Indexed OCR Text

Pages 601-620

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن رجل لا يطمئن فى صلاته ؟.
فأجاب : الطمأنينة فى الصلاة واجبة، وتاركها مسيء ، باتفاق الآثمة
بل جمهور أئمة الإسلام : كمالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحق ، وأبى
يوسف صاحب أبي حنيفة، وأبو حنيفة، ومحمد، لا يخالفون فى أن
تارك ذلك مسيء غير محسن ، بل هو آثم عاص ، تارك للواجب .
وغيرهم يوجبون الإعادة على من ترك الطمأنينة . ودليل وجوب
الإعادة ما فى الصحيحين: (( أن رجلا صلى في المسجد ركعتين ، ثم جاء
فسلم على النبى صلى الله عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
ارجع فصل ، فإنك لم تصل ، مرتين أو ثلاثاً - فقال: والذي بعثك
بالحق ، ما أحسن غير هذا . فعلمنى ما يجزئنى في صلاتي ، فقال :
إذا قمت إلى الصلاة فكبر ، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ، ثم
اركع حتى تطمئن راكعاً ، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ، ثم اسجد حتى
تطمئن ساجداً ، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً ، ثم افعل ذلك في
صلاتك كلها )، فهذا كان رجلا جاهلا، ومع هذا فأمره النبى صلى الله
٦٠١

عليه وسلم أن يعيد الصلاة ، وأخبره أنه لم يصل ، فتبين بذلك أن من
ترك الطمأنينة فقد أخبر الله ورسوله أنه لم يصل، فقد أمره الله
ورسوله بالإعادة . ومن يعص الله ورسوله فله عذاب أليم .
وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقبل الله
صلاة رجل لا يقيم صلبه فى الركوع والسجود )). يعنى يقيم صلبه إذا
رفع من الركوع، وإذا رفع من السجود. وفى الصحيح: ((أن حذيفة
ابن اليمان - رضي الله عنه - رأى رجلا لا يقيم صلبه فى الركوع
والسجود ، فقال : منذكم تصلى هذه الصلاة ؟ قال : منذكذا وكذا ،
فقال : أما إنك لو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً
صلى الله عليه وسلم)) .
وقد روى هذا المعنى ابن خزيمة فى صحيحه مرفوعا إلى النبى صلى
الله عليه وسلم، وأنه قال لمن نقر فى الصلاة: (( أما إنك لو مت على
هذا مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً صلى الله عليه
وسلم)) أو نحو هذا. وقال: ((مثل الذي يصلي ولا يتم ركوعه
وسجوده ، مثل الذي يأكل لقمة أو لقمتين ، فما تغنى عنه)).
وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تلك صلاة
المنافق ، تلك صلاة المنافق ، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنى
٦٠٢

شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا )) وقد كتبنا فى ذلك
من دلائل الكتاب والسنة في غير هذا الموضع ، ما يطول ذكره هنا
والله أعلم .
وسئل رحمه الله:
عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة، ويحصل له الوسواس نارة،
فما الذي يستعين به على دوام الحضور فى الصلاة ؟ وهل تكون تلك
الوساوس مبطلة للصلاة ؟ أو منقصة لهما أم لا ؟ وفي قول عمر : إنى
لأجهز جيشي وأنا فى الصلاة . هل كان ذلك يشغله عن حاله فى
جمعيته أو لا ؟؟.
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان
قليلا باتفاق أهل العلم ، بل ينقص الأجر ، كما قال ابن عباس ليس لك
من صلاتك إلا ما عقلت منها .
وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن العبد
لينصرف من صلاته ، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها،
إلا خمسها، إلا سدسها، إلا سبعها، إلا تمنها، إلا تسعها، إلا عشرها)).
٦٠٣

ويقال: إن النوافل شرعت لجبر النقص الحاصل فى الفرائض ، كما
فى السنن عن التى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أول ما يحاسب
عليه العبد من عمله الصلاة ، فإن أكملها ، وإلا قيل : انظروا هل له
من تطوع ، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة ، ثم يضع بسأر
أعماله)). وهذا الإكمال بتناول ما نقص مطلقاً.
وأما الوسواس الذي يكون غالباً على الصلاة فقد قال طائفة
- منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبو حامد الغزالي - وغيرهما: إنه
يوجب الإعادة أيضاً ، لما أخرجاه في الصحيحين عن أبى هريرة رضي
الله عنه أن النى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أذن المؤذن أدبر
الشيطان ، وله ضراط حتى لا يسمح التأذين ، فإذا قضى التأذين أقبل،
فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضى التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء
ونفسه ، فيقول: اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن بذكر ، حتى
يظل الرجل لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين
قبل أن يسلم)). وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة
مع الوسواس مطلقاً)). ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولا ريب أن الوسواس كلما قل فى الصلاة كان أكمل ، كما فى
الصحيحين من حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (( إن من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لم يحدث
٦٠٤

