Indexed OCR Text

Pages 481-500

وفي الصحيح أيضاً أنه أمر بهذا الدعاء بعد التشهد، وكذلك في
الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد قبل السلام: ((اللهم اغفر لي
ما قدمت ، وما أخرت ، وما أسررت ، وما أعلنت ، وما أنت أعلم
به مني ، أنت المقدم ، وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت )) وفى الصحيح
أن أبا بكر قال: يا رسول الله! علمنى دعاء أدعو به فى صلانى. فقال:
((قل اللهم إنى ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر
لي مغفرة من عندك، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم)) .
وفي الصحيح أحاديث غير هذه ، أنه كان يدعو بعد التشهد وقبل
السلام ، وكان يدعو فى سجوده ، وفى رواية كان يدعو إذا رفع رأسه
من الركوع ، وكان يدعو فى افتاح الصلاة ، ولم يقل أحد عنه أنه
كان هو والمأمومون يدعون بعد السلام، بل كان يذكر الله
بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير ، كما جاء فى الأحاديث الصحيحة ،
والله أعلم .
وسل
عمن قال : لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسماً ، ولا يقول:
يا حنان ! يامنان! ولا يقول: يا دليل الحارين! فهل له أن يقول ذلك ؟.
٤٨١

فأجاب: الحمد لله. هذا القول وإن كان قد قاله طائفة من المتأخرين
كأبى محمد بن حزم وغيره ؛ فإن جمهور العلماء على خلافه ، وعلى ذلك
مضى سلف الأمة وأئمتها ، وهو الصواب لوجوه :
( أحدها ) أن التسعة والتسعين اسماً لم يرد في تعيينها حديث صحيح
عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وأشهر ما عند الناس فيها حديث الترمذي
الذي رواه الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبى حمزة، وحفاظ أهل الحديث
يقولون : هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل
الحديث ، وفيها حديث ثان أضعف من هذا . رواه ابن ماجه . وقد
روى فى عددها غير هذين النوعين من جمع بعض السلف .
وهذا القائل الذي حصر أسماء الله فى تسعة وتسعين لم يمكنه
استخراجها من القرآن ، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم
يمكن أن يقال هي التى يجوز الدعاء بها دون غيرها ؛ لأنه لا سبيل
إلى تميز المأمور من المحظور ، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون
من المأمور ، ويمكن أن يكون من المحظور ، وإن قيل : لا تدعوا إلا
باسم له ذكر فى الكتاب والسنة ، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين.
( الوجه الثانى ) : أنه إذا قيل تعيينها على ما فى حديث الترمذي
مثلا ، ففي الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث ، مثل اسم
٤٨٢

((الرب)) فإنه ليس فى حديث الترمذي، وأكثر الدعاء المشروع إنما
هو بهذا الاسم ، كقول آدم: (رَبَّنَاظَمْنَا أَنْفُسَنَا). وقول نوح :
وقول إبراهيم :
(رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَالَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ)
(رَبِّ إِنِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى
( رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلِوَلِدَىَّ) وقول موسى :
(اَللَّهُمَ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةٌ مِّنَ السَّمَآءِ)
فَاغْفِرْلِ ) وقول المسيح :
وأمثال ذلك . حتى إنه يذكر عن مالك وغيره أنهم كرهوا أن يقال
يا سيدي ! بل يقال: يا رب ! لأنه دعاء النبيين، وغيرهم ، كما ذكر
الله فى القرآن .
وكذلك اسم « المنان)) ففى الحديث الذي رواه أهل السنن أن
النبي صلى الله عليه وسلم سمع داعياً يدعو: اللهم إنى أسألك بأن لك الملك،
أنت الله المنان، بديع السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام!
يا حي! ياقيوم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد دعا الله
باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ، وهذا
رد لقول من زعم أنه لا يمكن في أسمائه المنان .
وقد قال الإمام أحمد - رضى الله عنه - لرجل ودعه ، قل :
يا دليل الحائرين دلنى على طريق الصادقين، واجعلنى من عبادك الصالحين.
وقد أنكر طائفة من أهل الكلام : كالقاضى أبى بكر ، وأبى الوفاء
ابن عقيل ، أن يكون من أسمائه الدليل ؛ لأنهم ظنوا أن الدليل هو
٤٨٣

