Indexed OCR Text

Pages 421-440

هريرة بالاستعاذة ، ومثل جهر ابن عباس بالقراءة على الجنازة ليعلموا
أنها سنة . ويمكن أن يقال جهر من جهر بها من الصحابة كان على
هذا الوجه ، ليعرفوا أن قراءتها سنة ؛ لا لأن الجهر بها سنة .
ومن تدبر عامة الآثار الثابتة فى هذا الباب على أنها آية من
كتاب الله، وأنهم قرأوها لبيان ذلك ، لا لبيان كونها من الفاتحة ،
وأن الجهر بها سنة ، مثل ما ذكر ابن وهب في جامعه قال أخبرنى
رجال من أهل العلم عن ابن عباس ، وأبى هريرة ، وزيد بن أسلم ،
وابن شهاب مثله بغير هذا الحديث عن ابن عمر : أنه كان يفتتح
القراءة بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
قال ابن شهاب: يريد بذلك أنها آية من القرآن ، فإن الله
أنزلها ، قال : وكان أهل الفقه يفعلون ذلك فيما مضى من الزمان ،
وحديث ابن عمر معروف من حديث حماد بن زيد ، عن أيوب، عن
نافع ، عن ابن عمر: أنه كان إذا صلى جهر (بِسْمِ اللّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
فإذا قال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ) قال: (بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فهذا الذي ذكره ابن شهاب الزهري وهو أعلم أهل
زمانه بالسنة يبين حقيقة الحال ، فإن العمدة في الآثار في قراءتها ،
إنما هي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر . وقد عرف حقيقة حال
أبى هريرة فى ذلك ، وكذلك غيره رضي الله عنهم أجمعين.
٤٢١

ولهذا كان العلماء بالحديث ممن يروى الجهر بها ليس معه حديث
صريح . لعلمه بأن تلك أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وإنما يتمسك بلفظ محتمل، مثل اعتمادهم على
حديث نعيم المجمر عن أبى هريرة المتقدم . وقد رواه النسائى . فإن
العارفين بالحديث يقولون إنه عمدتهم في هذه المسألة ولا حجة فيه .
فإن [ ما] فى صحيح مسلم عن أبى هريرة أظهر دلالة على نفي قراءتها
من دلالة هذا على الجهر بها ؛ فإن فى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((بقول الله قسمت الصلاة بينى
وبين عبدي نصفين : نصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ،
فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ) قال الله: حمدني عبدي،
فإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال: أثنى على عبدي ، فإذا قال :
(مَلِكِ يَوَمِ اَلَدِينِ ) قال : مجدني عبدي - أو قال فوض إلي عبدي -
فإذا قال : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال فهذه الآية بينى وبين
عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ
الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ ) قال : فهؤلاء
لعبدي ، ولعبدي ما سأل ))
وقد روى عبد الله بن زياد بن سليمان - وهو كذاب - أنه
قال: فى أوله فإذا قال: (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قال ذكرني عبدي
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٤٢٢

ولهذا اتفق أهل العلم على كذب هذه الزيادة ، وإنما كثر الكذب فى
أحاديث الجهر ؛ لأن الشيعة ترى الجهر ، وم أكذب الطوائف،
فوضعوا فى ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم ؛ ولهذا يوجد في كلام
أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة
المسح على الخفين ، وترك الجهر بالبسملة ، كما يذكرون تقديم أبى بكر
وعمر ونحو ذلك ؛ لأن هذا كان من شعار الرافضة .
ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب
الشافعي إلى ترك الجهر بها، قال : لأن الجهر بها صار من شعار
المخالفين ، كما ذهب من ذهب من أصحاب الشافعي إلى تسنمة القبور؛
لأن التسطيح صار من شعار أهل البدع .
فحديث أبى هريرة دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة،
ولا من القراءة المقسومة ، وهو على نفي القراءة مطلقاً أظهر من دلالة
حديث نعيم المجمر على الجهر ؛ فإن في حديث نعيم المجمر أنه قرأ :
(بِسْمِ اللهِالرَّحْمَيِ الرَّحِيمِ) ثم قرأ أم القرآن، وهذا دليل على أنها
ليست من القرآن عندم ، وحديث أبي هريرة الذي فى مسلم بصدق
ذلك، فإنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى
صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ؛ فهي خداج )، فقال له
رجل : يا أبا هريرة ! أنا أحياناً أكون وراء الإمام فقال : اقرأ بها
٤٢٣

فى نفسك يا فارسي؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين)) الحديث.
وهذا صريح في أن أم القرآن التى يجب قراءتها في الصلاة عند
أبى هريرة هي القراءة المقسومة التى ذكرها مع دلالة قول النبى صلى
اللّه عليه وسلم على ذلك؛ وذلك ينفي وجوب قراءتها عند أبي هريرة
فيكون أبو هريرة وإن كان قرأ بها ؛ قرأ بها استحباباً لا وجوباً .
والجهر بها مع كونها ليست من الفاتحة قول لم يقل به أحد من
الأئمة الأربعة ؛ وغيرهم من الأئمة المشهورين ؛ ولا أعلم به قائلا ؛ لكن
هي من الفاتحة وإيجاب قراءتها مع المخافتة بها قول طائفة من أهل
الحديث ؛ وهو إحدى الروايتين عن أحمد ؛ وإذا كان أبو هريرة إنما
قرأها استحباباً لا وجوباً ؛ وعلى هذا القول لا تشرع المداومة على
الجهر بها؛ كان جهره بها أولى أن يثبت دليلا على أنه ليعرفهم
استحباب قراءتها ؛ وأن قراءتها مشروعة ؛ كما جهر عمر بالاستفتاح :
وكما جهر ابن عباس بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة ؛ ونحو ذلك ؛
ويكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ فى الجملة ؛ وإن لم يجهر بها
وحينئذ فلا يكون هذا مخالفاً لحديث أنس الذي فى الصحيح :
وحديث عائشة الذى فى الصحيح ؛ وغير ذلك . هذا إن كان الحديث
دالا على أنه جهر بها ؛ فإن لفظه ليس صريحاً بذلك من وجهين :
٤٢٤