فيها نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه)). وكذلك في الصحيح أنه قال:
((من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى ركعتين يقبل عليها بوجهه، وقلبه
غفر له ما تقدم من ذنبه )).
وما زال فى المصلين من هو كذلك ، كما قال سعد بن معاذ
- رضي الله عنه: في ثلاث خصال، لو كنت فى سائر أحوالى أكون
فيهن: كنت أنا أنا ؛ إذا كنت في الصلاة لا أحدث نفسي بغير ما أنا فيه،
وإذا سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حديثا لا يقع في قلبى
ريب أنه الحق ، وإذا كنت فى جنازة لم أحدث نفسي بغير ما تقول ،
ويقال لها . وكان مسلمة بن بشار يصلي فى المسجد ، فانهدم طائفة منه
وقام الناس ، وهو في الصلاة لم يشعر . وكان عبد الله بن الزبير
- رضي الله عنه - يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه ، وهو
فى الصلاة لا يرفع رأسه. وقالوا لعامر بن عبد القيس : أتحدث نفسك
بشيءٍ فى الصلاة فقال: أو شيء أحب إلي من الصلاة أحدث به نفسي ؟ قالوا :
إنا لنحدث أنفسنا فى الصلاة ، فقال: أبا لجنة والحور ونحو ذلك ؟ فقالوا:
لا، ولكن بأهلينا وأموالنا ، فقال: لأن تختلف الأ سنة فيّ أحب إليّ
وأمثال هذا متعدد .
والذي يعين على ذلك شيئان : قوة المقتضى ، وضعف الشاغل .
أما الأول : فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله ، ويتدبر
٦٠٥

القراءة والذكر والدعاء ، ويستحضر أنه مناج لله تعالى، كأنه يراه،
فإن المصلي إذا كان قائماً فإنما يناجي ربه . والإحسان: أن تعبد الله
كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة
الصلاة كان انجذابه إليها أوكد ، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان .
والأسباب المقوية للإيمان كثيرة ؛ ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم
يقول: (( حبب إلي من دنياكم: النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عينى
فى الصلاة)). وفي حديث آخر أنه قال: ((أرحنا يا بلال بالصلاة)) ولم
يقل: أرحنا منها. وفى أثر آخر (( ليس بمستكمل للإيمان من
لم يزل مهموما حتى يقوم إلى الصلاة)) أو كلام يقارب هذا . وهذا
باب واسع .
فإن مافى القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين
له ، وخوفه ورجائه ، والتصديق بأخباره ، وغير ذلك ، مما يتباين الناس
فيه ، ويتفاضلون تفاضلا عظيما، ويقوى ذلك كلما ازداد العبد تدبراً
للقرآن. وفها ، ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وتفقره إليه في
عبادته واشتغاله به ، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده
ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب ، فإنه لا صلاح له
إلا بأن يكون اللّه هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به ، ويلتذ
بذكره، ويستريح به ، ولا حصول لهذا إلا بإعانة اللّه، ومتى كان
٦٠٦

للقلب إله غير الله فسد وهلك هلاكا لاصلاح معه ، ومتى لم يعنه الله
على ذلك لم يصلحه ، ولا حول ولا قوة إلا به ، ولا ملجأ ولا منجى
منه إلا إليه .
ولهذا يروى : أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب ، جمع علمها
في الكتب الأربعة ، وجمع الكتب الأربعة فى القرآن ، وجمع علم القرآن
فى المفصل . وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة
الكتاب فى قوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ). ونظير ذلك قوله:
(فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) وقوله: (عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) وقوله :
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُّ وَمَنْ يَنَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ )
وقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ ) ولهذا قال النبى صلى اللّه عليه وسلم: رأس الأمر
الإسلام ، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله)). وبسط
هذا طويل لا يحتمله هذا الموضع .
وأما زوال العارض : فهو الاجتهاد فى دفع ما يشغل القلب من
تفكر الإنسان فيما لا يعنيه ، وتدبر الجوانب التى تجذب القلب عن
مقصود الصلاة ، وهذا فى كل عبد بحسبه ، فإن كثرة الوسواس بحسب
كثرة الشبهات والشهوات ، وتعليق القلب بالمحبوبات التى ينصرف القلب
إلى طلبها ، والمكروهات التى ينصرف القلب إلى دفعها .
٦٠٧

والوساوس : إما من قبيل الحب ، من أن يخطر بالقلب ما قد
كان أو من قبيل الطلب ، وهو أن يخطر فى القلب ما يريد أن يفعله.
ومن الوساوس ما يكون من خواطر الكفر والنفاق ، فيتألم لها قلب
المؤمن تألماً شديدا، كما قال الصحابة: ((يارسول الله! إن أحدنا ليجد
فى نفسه ما لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به ، فقال :
أوجد تموه ؟! قالوا: نعم ! قال: ذلك صريح الإيمان)). وفي لفظ :
(( إن أحدنا ليجد فى نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به، فقال : الحمد لله الذى
رد كيده إلى الوسوسة)) .
قال كثير من العلماء : فكراهة ذلك وبغضه ، وفرار القلب منه ،
هو صريح الإيمان ، والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة،
فإن شيطان الجن إذا غلب وسوس ، وشيطان الإنس إذا غلب كذب،
والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو غيره ، لابد
له من ذلك ، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ، وبلازم ما هو فيه من
الذكر والصلاة ، ولا يضجر ، فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد
الشيطان ، (إِنَّكَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا). وكما أراد العبد توجهاً
إلى الله تعالى بقلبه جاء من الوسواس أمور أخرى ، فإن الشيطان بمنزلة
قاطع الطريق ، كما أراد العبد بسير إلى اللّه تعالى أراد قطع الطريق
عليه ؛ ولهذا قيل لبعض السلف : إن اليهود والنصارى يقولون : لا
٦٠٨

نوسوس ، فقال صدقوا ، وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب . وتفاصيل
ما يعرض للسالكين طويل موضعه .
وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ــ من
قوله : إني لأجهز جيشي ، وأنا فى الصلاة . فذاك لأن عمر كان مأموراً
بالجهاد ، وهو أمير المؤمنين ، فهو أمير الجهاد . فصار بذلك من بعض
الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال معاينة العدو ، إما
حال القتال، وإما غير حال القتال ، فهو مأمور بالصلاة ، ومأمور بالجهاد
فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان . وقد قال تعالى: ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْإِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْاللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ).
ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال
الأمن ، فإذا قدر أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد لم يقدح هذا
فى كمال إيمان العبد وطاعته ، ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة
الأمن . ولما ذكر سبحانه وتعالى صلاة الخوف قال : ( فَإِذَا أَطْمَأْنَنْتُمْ
فَأَقِيمُواْالصَّلَوَةُ إِنَّالصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَوْقُوتًا)
فالإقامة
المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف .
ومع هذا : فالناس متفاوتون فى ذلك ، فإذا قوى إيمان العبد
كان حاضر القلب فى الصلاة ، مع تدبره للأمور بها ، وعمر قد
٦٠٩

ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المحدث الملهم ، فلا ينكر لمثله
أن يكون له مع تدبيره جيشه فى الصلاة من الحضور ما ليس لغيره ،
لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى ، ولا ريب أن
صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حال أمنه كانت أكمل من صلاته
حال الخوف فى الأفعال الظاهرة ، فإذا كان اللّه قد عفا حال الخوف
عن بعض الواجبات الظاهرة ، فكيف بالباطنة .
وبالجملة فتفكر المصلى في الصلاة فى أمر يجب عليه قد يضيق
وقته ليس كنفكره فيما ليس بواجب ، أو فيما لم يضق وقته ، وقد
يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير الجيش إلا فى تلك الحال ، وهو
إمام الأمة والواردات عليه كثيرة . ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب
مرتبته ، والإنسان دائماً يذكر فى الصلاة مالا يذكره خارج الصلاة ،
ومن ذلك ما يكون من الشيطان ، كما يذكر أن بعض السلف ذكر
له رجل أنه دفن مالا وقد نسى موضعه ، فقال : قم فصل ، فقام
فصلى ، فذكره ، فقيل له : من أين علمت ذلك ؟ قال : علمت أن
الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يذكره بما يشغله ، ولا أم عنده من
ذكر موضع الدفن . لكن العبد الكيس يجتهد في كمال الحضور ، مع
كمال فعل بقية المأمور ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
٦١٠