الدلالة التى يستدل بها، والصواب ما عليه الجمهور ؛ لأن الدليل فى
الأصل هو المعرف للمدلول، ولو كان الدليل ما يستدل به ، فالعبد يستدل
به أيضاً ، فهو دليل من الوجهين جميعاً .
وأيضاً فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: ((إن الله وتر يحب الوتر)). وليس هذا الاسم في هذه التسعة
والتسعين ، وثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((إن الله جميل يحب
الجمال)) وليس هو فيها. وفي الترمذي وغيره أنه قال: ((إن الله
نظيف يحب النظافة)) وليس هذا فيها ، وفى الصحيح عنه أنه قال :
((ان الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) وليس هذا فيها . ونتبع
هذا يطول .
ولفظ التسعة والتسعين المشهورة عند الناس في الترمذي : الله .
الرحمن . الرحيم . الملك . القدوس . السلام . المؤمن . المهيمن .
العزيز . الجبار . المتكبر. الخالق . البارئ المصور . الغفار . القهار.
الوهاب . الرزاق . الفتاح . العليم . القابض . الباسط . الخافض .
الرافع. المعز . المذل. السميع. البصير. الحكم . العدل. اللطيف.
الخبير . الحليم . العظيم. الغفور. الشكور. العلي. الكبير. الحفيظ.
المقيت . الحسيب . الجليل . الكريم. الرقيب. المجيب. الواسع
الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي
٤٨٤

المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي
القيوم . الواجد . الماجد . الأحد - ويروى الواحد - الصمد
القادر. المقتدر. المقدم . المؤخر . الأول. الآخر . الظاهر . الباطن .
الوالي . المتعالي. البر. التواب. المنتقم. العفو. الرءوف. مالك الملك
ذو الجلال والإكرام . المقسط. الجامع. الغنى. المغنى. المعطي. المانع .
الضار . النافع . النور . الهادي . البديع . الباقى . الوارث. الرشيد.
الصبور . الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)».
ومن أسمائه التى ليست فى هذه التسعة والتسعين اسما : السبوح،
وفى الحديث عن النى صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((سبوح
قدوس)) واسمه ((الشافى)) كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول: ((أذهب
الباس رب الناس، واشف أنت الشافى ، لا شافى إلا أنت شفاء لا يغادر
سقما)) وكذلك أسماؤه المضافة مثل : أرحم الراحمين ، وخير الغافرين ،
ورب العالمين ، ومالك يوم الدين ، وأحسن الخالقين ، وجامع الناس
ليوم لا ريب فيه ، ومقلب القلوب ، وغير ذلك مما ثبت فى الكتاب
والسنة، وثبت الدعاء بها بإجماع المسلمين ، وليس من هذه
التسعة والتسعين .
الوجه الثالث: ما احتج به الخطابى وغيره ، وهو حديث ان
مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((ما أصاب عبداً قط
٤٨٥

ثم ولا حزن فقال: ((اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك،
ناصيتي بيدك ، ماض فى حكمك ، عدل فى قضاؤك ، أسألك بكل
اسم هو لك ، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته
أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم في الغيب عندك ، أن تجعل
القرآن العظيم ربيع قلبي ، وشفاء صدري ، وجلاء حزنى ، وذهاب
غمي وهمي)) إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا)) قالوا:
يا رسول الله! أفلا نتعلمهن؟ قال: ((بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن))
رواه الإمام أحمد فى المسند ، وأبو حاتم ابن حبان فى صحيحه .
قال الخطابي وغيره : فهذا يدل على أن له أسماء استأثر بها ،
وذلك يدل على أن قوله: ((إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها
دخل الجنة ، معناه أن في أسمائه تسعة وتسعين من أحصاها دخل
الجنة ، كما يقول القائل: إن لي ألف درهم أعددتها للصدقة ، وإن
كان ماله أكثر من ذلك .
فأمر
والله في القرآن قال: (وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)
أن يدعى بأسمائه الحسنى مطلقاً، ولم يقل: ليست أسماؤه الحسنى إلا
تسعة وتسعين اسماً ، والحديث قد سلم معناه ، والله أعلم.
٤٨٦

