكون هذا قد عدل بين القيام، وبين الركوع والسجود ، فخفف الجميع . والصورة الثانية : أن يطيل القيام ، فيطيل معه الركوع والسجود فيقال : أما أفضل ؟ هذا أم أن يكثر من الركوع والسجود والقيام ؟ وهذا قد عدل بين القيام والركوع والسجود فى النوعين ، لكن أيما أفضل تطويل الصلاة قياما وركوعا وسجوداً، أم تكثير ذلك مع تخفيفها ؟ فهذه الصورة ذكر أبو محمد وغيره فيها ثلاث روايات ، وكلام غيره يقتضي أن النزاع فى الصورة الأولى أيضاً . والصواب فى ذلك : أن الصورة الأولى - تقليل الصلاة مع كثرة الركوع والسجود ، وتخفيف القيام - أفضل من تطويل القيام وحده مع تخفيف الركوع والسجود. ومن فضل تطويل القيام احتجوا بالحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الصلاة أفضل فقال: ((طول القنوت)). وظنوا أن المراد بطول القنوت طول القيام، وإن كان مع تخفيف الركوع والسجود ، وليس كذلك . فإن القنوت هو دوام العبادة والطاعة ، ويقال لمن أطال السجود : إنه قانت . قال تعالى: (أَمَنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَالَّلِ سَاجِدًا وَقَائِمَا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ،) فجعله قانتاً فى حال السجود ، كما هو قانت فى حال القيام ، وقدم السجود على القيام . ٧٠ وفي الآية الأخرى قال: (وَاُلَّذِينَ يَسِتُونَ لِرَبِهِمْ سُخَدًا وَقِيَمًا ) ولم يقل قنوناً، فالقيام ذكره بلفظ القيام، لا بلفظ القنوت . وقال تعالى: (وَقُومُواْلِلَّهِ قَانِتِينَ ) فالقائم قد يكون قانتاً، وقد لا يكون، وكذلك الساجد . فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن طول القنوت أفضل الصلاة ، وهو يتناول القنوت في حال السجود ، وحال القيام . وهذا الحديث بدل على الصورة الثانية ، وأن تطويل الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً أولى من تكثيرها قياماً وركوعاً وسجوداً؛ لأن طول القنوت يحصل بتطويلها لا بتكثيرها ، وأما تفضيل طول القيام مع تخفيف الركوع والسجود على تكثير الركوع والسجود فغلط . فإن جنس السجود أفضل من جنس القيام ، من وجوه متعددة : أحدها : أن السجود بنفسه عبادة ، لا يصلح أن يفعل إلا على وجه العبادة لله وحده، والقيام لا يكون عبادة إلا بالنية، فإن الإنسان يقوم فى أمور دنياه ، ولا ينهى عن ذلك . الثانى : أن الصلاة المفروضة لا بد فيها من السجود ، وكذلك كل صلاة فيها ركوع لا بد فيها من سجود ، لا يسقط السجود فيها بحال من الأحوال ، فهو عماد الصلاة ، وأما القيام فيسقط فى التطوع دائماً ، وفى الصلاة على الراحلة فى السفر ، وكذلك يسقط القيام فى الفرض عن المريض ، وكذلك عن المأموم إذا صلى إمامه جالساً . كما ٧١ جاءت به الأحاديث الصحيحة . وسواء قيل : إنه عام للأمة ، أو مخصوص بالرسول، فقد سقط القيام عن المأموم فى بعض الأحوال ، والسجود لا يسقط لا عن قائم ولا قاعد، والمريض إذا عجز عن إيمائه أتى منه بقدر الممكن ، وهو الإيماء برأسه ، وهو سجود مثله ، ولو عجز عن الإيماء برأسه ، ففيه قولان ، هما روايتان عن أحمد : أحدهما : أنه يومئ بطرفه ، فجعلوا إيماءه بطرفه هو ركوعه وسجوده ، فلم يسقطوه . والثاني : أنه تسقط الصلاة فى هذه الحال ، ولا تصح على هذا الوجه ، وهو قول أبى حنيفة ، وهذا القول أصح في الدليل ؛ لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة ، ولا يتميز فيه الركوع عن السجود ، ولا القيام عن القعود ، بل هو من نوع العبث الذي لم بشرعه الله تعالى . وأما الإيماء . بالرأس : فهو خفضه ، وهذا بعض ما أمر به المصلي وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق على صحته: ((إذا أمرتكم بأمر فاتتوا منه ما استطعتم )) وهو لا يستطيع من السجود إلا ٧٢ هذا الإنماء ، وأما تحريك العين فليس من السجود فى شيء . وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه لا بد فى الصلاة من السجود ، وهذا يقول الإيماء بطرفه هو سجود ، وهذا يقول ليس بسجود فلا يصلي . فلو كانت الصلاة تصح مع القدرة بلا سجود لأمكن أن يكبر ويقرأ ويتشهد ويسلم ، فيأتى بالأقوال دون الأفعال ، وما علمت أحداً قال إن الصلاة نصح بمجرد الأقوال ، بل لابد من السجود . وأما القيام والقراءة فيسقطان بالعجز بانفاق الأمة ، فعلم أن السجود هو أعظم أركان الصلاة القولية والفعلية . الوجه الثالث : أن القيام إنما صار عبادة بالقراءة ، أو بما فيه من ذكر ودعاء ، كالقيام في الجنازة ، فأما القيام المجرد فلم بشرع قط عبادة ، مع إمكان الذكر فيه ؛ بخلاف السجود فإنه مشروع بنفسه عبادة ، حتى خارج الصلاة ، شرع سجود التلاوة ، والشكر ، وغير ذلك . وأما المأموم إذا لم يقرأ فإنه يستمع قراءة إمامه ، واستماعه عبادة، وإن لم يسمع فقد اختلف فى وجوب القراءة عليه ، والأفضل له أن يقرأ . والذين قالوا لا قراءة عليه ، أو لا تستحب له القراءة ، قالوا قراءة الإمام له قراءة ، فإنه تابع للإمام. ٧٣ فإن قيل : إذا عجز الأمي عن القراءة والذكر ، قيل : هذه الصورة نادرة ، أو ممتنعة، فإن أحداً لا يعجز عن ذكر الله، وعليه أن يأتى بالتكبير ، وما يقدر عليه من تحميد وتهليل ، وعلى القول بتكرار ذلك : هل يكون بقدر الفاتحة ؟ فيه وجهان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا قمت إلى الصلاة فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع)) رواه أبو داود، والترمذي. قال أحمد : إنه إذا قام إلى الثانية وقد نسي بعض أركان الأولى، إن ذكر قبل الشروع فى القراءة مضى ، وصارت هذه بدل تلك . فإن المقصود بالقيام هو القراءة ، ولهذا قالوا : ما كان عبادة بنفسه لم يحتج إلى ركن قولي كالركوع والسجود ، وما لم يكن عبادة بنفسه احتاج إلى ركن قولي كالقيام والقعود . وإذا كان السجود عبادة بنفسه علم أنه أفضل من القيام . الوجه الرابع : أن يقال القيام يمتاز بقراءة القرآن ، فإنه قد نهي عن القراءة في الركوع والسجود، وقراءة القرآن أفضل من التسبيح، فمن هذا الوجه تميز القيام ، وهو حجة من سوى بينهما ، فقال السجود بنفسه أفضل، وذكر القيام أفضل ، فصار كل منها أفضل من وجه، أو تعادلا . لكن يقال قراءة القرآن تسقط فى مواضع ، وتسقط عن المسبوق القراءة والقيام أيضاً . كما في حديث أبى بكرة . وفى السنن ٧٤ (( من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة)) وهذا قول جماهير العلماء . والنزاع فيه شاذ . وأيضاً فالأمي نصح صلاته بلا قراءة باتفاق العلماء ، كما فى السنن أن رجلا قال: يا رسول الله! إنى لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن ، فعلمنى ما يجزيني منه. فقال: (( قل : سبحان الله ، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) فقال : هذا اللّه، فما لي؟ قال: ((تقول: اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني ، واهدنى )). وأيضاً فلو نسى القراءة في الصلاة ، قد قيل : مجزئه الصلاة ، وروى ذلك عن الشافعي . وقيل : إذا نسيها في الأولى قرأ فى الثانية قراءة الركعتين ، وروى هذا عن أحمد . وأما السجود فلا يسقط بحال ، فعلم أن السجود أفضل من القراءة ، كما أنه أفضل من القيام، والمسبوق فى الصلاة بني على قراءة الإمام الذي استخلفه ، كما قد بنى النبى صلى الله عليه وسلم على قراءة أبى بكر . الوجه الخامس: أنه قد ثبت فى الصحيح ((ان النار تأكل ٥ من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود )) فتأكل القدم ، وإن كان موضع القيام . ٧٥ الوجه السادس: أن اللّه تعالى قال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُودِفَلَ يَسْتَطِيعُونَ * خَشِعَةً أَبْصَرُهُ تَرْهَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ وُقَدْ كَانُواْيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِوَهُمْ سَلِمُونَ) وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: (( أنه إذا مجلى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون، ومن كان يسجد فى الدنيا رياء بصير ظهره مثل الطبق» . فقد أمروا بالسجود فى عرصات القيامة ، دون غيره من أجزاء الصلاة . فعلم أنه أفضل من غيره . الوجه السابع : أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة : أن الرسول إذا طلب منه الناس الشفاعة يوم القيامة قال: ((فأذهب ، فإذا رأيت ربى خررت له ساجداً، وأحمد ربى بمحامد يفتحها على لا أحسنها الآن)) فهو إذا رآء سجد وحمد، وحينئذ يقال له: ((أي محمد ! ارفع رأسك وقل يسمع ، وسل تعطه، واشفع تشفع)). فعلم أنه أفضل من غيره. الوجه الثامن : أن الله تعالى قال: (كَلَّا لَا نُطِعُهُ وَأَسْجُدْ وَاقْتَبْ ( وقد ثبت فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) وهذا نص في أنه فى حال السجود أقرب إلى اللّه منه في غيره ، وهذا صريح فى فضيلة السجود على غيره . والحديث رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة : ٧٦ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد . فأكثروا الدعاء)). الوجه التاسع : ما رواه مسلم في صحيحه عن معدان بن أبي طلحة قال : لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أخبرنى بعمل يدخلني الله به الجنة ، أو قال : بأحب الأعمال إلى الله ، فسكت ثم سألته الثانية، فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك اللّه بها درجة، وحط عنك بها خطيئة))، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء ، فسألته فقال لي مثلما قال لي ثوبان . فإن كان سأله عن أحب الأعمال فهو صريح في أن السجود أحب إلى الله من غيره، وإن كان سأله عما يدخله الله به الجنة ، فقد دله على السجود دون القيام ، فدل على أنه أقرب إلى حصول المقصود . وهذا الحديث يحتج به من يرى أن كثرة السجود أفضل من تطويله، لقوله: ((فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة )) ولا حجة فيه ؛ لأن كل سجدة يستحق بها ذلك ، لكن السجدة أنواع . فإذا كانت إحدى السجدتين أفضل من الأخرى كان ما يرفع به من الدرجة أعظم ، وما يحط به عنه من الخطايا أعظم، كما أن السجدة التى يكون فيها أعظم خشوعا وحضوراً هي أفضل ے من غيرها ، فكذلك السجدة الطويلة التى قنت فيها لربه هى أفضل من القصيرة . الوجه العاشر: ما روى مسلم أيضاً عن ربيعة بن كعب قال: ((كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته ، فقال لي : سل ، فقلت : أسألك مرافقتك فى الجنة ، فقال : أو غير ذلك ؟ فقلت : هو ذاك ، قال: فأغنى على نفسك بكثرة السجود)). فهذا قد سأل عن مرتبة علية ، وإنما طلب منه كثرة السجود . وهذا أدل على أن كثرة السجود [ أفضل ] لكن يقال المكثر من السجود قد يكثر من سجود طويل ، وقد يكثر من سجود قصير ، وذاك أفضل . وأيضاً فالإكثار من السجود لابد (١) فإذا صلى إحدى عشرة ركعة طويلة ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا صلى المصلي في مثل زمانهن عشرين ركعة ، فقد أكثر السجود ، لكن سجود ذاك أفضل وأتم ، وهذا أكثر من ذاك، وليس لأحد أن يقول: إنما كان أكثر مع قصرها فهو أفضل مما هو كثير أيضا ، وهو أتم وأطول كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم . (١) خرم بالأصل . ٧٨ الوجه الحادي عشر: أن مواضع الساجد تسمى مساجد . كما ء وقال تعالى : ( قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقال تعالى : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ) وقال تعالى: (قُلْ أَمَىَ ) رَبِّ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَكُلّ مَسْجِدٍ ) ولا نسمى مقامات إلا بعد فعل السجود فيها . فعلم أن أعظم أفعال الصلاة هو السجود ، الذي عبر عن مواضع السجود بأنها مواضع فعله . الوجه الثاني عشر: أنه تعالى قال: ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ( ذُكِرُواْ بِهَا خَرُواْسُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ لـ وهذا وإن تناول سجود التلاوة ، فتناوله لسجود الصلاة أعظم ؛ فإن احتياج الإنسان إلى هذا السجود أعظم على كل حال ، فقد جعل الخرور إلى السجود ، مما لا يحصل الإيمان إلا به ، وخصه بالذكر ، وهذا ما تميز به، وكذلك أخبر عن أنبيائه أنهم: (إِذَاتَلَى عَلَيْهِمْ مَيَتُ الرَّحْمَنِ خَرُ واْسُجَّدًا وَيُكِيًّا) وقال فى تلك الآية: (نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ) . والدعاء فى السجود أفضل من غيره، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل قوله في حديث أبى هريرة «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء )) ومثل ما روى مسلم فى صحيحه عن ٧٩ ابن عباس قال : كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر . فقال (( أيها الناس ! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة ، يراها المسلم أو ترى له ، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم )) وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم الدعاء فى السجود فى عدة أحاديث ، وفى غير حديث ، تبين أن ذلك في صلاته بالليل ، فعلم أن قوله : ( نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَصَارِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ) وإن كان يتناول الدعاء فى جميع أحوال الصلاة فالسجود له مزية على غيره ، كما لآخر الصلاة مزية على غيرها ؛ ولهذا جاء فى السنن: ((أفضل الدعاء جوف الليل الآخر ، ودبر الصلوات المكتوبات)) . فهذه الوجوه وغيرها مما يبين أن جنس السجود أفضل من جنس القيام والقراءة ، ولو أمكن أن يكون أطول من القيام لكان ذلك أفضل ؛ لكن هذا يشق مشقة عظيمة ، فلهذا خفف السجود عن القيام مع أن السنة تطويله إذا طول القيام ، كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلي فروي: ((أنه كان يخفف القيام والقعود ، ويطيل الركوع والسجود)) ولما أطال القيام في صلاة الكسوف أطال الركوع والسجود. وكذلك في حديث حذيفة الصحيح : أنه لما قرأ بالبقرة والنساء ٨٠