Indexed OCR Text
Pages 441-460
ثلاث آيات ونصف ، وللعبد ثلاث ونصف . وظاهر الحديث أن القسمة وقعت على الآيات، فإنه قال: ((فهؤلاء لعبدي)). وهؤلاء إشارة إلى جمع، فعلم أن من قوله: (أَهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) إلى آخرها ثلاث آيات على قول من لا يعد البسملة آية منها ، ومن عدها آية منها جعل هذا آبتين . وأيضاً فإن الفاتحة سورة من سور القرآن ، والبسملة مكتوبة فى أولها ، فلا فرق بينها وبين غيرها من السور في مثل ذلك ، وهذا من أظهر وجوه الاعتبار . وأيضاً فلو كانت منها لتليت فى الصلاة جهراً، كما تتلى سائر آيات السورة، وهذا مذهب من يرى الجهر بها كالشافعي وطائفة من المكيين والبصريين ؛ فإنهم قالوا: إنها آية من الفاتحة يجهر بها: كسائر آيات الفاتحة ، واعتمد على آثار منقولة بعضها عن الصحابة ، وبعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم. فأما المأثور عن الصحابة : كلابن الزبير ونحوه ، ففيه صحيح ، وفيه ضعيف . وأما المأثور عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو ضعيف ، أو موضوع ، كما ذكر ذلك حفاظ الحديث كالدار قطني ، وغيره . ولهذا لم يرو أهل السنن والمسانيد المعروفة عن النى صلى الله ٤٤١ عليه وسلم فى الجهر بها حديثاً واحداً؛ وإنما يروي أمثال هذه الأحاديث من لا يميز من أهل التفسير: كالعلى ونحوه ، وكبعض من صنف فى هذا الباب من أهل الحديث ، كما يذكره طائفة من الفقهاء فى كتب الفقه ، وقد حكى القول بالجهر عن أحمد وغيره بناء على إحدى الروايتين عنه من أنها من الفاتحة، فيجهر بها كما يجهر بسأر الفاتحة ، وليس هذا مذهبه ، بل يخافت بها عنده . وإن قال هى من الفاتحة لكن يجهر بها عنده لمصلحة راجحة ، مثل أن يكون المصلون لا يقرأونها بحال ، فيجهر بها ليعلمهم أن قراءتها سنة، كما جهر ابن عباس بالفاتحة على الجنازة ، وكما جهر عمر بن الخطاب بالاستفتاح ، وكما نقل عن أبي هريرة أنه قرأ بها ، ثم قرأ بأم الكتاب، وقال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه النسائي وهو أجود ما احتجوا به . وكذلك فسر بعض أصحاب أحمد خلافه ، أنه كان يجهر بها إذا كان المأمومون ينكرون على من لم يجهر بها، وأمثال ذلك ، فإن الجهر بها والمخافتة سنة ، فلو جهر بها المخافت صحت صلاته بلا ريب ، وجمهور العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي لا يرون الجهر؛ لكن منهم من يقرؤها سراً : كأبى حنيفة وأحمد وغيرهما، ومنهم من لا يقرؤها سراً ولا جهراً كمالك . ٤٤٢ وحجة الجمهور ما ثبت فى الصحيح من ((أن النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ، وفى لفظ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة، ولا آخرها)» والله أعلم. وسل هل من يلحن فى الفاتحة تصح صلاته أم لا ؟ فأجاب : أما اللحن فى الفاتحة الذي لا يحيل المعنى فتصح صلاة صاحبه، إماما أو منفرداً، مثل أن يقول: (رب العالمين) و(الضالين) ونحو ذلك . وأما ما قرئ به مثل: الحمد لله ربّ، وربّ، وربُّ. ومثل الحمد لله، والحمد لله، بضم اللام، أو بكسر الدال. ومثل عليهم. وعليهم، وعليهُمُ. وأمثال ذلك، فهذا لا يعد لحناً . وأما اللحن الذي يحيل المعنى : إذا علم صاحبه معناه مثل أن يقول: ( صراط الذين أنعمت عليهم ) وهو يعلم أن هذا ضمير المتكلم ، لا نصح صلاته ، وإن لم يعلم أنه يحيل المعنى واعتقد أن هذا ضمير المخاطب ففيه نزاع ، والله أعلم . ٤٤٣ وسئل عمن بقرأ القرآن وما عنده أحد يسأله عن اللحن إلخ ؟ وإذا وقف على شيء يطلع فى المصحف هل يلحقه !ثم أم لا ؟ فأجاب : إن احتاج إلى قراءة القرآن قرأه بحسب الإمكان ، ورجع إلى المصحف فيما يشكل عليه ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، ولا يترك ما يحتاج إليه وينتهي به من القراءة ، لأجل ما يعرض من الغلط أحيانا ، إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة ، والله أعلم . وسل عما إذا نصب المخفوض في صلاته ؟ فأجاب : إن كان عالماً بطلت صلاته ؛ لأنه متلاعب فى صلاته ، وإن كان باهلا لم تبطل على أحد الوجهين . ٤٤٤ وسل عن رجل يصلي بقوم وهو يقرأ بقراءة الشيخ أبي عمرو ، فهل إذا قرأ لورش أو النافع باختلاف الروايات . مع حمله قراءته لأبي عمرو يأثم ، أو تنقص صلاته أو ترد ؟ فأجاب : يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبى عمرو ، وبعضه بحرف نافع ، وسواء كان ذلك فى ركعة أو ركعتين ، وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها ، والله أعلم . وسئل هل روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه صلى بالأعراف أو بالأنعام جميعا فى المغرب ، أو في صلاة غيرها ، وإن كان قد رواه أحمد هل هو صحيح أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. نعم ثبت في الصحيح : أنه صلى فى المغرب بالأعراف ، ولكن لم يكن يداوم على ذلك ، ومرة أخرى قرأ فيها بالمرسلات ومرة أخرى قرأ فيها بالطور، وهذا كله فى الصحيح ، والله أعلم. ٤٤٥ وسئل رحمه اللّه عن رفع الأيدي بعد الركوع ، هل يبطل الصلاة ؟ أم لا ؟ . فأجاب: الحمد لله. لا يبطل الصلاة باتفاق الأمة؛ بل أكثر أئمة المسلمين يستحبون هذا. كما استفاضت به السنة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . من حديث ابن عمر ، ومالك بن الحويرث ، ووائل بن حجر ، وأبى حميد الساعدي ، وأبى قتادة الأنصاري ، في عشرة من الصحابة ، وحديث علي ، وأبي هريرة ، وغيرهم . وهو مستحب عند جمهور العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد ، ومالك في إحدى الروايتين عنه ، وأبو حنيفة قال: إنه لا يستحب ، ولم يقل : إنه يبطل صلاته، والله أعلم . وسئل عن قول النبى صلى الله عليه وسلم ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) وهل هو بالخفض أو بالضم؟ أفتونا مأجورين . ٤٤٦ فأجاب : الحمد لله. أما الأولى فبالخفض . وأما الثانية فبالضم، والمعنى أن صاحب الجد لا ينفعه منك جده : أي لا ينجيه ويخلصه منك جده، وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح، و((الجد)) هو الغنى، وهو العظمة ، وهو المال . بين صلى اللّه عليه وسلم : أنه من كان له فى الدنيا رئاسة ومال لم ينجه ذلك، ولم يخلصه من الله؛ وإنما ينجيه من عذابه إيمانه وتقواه ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (( اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد )) فبين فى هذا الحديث أصلين عظيمين : أحدهما : توحيد الربوبية ، وهو أن لا معطي لما منع الله ، ولا مانع لما أعطاء، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو . والثانى : توحيد الإلهية وهو بيان ما ينفع ، ومالا ينفع ، وأنه ليس كل من أعطي مالا أو دنيا أو رئاسة كان ذلك نافعاً له عند الله منجياً له من عذابه ، فإن الله يعطي الدنيا من يحب ، ومن لا يحب ، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب ؛ قال تعالى : (فَمَا آلْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْئَلَئُهُ رَبُّهُ فَأَ كْرَمَهُ, وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَقِّْ أَكْرَ مَنِ * وَأَمَّ إِذَا مَا أَبْنَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبَِّ أَهَنِ * كَلَّا) يقول: ماكل من وسعت عليه أكرمته ، ولاكل من قدرت عليه أكون قد أهنته ، بل هذا ابتلاء ليشكر العبد على السراء ، ويصبر على الضراء ، فمن رزق الشكر ٤٤٧ والصبر كان كل قضاء يقضيه الله خيراً له، كما فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقضى الله لمؤمن من قضاء إلا كان خيراً له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له )). و ((توحيد الإلهية)) أن يعبد الله، ولا يشرك به شيئاً، فيطيعه، ويطيع رسله ، ويفعل ما يحبه ويرضاه . وأما ((توحيد الربوبية)» فيدخل ما قدره وقضاء، وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه وأرضاه ، والعبد مأمور بأن يعبد الله ، ويفعل ما أمر به ، وهو توحيد الإلهية ويستعين الله على ذلك ، وهو توحيد له، فيقول: (إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) والله أعلم. وسئل رحم الله إذا أراد إنسان أن يسجد فى الصلاة بتأخر خطوتين : هل بكره ذلك أم لا؟. فأجاب : وأما التأخر حين السجود فليس بسنة ، ولا ينبغي فعل ذلك . إلا إذا كان