وسئل رحمه اللّه
عن رجل قال : إذا دعا العبد لا يقول : يا ألله ! يا رحمن!؟
فأجاب : الحمد لله، لا خلاف بين المسلمين أن العبد إذا دعا ربه
يقول : يا الله ! يا رحمن ! وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ،
(قُلِ أَدْعُواْاللَّهُ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنْ أَيَّأُ مَّاتَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ
كما قال تعالى :
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فى دعائه: «يا الله
الْمُسْنَى )
يا رحمن)) فقال المشركون : محمد ينهانا أن ندعو إلهين ، وهو يدعو
إلهين، فقال الله تعالى: (قُلِ أَدْعُواْاللَّهَ أَوِ ادْعُواْالرَّحْمَنَ أَيَّ مَّاتَدْ عُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ
اَلْمُسْنَى )
أي المدعو إله واحد ، وإن تعددت
أسماؤه، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَأَدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيّ
أَسْمَِّهِ ) .
ومن أنكر أن يقال: يا ألله يا رحمن ، فإنه يستتاب ، فإن تاب
وإلا قتل ، والله أعلم .
٤٨٧

وسل
عن امرأة سمعت في الحديث ((اللهم إنى عبدك ، وابن عبدك،
ناصيتي بيدك)) إلى آخره فداومت على هذا اللفظ ، فقيل لها: قولي :
اللهم إنى أمتك ، بنت أمتك، إلى آخره. فأبت إلا المداومة على
اللفظ ، فهل هي مصيبة أم لا ؟
فأجاب : بل ينبغي لها أن تقول : اللهم إنى أمتك ، بنت عبدك ،
ابن أمتك ، فهو أولى وأحسن . وإن كان قولها : عبدك ابن عبدك
له مخرج فى العربية ، كلفظ الزوج، والله أعلم.
وسئل
عن رجل دعا دعاء ملحوناً ، فقال : له رجل ما يقبل الله
دعاء ملحوناً ؟
فأجاب : من قال هذا القول فهو آثم مخالف للكتاب والسنة ،
ولما كان عليه السلف، وأما من دما اللّه مخلصاً له الدين بدعاء جائز سمعه
٤٨٨

الله، وأجاب دعاءه سواء كان معربا أو ملحوناً، والكلام المذكور لا أصل
له ؛ بل ينبغي للداعى إذا لم تكن عادته الإعراب أن لا يتكلف الإعراب،
قال بعض السلف : إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع ، وهذا كما بكره
تكلف السجع فى الدعاء ، فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس به ، فإن
أصل الدعاء من القلب ، واللسان تابع للقلب .
ومن جعل همته فى الدعاء تقويم لسانه ، أضعف توجه قلبه ،
ولهذا يدعو المضطر بقلبه دعاء يفتح عليه ، لا يحضره قبل ذلك ،
وهذا أمر يجده كل مؤمن فى قلبه . والدعاء يجوز بالعربية ، وبغير
العربية ، والله سبحانه يعلم قصد الداعى ، ومراده ، وإن لم يقوم لسانه
فإنه يعلم ضجيج الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تنوع الحاجات .
وقال رحمه الله :
فصل
وأما السلام من الصلاة : فالمختار عند مالك ومن تبعه من أهل
المدينة تسليمة واحدة فى جميع الصلاة ، فرضها ونفلها ، المشتملة على
الأركان الفعلية ، أو على ركن واحد ..
٤٨٩

وعند أهل الكوفة : تسليمتان ، في جميع ذلك ، ووافقهم الشافعي .
والمختار فى المشهور عن أحمد : أن الصلاة الكاملة المشتملة على
قيام وركوع وسجود يسلم منها تسليمتان ، وأما الصلاة بركن واحد ،
كصلاة الجنائر ، وسجود التلاوة ، وسجود الشكر: فالمختار فيها تسليمة
واحدة ، كما جاءت أكثر الآثار بذلك .
فالخروج من الأركان الفعلية المتعددة بالتسليم المتعدد ، ومن الركن
الفعلي المفرد بالتسليم المفرد ؛ فإن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت
معتدلة ، فما طولها أعطى كل جزء منها حظه من الطول ، وما خففها
أدخل التخفيف على عامة أجزائها .
وسل
عن رجل : إذا سلم عن يمينه يقول : السلام عليكم ورحمة اللّه،
أسألك الفوز بالجنة . وعن شماله: السلام عليكم ، أسألك النجاة من
النار ، فهل هذا مكروه أم لا؟ فإن كان مكروهاً، فما الدليل
على كراهته ؟
فأجاب: الحمد لله، نعم ! يكره هذا؛ لأن هذا بدعة ، فإن هذا
٤٩٠

لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا استحبه أحد من العلماء
وهو إحداث دعاء في الصلاة في غير محله ، يفصل بأحدهما بين
التسليمتين ، ويصل التسليمة بالآخر ، وليس لأحد فصل الصفة المشروعة
بمثل هذا ، كما لو قال : سمع الله لمن حمده أسألك الفوز بالجنة ، ربنا
ولك الحمد أسألك النجاة من النار ، وأمثال ذلك ، والله أعلم .
٤٩١

باب الذكر بعد الصلاة
وسئل رحمه اللّه
عن حديث عقبة بن عامر، قال: ((أمرنى رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة)) وعن أبي أمامة قال:
(( قيل : يا رسول الله! أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الأخير
ودبر الصلوات المكتوبة )) وعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أخذ بيده فقال: ((يا معاذ! والله إنى لأحبك ، فلا تدعن
فى دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك )) فهل هذه الأحاديث تدل على أن الدعاء بعد الخروج من الصلاة
سنة . أفتونا وابسطوا القول فى ذلك مأجورين ؟
فأجاب : الحمد لله رب العالمين. الأحاديث المعروفة في الصحاح
والسنن والمساند تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو فى
دير صلاته قبل الخروج منها ، وكان يأمر أصحابه بذلك ويعلمهم
ذلك ، ولم ينقل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس
يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعاً لا فى الفجر ، ولا
فى العصر ، ولا فى غيرهما من الصلوات بل قد ثبت عنه أنه كان
٤٩٢

يستقبل أصحابه، ويذكر الله ويعلمهم ذكر الله عقيب الخروج
من الصلاة .
ففي الصحيح (( أنه كان قبل أن ينصرف يستغفر ثلاثاً، ويقول :
((اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت ياذا الجلال والإكرام)»
وفى الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة أنه كان يقول: ((لا إله
إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك
الجد)). وفي الصحيح من حديث ابن الزبير (( أن النبى صلى الله عليه
وسلم كان يهلل بهؤلاء الكلمات : لا إله الا الله وحده لا شريك له
له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة
إلا بالله ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه له النعمة ، وله الفضل،
وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولوكره الكافرون)
وفي الصحيح عن ابن عباس: (( أن رفع الناس أصواتهم بالذكر
كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم )) . وفي لفظ كنا نعرف
انقضاء صلاته بالتكبير .
والأذكار التى كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلمها المسلمين
عقيب الصلاة أنواع :
٤٩٣

أحدها: (( أنه يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين ،
ويكبر ثلاثاً وثلاثين . فتلك تسع وتسعون ويقول تمام المائة : لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير )). رواه مسلم في صحيحه .
والثانى: يقولها خمساً وعشرين، ويضم إليها ((لا إله إلا الله))
وقد رواه مسلم .
والثالث : يقول : الثلاثة ثلاثاً وثلاثين ، وهذا على وجهين :
أحدهما : أن يقول كل واحدة ثلاثاً وثلاثين .
والثانى : أن يقول كل واحدة إحدى عشرة مرة ، والثلاث
والثلاثون فى الحديث المتفق عليه في الصحيحين .
والخامس : يكبر أربعاً وثلاثين ليتم مائة .
والسادس : يقول : الثلاثة عشراً عشراً . فهذا هو الذي مضت
به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك مناسب لأن المعلي
يناجي ربه . فدعاؤه له، ومسألته إياه ، وهو يناجيه أولى به من مسألته
ودعائه بعد انصرافه عنه .
٤٩٤

وأما الذكر بعد الانصراف، فكما قالت عائشة - رضي الله
عنها - هو مثل مسح المرآة بعد صقالها، فإن الصلاة نور، فهي
تصقل القلب كما تصقل المرآة، ثم الذكر بعد ذلك بمنزلة مسح المرآة، وقد
قال الله تعالى: (فَإِذَافَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ) قيل: إذا فرغت
من أشغال الدنيا فانصب فى العبادة ، وإلى ربك فارغب . وهذا أشهر
القولين . وخرج شريح القاضي على قوم من الحاكمة يوم عيد وهم يلعبون
فقال : مالكم تلعبون ؟ قالوا : إنا تفرغنا ، قال : أو بهذا أمر الفارغ ؟
وتلا قوله تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب ).
(يَّأَيُّهَا الْمُزّمِّلُ * قُ الَّيْلَ إِلََّقَلِيلًا )
ويناسب هذا قوله تعالى :
إلى قوله :
( إِنَّ نَاشِئَةَ آلَّلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً * إِنَّلَكَ فِى
النَّارِ سَبْحَاطَوِيلًا ) أي ذهاباً ومجيئاً، وبالليل تكون فارغا. وناشئة
الليل فى أصح القولين : إنما تكون بعد النوم ، يقال نشأ إذا قام بعد
النوم ؛ فإذا قام بعد النوم كانت مواطأة قلبه للسانه أشد لعدم ما يشغل
القلب ، وزوال أثر حركة النهار بالنوم، وكان قوله (أَقْوُ ) .
وقد قيل: (فَإِذَا فَرَغْتَ ) من الصلاة (فَأَنْصَبْ ) فى الدعاء،
وهذا القول سواء كان صحيحاً أو لم يكن .
( وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب ).
فإنه يمنع الدعاء فى آخر الصلاة ، لاسيما والنبى صلى الله عليه وسلم
هو المأمور بهذا ، فلا بد أن يمتثل ما أمره الله به .
٤٩٥