وسل
عن وسواس الرجل فى صلاته ، وما حد المبطل للصلاة ؟ وماحد
المكروه منه ؟ وهل يباح منه شيء فى الصلاة ؟ وهل يعذب الرجل فى
شيء منه ؟ وما حد الإخلاص فى الصلاة ؟ وقول النبى صلى الله عليه وسلم
« ليس لأحدكم من صلاته إلا ما عقل منها )) ؟.
فأجاب : الحمد لله : الوسواس نوعان :
أحدهما : لا يمنع ما يؤمر به من تدبر الكلم الطيب ، والعمل
الصالح الذي فى الصلاة ، بل يكون بمنزلة الخواطر ، فهذا لا يبطل
الصلاة ؛ لكن من سلمت صلانه منه فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته .
الأول شبه حال المقربين ، والثانى شبه حال المقتصدين .
وأما الثالث : فهو ما منع الفهم وشهود القلب ، بحيث بصير
الرجل غافلا ، فهذا لا ريب أنه يمنع الثواب ، كما روى أبو داود فى
سننه عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن
الرجل لينصرف من صلاته ، ولم يكتب له منها إلا نصفها ، إلا ثلثها ؛
٦١١

إلا ربعها إلا خمسها إلا سدسها، حتى قال: إلا عشرها)) فأخبر صلى
اللّه عليه وسلم أنه قد لا يكتب له منها إلا العشر.
وقال ابن عباس : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ، ولكن
هل يبطل الصلاة ويوجب الإعادة ؟ فيه تفصيل . فإنه إن كانت الغفلة
فى الصلاة أقل من الحضور ، والغالب الحضور ، لم تجب الإعادة ، وإن
كان الثواب ناقصاً ، فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يبطل
الصلاة ، وإنما يجبر بعضه بسجدتى السهو ، وأما إن غلبت الغفلة على
الحضور ، ففيه للعلماء قولان :
أحدهما : لا تصح الصلاة فى الباطن ، وإن صحت فى الظاهر ،
كفن الدم ؛ لأن مقصود الصلاة لم يحصل ، فهو شبيه صلاة المرائى ،
فإنه بالانفاق لا يبرأ بها في الباطن ، وهذا قول أبى عبد الله بن حامد
وأبي حامد الغزالي وغيرهما .
والثانى تبرأ الذمة ، فلا تجب عليه الإعادة ، وإن كان لا أجر له
فيها ، ولا ثواب ، بمنزلة صوم الذي لم يدع قول الزور والعمل
به ، فليس له من صيامه إلا الجوع والعطش . وهذا هو المأثور عن
الإمام أحمد ، وغيره من الأئمة ، واستدلوا بما في الصحيحين عن أبى
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أذن المؤذن
٦١٢

بالصلاة أدر الشيطان وله ضراط ، حتى لا يسمح التأذين ، فإذا قضى
التأذين أقبل ، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضى التشويب أقبل ،
حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول : اذكر كذا اذكر كذا ، ما لم
يكن بذكر، حتى يظل لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك
فليسجد سجدتين )) فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان
يذكره بأمور حتى لا يدري كم صلى ، وأمره بسجدتين للسهو ، ولم
بأمره بالإعادة ، ولم يفرق بين القليل والكثير .
وهذا القول أشبه وأعدل ؛ فإن النصوص والآثار إنما دلت على
أن الأجر والثواب مشروط بالحضور ، لا تدل على وجوب الإعادة ،
لا باطناً ولا ظاهراً، والله أعلم.
وسئل رحمه اللّـه
عما إذا أحدث المصلي قبل السلام ؟
فأجاب : إذا أحدث المصلى قبل السلام بطلت ، مكتوبة كانت أو
غير مكتوبة .
٦١٣

وسل
عن رجل ضحك فى الصلاة . فهل تبطل صلاته أم لا ؟
فأجاب : أما التبسم فلا يبطل الصلاة ، وأما إذا قهقه فى الصلاة
فإنها تبطل ، ولا ينتقض وضوؤه عند الجمهور كمالك والشافعى وأحمد ؛
لكن يستحب له أن يتوضأ فى أقوى الوجهين ، لكونه أذنب ذنباً ،
وللخروج من الخلاف ، فإن مذهب أبي حنيفة ينتقض وضوؤه،
والله أعلم.
٦١٤

