Indexed OCR Text
Pages 41-60
وإما أن يكونوا أتموا لأنفسهم لما علموا السنة ، وعلى التقديرين فقد أتموا بعد العمل الكثير ، والخروج من المسجد . وأما أن يقال: إنهم أمروا باستئناف الصلاة : فهذا لم ينقله أحد ولو أمر به لنقل ، ولا ذنب لهم فيما فعلوا ، وهو فى إحدى صلوات الخوف يصلي بطائفة ركعة والأخرى بلزاء العدو ، ثم يمضون إلى مصاف أصحابهم وهم فى الصلاة ، فيعملون عملا، ويستدبرون القبلة ، ثم يأتى أولئك فيصلي بهم ركعة ثم يمضون إلى مصاف أصحابهم ، ثم يصلي هؤلاء لأنفسهم ركعة أخرى ، وهؤلاء ركعة أخرى ، وفى ذلك مشي كثير ، واستدبار للقبلة ، وهم فى الصلاة ، وقد يتأخر كل طائفة من هؤلاء وهؤلاء فى الركعة الأولى. والثانية بمشيها إلى مصاف أصحابها ، ثم يجىء أصحابها إلى خلف الإمام ، ثم بصلاتهم خلف الإمام ، ثم برجوعهم إلى مصاف أولئك ، ثم بعد هذا كله يصلون الركعة الثانية ، وهم قيام فيها مع هذا العمل والانتظار ، لكن لا يصلون الركعة إلا بعد هذا كله ، فعلم أن الموالاة بين ركعات الصلاة لا يجب مع العدو ، وموالاة السجدتين مع الصلاة أولى ؛ بخلاف الموالاة بين أبعاض الركعة : وهذا مذهب مالك وأحمد . ولهذا إذا نسي ركناً كالركوع مثلا ، فإن ذكر في الأولى ، مثل أن يذكر بعد أن يسجد السجدتين ، فإنه يأتي بالركوع وما بعده ، ٤١ ويلغو ما فعله قبل الركوع ؛ لأن الفصل يسير . وهذا قول الجماعة ، وإن شرع في الثانية. إما فى قراءتها عندم ، وإما في ركوعها على قول الجماعة . وإن شرع فى الثانية إما فى قراءتها عندم ، وإما في ركوعها على قول مالك ، فعند الشافعي يلغو ما فعله بعد الركوع إلى أن يركع فى الثانية ، فيقوم مقام ركوع الأولى ، وإن طال الفصل ويلفق الركعة من ركعتين ، وقد رجح أحمد هذا على قول الكوفيين ، وحكى رواية عنه . والمشهور عنه وعن مالك أنهما لا يلفقان ، بل تلغو تلك الركعة المنسى ركنها، وتقوم هذه مقامهما ، فيكون ترك الموالاة مبطلا للركعة على أصلها ، لا يفصل بين ركوعها وسجودها بفاصل أجنبى عنها ، فإن أدنى الصلاة ركعة. وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك)) . والركعة إنما تكون ركعة مع الموالاة ، أما إذا ركع ثم فعل أفعالا أجنبية عن الصلاة، ثم سجد: لم تكن هذه ركعة مؤلفة من ركوع وسجود؛ بل يكون ركوع مفرد وسجود مفرد، وهذا ليس بصلاة ، والسجود تابع للركوع ، فلا تكون صلاة إلا بركوع يتبعه سجود، وسجود يتبعه ركوع. وبسط هذا له موضع آخر . لكن هؤلاء لهم عذر الخوف ، وأولئك لهم عذر السهو، وعدم العلم . ٤٢ وقد اختلف في السجود والبناء بعد طول الفصل . فقيل : إذا طال الفصل لم يسجد ، ولم يبن، ولم يجد هؤلاء طول الفصل بغير قولهم ، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي ، وأحمد . كالقاضي أبى يعلى ، وغيره ، وهؤلاء يقولون : قد تقصر المدة ، وإن خرج ، وقد تطول وإن قعد . وقيل : يسجد ما دام فى المسجد ، فإن خرج انقطع . وهذا هو الذي ذكره الخرقي وغيره، وهو منصوص عن أحمد، وهو قول الحكم وابن شبرمة ، وهذا حد بالمكان لا بالزمان ، لكنه حد بمكان العبادة . وقيل : كل منهما مانع من السجود : طول الفصل ، والخروج من المسجد . وعن أحمد رواية أخرى أنه يسجد وإن خرج من المسجد ، وتباعد . وهو قول للشافعي ، وهذا هو الأظهر ، فإن تحديد ذلك بالمكان أو زمان لا أصل له فى الشرع ، لا سيما إذا كان الزمان غير مضبوط ، فطول الفصل وقصره ليس له حد معروف في عادات الناس ليرجع إليه ، ولم يدل على ذلك دليل شرعى، ولم يفرق الدليل الشرعى فى السجود والبناء بين طول الفصل وقصره ، ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه ، بل قد دخل هو صلى الله عليه وسلم إلى منزله ٤٣ وخرج السرعان من الناس ، كما تقدم . ولو لم يرد بذلك شرع فقد على أن ذلك السلام لم يمنع