ودعاؤه فى الصلاة المنقول عنه فى الصحاح وغيرها إنما كان قبل
الخروج من الصلاة ، وقد قال لأصحابه فى الحديث الصحيح ((إذا
تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع . يقول : اللهم إنى أعوذ بك
من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والمات ، ومن فتنة
المسيح الدجال »
وفي حديث ابن مسعود الصحيح لما ذكر التشهد قال: (( ثم
ليتخير من الدعاء أعجبه إليه )) وقد روت عائشة وغيرها دعاءه فى صلاته.
بالليل ، وأنه كان قبل الخروج من الصلاة .
فقول من قال : إذا فرغت من الصلاة فانصب فى الدعاء ، بشبه
قول من قال فى حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد ، فإذا فعلت
ذلك فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن
تقعد فاقعد . وهذه الزيادة سواء كانت من كلام النبي صلى الله عليه
وسلم، أو من كلام من أدرجها فى حديث ابن مسعود ، كما يقول
ذلك من ذكره من أئمة الحديث . ففيها أن قائل ذلك جعل ذلك
قضاء للصلاة ، فهكذا جعله هذا المفسر فراغا من الصلاة ، مع أن
تفسير قوله : (فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ ) أي فرغت من الصلاة قول
ضعيف ، فإن قوله : إذا فرغت مطلق ولأن الفارغ إن أريد به
الفارغ من العبادة ، فالدعاء أيضاً عبادة ، وإن أريد به الفراغ من
٤٩٦

أشغال الدنيا بالصلاة ، فليس كذلك .
يوضح ذلك أنه لا نزاع بين المسلمين أن الصلاة بدعى فيها ، كما
كان النى صلى الله عليه وسلم يدعو فيها، فقد ثبت عنه فى الصحيح
أنه كان يقول فى دماء الاستفتاح : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما
باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب
الأبيض من الدنس ، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)»
وأنه كان يقول: ((اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت . أنت ربي وأنا
عبدك ، ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبى ، فاغفر لي ذنوبي جميعاً ، فإنه
لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدنى لأحسن الأخلاق ، فإنه لا يهدى
لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عني سيئها
إلا أنت )).
وثبت عنه فى الصحيح أنه كان يدعو إذا رفع رأسه من الركوع،
وثبت عنه الدعاء في الركوع والسجود، سواء كان فى النفل أو فى الفرض
وتواتر عنه الدعاء آخر الصلاة . وفى الصحيحين أن أبا بكر الصديق
- رضي الله عنه - قال : يارسول الله! علّمنى دعاء أدعو به فى صلانى
فقال: ((قل : اللهم إنى ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ، ولا يغفر الذنوب
إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم
فإذا كان الدعاء مشروعا فى الصلاة لا سيما فى آخرها ، فكيف يقول :
٤٩٧

