Indexed OCR Text
Pages 461-480
( والثانية ): هن من أهل بيته، لهذا الحديث فإنه قال: ((وعلى (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أزواجه وذريته )) وقوله : أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) وقوله فى قصة إبراهيم: (رَحْمَتُ اْللَّهِ وَبَرَكَنُهُ. عَلَيْكُمْ أَهْلَ اَلْبَيْتِ ) وقد دخلت سارة، ولأنه استثنى امرأة لوط من آله فدل على دخولها فى الآل ، وحديث الكساء يدل على أن عليا وفاطمة وحسنا وحسيناً أحق بالدخول فى أهل البيت من غيرم ، كما أن قوله في المسجد المؤسس على التقوى: ((هو مسجدى هذا)) يدل على أنه أحق بذلك ، وأن مسجد قباء أيضاً مؤسس على التقوى ؛ كما دل عليه نزول الآية وسياقها، وكما أن أزواجه داخلات فى آله وأهل بيته ، كما دل عليه نزول الآية وسياقها، وقد تبين أن دخول أزواجه فى آل بيته أصح ، وإن كان مواليهن لا يدخلون فى موالي آله بدليل الصدقة على بريرة مولاة عائشة ، ونهيه عنها أبا رافع مولى العباس ، وعلى هذا القول فآل المطلب هل ثم من آله ومن أهل بيته الذين تحرم عليهم الصدقة ؟ على روايتين عن أحمد . ( إحداها ) : أنهم منهم ، وهو قول الشافعي . ( والثانية ) : ليسوا منهم ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك . ( والقول الثانى ) أن آل محمد م أمته أو الأتقياء من أمته ، وهذا ٤٦١ روى عن مالك إن صح، وقاله طائفة من أصحاب أحمد ، وغيرم . وقد يحتجون على ذلك بما روى الخلال ، وتمام هذه أنه سئل عن آل محمد فقال: ((كل مؤمن تقي )) وهذا الحديث موضوع لا أصل له . والمقصود هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال أحيانا (وعلى آل محمد)) وكان يقول أحيانا: ((وعلى أزواجه وذريته، فمن قال أحدهما، أو هذا نارة وهذا نارة، فقد أحسن . وأما من جمع بينهما فقد خالف السنة . ثم إنه فاسد من جهة العقل أيضا ، فإن أحد اللفظين بدل عن الآخر ، فلا يجمع بين البدل والمبدل ، ومن تدبر ما يقول وفهمه علم ذلك . وأما الحكم فى ذلك فيقال : لفظ آل فلان إذا أطلق فى الكتاب والسنة دخل فيه فلان، كما في قوله: (إِنَّاللَّهَ اصْطَفَىْ ءَآدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ) وقوله: (إِلَّءَالَ لُوطٍ فَجَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ) وقوله: (أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّالْعَذَابِ) وقوله: (سَلَمُّ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ) ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم صل على آل أبى أوفى)). وكذلك لفظ: ((أهل البيت)) كقوله تعالى: (رَحْمَتُ اٌللَّهِ وَبَرَكَنُهُ. عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) فإن إبراهيم داخل فيهم، وكذلك قوله: ((من سره ٤٦٢ أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: ((اللهم صل على محمد النبى)) الحديث، وسبب ذلك أن لفظ ((الآل)) أصله أول ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فقيل: آل ، ومثله باب ، وناب. وفى الأفعال قال وعاد ، ونحو ذلك ، ومن قال أصله أهل فقلبت الهاء ألفا فقد غلط ؛ فإنه قال مالا دليل عليه ، وادعى القلب الشاذ بغير حجة ، مع مخالفته للأصل . وأيضاً فإن لفظ الأهل يضيفونه إلى الجماد ، وإلى غير المعظم . كما يقولون : أهل البيت ، وأهل المدينة ، وأهل الفقير ، وأهل المسكين وأما الآل فإنما يضاف إلى معظم من شأنه أن يؤول غيره، أو يسوسه فيكون مآله إليه ، ومنه الإيالة : وهي السياسة فآل الشخص هم من يؤوله ، ويؤول إليه، ويرجع إليه ، ونفسه هي أول وأولى من بسوسه، ويؤول إليه ؛ فلهذا كان لفظ آل فلان متنا ولا له ، ولا يقال هو مختص به ، بل يتناوله ويتناول من يؤوله ، فلهذا جاء فى أكثر الألفاظ ((كما صليت على آل إبراهيم ، وكما باركت على آل إبراهيم )) وجاء في بعضها (( إبراهيم)) نفسه، لأنه هو الأصل فى الصلاة والزكاة، وسأر أهل