Indexed OCR Text
Pages 21-40
يقولون : إنه ليس بمنسوخ ، وإنما يقول : إنه منسوخ من يحتج بقول الزهري إن ذي اليدين مات قبل بدر ، وإن هذه القصة كانت متقدمة. فقول الزهري بنسخه مبنى على هذا ، وهو ضعيف ، فإن أبا هريرة صلى خلف النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ذي اليدين ، وإنما أسلم عام خيبر ، فالذين يحتجون بقول الزهري هنا قد ردوا قوله بالنسخ هناك ، والذين يقولون بنسخ حديث ذي اليدين ثم بأمرون بالسجود بعد السلام ، فكل من الطائفتين ادعت نسخ الحديث فيما يخالف قولها بلا حجة ، والحديث محكم فى أن الصلاة لا تبطل ، وفي أنه يسجد بعد السلام، ليس لواحد منها عن النبي صلى الله عليه وسلم معارض ينسخه . وأيضاً فالنسخ إنما يكون بما يناقض المنسوخ والنبى صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام ، ولم ينقل مسلم أنه نهى عن ذلك ، فبطل النسخ وإذا قيل : إنه سجد بعد ذلك قبل السلام ، فإن كان فى غير هذه الصورة ، كما في حديث ابن بحينة ، لما قام من الركعتين ، وفى حديث الشك ، فلا منافاة ؛ لكن هذا الظان ظن أنه إذا سجد في صورة قبل السلام كان هذا نسخاً للسجود بعده فى صورة أخرى ، وهذا غلط منه ، ولم ينقل عنه فى صورة واحدة أنه سجد تارة قبل ٢١ السلام ، وتارة بعده، ولو نقل ذلك لدل على جواز الأمرين ، فدعوى النسخ فى هذا الباب باطل . وكيف يجوز أن يبطل بأمره بالسجود بعد السلام فى صورة ، وفعله له مما لا يناقض ذلك ، ومن قال : السجود كله بعد السلام ، واحتج بما في السنن من حديث ثوبان: ((لكل سهو سجدتان بعد التسليم)) فهو ضعيف؛ لأنه من رواية ابن عياش عن أهل الحجاز . وذلك ضعيف باتفاق أهل الحديث ، وبحديث ابن جعفر (( من شك فى صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم)) ففيه ابن أبى ليلى ، قال الأثرم ، لا يثبت واحد منهما ، مع أن هذا قد يكون مثل حديث ابن مسعود ((وإذا شك فيتحرى)) ويكون هذا مختصراً من ذاك . ومثل هذا لا يعارض الحديث الصحيح ؛ حديث أبى سعيد فى الشك (( أنه أمر بسجدتين قبل السلام)) وحديث ابن بحينة الذي فى الصحيحين الذي هو أصل من أصول مسائل السهو ، لما ترك التشهد الأول وسجد قبل السلام ، فهذه الأحاديث الصحيحة تبين ضعف قول كل من عمم نجعله كله قبله ، أو جعله كله بعده . بقي التفصيل . فيقال : الشارع حكيم لا يفرق بين الشيئين بلا فرق فلا يجعل بعض السجود بعده ، وبعضه قبله ، إلا لفرق بينهما ، ٢٢ وقول من يقول القياس يقتضي أنه كله قبله ، لكن خولف القياس فى مواضع للنص ، فبقى فيما عداه على القياس ؛ يحتاج في هذا إلى شيئين إلى أن يبين الدليل المقتضى لكونه كله قبله ، ثم إلى بيان أن صورة الاستثناء اختصت بمعنى يوجب الفرق بينها ، وبين غيرها . وإلا فإذا كان المعنى الموجب للسجود قبل السلام شاملا للجميع امتنع من الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد السلام ، وإن كان قد فرق لمعنى فلا بد أن يكون المعنى مختصاً بصورة الاستثناء ، فإذا لم يعرف الفرق بين ما استثنى وبين ما استبقى كان تفريقاً بينهما بغير حجة . وإذا قال : علمت أن الموجب