بناء سائر الصلاة عليها . فكذلك سجدتا السهو يسجدان متى ما ذكرها . وإن تركهما عمداً. فإما أن يقال: يسجدهما أيضاً مع إتمه بالتأخير. كما تفعل جبرانات الحج ، وهي فى ذمته إلى أن يفعلها ، فالموالاة فيها ليست شرطاً ، كما يشترط مع القدرة فى الركعات فلو سلم من الصلاة عمداً بطلت صلاته باتفاق الناس ؛لأن الصلاة فى نفسها عبادة واحدة لها تحليل وتحريم ؛ بخلاف السجدتين بعد السلام فإنهما يفعلان بعد تحليل الصلاة ، كما يفعل طواف الإفاضة بعد التحلل الأول . وإما أن يقال: الموالاة شرط فيها مع القدرة ، وإنما تسقط بالعذر ، كالنسيان والعجز ، كالموالاة بين ركعات الصلاة ، وعلى هذا فمتى أخرهما لغير عذر بطلت صلاته، إذ لم يشرع فصلها عن الصلاة إلا بالسلام فقط، وأمر بهما عقب السلام ، فمتى تكلم عمداً ، أو قام ، أو غير ذلك مما يقطع التتابع عالماً عامداً بلا عذر بطلت صلاته ، كما تبطل إذا ترك السجدتين قبل السلام . ٤٤ فصل فأما التكبير فى سجود السهو : ففي الصحيحين في حديث ابن بحينة ((فلما أتم صلاته سجد سجدتين ، يكبر فى كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم ، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس )» هذا فى السجود قبل السلام ، وأما بعده ، منحديث ذي اليدين الذي فى الصحيحين عن أبى هريرة قال: ((فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر وسجد ، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر فرفع)» والتكبير قول عامة أهل العلم ؛ ولكن تنازعوا في التشهد والتسليم على ثلاثة أقوال : فروى عن أنس والحسن وعطاء : أنه ليس فيهما تشهد ولا تسليم ومن قال هذا قاله تشبيها بسجود التلاوة؛ لأنه سجود مفرد ، فلم يكن فيه تشهد ولا تسليم ، كسجود التلاوة ، فإنه لم ينقل أحد فيه عن النبى صلى الله عليه وسلم تسليما ، وكذلك قال أحمد وغيره . وقال أحمد : أما التسليم فلا أدري ماهو ، وجمهور السلف على أنه لا تسليم فيه ، ومن أثبت التسليم فيه أثبته قياساً ، وهو قياس ضعيف ؛ لأنه ٤٥ جعله صلاة ، وأضعف منه من أثبت فيه التشهد قياساً . والقول الثانى : أن فيهما تشهد يتشهد ويسلم إذا سجدهما بعد السلام ، وهذا مروى عن ابن عباس والنخعي والحكم وحماد والثوري والأوزاعى والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي . والثالث : فيهما تسليم بغير تشهد ، وهو قول ابن سيرين ، قال ان المنذر : التسليم فيهما ثابت من غير وجه ، وفى ثبوت التشهد نظر ، وعن عطاء إن شاء تشهد وسلم ، وإن شاء لم يفعل . قال أبو محمد : ويحتمل أن لا يجب التشهد ؛ لأن ظاهر الحديثين الأولين أنه سلم من غير تشهد ، وهي أصح من هذه الرواية ، ولأنه سجود مفرد فلم يجب له تشهد، كسجود التلاوة . قلت : أما التسليم فيهما فهو ثابت فى الأحاديث الصحيحة، حديث ابن مسعود ، وحديث عمران. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود كما تقدم «قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال إبراهيم : زاد أو نقص ، فلما سلم قيل له : يارسول الله ! أحدث فى الصلاة شيء قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت كذا وكذا، قال : فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم أقبل علينا بوجهه)» الحديث . ٤٦ وفى الصحيحين أيضا من حديث عمران بن حصين قال: (( فصلى ركعة ، ثم سلم، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم )» وکذلك ذ کر محمد بن سيرين لما روى حديث أبى هريرة . قال : وثبت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم ، وابن سيرين ما كان يروى إلا عن ثقة، والفرق بين هاتين وبين سجود التلاوة : أن هاتين صلاة، وأنهما سجدتان وقد أقيمتا مقام ركعة . وجعلتا جارتين لنقص الصلاة، فجعل لهما تحليل كما لهما تحريم. وهذه هي