إذا فرغت من الصلاة فانصب فى الدعاء ، والذي فرغ منه هو نظير
الذي أمر به ، فهو فى الصلاة كان ناصبا فى الدعاء ، لا فارغا . ثم إنه
لم يقل مسلم إن الدعاء بعد الخروج من الصلاة يكون أوكد وأقوى
منه فى الصلاة ، ثم لو كان قوله: ( فانصب ) فى الدعاء، لم يحتج إلى
قوله: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب ) فإنه قد علم أن الدعاء إنما يكون لله .
فعلم أنه أمره بشيئين: أن يجتهد فى العبادة عند فراغه من أشغاله،
وأن تكون رغبته إلى ربه لا إلى غيره كما فى قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيرُ) فقوله : إياك نعبد، موافق لقوله فانصب. وقوله: ( وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِيرُ ) موافق لقوله: (وَإِلَى رَبِّكَ فَرْغَب )، ومثله قوله (فَأَعْبُدُهُ
وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقوله: (هُوَرَبِ لَآ إِلَهَإِلََّّهُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ )
وقول شعيب عليه السلام: (عَلَيْهِتَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ومنه الذي
يروى عند دخول المسجد: (( اللهم اجعلنى من أوجه من توجه إليك ،
وأقرب من تقرب إليك، وأفضل من سألك ورغب إليك))، والأثر
الآخر وإليك الرغباء والعمل ، وذلك أن دعاء الله المذكور فى القرآن
نوعان : دعاء عبادة، ودعاء مسألة ورغبة، فقوله: ( فَأَنْصَبْ * وَإِلَى
رَبِّكَ فَأْغَب ) يجمع نوعى دعاء الله، قال تعالى: (وَأَنَّهُ وَ قَامَ عَبْدُ الَّهِ
وقال تعالى: (وَمَن يَدّعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا
يَدْعُوهُ كَادُ واْيَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا )
ءَآخَرَلَا بُرْهَاَ لَهُرِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَرَبِّهِ ) الآية ونظاره كثيرة.
٤٩٨

وأما لفظ ((دبر الصلاة)) فقد يراد به آخر جزء منه، وقد يراد
به ما يلي آخر جزء منه. كما فى دبر الإنسان فإنه آخر جزء منه، ومثله
لفظ ((العقب)) قد يراد به الجزء المؤخر من الشيء، كعقب الإنسان
وقد يراد به ما يلي ذلك . فالدعاء المذكور فى دبر الصلاة إما أن يراد
به آخر جزء منها ليوافق بقية الأحاديث ، أو يراد به ما يلي آخرها ،
ويكون ذلك ما بعد التشهد كما سمى ذلك قضاء للصلاة وفراغا منها
حيث لم يبق إلا السلام المنافى للصلاة ؛ بحيث لو فعله عمداً في الصلاة
بطلت صلاته ، ولا تبطل سائر الأذكار المشروعة فى الصلاة ، أو يكون
مطلقا أو مجملا . وبكل حال فلا يجوز أن يخص به ما بعد السلام ؛
لأن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل ذلك ولا يجوز أن يشرع سنة
بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة بالألفاظ الصريحة .
والناس لهم فى هذه فيما بعد السلام ثلاثة أحوال :
منهم من لا يرى قعود الإمام مستقبل المأموم لا بذكر ولا دعاء
ولا غير ذلك ، وحجتهم ما يروى عن السلف أنهم كانوا يكرهون
للإمام أن يستديم استقبال القبلة بعد السلام ، فظنوا أن ذلك
يوجب قيامه من مكانه ، ولم يعلموا أن انصرافه مستقبل
المأمومين بوجهه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل يحصل هذا المقصود
٤٩٩

وهذا يفعله من يفعله من أصحاب مالك .
ومنهم من يرى دعاء الإمام والمأموم بعد السلام ، ثم منهم من
يرى ذلك في الصلوات الخمس ، ومنهم من يراه فى صلاة الفجر والعصر
كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب الشافعي وأحمد، وغيرهم ، وليس
مع هؤلاء بذلك سنة، وإنما غايتهم التمسك بلفظ مجمل ، أو بقياس ، كقول
بعضهم ما بعد الفجر والعصر ليس بوقت صلاة ، فيستحب فيه الدعاء ،
ومن المعلوم أن ما تقدمت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
الثابتة الصحيحة ، بل المتواترة لا يحتاج فيه إلى مجمل ، ولا إلى قياس .
وأما قول عقبة بن عامر: أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة ، فهذا بعد الخروج منها .
وأما حديث أبي أمامة (( قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟
قال : جوف الليل الأخير ، ودبر الصلوات المكتوبة )) فهذا يجب أن
لا يخص ما بعد السلام، بل لا بد أن يتناول ما قبل السلام . وإن
قيل : أنه يعم ما قبل السلام وما بعده ، لكن ذلك لا يستلزم أن
يكون دعاء الإمام والمأموم جميعاً بعد السلام سنة ، كما لا يلزم مثل
ذلك قبل السلام ، بل إذا دعا كل واحد وحده بعد السلام ، فهذا
لا يخالف السنة . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل :
٥٠٠