للسجود قبل السلام عام ، لكن لما استثنى النص ما استثناه علمت وجود المعنى المعارض فيه . فيقال له : فما لم يرد فيه نص جاز أن يكون فيه الموجب لما قبل السلام ، وجاز أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام ، فإنك لا تعلم أن المعنى الذي أوجب كون تلك الصور بعد السلام منتفياً عن غيرها ، ومع كون نوع من السجود بعد السلام يمتنع أن يكون الموجب التام له قبل السلام عاماً ، فما بقي معك معنى عام يعتمد عليه فى الجزم ، بأن المشكوك قبل السلام، ولا بأن المقتضى له بعد السلام مختص بمورد النص ، فنفى التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق . وهو قول بتخصيص العلة من غير بيان فوات شرط أو وجود مانع ، وهو الاستحسان المحض ٢٣ الذي لم يتبين فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها . وحينئذ فأظهر الأقوال الفرق بين الزيادة والنقص ، وبين الشك مع التحري ، والشك مع البناء على اليقين . وهذا إحدى الروايات عن أحمد ، وقول مالك قريب منه ، وليس مثله ، فإن هذا مع ما فيه من استعمال النصوص كلها : فيه الفرق المعقول ؛ وذلك أنه إذا كان فى نقص ، كترك التشهد الأول احتاجت الصلاة إلى جبر ، وجارها يكون قبل السلام لتم به الصلاة ، فإن السلام هو تحليل من الصلاة . وإذا كان من زيادة - كركعة - لم يجمع فى الصلاة بين زيادتين بل يكون السجود بعد السلام ؛ لأنه إرغام للشيطان ، بمنزلة صلاة مستقلة جبر بها نقص صلاته ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل السجدتين كركعة . وكذلك إذا شك وتحرى فإنه أتم صلاته، وإنما السجدتان لترغيم الشيطان ، فيكون بعد السلام. ومالك لا يقول بالتحري ، ولا بالسجود بعد السلام فيه . وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها ، والسلام منها زيادة ، والسجود فى ذلك بعد السلام ؛ لأنه إرغام للشيطان . ٢٤ وأما إذا شك ولم يتبين له الراجح ، فهنا إما أن يكون صلى أربعاً أو خمساً ، فإن كان صلى خمساً فالسجدتان يشفعان له صلاته ، ليكون كأنه قد صلى ستاً لا خمساً ، وهذا إنما يكون قبل السلام، ومالك هنا يقول يسجد بعد السلام . فهذا القول الذي نصرناه هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث ، لا يترك منها حديث مع استعمال القياس الصحيح ، فيما لم يرد فيه نص ، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من المنصوص . ومما يوضح هذا أنه إذا كان مع السلام سهو سجد بعد السلام ، فيقال : إذا زاد غير السلام من جنس الصلاة كركعة ساهياً أو ركوع أو سجود ساهياً فهذه زيادة لو تعمدها بطلت صلاته كالسلام . فإلحاقها بالسلام أولى من إلحاقها بما إذا ترك التشهد الأول، أو شك وبنى على اليقين . وقول القائل : إن السجود من شأن الصلاة ، فيقضيه قبل السلام يقال له : لو كان هذا صحيحاً لوجب أن يكون كله قبل السلام ، فلما ثبت أن بعضه بعد السلام على أنه ليس جنسه من شأن الصلاة، الذي يقضيه قبل السلام . وهذا معارض بقول من يقول : السجود ليس من موجب بحريم الصلاة ، فإن التحريم إنما أوجب الصلاة السليمة ، وهذه الأمور دعاوى