بيته ، إنما يحصل لهم ذلك تبعا . وجاء فى بعضها ذكر هذا ، وهذا تنبيها على هذين . فإن قيل: فلم قيل: ((صل على محمد وعلى آل محمد ، وبارك ٤٦٣ على محمد وآل محمد ، فذكر هنا محمدا وآل محمد ، وذكر هناك لفظ (((آل إبراهيم، أو إبراهيم)). ( قيل ) : لأن الصلاة على محمد وعلى آله ذكرت فى مقام الطلب والدعاء ، وأما الصلاة على إبراهيم ففي مقام الخبر والقصة؛ إذ قوله: على محمد وعلى آل محمد)) جملة طلبية، وقوله ((صليت على آل إبراهيم)) جملة خبرية ، والجملة الطلبية إذا بسطت كان مناسبا ؛ لأن المطلوب يزيد بزيادة الطلب ، وينقص بنقصانه . وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وانقضى ، لا يحتمل الزيادة والنقصان ، فلم يكن في زيادة اللفظ زيادة المعنى ، فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأتم وأحسن ؛ ولهذا جاء بلفظ آل إبراهيم تارة، وبلفظ إبراهيم أخرى؛ لأن كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر، وهو الصلاة التى وقعت ومضت ، إذ قد على أن الصلاة على إبراهيم التى وقعت هي الصلاة على آل إبراهيم ، والصلاة على آل إبراهيم صلاة على إبراهيم ، فكان المراد باللفظين واحدا مع الإيجاز والاختصار . وأما في الطلب، فلو قيل: ((صل اللهم على محمد)) لم يكن فى هذا ما يدل على الصلاة على آل محمد ، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ليس خبرا عن أمر قد وقع واستقر ، ولو قيل : صل على ٤٦٤ آل محمد ، لكان إنما يصلى عليه فى العموم . فقيل : على محمد وعلى آل محمد ، فإنه يحصل بذلك الصلاة عليه بخصوصه، وبالصلاة على آله. ثم إن قيل: إنه داخل فى آله مع الاقتران ، كما هو داخل مع الإطلاق ، فقد صلى عليه مرتين خصوصاً وعموماً ، وهذا ينشأ على قول من يقول : العام المعطوف على الخاص بتناول الخاص . ولو (قيل): إنه لم يدخل لم يضر؛ فإن الصلاة عليه خصوصا تغنى. وأيضاً ففي ذلك بيان أن الصلاة على سائر الآل إنما طلبت تبعا له وأنه هو الأصل الذي بسببه طلبت الصلاة على آله، وهذا يتم بجواب السؤال المشهور، وهو أن قوله: ((كما صليت على إبراهيم)) يشعر بفضيلة إبراهيم ، لأن المشبه دون المشبه به ، وقد أجاب الناس عن ذلك بأجوبة ضعيفة . فقيل: التشبيه عائد إلى الصلاة على الأول فقط، فقوله: ((صل على محمد)) كلام منقطع، وقوله: ((وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم)» كلام مبتدأ ، وهذا نقله العمراني عن الشافعي ، وهذا باطل عن الشافعي قطعاً لا يليق بعلمه وفصاحته ؛ فإن هذا كلام ركيك فى غاية البعد ، وفيه من جهة العربية بحوث لا تليق بهذا الموضع . ٤٦٥ الثانى: قول من منع كون المشبه به أعلى من المشبه ، وقال : يجوز أن يكونا متماثلين ، قال صاحب هذا القول : والنبي صلى الله عليه وسلم يفضل على إبراهيم من وجوه غير الصلاة ، وهما متماثلان فى الصلاة ، وهذا أيضاً ضعيف ؛ فإن الصلاة من اللّه من أعلى المراتب، أو أعلاها ، ومحمد أفضل الخلق فيها ، فكيف وقد أمر الله بها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه . وأيضاً فالله وملائكته يصلون على معلم الخير ، وهو أفضل معلمي الخير ، والأدلة كثيرة لا يتسع لها هذا الجواب . الثالث : قول من قال : آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس مثلهم فى آل محمد ، فإذا طلب من الصلاة مثلما صلى على هؤلاء حصل لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم ، فإنهم دون الأنبياء ، وبقيت الزيادة لمحمد صلى الله عليه وسلم فحصل له بذلك من الصلاة عليه مزية ليست لإبراهيم ، ولا لغيره ، وهذا الجواب أحسن مما تقدم. وأحسن منه أن يقال: محمد هو من آل إبراهيم ، كما روى علي (إِنَّاللَّهَ اصْطَفَى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فى قوله : ءَادَمَ وَنُوحَا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ) قال ابن عباس: محمد من آل إبراهيم . وهذا بين ؛ فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء فى آل إبراهيم ، فهو أحق بالدخول فيهم ، فيكون قولنا : كما صليت على آل ٤٦٦ إبراهيم متناولا للصلاة عليه ، وعلى سائر النبيين من ذرية آل إبراهيم . وقد قال تعالى: (وَجَعَلْنَافِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ )، ثم أمرنا أن نصلي على محمد ، وعلى آل محمد خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموما، ثم لأهل بيته من ذلك ما يليق بهم ، والباقي له ، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم . ومعلوم أن هذا أمر عظيم يحصل له به أعظم مما لإبراهيم وغيره ، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به ، وله نصيب وافر من المشبه ، وله أكثر المطلوب ، صار له من المشبه وحده أكثر مما لإبراهيم وغيره ، وإن كان جملة المطلوب مثل المشبه ، وانضاف إلى ذلك ماله من المشبه به ، فظهر بهذا من فضله على كل من النبيين ما هو اللائق به صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، وجزاء عنا أفضل ما جزى رسولا عن أمته . اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . ٤٦٧ وسئل رحمه اللّه عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هل الأفضل فيها سراً أم جهراً؟ وهل روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أزعجوا أعضاءكم بالصلاة علي )) أم لا؟ والحديث الذي يروى عن ابن عباس ((أنه أمم بالجهر ليسمع من لم يسمع)»؟ أفتونا مأجورين. فأجاب : أما الحديث المذكور فهو كذب موضوع ، باتفاق أهل العلم . وكذلك الحديث الآخر. وكذلك سائر ما يروى فى رفع الصوت بالصلاة عليه ، مثل الأحاديث التى يرويها الباعة لتنفيق السلع ، أو يرويها السؤال من قصاص وغيرهم لجمع الناس وجبايتهم ، ونحو ذلك . والصلاة عليه هي دعاء من الأدعية ، كما على النبى صلى الله عليه وسلم أمته حين قالوا : قد علمنا السلام عليك ، فكيف الصلاة عليك فقال: ((قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) أخرجاه فى الصحيحين . والسنة فى الدعاء كله المخافتة ، إلا أن يكون هناك سبب يشرع له الجهر ٤٦٨ قال تعالى: (أَدْعُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وقال تعالى عن زكريا : (إِذْنَادَى رَبَّهُ نِدَاءَ خَفِيًّا). بل السنة فى الذكر كله ذلك، كما قال تعالى: (وَأَذْكُرُرَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ ). وفى الصحيحين أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معه في سفر . فجعلوا يرفعون أصواتهم فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً قريباً ، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)) وهذا الذي ذكرناه في الصلاة عليه والدعاء ، مما اتفق عليه العلماء ، فكلهم يأمرون العبد إذا دعا أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما يدعو، لا يرفع صوته بالصلاة عليه أكثر من الدعاء ، سواء كان فى صلاة ، كالصلاة التامة ، وصلاة الجنازة، أو كان خارج الصلاة، حتى عقيب التلبية فإنه يرفع صوته بالتلبية ، ثم عقيب ذلك يصلي على النبى صلى الله عليه وسلم، ويدعو سراً، وكذلك بين تكبيرات العيد إذا ذكر الله، وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه وإن جهر بالتكبير لا يجهر بذلك . وكذلك لو اقتصر على الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم خارج الصلاة مثل أن يذكر فيصلي عليه ، فإنه لم يستحب أحد من أهل العلم رفع ٤٦٩ الصوت بذلك ، فقائل ذلك مخطئ مخالف لما عليه علماء المسلمين . وأما رفع الصوت بالصلاة أو الرضا الذي يفعله بعض المؤذنين قدام بعض الخطباء فى الجمع ، فهذا مكروه أو محرم ، باتفاق الأمة ، لكن منهم من يقول : يصلي عليه سراً ، ومنهم من يقول: يسكت ، والله أعلم . وسئل عمن بقول: ((اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من صلاتك شيء ، وبارك على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء ، وارحم محمداً وآل محمد حتى لا يبقى من رحمتك شيء ، وسلم على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من سلامك شيء))؟ أفتونا مأجورين . فأجاب: الحمد لله. ليس هذا الدعاء مأثوراً عن أحد من السلف. وقول القائل: حتى لا يبقى من صلاتك شيء، ورحمتك شيء - إن أراد به أن ينفد ما عند الله من ذلك: فهذا جاهل. فإن ما عند الله من الخير لا نفاد له ، وإن أراد أنه بدعائه معطيه جميع ما يمكن أن بعطاء : فهذا أيضاً جهل ، فإن دعاءه ليس هو السبب الممكن من ذلك . ٤٧٠ وسل S عن أقوام حصل بينهم كلام في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم منهم من قال : إنها فرض واجب في كل وقت ، ومن لا يعلي عليه بأتم، وقال بعضهم : هي فرض في الصلاة المكتوبة ، لأنها من فروض الصلاة ، وما عدا ذلك فغير فرض ؛ لكن موعود الذي يصلي عليه بكل مرة عشرة ؟ فأجاب : الحمد لله. مذهب الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين أنها واجبة فى الصلاة ، ولا تجب فى غيرها ، ومذهب أبي حنيفة، ومالك وأحمد فى الرواية الأخرى أنها لا تجب فى الصلاة . ثم من هؤلاء من قال : يجب فى العمر مرة ، ومنهم من قال : يجب فى المجلس الذي يذكر فيه ، والمسألة مبسوطة فى غير هذا الموضع ، والله أعلم . ٤٧١ وسل عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ، ومن صلى علي عشراً صلى الله عليه مائة، ومن صلى علي مائة صلى الله عليه ألف مرة ، ومن لم يصل علي يبقى فى قلبه حسرات ولو دخل الجنة)). إذا صلى العبد على الرسول صلى الله عليه وسلم يصلى الله على ذلك العبد أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، ثبت فى الصحيح عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً)) وفى السنن عنه أنه قال: « ما اجتمع قوم فى مجلس فلم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا فيه علي، إلا كان عليهم ترة يوم القيامة)). والترة التنغص والحسرة، والله أعلم. وسل هل يجوز أن يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم ، بأن يقال : اللهم صل على فلان ؟. ٤٧٢ فأجاب: الحمد لله. قد تنازع العلماء: هل لغير النبى صلى الله عليه وسلم أن يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم مفرداً ؟ على قولين : أحدهما : المنع ، وهو المنقول عن مالك ، والشافعي ، واختيار جدي أبى البركات . والثاني : أنه يجوز وهو المنصوص عن أحمد ، واختيار أكثر أصحابه : كالقاضى ، وابن عقيل ، والشيخ عبد القادر. واحتجوا بما روي عن علي أنه قال لعمر : صلى الله عليك . واحتج الأولون بقول ابن عباس : لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد ، إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهذا الذي قاله ابن عباس قاله لما ظهرت الشيعة ، وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره ، فهذا مكروه منهي عنه ، كما قال ابن عباس . وأما ما نقل عن علي : فإذا لم يكن على وجه الغلو وجعل ذلك شعاراً لغير الرسول ، فهذا نوع من الدعاء ، وليس في الكتاب والسنة ما يمنع منه ، وقد قال تعالى : ( هُوَالَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِّكَتُهُ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن الملائكة تصلي على أحدكم مادام ٤٧٣ فى مصلاء الذي صلى فيه ما لم يحدث )) وفي حديث قبض الروح : (( صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه)). ولا نزاع بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على غيره كقوله: (( اللهم صل على آل أبي أوفى)) وأنه يصلى على غيره تبعاً له، كقوله: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) والله أعلم. وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل المنصوص المشهور عن الإمام أحمد أنه لا يدعو فى الصلاة إلا بالأدعية المشروعة المأثورة ، كما قال الأثرم : قلت لأحمد بماذا أدعو بعد التشهد ؟ قال : بما جاء فى الخبر ، قلت له : أو ليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ثم ليتخير من الدعاء ما شاء))؟ قال: يتخير مما جاء في الخبر ، فعاودته ، فقال : ما فى الخبر . هذا معنى كلام أحمد . قلت : وقد بينت بعض أصل ذلك ، لقوله : ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ)، وأن الدعاء ليس كله جازاً، بل فيه عدوان محرم ، والمشروع ٤٧٤ لا عدوان فيه ، وأن العدوان يكون تارة في كثرة الألفاظ ، ونارة فى المعاني، كما قد فسر [أحد] (١) الصحابة ذلك إذ قال هذا لابنه لما قال: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها ، وقال الآخر : أسألك الجنة وقصورها ، وأنهارها ، وأعوذ بك من النار ، وسلاسلها وأغلالها . فقال : أي بنى ! سل الله الجنة ، ونعوذ به من النار ، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سيكون فى هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور)) والاعتداء يكون في العبادة وفى الزهد. وقول أحمد: بما جاء فى الخبر. حسن ، فإن اللام في الدعاء للدعاء الذي يحبه الله. ليس لجنس الدعاء ، فإن من الدعاء ما يحرم. فإن قيل : ما جاز من الدعاء خارج الصلاة جاز فى الصلاة ؛ مثل سؤاله : داراً ، وجارية حسناء . قيل : ومن قال : إن مثل هذا مشروع خارج الصلاة ، وإن مثل هذه الألفاظ ليست من العدوان ؟ وحينئذ فيقال : الدعاء المستحب هو الدعاء المشروع . فإن الاستحباب إنما يتلقى من الشارع فما لم يشرعه لا يكون مستحباً، بل يكون شرع من الدين ما لم يأذن به الله ، فإن الدعاء من أعظم الدين ، لكن إذا دعا بدعاء لم يعلم أنه مستحب ، أو علم أنه جاز غير مستحب : لم تبطل صلاته بذلك ؛ فإن الصلاة إنما تبطل بكلام الآدميين ، والدعاء ليس من جنس كلام الآدميين ؛ بل هو (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٤٧٥ كما لو أثنى على الله بثناء لم يشرع له ؛ وقد وجد مثل هذا من بعض الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه كونه أثنى ثناء لم يشرع له فى ذلك المكان ، بل نفى ماله فيه من الأجر . ومن الدعاء ما يكون مكروهاً ولا تبطل به الصلاة ، ومنه ما تبطل به الصلاة ، فالدعاء خمسة أقسام : الذي يشرع هو الواجب والمستحب . وأما المباح فلا يستحب . ولا يبطل الصلاة. والمكروه بكره ولا يبطلها ، كالالتفات فى الصلاة ، وكما لو تشهد فى القيام ، أو قرأ فى القعود. والمحرم يبطلها ؛ لأنه من الكلام . وهذا تحقيق قول أحمد ، فإنه لم يبطل الصلاة بالدعاء غير المأثور ؛ لكنه لم يستحبه ؛ إذ لا يستحب غير المشروع ، وبين أن التخيير عاد إلى المشروع ، والمشروع يكون بلفظ النص وبمعناه ، إذ لم يقيد النبى صلى الله عليه وسلم الدعاء بلفظ واحد ، كالقراءة . ولهذا لما كانت صلاة الجنازة مقصودها الدعاء لم يوقت فيها وقتاً، ولما كان الذكر أفضل كان أقرب إلى التوقيت ، كالأذان والتلبية ونحو ذلك . فأما قول الجد - رحمه الله - إلا بما ورد فى الأخبار، وبما يرجع إلى أمر دينه . ففيه نظر ؛ فإن أحمد لم يذكر إلا الأخبار ، وأيضاً ٤٧٦ فالدعاء بمصالح الدنيا جاز ، فإنه مشروع ، والدعاء ببعض أمور الدين قد يكون من العدوان ، كما ذكر عن الصحابة ، وكما لو سأل منازل الأنبياء . فالأجود أن يقال : إلا بالدعاء المشروع المسنون ، وهو ما وردت به الأخبار ، وما كان فى معناه ؛ لأن ذلك لم يوجب علينا . التعبد بلفظه ، كالقرآن . ونحن منعنا من ترجمة القرآن ؛ لأن لفظه مقصود ، وكذلك التكبير ونحوه ، فأما الدعاء فلم يوقت فيه لفظ ؛ لكن كرهه أحمد بغير العربية . فالمراتب ثلاثة : القراءة ، والذكر، والدعاء باللفظ المنصوص، ثم باللفظ العربي فى معنى المنصوص ، ثم باللفظ العجمي . فهذا كرهه أحمد فى الصلاة ، وفى البطلان به خلاف ، وهو من باب البدل ، وأهل الرأي يجوزون - مع تشددم فى المنع من الكلام في الصلاة ، حتى