الموضع ضيقاً ، فيتأخر ليتمكن من السجود . ٤٤٨ وسئل رحمه الله عن الصلاة ، واتقاء الأرض بوضع ركبتيه قبل يديه ، أو يديه قبل ركبتيه ؟. فأجاب : أما الصلاة بكليها فجازة باتفاق العلماء ، إن شاء المصلي يضع ركبتيه قبل يديه، وإن شاء وضع يديه ثم ركبتيه، وصلاته صحيحة فى الحالتين ، باتفاق العلماء . ولكن تنازعوا في الأفضل . فقيل : الأول كما هو مذهب أبى حنيفة ، والشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين . وقيل : الثانى ، كما هو مذهب مالك ، وأحمد في الرواية الأخرى وقد روى بكل منها حديث في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم . ففي السنن عنه: ((أنه كان إذا صلى وضع ركبتيه ثم يديه، وإذا رفع رفع يديه ثم ركبتيه)). وفى سنن أبي داود وغيره أنه قال: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك بروك الجمل ، ولکن يضع يديه ثم ركبتيه » وقد روى ضد ذلك ، وقيل : إنه منسوخ، والله أعلم . ٤٤٩ وسئل رحمه اللّه عما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ، وأن لا أكف لي ثوباً ، ولا شعراً - وفى رواية - وأن لا أكفت لي ثوباً، ولا شعراً ، فما هو الكف؟ وما هو الكفت؟ وهل ضفر الشعر من الكفت ؟. فأجاب : الكفت : الجمع والضم ، والكف : قريب منه ، وهو منع الشعر والثوب من السجود ، وينهى الرجل أن يصلي وشعره مغروز فى رأسه ، أو معقوص . وفيه عن النبى صلى الله عليه وسلم ((مثل الذي يصلي وهو معقوص كمثل الذي يصلي وهو مكتوف)) لأن المكتوف لا يسجد ثوبه ، والمعقوص لا يسجد شعره ، وأما الضفر مع إرساله فليس من الكفت، والله أعلم . ٤٥٠ وسل عن رجل يصلي مأموماً ، ويجلس بين الركعات جلسة الاستراحة ولم يفعل ذلك الإمام ، فهل يجوز ذلك له ؟ وإذا جاز: هل يكون منقصاً لأجره لأجل كونه لم يتابع الإمام فى سرعة الإمام ؟ فأجاب : جلسة الاستراحة ، قد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم جلسها ؛ لكن تردد العلماء هل فعل ذلك من كبر السن للحاجة ، أو فعل ذلك لأنه من سنة الصلاة . فمن قال بالثانى : استحبها كقول الشافعى ، وأحمد فى إحدى الروايتين . ومن قال بالأول : لم يستحبها إلا عند الحاجة ، كقول أبى حنيفة ومالك ، وأحمد فى الرواية الأخرى . ومن فعلها لم ينكر عليه، وإن كان مأموماً ؛ لكون التأخر بمقدار ما ليس هو من التخلف المنهى عنه عند من يقول باستحبابها ، وهل هذا إلا فعل فى محل اجتهاد فإنه قد تعارض فعل هذه السنة عنده ، والمبادرة إلى موافقة الإمام ٤٥١ فإن ذلك أولى من التخلف ، لكنه يسير ، فصار مثل ما إذا قام من النشهد الأول قبل أن يكمله المأموم ، والمأموم يرى أنه مستحب ، أو مثل أن يسلم وقد بقي عليه يسير من الدعاء ، هل يسلم أو بتمه ؟ ومثل هذه المسائل هي من مسائل الاجتهاد ، والأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف ، لفعل مستحب ، والله أعلم . وسئل رحمه الله: عن رفع اليدين بعد القيام من الجلسة بعد الركعتين الأوليين : هل هو مندوب إليه ؟ وهل فعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ أو أحد من الصحابة ؟ فأجاب : نعم ! هو مندوب إليه عند محققي العلماء العالمين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول طائفة من أصحابه ، وأصحاب الشافعي وغيرهم . وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن . ففي البخاري، وسنن أبى داود، والنسائي عن نافع: ((أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ، وإذا ركع رفع يديه ، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه ، وإذا قام من الركعتين رفع يديه)) ورفع ذلك ابن عمر ٤٥٢ إلى النبى صلى الله عليه وسلم . ومن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته ، وإذا أراد أن يركع ، ويصنعه إذا رفع من الركوع ، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد وإذا قام من الركعتين رفع يديه كذلك وكبر )) رواه أحمد وأبو داود ، وهذا لفظه ، وابن ماجه ، والترمذي ، وقال حديث حسن صحيح وعن أبى حميد الساعدي أنه ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ((إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بها منكبيه ، كما صنع حين افتح الصلاة )) رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه والنسائي ، والترمذي ، وصححه . فهذه أحاديث صحيحة ثابتة ، مع ما فى ذلك من الآثار ، وليس لها ما يصلح أن يكون معارضاً مقاوما، فضلا عن أن يكون راجحاً . والله أعلم . ٤٥٣ وسئل شيخ الإسلام عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) الحديث. وقوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم )) هل الحديثان في الصحة سواء؟ وما الحكم فى ذكر الآل دون إبراهيم ؟ فأجاب : الحمد لله. هذا الحديث فى الصحاح من أربعة أوجه: أشهرها حديث عبد الرحمن بن أبى ليلى قال : لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية ؟ (( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا : قد عرفنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال: ((قولوا : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك - وفي لفظ ــ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) رواه أهل الصحاح ، والسنن ، والمسانيد . كالبخاري ومسلم ، وأبى داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، والإمام أحمد فى مسنده ، وغيرم. ٤٥٤ وهذا لفظ الجماعة إلا أن الترمذي قال فيه : على إبراهيم ، فى الموضعين لم يذكر آله وذلك رواية لأبى داود والنسائى، وفى رواية: ((كما صليت على آل إبراهيم))، وقال: ((كما باركت على إبراهيم، ذكر لفظ الآل فى الأول ، ولفظ إبراهيم فى الآخر . وفى الصحيحين والسنن الثلاثة عن أبى حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله ! كيف نصلي عليك ؟ قال: ((قولوا : اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم . وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد )) هذا هو اللفظ المشهور ، وقد روى فيه . كما صليت على إبراهيم ، وكما باركت على إبراهيم بدون لفظ الآل في الموضعين ، وفى صحيح البخاري عن أبى سعيد الخدري قال : قلنا يارسول الله ! هذا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: ((قولوا : اللهم صل على محمد عبدك ورسولك ، كما صليت على آل إبراهيم . وبارك على محمد وعلى آل محمد. كما باركت على آل إبراهيم)». وفي صحيح مسلم عن أبى مسعود الأنصاري قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له : بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ، ثم قال رسول الله صلى ٤٥٥ الله عليه وسلم: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم )) وقد رواه أيضاً غير مسلم كمالك وأحمد وأبى داود والنسائى والترمذي بلفظ آخر. وفى بعض طرقه (( كما صليت على إبراهيم ، وكما باركت على إبراهيم)) لم يذكر ((الآل)) وفى رواية (( كما صليت على إبراهيم، وكما باركت على آل إبراهيم)». فهذه الأحاديث التى فى الصحاح : لم أجد فيها ولا فيما نقل لفظ (( إبراهيم وآل إبراهيم)) بل المشهور فى أكثر الأحاديث والطرق لفظ ((آل إبراهيم)) وفي بعضها لفظ (إبراهيم)) وقد يجيء في أحد الموضعين لفظ ((آل إبراهيم)) وفي الآخر لفظ ((إبراهيم)). وقد روى لفظ ((إبراهيم، وآل إبراهيم)) فى حديث رواه البيهقي عن يحيى بن السناو، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل : اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وارحم محمداً كما صليت وباركت وترجمت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد )، وهذا إسناده ضعيف لكن رواه ابن ماجه في سننه عن ابن مسعود موقوفا قال : إذا صليتم ٤٥٦ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، قال: فقولوا له فعلمنا: قال: ((قولوا اللهم اجعل صلواتك ، ورحمتك ، وبركانك على سيد المرسلين ، وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك: إمام الخير ، وقائد الخير ، ورسول الرحمة ، اللهم ابعثه مقاما محموداً يغبطه به الأولون والآخرون ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)). ولا يحضرنى إسناد هذا الأثر ، ولم يبلغني إلى الساعة حديث مسند بإسناد ثابت ((كما صليت على إبراهيم، وكما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم » بل أحاديث السنن توافق أحاديث الصحيحين ، كما فى سنن أبي داود عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل : اللهم صل على محمد النبى ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) رواه الشافعي في مسنده عن أبى هريرة قال قلنا : يا رسول الله ! كيف نصلي عليك؟ يعني فى الصلاة . قال : ((تقولون: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ، ثم تسلمون علي » . ٤٥٧ ومن المتأخرين من سلك فى بعض هذه الأدعية والأذكار التى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها ويعملها بألفاظ متنوعة - ورويت بألفاظ متنوعة - طريقة محدثة بأن جمع بين تلك الألفاظ ، واستحب ذلك ، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها . مثاله الحديث الذي في الصحيحين عن أبى بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله! علمنى دعاء أدعو به فى صلاتى قال : (( قل: اللهم إنى ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت)) فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم ) . قد روي ((كثيراً)) وروي ((كبيراً)) فيقول هذا القائل : يستحب أن يقول ((كثيراً، كبيراً)). وكذلك إذا روى: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) وروى: ((اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته)) وأمثال ذلك وهذه طريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين . وطرد هذه الطريقة أن يذكر التشهد بجميع هذه الألفاظ المأثورة. وأن يقال : الاستفتاح بجميع الألفاظ المأثورة ، وهذا مع أنه خلاف عمل المسلمين لم يستحبه أحد من أئمتهم ، بل عملوا بخلافه ، فهو بدعة فى الشرع ، فاسد فى العقل . ٤٥٨ أما الأول : فلأن تنوع ألفاظ الذكر والدعاء كتنوع ألفاظ القرآن مثل ( تعلمون ) و (يعلمون ) و ( باعدوا ) و ( بعدوا ) و (أرجلكم) و (أرجلكم) ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب للقارئ فى الصلاة، والقارئ عبادة وتدبرا خارج الصلاة: أن يجمع بين هذه الحروف ، إنما يفعل الجمع بعض القراء بعض الأوقات ليمتحن بحفظه للحروف ، وتمييزه للقراءات ، وقد تكلم الناس في هذا . وأما الجمع فى كل القراءة المشروعة المأمور بها فغير مشروع باتفاق المسلمين ، بل يخير بين تلك الحروف ، وإذا قرأ بهذه نارة وبهذه تارة كان حسناً، كذلك الأذكار إذا قال تارة ((ظلماً كثيراً)) وتارة ((ظلماً كبيراً)) كان حسناً. كذلك إذا قال نارة ((على آل محمد)) وتارة ((على أزواجه وذريته)) كان حسناً. كما أنه فى التشهد إذا تشهد تارة بتشهد ان مسعود ، وتارة بتشهد ابن عباس ، وتارة بتشهد عمر كان حسناً ، وفى الاستفتاح إذا استفتح تارة باستفتاح عمر ، ونارة باستفتاح علي، وتارة باستفتاح أبى هريرة ، ونحو ذلك كان حسناً . وقد احتج غير واحد من العلماء كالشافعي وغيره على جواز الأنواع المأثورة فى التشهدات ونحوها بالحديث الذي فى الصحاح عن ٤٥٩ النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، فاقرأوا بما تيسر » قالوا : فإذا كان القرآن قد رخص فى قراءته سبعة أحرف ، فغيره من الذكر والدعاء أولى أن يرخص في أن يقال على عدة أحرف . ومعلوم أن المشروع فى ذلك أن يقرأ أحدها، أو هذا تارة وهذا تارة، لا الجمع بينهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين هذه الألفاظ فى آن واحد ؛ بل قال هذا تارة ، وهذا تارة ، إذا كان قد قالهما . وأما إذا اختلفت الرواية فى لفظ فقد يمكن أنه قالهما ، أو يمكن أنه رخص فيها، ويمكن أن أحد الراويين حفظ اللفظ دون الآخر وهذا يجيء في مثل قوله ((كبيراً)) ((كثيراً)). وأما مثل قوله: ((وعلى آل محمد)) وقوله فى الأخرى "وعلى أزواجه وذريته)) فلا ربب أنه قال هذا نارة ، وهذا تارة؛ ولهذا احتج من احتج بذلك على تفسير الآل ، وللناس فى ذلك قولان مشهوران . ( أحدهما ) أنهم أهل بيته الذين حرموا الصدقة ، وهذا هو المنصوص عن الشافعي وأحمد، وعلى هذا ففي تحريم الصدقة على أزواجه وكونهم من أهل بيته روايتان عن أحمد : إحداهما : لسن من أهل بيته ، وهو قول زيد بن أرقم الذي رواه مسلم في صحيحه عنه . ٤٦٠