لا يقوم عليها دليل ؛ بل يقال التحريم أوجب ٢٥ السجود الذي يجبر به الصلاة . ويقال : من السجود ما يكون جبره للصلاة ، إذا كان بعد السلام؛ لئلا يجتمع فيها زيادتان ، ولأنه مع تمام الصلاة إرغام للشيطان ، ومعارضة له بنقيض قصده ، فإنه قصد نقص صلاة العبد بما أدخل فيها من الزيادة ، فأمر العبد أن يرغمه فيأتى بسجدتين زائدتين بعد السلام ، ليكون زيادة فى عبادة الله ، والسجود لله، والتقرب إلى الله الذى أراد الشيطان أن ينقصه على العبد ، فأراد الشيطان أن ينقص من حسناته ، فأمره الله أن يتم صلاته ، وأن يرغم الشيطان ، وعفا الله للإنسان عما زاده فى الصلاة نسياناً : من سلام وركعة زائدة وغير ذلك ، فلا يأثم بذلك ، لكن قد يكون تقربه ناقصاً لنقصه فيما ينساء فأمره الله أن يكمل ذلك بسجدتين زائدتين على الصلاة، والله أعلم. فصل وأما وجوبه : فقد أمر به النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى هريرة المتقدم لمجرد الشك، فقال: ((إذا قام أحدكم يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته ، حتى لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس ، وأمر به فيما إذا طرح الشك . ٢٦ فقال في حديث أبي سعيد: (( فليطرح الشك وليين على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته وإن كان صلى تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان )» وكذلك فى حديث عبد الرحمن ((ثم ليسجد سجدتين وهو جالس قبل أن يسلم ، ثم يسلم)) وأمر به فى حديث ابن مسعود حديث التحري قال: ((فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسجد سجدتين - وفي لفظ ــ هاتان السجدتان لمن لا يدري أزاد في صلاته أم نقص ، فيتحرى الصواب ، فيتم عليه ، ثم يسجد سجدتين )) وفى الحديث الآخر المتفق عليه لابن مسعود (( فقلنا: يا رسول الله! أحدث فى الصلاة شيء ، فقال : لا ، فقلنا له الذي صنع ، فقال : إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين ، قال: ثم سجد سجدتين )) فقد أمر بالسجدتين إذا زاد أو إذا نقص . ومراده إذا زاد ما نهى عنه ، أو نقص ما أمر به . ففي هذا إيجاب السجود لكل ما يترك مما أمر به ، إذا تركه ساهياً ، ولم يكن تركه ساهياً موجباً لإعادته بنفسه، وإذا زاد ما نهى عنه ساهياً . فعلى هذا كل مأمور به فى الصلاة إذا تركه ساهياً فإما أن يعيده إذا ذكره، وإما أن يسجد للسهو لا بد من أحدهما . ٢٧ فالصلاة نفسها إذا نسيها صلاها إذا ذكرها ، لاكفارة لها إلا ذلك . وكذلك إذا نسى طهارتها ، كما أمر الذي ترك موضع لمعة من قدمه لم يصبها الماء أن يعيد الوضوء والصلاة . وكذلك إذا نسي ركعة . كما في حديث ذي اليدين ، فإنه لا بد من فعل ما نسيه ، إما مضموما إلى ما صلى، وإما أن يبتدئ الصلاة . فهذه خمسة أحاديث صحيحة فيها كلها يأمر الساهي بسجدتي السهو. وهو لما سها عن التشهد الأول سجدها بالمسلمين قبل السلام ، ولما سلم فى الصلاة من ركعتين أو من ثلاث صلى ما بقى ، وسجدهما بالمسلمين بعد الصلاة ، ولما أذكروه أنه صلى خمساً سجدهما بعد السلام والكلام . وهذا يقتضي مداومته عليها وتوكيدهما ، وأنه لم يدعها فى السهو المقتضى لها قط ، وهذه دلائل بينة واضحة على وجوبهما ، وهو قول جمهور العلماء ، وهو مذهب مالك وأحمد وأبى حنيفة ، وليس مع من لم يوجبها حجة تقارب ذلك . والشافعي إنما لم يوجبهما لأنه ليس عنده فى الصلاة واجب نصح الصلاة مع تركه ، لا عمداً ولا سهواً ، وجمهور العلماء الثلاثة وغيرهم يجعلون من واجبات الصلاة ما لا يبطل تركه الصلاة ، لكن مالك وأحمد وغيرهما يقولون لا تبطل الصلاة بعمده ، وعليه الإعادة ، ويجب بتركه سهواً سجود السهو . وأبو حنيفة يقول : إذا تركه عمداً كان مسيئاً ، ٢٨ وكانت صلاته ناقصة ، ولا إعادة عليه ، وأما ما يزيده عمداً فكلهم يقول : إن فيه ما تبطل الصلاة مع عمده دون سهوه ؛ لكن هو فى حال العمد مبطل فلا سجود ، وفي حال السهو يقولون : قد عفى عنه فلا يجب السجود . وقد احتج بعضهم بما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى حديث الشك: (( كانت الركعة والسجدتان نافلة)) وهذا لفظ ليس فى الصحيح. ولفظ الصحيح (« فليطرح الشك وليين على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته، وإن كان صلى تماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)) فقد أمر فيه بالسجود ، وبين حكمته سواء كان صلى خمساً ، أو أربعا ، فقال : ((فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلانه)) وهذا يقتضي أن التطوع بالوتر لا يجوز ، بل قد أمر الله أن يوتر صلاة النهار بالمغرب ، وصلاة الليل بالوتر . وهنا لما كان مع الشك قد صلى خمسا ، وهو لا يعلم جعل السجدتين قائمة مقام ركعة فشفعتا له صلانه. قال: ((وإن كان صلى تماما لأربع فلم يزد فى الصلاة شيئا، كانتا ترغيما للشيطان)) فهذا اللفظ وهو قوله: (( كانت الركعة والسجدتان نافلة له)، لا يمكن أن يستدل به ، حتى يثبت أنه من قول النبى صلى الله عليه وسلم، ٢٩ فكيف ولفظه الذي في الصحيح يقتضي وجوبها وجوب الركعة . والسجدتين . والركعة قد اتفق العلماء على وجوبها ، حيث قيل : إن الشاك يطرح الشك وينى على ما استيقن : كانت الركعة المشكوك فيها واجبة . وإذا كانت واجبة بالنص والاتفاق ، واللفظ المروى هو فيها وفي السجود ، مع أن السجود أيضا مأمور به ، كما أمر بالركعة . علم أن ما ذكر لا ينافى وجوب السجدتين ، كما لا ينافى وجوب الركعة ، وإن كان هذا اللفظ قد قاله الرسول فمعناه أنه مأمور بذلك مع الشك فعلى تقدير أن تكون صلاته تامة فى نفس الأمر لم ينقص منها شيء يكون ذلك زيادة فى عمله ، وله فيه أجر كما فى النافلة . وهذا فعل كل من احتاط فأدى ما يشك في وجوبه ، إن كان واجبا ، وإلا كانت نافلة له ، فهو إنما جعلها نافلة فى نفس الأمر على تقدير إتمام الأربع، ولكن هو لما شك حصل بنفس شكه نقص فى صلاته ، فأمر بها ، وإن كان صلى أربعا ترغيما للشيطان . وهذا كما يأمرون من يشك فى غير الواجب بأن يفعل ما يتبين به براءة الذمة ، والواجب فى نفس الأمر واحد ، والزيادة نافلة ، وكذلك يؤمر من اشتبهت أخته من الرضاع بأجنبية باجتنابها، والمحرم في نفس الأمر واحد ، فذلك المشكوك فيه يسمى واجبا باعتبار أن عليه ٣٠ أن يفعله ، ويسمى نافلة على تقدير أي هو مثاب عليه مأجور عليه - ليس هو عملا ضائعا - كالنوافل . وأنه لم يك فى نفس الأمر واجبا عليه ، لكن وجب لأجل الشك، مع أن إحدى الروايتين عن أحمد أنه يجبر المعادة مع إمام الحي . ويسمى نافلة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وكذلك قوله فى حديث أبى ذر ((صل الصلاة لوقتها ثم اجعل صلاتك معهم غافلة ، ولا تقل: إني قد صليت )) فهي نافلة . أي: زائدة على الفرائض الخمس الأصلية ، وإن كانت واجبة بسبب آخر ، كالواجب بالنذر . وكثير من السلف يريدون بلفظ النافلة ما كان زيادة فى الحسنات ، وذلك لمن لا ذنب له ، ولهذا قالوا فى قوله : (وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْبِهِ، نَافِلَةً لَّكَ ) إن النافلة مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله غفر له ، وغيره له ذنوب فالصلوات تكون سببا لمغفرتها ، وهذا القول وإن كان فيه كلام . ليس هذا موضعه . فالمقصود أن لفظ النافلة توسع فيه ، فقد يسمى به ما أمر به ، وقد ينفى عن التطوع . فقد تبين وجوب سجود السهو . وسببه إما نقص ، وإما زيادة . كما قال فى الصحيحين: ((إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين)). فالنقص كما فى حديث ابن بحينة : لما ترك التشهد الأول سجد ، والزيادة ٣١ كما سجد لما صلى خمسا، وأمر به الشاك الذي لا يدري أزاد أم نقص فهذه أسبابه فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم : إما الزيادة ، وإما النقص، وإما الشك . وقد تبين أنه فى النقص والشك يسجد قبل السلام ، وفي الزيادة بعده . فصل وإذا كان واجبا فتركه عمداً أو سهواً - ترك الذي قبل السلام أو بعده - ففيه أقوال متعددة في مذهب أحمد ، وغيره . قيل : إن ترك ما قبل السلام عمداً بطلت صلاته ، وإن تركه سهواً لم تبطل ، كالتشهد الأول ، وغيره من الواجبات ، وما بعده لا يبطل بحال ؛ لأنه جبران بعد السلام ، فلا يبطلها ، وهذا اختيار كثير من أصحاب أحمد . وقيل : إن ترك ما قبل السلام يبطل مطلقاً ، فإن تركه سهواً فذكر قريباً سجد، وإن طال الفصل أعاد الصلاة، وهو منقول رواية عن أحمد ، وهو قول مالك ، وأبى ثور ، وغيرهما، وهذا القول أصح من الذي قبله ، فإنه إذا كان واجباً فى الصلاة ، فلم يأت به سهواً لم تبرأ ذمته منه ، وإن كان لا يأثم كالصلاة نفسها ، فإنه إذا نسيها صلاها ٣٢ إذا ذكرها، فهكذا ما ينساه من واجباتها ، لابد من فعله إذا ذكر إما بأن يفعله مضافا إلى الصلاة ، وإما بأن يبتدئ الصلاة . فلا تبرأ الذمة من الصلاة ولا من أجزائها الواجبة إلا بفعلها . والواجبات التى قيل إنها تسقط بالسهو : كالتشهد الأول ، لم يقل إنها تسقط إلى غير بدل ، بل سقطت إلى بدل وهو سجود السهو ، بخلاف الأر كان التى لا بدل لها: كالركوع ، والسجود ، فإما أن يقال : إنها واجبة فى الصلاة، وإنها تسقط إلى غير بدل ، فهذا ما علمنا أحداً قاله ، وإن قاله قائل ، فهو ضعيف ، مخالف للأصول ، فهذان قولان فى الواجب قبل السلام : إذا تركه سهواً . وأما الواجب بعده فالنزاع فيه قريب . فمال كثير ممن قال إن ذلك واجب : إلى أن ترك