وسئل رحمه اللّه
عن النحنحة ، والسعال ، والنفخ ، والأنين ، وما أشبه ذلك فى
الصلاة : فهل تبطل بذلك أم لا ؟ وأي شيء الذي تبطل الصلاة به
من هذا أو غيره ؟ وفى أي مذهب ؟ وأيش الدليل على ذلك ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين . الأصل فى هذا الباب أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من
كلام الآدميين)). وقال: ((إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث
أن لا تكلموا في الصلاة )) قال : زيد بن أرقم فأمرنا بالسكوت ، ونهينا
عن الكلام . وهذا مما اتفق عليه المسلمون . قال ابن المنذر وأجمع
أهل العلم : على أن من تكلم في صلاته عامداً وهو لا يريد إصلاح
شيء من أمرها أن صلاته فاسدة ، والعامد من يعلم أنه في صلاة ،
وأن الكلام محرم .
( قلت ) وقد تنازع العلماء في الناسي والجاهل والمكره والمتكلم
لمصلحة الصلاة ، وفى ذلك كله نزاع فى مذهب أحمد وغيره من العلماء .
٦١٥

إذا عرف ذلك فاللفظ على ثلاث درجات .
( أحدها ) أن يدل على معنى بالوضع إما بنفسه ، وإما مع لفظ
غيره ، كفى ، وعن ، فهذا الكلام مثل : يد ، ودم ، وفم ، وخذ .
( الثاني ) أن يدل على معنى بالطبع كالتأوه ، والأنين، والبكاء
ونحو ذلك .
( الثالث ) أن لا يدل على معنى لا بالطبع ولا بالوضع ، كالنحنحة
فهذا القسم كان أحمد يفعله في صلاته ، وذكر أصحابه عنه روايتين فى
بطلان الصلاة بالنحنحة . فإن قلنا : تبطل ، ففعل ذلك لضرورة فوجهان .
فصارت الأقوال فيها ثلاثة :
( أحدها ) أنها لا تبطل بحال ، وهو قول أبى يوسف، وإحدى
الروايتين عن مالك ؛ بل ظاهر مذهبه .
( والثاني ) تبطل بكل حال ، وهو قول الشافعي وأحد القولين فى
مذهب أحمد ومالك .
( والثالث ) إن فعله لعذر لم تبطل وإلا بطلت ، وهو قول أبى
حنيفة ومحمد ، وغيرهما ، وقالوا : إن فعله لتحسين الصوت وإصلاحه ،
٦١٦

لم تبطل ، قالوا : لأن الحاجة تدعو إلى ذلك كثيراً ، فرخص فيه
للحاجة . ومن أبطلها قال : إنه يتضمن حرفين ، وليس من جنس
أذ كار الصلاة، فأشبه القهقهة، والقول الأول أصح. وذلك أن النبي صلى الله
عليه وسلم إنما حرم التكلم فى الصلاة، وقال: ((إنه لا يصلح فيها
شيء من كلام الآدميين )) وأمثال ذلك من الألفاظ ، التى تتناول
الكلام. والنحنحة لا تدخل فى مسمى الكلام أصلا ، فإنها لا تدل
بنفسها ، ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى ، ولا يسمى فاعلها متكلما
وإنما يفهم مراده بقرينة ، فصارت كالإشارة .
وأما القهقهة ونحوها ففيها جوابان :
( أحدهما ) أن تدل على معنى بالطبع .
( والثاني ) أنا لا نسلم أن تلك أبطلت لأجل كونها كلاماً . بدل
على ذلك أن القهقهة تبطل بالإجماع ، ذكره ابن المنذر .
وهذه الأنواع فيها نزاع ، بل قد يقال : إن القهقهة فيها أصوات
عالية تنافى حال الصلاة ، وتنافى الخشوع الواجب فى الصلاة ، فهي
كالصوت العالي الممتد ، الذي لا حرف معه . وأيضاً فإن فيها من
الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها ، فأبطلت لذلك
٦١٧