الصلاة. كما قال: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم)). وأما ((سجود التلاوة)) فهو خضوع لله، وكان ابن عمر وغيره يسجدون على غير وضوء ، وعن عثمان بن عفان في الحائض تسمع السجدة قال : تومئ برأسها ، وكذلك قال سعيد بن المسيب ، قال : ويقول : اللهم لك سجدت . وقال الشعبي : من سمع السجدة وهو على غير وضوء يسجد حيث كان وجهه ، وقد سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس ، ففعله الكافر والمسلم ، وسجد سحرة فرعون . وعلى هذا فليس بداخل فى مسمى الصلاة . ولكن سجدتا السجود يشبهان صلاة الجنازة ، فإنها قيام مجرد ، لكن هي صلاة فيها تحريم وتحليل ؛ ولهذا كان الصحابة يتطهرون لها ٤٧ ورخص ابن عباس في التيمم لها إذا خشي الفوات ، وهو قول أبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين ، وهي كسجدتي السهو يشترط لها استقبال الكعبة والاصطفاف ، كما فى الصلاة ، والمؤتم فيه تبع للإمام ، لا يكبر قبله ، ولا يسلم قبله ، كما فى الصلاة ؛ بخلاف سجود التلاوة فإنه عند كثير من أهل العلم يسجد وإن لم يسجد القارئ . والحديث الذي يروى ((إنك إمامنا فلو سجدت لسجدنا)) من مراسيل عطاء ، وهو من أضعف المراسيل ، قاله أحمد وغيره . ومن قال : إنه لا يسجد إلا إذا سجد لم يجعله مؤتماً به من كل وجه ، فلا يشترط أن يكون المستمعون يسجدون جميعاً صفا ، كما يسجدون خلف الإمام للسهو ، ولا يشترط أن يكون الإمام إمامه كما فى الصلاة ، وللمأموم أن يرفع قبل إمامه ، فعلم أنه ليس بمؤتم به فى صلاة ، وإن قيل : إنه مؤتم به فى غير صلاة ، كائتمام المؤمن على الدعاء بالداعى ، وائتمام المستمع بالقارئ . فصل وأما التشهد فى سجدتي السهو : فاعتمد من أثبته على ما روى من حديث عمران بن حصين: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، ٤٨ فسها ، فسجد سجدتين ، ثم تشهد ثم سلم )) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب . قلت : كونه غريباً يقتضي أنه لا متابع لمن رواء ، بل قد انفرد به. وهذا يوهي هذا الحديث فى مثل هذا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه سجد بعد السلام غير مرة ، كما فى حديث ابن مسعود لما صلى خمساً ، وفى حديث أبى هريرة حديث ذى اليدين ، وعمران بن حصين لما سلم، سواء كانت قضيتين أو قضية واحدة ، وثبت عنه أنه قال: ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ، فليتم عليه ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين )) وقال فى حديث أبي هريرة الصحيح (( فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين )) وليس فى شيء من أقواله أمر بالتشهد بعد السجود ، ولا في الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول : أنه يتشهد بعد السجود ، بل هذا التشهد بعد السجدتين عمل طويل بقدر السجدتين ، أو أطول . ومثل هذا مما يحفظ ويضبط ، وتتوفر الهمم والدواعي على نقله ، فلو كان قد تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه سجد ، وكان الداعى إلى ذكر ذلك أقوى من الداعى إلى ذكر السلام . وذكر التكبير عند الخفض والرفع . فإن هذه أقوال خفيفة والتشهد عمل طويل ، فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا . وهذا التشهد عند من يقول به كالتشهد الأخير ، فإنه يتعقبه السلام ٤٩ فتسن معه الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، والدعاء، كما إذا صلى ركعتى الفجر، أو ركعة الوتر وتشهد ، ثم الذي فى الصحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد ، فانفراد واحد بمثل هذه الزيادة التى توفر الهمم والدواعى على نقلها يضعف أمرها ، ثم هذا المنفرد بها يجب أن ينظر لو انفرد بحديث ، هل يثبت أنه شريعة للمسلمين؟ . وأيضاً : فالتشهد إنما شرع فى صلاة تامة ذات ركوع وسجود ، لم يشرع في صلاة الجنازة، مع أنه يقرأ فيها بأم القرآن ، وسجدنا السهو لا قراءة فيها ، فإذا لم يشرع في صلاة فيها قراءة ، وليست بركوع وسجود ، فكذلك في صلاة ليس فيها قيام ولا قراءة ولا ركوع . وقد يقال : إنه أولى وأنفع ، فليس هو مشروعا عقب سجدتى الصلب ، بل إنما يتشهد بعد ركعتين ، لا بعد كل سجدتين ، فإذا لم يتشهد عقب سجدتي الصلب ، وقد حصل بهما ركعة تامة، فأن لا يتشهد عقب سجدتى السهو أولى . وذلك أن عامة سجدتى السهو أن يقوما مقام ركعة . كما قال صلى الله عليه وسلم: ((فإن كان قد صلى خمسا شفعتا له صلاته، وإن كان صلى لتمام كانتا ترغيما للشيطان)) فجعلها كركعة لاكركعتين. وهي ركعة متصلة بغيرها، ليست كركعة الوتر المستقلة بنفسها . ولهذا وجبت فيها الموالاة أن يسجدهما عقب السلام، ٥٠ لا يتعمد تأخيرهما ، فهو كما لو سجدهما قبل السلام ، وقبل السلام لا يعيد التشهد بعدهما ، فكذلك لا يعيد بعد السلام . ولأن المقصود أن يختم صلاته بالسجود لا بالتشهد ، بدليل أن السجود قبل السلام لم يشرع قبل التشهد ، بل إنما شرع بعد التشهد فعلم أنه جعل خاتماً للصلاة ، ليس بعده إلا الخروج منها ، ولأن إعادة التشهد والدعاء يقتضي تكرير ذلك مع قرب الفصل بينهما ، فلم يكن ذلك مشروعا، كإعادته إذا سجد قبل السلام ؛ ولأنه لو كان بعدهما تشهد لم يكن المشروع سجدتين . والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بسجدتين فقط لا بزيادة على ذلك ، وسماهما المرغمتين للشيطان ، فزيادة التشهد بعد السجود كزيادة القراءة قبل السجود ، وزيادة تكبيرة الإحرام . ومعلوم أنه لا افتتاح لهما ، بل يكبر للخفض ، لا يكبر وهو قاعد، فعلم أنها داخلتان فى تحريم الصلاة، فيكونان جزءاً من الصلاة ، كما لو سجدهما قبل السلام فلا يختصان بتشهد ، ولكن يسلم منها ؛ لأن السلام الأول سقط ، فلم يكن سلاماً منها ، فإن السلام إنما يكون عند الخروج . وقد نفى بعض الصحابة والتابعين السلام منها ، كما أنه لا محريم لهما ؛ لكن الصواب الفرق ، كما وردت به السنة الصحيحة، والله أعلم. ٥١ وسئل رحمه اللّه عمن صلى بجماعة رباعية فسها عن التشهد ، وقام ، فسبح بعضهم . فلم يقعد ، وكمل صلاته وسجد وسلم ، فقال جماعة : كان ينبغي إقعاده ، وقال آخرون: لو قعد بطلت صلاته، فأيهما على الصواب؟ فأجاب : أما الإمام الذي فاته التشهد الأول حتى قام ، فسبح به فلم يرجع وسجد للسهو قبل السلام ، فقد أحسن فيما فعل ، هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم . ومن قال ، كان ينبغى له أن يقعد أخطأ ، بل الذي فعله هو الأحسن . ومن قال : لو رجع بطلت صلاته ، فهذا فيه قولان للعلماء : أحدهما : لو رجع بطلت صلاته، وهو مذهب الشافعي ، وأحمد فى رواية . والثانى : إذا رجع قبل القراءة ، لم تبطل صلاته ، وهي الرواية المشهورة عن أحمد ، والله أعلم . ٥٢ وسئل رحمه اللّه: عن إمام قام إلى خامسة ، فسبح به فلم يلتفت لقولهم ، وظن أنه لم يسه . فهل يقومون معه أم لا ؟ فأجاب : إن قاموا معه جاهلين لم تبطل صلاتهم ؛ لكن مع العلم لا ينبغي لهم أن يتابعوه ، بل ينتظرونه حتى يسلم بهم ، أو يسلموا قبله ، والانتظار أحسن . والله أعلم . ٥٣ باب صلاة التطوع سئل شيخ الإسلام أيما طلب القرآن أو العلم أفضل ؟ فأجاب : أما العلم الذي يجب على الإنسان عيناً كعلم ما أمر الله به ، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن ، فإن طلب العلم الأول واجب ، وطلب الثاني مستحب ، والواجب مقدم على المستحب . وأما طلب حفظ القرآن : فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علماً: وهو إما باطل ، أو قليل النفع . وهو أيضاً مقدم فى التعلم فى حق من يريد أن يتعلم على الدين من الأصول والفروع ، فإن المشروع في حق مثل هذا فى هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن ، فإنه أصل علوم الدين ، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدم بشيء من فضول العلم ، من الكلام ، أو الجدال، ٥٤ والخلاف ، أو الفروع النادرة ، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه ، أو غرائب الحديث التى لا تثبت ، ولا ينتفع بها ، وكثير من الرياضيات التى لا تقوم عليها حجة ، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله ، فلا بد فى مثل [ هذه ] المسألة من التفصيل . والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه ، والعمل به ، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم ، والدين ، والله سبحانه أعلم . وسئل عن تكرار القرآن والفقه: أيهما أفضل وأكثر أجراً . فأجاب : الحمد لله . خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكلام الله لا يقاس به كلام الخلق، فإن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه . وأما الأفضل فى حق الشخص : فهو بحسب حاجته، ومنفعته ، فإن كان يحفظ القرآن وهو محتاج إلى تعلم غيره، فتعلمه ما يحتاج إليه أفضل من تكرار التلاوة التى لا يحتاج إلى تكرارها ، وكذلك إن كان حفظ من القرآن مايكفيه، وهو محتاج إلى علم آخر . ٥٥ وكذلك إن كان قد حفظ القرآن ، أو بعضه ، وهو لا يفهم معانيه فتعلمه لما يفهمه من معاني القرآن أفضل من تلاوة مالا يفهم معانيه . وأما من تعبد بتلاوة الفقه فتعبده بتلاوة القرآن أفضل ، وتدبره ء لمعانى القرآن أفضل من تدبره لكلام لا يحتاج لتدبره، والله أعلم . وسئل عمن يحفظ القرآن : أيما أفضل له تلاوة القرآن مع أمن النسيان ؟ أو التسبيح وما عداه من الاستغفار والأذكار في سائر الأوقات ؟ مع علمه بما ورد فى ((الباقيات الصالحات)) و ((التهليل))، و ((لا حول ولا قوة إلا بالله)، و((سيد الاستغفار))، ((وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)). فأجاب : الحمد لله . جواب هذه المسألة ونحوها مبني على أصلين: فالأصل الأول أن جنس تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار ، كما أن جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء ، كما فى الحديث الذي فى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)). ٥٦ وفى الترمذي عن أبى سعيد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتى، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)) وكما فى الحديث الذي في السنن في الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنى لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن ، فعلمني ما يجزئني فى صلاتى. قال: ((قل: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) ولهذا كانت القراءة فى الصلاة واجبة، فإن الأئمة لا تعدل عنها إلى الذكر إلا عند العجز . والبدل دون المبدل منه . وأيضاً : فالقراءة نشترط لها الطهارة الكبرى ، دون الذكر والدعاء ، ومالم يشرع إلا على الحال الأكمل فهو أفضل ، كما أن الصلاة لما اشترط لها الطهارتان كانت أفضل من مجرد القراءة، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)) ولهذا نص العلماء على أن أفضل تطوع البدن الصلاة . وأيضا فما يكتب فيه القرآن لا يمسه إلا طاهر. وقد حكى إجماع العلماء على أن القراءة أفضل ؛ لكن طائفة من الشيوخ رجحوا الذكر . ومنهم من زعم أنه أرجح فى حق المنتهى المجتهد، كما ذكر ذلك أبو حامد فى كتبه ، ومنهم من قال : هو أرجح فى حق المبتدئ السالك ، وهذا أقرب إلى الصواب . ٥٧ وتحقيق ذلك يذكر فى الأصل الثانى ، وهو : أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصيره أفضل من ذلك وهو نوعان : ( أحدهما ) ماهو مشروع لجميع الناس . ( والثانى ) ما يختلف باختلاف