هذا لا يبطل ؛ لأنه جبر للعبادة ، خارج عنها ، فلم تبطل جبران الحج ، ونقل عن أحمد ما يدل على بطلان الصلاة إذا ترك السجود المشروع بعد السلام ، وقد نقل الأثرم عن أحمد الوقف فى هذه المسألة ، فنقل عنه فيمن نسى سجود السهو ، فقال : إذا كان فى سهو خفيف فأرجو أن لا يكون عليه . قلت : فإن كان فيما سها فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال : هاه، ولم يجب، قال: فبلغنى عنه أنه يستحب أن يعيده و((مسائل الوقف)) يخرجها أصحابه على وجهين . ٣٣ وفي الجملة فقيل : يعيد إذا تركه عامداً ، وقيل : إذا تركه عامداً أو ساهياً . والصحيح أنه لا بد من هذا السجود ، أو من إعادة الصلاة ، فإنه قد تنوزع إلى متى بسجد . فقيل: يسجد ما دام فى المسجد ، ما لم يطل الفصل ، وقيل : يسجد وإن طال الفصل ما دام في المسجد ، وقيل : يسجد وإن خرج وتعدى . والمقصود أنه لا بد منه ، أو من إعادة الصلاة ؛ لأنه واجب أمر به النبى صلى الله عليه وسلم لتمام الصلاة ، فلا تبرأ ذمة العبد إلا به ، وإذا أمر به بعد السلام من الصلاة ؛ وقيل : إن فعلته وإلا فعليك إعادة الصلاة لم يكن ممتنعاً ، والمراد تكون الصلاة باطلة : أنه لم تبرأ بها الذمة ، ولا فرق في ذلك بين ما قبل السلام ، وما بعده . والله تعالى إنما أباح له التسليم منها بشرط أن يسجد سجدتى السهو ، فإذا لم يسجدهما لم يكن قد أباح الخروج منها، فيكون قد سلم من الصلاة سلاماً لم يؤمر به ، فيبطل صلاته . كما تقول في فاسخ الحنج إلى التمتع إنما أبيح له التحلل إذا قصد أن يتمتع فيحج من عامه ، فأما إن قصد التحلل مطلقاً لم يكن له ذلك ، وكان باقياً على إحرامه ، ولم يصح تحلله ، لكن الإحرام لا يخرج منه برفض المحرم ، ولا بفعل شيء من محظوراته ، ولا بإفساده ، بل هو باق فيه ، وإن كان فاسداً بخلاف الصلاة ، فإنها تبطل بفعل ما ينافيها ، وما حرم فيها . ٣٤ وقياسهم الصلاة على الحج باطل ، فإن الواجبات التى يجبرها دم لو تعمد تركها في الحج لم تبطل بل يجبرها ، والجبران فى ذمته لا يسقط بحال ، والصلاة إذا ترك واجباً فيها بطلت ، وإذا قيل : إنه مجبور بالسجود ، فيقتضي أن السجود في ذمته كما يجب فى ذمته جبران الحج، أما سقوط الواجب وبدله: فهذا لا أصل له فى الشرع، فقياس الحج أن يقال : هذا السجود بعد السلام يبقى في ذمته إلى أن يفعله ، وهذا القول غير ممتنع ؛ بخلاف قولهم يسقط إلى بدل ؛ لكن جبران الحج وهو الم يفعل مفرداً بلا نزاع ، وأما هذا السجود : فهل يفعل مفرداً بعد طول الفصل ؟ فيه نزاع . ونحن قلنا : لابد منه ، أو من إعادة الصلاة ، فإذا قيل : إنه يفعل وإن طال الفصل كالصلاة المنسية ، فهذا متوجه قوي ، ودونه أن يقال: وإن تركه عمداً يفعله فى وقت آخر ، وإن أثم بالتأخير ، كما لو أخر الصلاة المنسية بعد الذكر عمداً فليصلها ، ويستغفر الله من تأخيرها . وكذلك المفوتة عمداً عند من يقول بإمكان إعادتها يصليها ويستغفر الله من تأخيرها . فهكذا السجدتان يصليها حيث ذكرها ويستغفر الله من التأخير، فهذا أيضاً قول متوجه ، فإن التحديد بطول الفصل وبغيره ، غير مضبوط بالشرع . وكذلك الفرق بين المسجد وغيره ليس عليه دليل شرعى ، وكذلك ٣٥ الفرق بين ما قبل الحدث وبعده ، بل عليه أن يسجدهما بحسب الإمكان ، والله أعلم . فصل وما شرع قبل السلام أو بعده : فهل ذلك على وجه الوجوب ؟ أو الاستحباب ؟ فيه قولان فى مذهب أحمد ، وغيره . ذهب كثير من أتباع الأئمة الأربعة إلى أن النزاع إنما هو فى الاستحباب ، وأنه لو سجد للجميع قبل السلام ، أو بعده : جاز . والقول الثاني : أن ما شرعه قبل السلام يجب فعله قبله ، وما شرعه بعده لا يفعل إلا بعده ، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة ، وهو الصحيح . قال النبى صلى الله عليه وسلم في حديث طرح الشك قال: ((وليسجد سجدتين قبل أن يسلم)) وفى الرواية الأخرى يسلم)) وفى حديث التحري قال: ((فليتحر الصواب ٨ (( قبل أن يسلم فليين عليه ، ثم ليسجد سجدتين)) وفي رواية للبخاري ((فليتم عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)) فهذا أمر فيه بالسلام ، ثم بالسجود. وذاك أمر فيه بالسجود قبل السلام ، وكلاهما أمر منه يقتضي الإيجاب. ٣٦ ولما ذكر ما يعم القسمين قال: ((إذا زاد أو نقص فليسجد سجدتين)) وقال: ((فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد سجدتين وهو جالس )) فلما ذكر النقص مطلقاً، والزيادة مطلقاً، والشك : أمر بسجدتين مطلقاً ، ولم يقيدهما بما قبل السلام ، ولما أحر بالتحري أمر بالسجدتين بعد السلام . فهذه أوامره صلى الله عليه وسلم فى هذه الأبواب لا تعدل عنها . ( وَمَاكَانَ لِمُؤْ مِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) ولكن من سجد قبل السلام مطلقاً ، أو بعد السلام مطلقاً متأولا ، فلا شيء عليه ، وإن تبين له فيما بعد السنة استأنف العمل فيما تبين له ، ولا إعادة عليه. وكذلك كل من ترك واجباً لم يعلم وجوبه ، فإذا علم وجوبه فعله ولا تلزمه الإعادة فيما مضى : فى أصح القولين فى مذهب أحمد، وغيره. وكذلك من فعل محظوراً فى الصلاة لم يعلم أنه محظور ، ثم علم كمن كان يصلي فى أعطان الإبل ، أو لا يتوضأ الوضوء الواجب الذي لم يعلم وجوبه ، كالوضوء من لحوم الإبل ، وهذا بخلاف الناسي ، فإن العالم بالوجوب إذا نسى صلى متى ذكر ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) وأما من لم يعلم الوجوب ، فإذا علمه صلى صلاة الوقت وما بعدها ، ولا إعادة عليه . كما ثبت في الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي ٣٧ المسئء في صلاته: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) قال : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني ما يجزيني في صلاتي ، فعلمه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد أمره بإعادة صلاة الوقت ، ولم يأمره بإعادة ما مضى من الصلاة، مع قوله: ((لا أحسن غير هذا)). وكذلك لم يأمر عمر وعماراً بقضاء الصلاة ، وعمر لما أجنب لم يصل ، وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة، ولم يأمر أبا ذر بما تركه من الصلاة وهو جنب ، ولم يأمر المستحاضة أن تقضي ما تركت ، مع قولها إنى أستحاض حيضة شديدة منعتنى الصوم والصلاة . ولم