كرهوا الدعاء الذي ليس في القرآن، أو ليس فى الخبر، وأبطلوا به الصلاة، ويجوزون - الترجمة بالعجمية ، فلم يجعل بالعربية عبادة ، وجوزوا التكبير بكل لفظ يدل على التعظيم . فهم توسعوا فى إبدال القرآن بالعجمية ، وفى إبدال الذكر بغيره من الأذكار ، ولم يتوسعوا مثله في الدعاء . وأحمد وغيره من الأثمة ٤٧٧ بالعكس : الدعاء عندم أوسع ، وهذا هو الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه )) ولم يوقت فى دعاء الجنازة شيئاً ، ولم يوقت لأصحابه دعاء معيناً ، كما وقت لهم الذكر ، فكيف يقيد ما أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم من الدعاء، ويطلق ما قيده من الذكر ، مع أن الذكر أفضل من الدعاء ، كما قررناه في غير هذا الموضع . ولهذا توجب الأذكار العلمية مالم يجب من الثنائية . ولهذا كان أفضل الكلام بعد القرآن الكلمات الباقيات الصالحات: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات لمن عجز عن القرآن، وقال : ((هن أفضل الكلام بعد القرآن)) ولهذا كان أفضل الاستفتاحات فى الصلاة ما تضمنت ذلك، وهو قوله: (( سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)) لما قد بيناه فى غير هذا الموضع . وذكرنا أن هذا ثناء ، فهو أفضل من الدعاء ، وهو ثناء بمعنى أفضل الكلام بعد القرآن ، وذلك مقتض للإجابة ، يبين ذلك ما رواه البخاري فى صحيحه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ٤٧٨ وسلم: (( من تعار من الليل ، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . الحمد لله. وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ودعا استجيب له ، وإن توضأ قبلت صلاته )» فقد أخبر أن هذه الكلمات الخمس إذا افتتح بها المستيقظ من الليل كلامه ، كان ذلك سبباً لإحابة دعائه ، ولقبول صلاته إذا توضأ بعد ذلك ، فيكون افتتاح الصلاة بذلك سببا لقبولها ، وما فيها من الدعاء، وحمد الله والثناء عليه قبل دعائه ؛ ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حديث [ المسيء ] فقال: ((كبر فاحمد الله، وأن عليه، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن)). وأيضاً ففي أحاديث أخر من أحاديث الافتتاح أنه كان يقول : ((الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الحمد لله كثيراً، الحمد لله كثيراً، الحمد لله كثيرا)» وهذا معناها . وأيضاً فإنها مستحبة بين تكبيرات العيد الزوائد ، كما نقل ذلك عن ابن مسعود ، وتلك التكبيرات هي من جنس تكبيرات الافتتاح . وأيضاً ففي الحديث الآخر من أحاديث الاستفتاح أنه كان يكبر عشراً، ويحمد عشراً، ويسبح عشراً ، أو كما قال . فتوافق معانى الأحاديث الكثيرة على معنى هذا الافتتاح ، كتوافق معنى تشهد ٤٧٩ أبى موسى وغيره على معنى تشهدابن مسعود، وإذا كان الذكر الواحد قد جاءت عامة الأذكار بمعناه ، كان أرجح مما لم يجئ فيه إلا حديث واحد؛ لأنه يدل على كثرة قصد النبى صلى الله عليه وسلم لتلك المعاني، وماكثر قصد، واختياره له كان مقدماً على مالم يكثر . ويؤيد ذلك أن هذه الكلمات مشروعة في دبر الصلوات المكتوبات أيضاً، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة ، فتكون هي من الفواتح والخواتم التى أونيها نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه أوفي فواتح الكلم، وجوامعه ، وخواته ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما . وسئل رحمه اللّه هل الدعاء عقيب الفرائض ، أم السنن ، أم بعد التشهد في الصلاة ؟ فأجاب : السنة التى كان النبى صلى الله عليه وسلم يفعلها ويأمر بها أن يدعو فى التشهد قبل السلام ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول بعد التشهد: ((اللهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ، وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والمات ، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال )) . ٤٨٠