أحوال الناس . أما الأول فمثل أن يقترن إما بزمان أو مكان أو عمل يكون أفضل : مثل ما بعد الفجر والعصر ، ونحوهما من أوقات النهي عن الصلاة ؛ فإن القراءة والذكر والدعاء أفضل فى هذا الزمان ، وكذلك الأمكنة التى نهى عن الصلاة فيها : كالحمام وأعطان الإبل والمقبرة فالذكر والدعاء فيها أفضل ، وكذلك الجنب: الذكر فى حقه أفضل، والمحدث: القراءة والذكر فى حقه أفضل ، فإذا كره الأفضل في حال حصول مفسدة كان المفضول هناك أفضل ؛ بل هو المشروع . وكذلك حال الركوع والسجود ، فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً ، أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم )) . وقد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود ، وتنازعوا فى بطلان الصلاة بذلك، على قولين ، هما وجهان فى مذهب الإمام أحمد ، وذلك تشريفاً للقرآن وتعظيما له أن لا يقرأ ٥٨ فى حال الخضوع والذل، كماكره أن يقرأ مع الجنازة، وكماكره أكثر العلماء قراءته فى الحمام . وما بعد التشهد هو حال الدعاء المشروع بفعل النبى صلى الله عليه وسلم وأمره . والدعاء فيه أفضل ؛ بل هو المشروع ، دون القراءة والذكر ، وكذلك الطواف وبعرفة ومزدلفة وعند رمى الجمار : المشروع هناك هو الذكر والدعاء . وقد تنازع العلماء فى القراءة فى الطواف هل تكره أم لا تكره؟ على قولين مشهورين . ( والنوع الثاني ) أن يكون العبد عاجزاً عن العمل الأفضل ؛ إما عاجزاً عن أصله، كمن لا يحفظ القرآن ولا يستطيع حفظه كالأعرابى الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، أو عاجزاً عن فعله على وجه الكمال مع قدرته على فعل المفضول على وجه الكمال . ومن هنا قال من قال : إن الذكر أفضل من القرآن ؛ فإن الواحد من هؤلاء قد يخبر عن حاله ، وأكثر السالكين بل العارفين منهم إنما يخبر أحدم عما ذاقه ووجده ، لا يذكر أمراً عاما للخلق ؛ إذ المعرفة تقتضى أموراً معينة جزئية ، والعلم يتناول أمراً عاماً كلياً ، فالواحد من هؤلاء يجد فى الذكر من اجتماع قلبه ، وقوة إيمانه ، واندفاع الوسواس عنه ، ومزيد السكينة ، والنور ، والهدى : مالا يجده فى قراءة القرآن ؛ بل إذا قرأ القرآن لا يفهمه أولا يحضر قلبه وفهمه ، ويلعب عليه الوسواس ٥٩ والفكر ، كما أن من الناس من يجتمع قلبه في قراءة القرآن وفهمه وتدبره مالا يجتمع فى الصلاة ؛ بل يكون فى الصلاة بخلاف ذلك ، وليس كل ما كان أفضل بشرع لكل أحد بل كل واحد يشرع له أن يفعل ما هو أفضل له . فمن الناس من تكون الصدقة أفضل له من الصيام وبالعكس ، وإن كان جنس الصدقة أفضل . ومن الناس من يكون الحج أفضل له من الجهاد كالنساء ، وكمن يعجز عن الجهاد ، وإن كان جنس الجهاد أفضل . قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الحج جهاد كل ضعيف)) ونظائر هذا متعددة . إذا عرف هذان الأصلان: عرف بها جواب هذه المسائل . إذا عرف هذا فيقال : الأذكار المشروعة فى أوقات معينة مثل ما يقال عند جواب المؤذن هو أفضل من القراءة فى تلك الحال ، وكذلك ماسنه النبى صلى الله عليه وسلم فيما يقال عند الصباح والمساء ، وإتيان المضجع: هو مقدم على غيره. وأما إذا قام من الليل فالقراءة له أفضل إن أطاقها وإلا فليعمل ما يطيق، والصلاة أفضل منها ؛ ولهذا نقلهم عند نسخ وجوب قيام الليل إلى القراءة فقال: ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُأَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِنْ تُلُفِى أَلَيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ, وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَأَن ◌َّنْ تُخْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ فَقْرَهُ وَأْمَانَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ ) الآية والله أعلم . ٦٠