يأمر الذين أكلوا في رمضان حتى تبين لهم الحبال البيض من السود بالإعادة ، والصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين ركعتين ، ثم لما هاجر زيد فى صلاة الحضر ففرضت أربعاً ، وكان بمكة وأرض الحبشة والبوادي كثير من المسلمين لم يعلموا بذلك إلا بعد مدة ، وكانوا يصلون ركعتين، فلم بأمرهم بإعادة ما صلوا. كما لم يأمر الذين كانوا يصلون إلى القبلة المنسوخة بالإعادة مدة صلاتهم إليها قبل أن يبلغهم الناسخ ، فعلم أنه لا فرق بين الخطاب المبتدأ، والخطاب الناسخ. والركعتان الزائدتان إيجابهما مبتدأ، وإيجاب الكعبة ناسخ . وكذلك التشهد وغيره إنما وجب فى أثناء الأمر، وكثير ٣٨ من المسلمين لم يبلغهم الوجوب إلا بعد مدة . ومن المنسوخ أن جماعة من أكابر الصحابة كانوا لا يغتسلون من الإقحاط ؛ بل يرون الماء من الماء ، حتى ثبت عندم النسخ . ومنهم من لم يثبت عنده النسخ ، وكانوا يصلون بدون الطهارة الواجبة شرعا لعدم علمهم بوجوبها ، ويصلي أحدهم وهو جنب . فصل إذا نسي السجود حتى فعل ما ينافى الصلاة من كلام وغيره : فقد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه سجد بعد السلام والكلام )) فقد بين ذلك في الصحيحين أنه صلى بهم الظهر خمساً ، فلما انفتل توشوش القوم فيما بينهم ، فقال: ما شأنكم قالوا : يا رسول الله! زيد فى الصلاة؟ قال لا . قالوا : فإنك صليت خمساً ، فانفتل ثم سجد سجدتين ، ثم سلم )) وهذا قول جمهور العلماء وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وغيره . وعن أبي حنيفة أنه إن تكلم بعد السلام سقط عنه سجود السهو ؛ لأن الكلام ينافيها ، فهو كالحدث . وعن الحسن ومحمد إذا صرف وجهه ٣٩ عن القبلة لم يبن ، ولم يسجد . والصواب قول الجمهور ، كما نطقت به السنة ، فإنه صلى الله عليه وسلم سجد بعد انصرافه ، وانفتاله ، وإقباله عليهم ، وبعد تحدثهم وبعد سؤاله لهم . وإجابتهم إياه ، وحديث ذي اليدين أبلغ فى هذا ، فإنه صلى ركعتين ، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد ، فانكأ عليها ، ثم قال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة ؟ أم نسيت ؟ وأجابه . ثم سأل الصحابة فصدقوا ذا اليدين ، فعاد إلى مكانه فعلى الركعتين ، ثم سجد بعد السلام سجدتى السهو ، وقد خرج السرعان من الناس يقولون : قصرت الصلاة ، قصرت الصلاة . وفى حديث عمران وهو في الصحيحين: «أنه سلم فى ثلاث من العصر ، ثم دخل منزله ، وقام إليه الخرباق فذكر له صنيعه ، وأنه خرج يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس ، فقال : أصدق هذا ؟ قالوا : نعم)). وهذه القصة إما أن تكون غير الأولى، وإما أن تكون هي إياها لكن اشتبه على إحدى الراويين : هل سلم من ركعتين ، أو من ثلاث، وذكر أحدهما قيامه إلى الخشبة المعروضة فى المسجد ، والآخر دخوله منزله ، ثم من بعد هذا القول والعمل ، وخروجه من المسجد . والسرعان من الناس ، لا ريب أنه أمرم بما يعملون . فإما أن يكونوا عادوا أو بعضهم إلى المسجد ، فأتموا معه الصلاة بعد خروجهم من المسجد ، وقولهم : قصرت الصلاة ، قصرت الصلاة . ٤٠