لا لكونه متكلما . وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلاما ، وليس
مجرد الصوت كلاما، وقد روى عن علي رضي الله عنه قال: ((كان لي
من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان بالليل والنهار ، وكنت
إذا دخلت عليه وهو يصلي يتنحنح لي)) رواه الإمام أحمد ، وابن
ماجه ، والنسائى بمعناه .
وأما ( النوع الثاني ) وهو ما يدل على المعنى طبعاً لا وضعاً فمنه
النفخ وفيه عن مالك وأحمد روايتان أيضاً :
(إحداهما ) لا تبطل ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وابن سيرين ،
وغيرهما من السلف ، وقول أبى يوسف وإسحق .
( والثانية ) أنها تبطل ، وهو قول أبى حنيفة ، ومحمد ، والثوري
والشافعي ، وعلى هذا فالمبطل فيه ما أبان حرفين .
وقد قيل عن أحمد : إن حكمه حكم الكلام ، وإن لم یین حرفين .
واحتجوا لهذا القول بما روى عن أم سلمة عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( من نفخ في الصلاة فقد تكلم)، رواه الخلال ؛
لكن مثل هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، فلا يعتمد عليه، لكن حكى
أحمد هذا اللفظ عن ابن عباس ، وفى لفظ عنه : النفخ فى الصلاة
کلام ، رواه سعيد فى سننه .
قالوا : ولأنه تضمن حرفين ، وليس هذا من جنس أذكار
٦١٨

الصلاة ، فأشبه القهقهة ، والحجة مع القول ، كما فى النحنحة ، والنزاع ،
كالنزاع ، فإن هذا لا يسمى كلاما في اللغة التى خاطبنا بها النبى صلى
الله عليه وسلم ، فلا يتناوله عموم النهي عن الكلام في الصلاة ، ولو
حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه الأمور ، ولو حلف ليتكلمن لم يبر بمثل
هذه الأمور ، والكلام لا بد فيه من لفظ دال على المعنى ، دلالة
وضعية ، تعرف بالعقل ، فأما مجرد الأصوات الدالة على أحوال
المصوتين ، فهو دلالة طبعية حسية ، فهو وإن شارك الكلام المطلق فى
الدلالة فليس كل ما دل منهياً عنه فى الصلاة ، كالإشارة فإنها تدل
وتقوم مقام العبارة ، بل تدل بقصد المشير ، وهي تسمى كلاما ، ومع
هذا لا تبطل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلموا عليه رد
عليهم بالإشارة ، فعلم أنه لم ينه عن كل ما يدل ويفهم ، وكذلك إذا
قصد التنبيه بالقرآن والتسبيح جاز كما دلت عليه النصوص .
ومع هذا فلما كان مشروعا فى الصلاة لم يبطل ، فإذا كان قد قصد
إفهام المستمع ومع هذا لم تبطل ، فكيف بما دل بالطبع ، وهو لم
يقصد به إفهام أحد ، ولكن المستمع يعلم منه حاله ، كما يعلم ذلك من
حركته ، ومن سكونه ، فإذا رآء يرتعش أو يضطرب أو يدمع أو
يبتسم على حاله، وإنما امتاز هذا بأنه من نوع الصوت ، هذا لو لم
يرد به سنة، فكيف وفى المسند عن المغيرة بن شعبة (( أن النبي صلى
٦١٩

الله عليه وسلم كان فى صلاة الكسوف ، فجعل ينفخ ، فلما انصرف
قال : إن النار أدنيت منى حتى نفخت حرها عن وجهي » . وفى المسند
وسنن أبى داود عن عبد الله بن عمرو ((أن النبي صلى الله عليه وسلم فى صلاة
كسوف الشمس نفخ فى آخر سجوده ، فقال : أف أف أف ، رب!
ألم تعدنى أن لا تعذبهم وأنا فيهم))؟! وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا
بأنه محمول على أنه فعله قبل تحريم الكلام ، أو فعله خوفاً من الله،
أو من النار . قالوا : فإن ذلك لا يبطل عندنا ، نص عليه أحمد .
كالتأوه والأنين عنده، والجوابان ضعيفان :
( أما الأول ) فإن صلاة الكسوف كانت في آخر حياة النبى
صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم، وإبراهيم كان من مارية
القبطية ، ومارية أهداها له المقوقس ، بعد أن أرسل إليه المغيرة، وذلك بعد
صلح الحديبية فإنه بعد الحديبية أرسل رسله إلى الملوك، ومعلوم أن الكلام
حرم قبل هذا باتفاق المسلمين ، لاسيما وقد أنكر جمهور العلماء على
من زعم أن قصة ذي اليدين كانت قبل تحريم الكلام ؛ لأن أبا
هريرة شهدها ، فكيف يجوز أن يقال بمثل هذا فى صلاة الكسوف ،
بل قد قيل : الشمس كسفت بعد حجة الوداع ، قبل موته صلى الله
عليه وسلم بقليل .
وأما كونه من الخشية : ففيه أنه نفخ حرها عن وجهه ، وهذا
نفخ لدفع ما يؤذي من خارج ، كما ينفخ الإنسان فى المصباح ليطفئه ،
٦٢٠