(أحدهما) أنه قال قرأ (بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ثم قرأ أم
القرآن ، ولفظ القراءة محتمل أن يكون قرأها سراً ، ويكون نعيم علم
ذلك بقربه منه ؛ فإن قراءة السر إذا قويت يسمعها من يلي القارئ ،
ويمكن أن أبا هريرة أخبره بقراءتها ، وقد أخبر أبو قتادة بأن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ فى الأوليين بفاتحة الكتاب، وسورة،
وفى الأخيرتين بفاتحة الكتاب ، وهي قراءة سر ، كيف وقد بين فى
الحديث أنها ليست من الفاتحة ، فأراد بذلك وجوب قراءتها ، فضلا
عن كون الجهر بها سنة ، فإن النزاع في الثانى أضعف .
( الثانى) أنه لم يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها قبل
أم الكتاب ، وإنما قال في آخر الصلاة : إنى لأشبهكم صلاة برسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وفى الحديث أنه أمن وكبر فى الخفض والرفع ،
وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله صلى الله
عليه وسلم من هذه الوجوه التى فيها ما فعله رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وتركوه ثم، ولا يلزم إذا كان أشبهم بصلاة رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم أن تكون صلاته مثل صلاته، من كل وجه. ولعل
قراءتها مع الجهر أمثل من ترك قراءتها بالكلية عند أبي هريرة ؛
وكان أولئك لا يقرأونها أملا ؛ فتكون قراءتها مع الجهر أشبه عنده
بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وإن كان غيره ينازع في ذلك.
٤٢٥

وأما حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه ؛ فيعلم أولا : أن تصحيح
الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا ؛ فكيف فى مثل
هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم . وقد اتفق أهل العلم
فى الصحيح على خلافه ، ومن له أدنى خبرة فى الحديث وأهله لا يعارض
بتوثيق الحاكم ما قد ثبت فى الصحيح خلافه ؛ فإن أهل العلم متفقون
على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح فى ( باب التصحيح ) حتى
إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدار قطني وأمثالهما بلا نزاع ،
فكيف بتصحيح البخاري ومسلم . بل تصحيحه دون تصحيح أبى بكر
ابن خزيمة ، وأبى حاتم بن حبان البستى ، وأمثالهما ، بل تصحيح
الحافظ أبى عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فى مختاره خير من
تصحيح الحاكم فكتابه فى هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب ،
عند من يعرف الحديث ، وتحسين الترمذي أحياناً يكون مثل تصحيحه
أو أرجح ، وكثيرا ما يصحح الحاكم أحاديث يجزم بأنها موضوعة لا أصل
لها ، فهذا هذا . والمعروف عن سليمان التيمي وابنه معتمر أنهما كانا
يجهران بالبسملة ، لكن نقله عن أنس هو المنكر ، كيف وأصحاب أنس
الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك، حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا
قال : أنت سمعت أنسا يذكر ذلك؟ قال: نعم ! وأخبره باللفظ الصريح
المنافى للجهر .
ونقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس فى غابة الصحة ، وأرفع
٤٢٦

درجات الصحيح عند أهله ، إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم
وكذلك إتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندم ، وهذا مما يرد به قول من
زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه ، وأنه لم يكن
في لفظه إلا قوله : يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، ففهم
بعض الرواة من ذلك نفى قراءتها ، فرواه من عنده ، فإن هذا القول
لا بقوله إلا من هو أبعد الناس علما برواة الحديث ، وألفاظ روايتهم
الصريحة التى لا تقبل التأويل ، وبأنهم من العدالة والضبط فى الغاية
التى لا تحتمل المجازفة ، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواء ، وبدع
موجب العلم والدليل .
ثم يقال : هب أن المعتمر أخذ صلاته عن أبيه ، وأبوه عن أنس
وأنس عن النبى صلى الله عليه وسلم، فهذا مجمل ومحتمل؛ إذ ليس
يمكن أن يثبت كل حكم جزئى من أحكام الصلاة بمثل هذا الإسناد
المجمل ؛ لأنه من المعلوم أن مع طول الزمان وتعدد الإسناد لا تضبط
الجزئيات فى أفعال كثيرة متفرقة حق الضبط ؛ إلا بنقل مفصل لا مجمل ،
وإلا فمن المعلوم أن مثل منصور بن المعتمر ، وحماد بن أبي سليمان ،
والأعمش ، وغيرهم أخذوا صلاتهم عن إبراهيم النخعي وذويه ، وإبراهيم
أخذها عن علقمة والأسود ونحوهما ، وثم أخذوها عن ابن مسعود ، وابن
مسعود عن النى صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد آجل رجالا من
٤٢٧

ذلك الإسناد ، وهؤلاء أخذ الصلاة عنهم أبو حنيفة والثوري وابن أبى
ليلى ، وأمثالهم من فقهاء الكوفة ، فهل يجوز أن يجعل نفس صلاة
هؤلاء هي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد ، حتى
فى موارد النزاع ، فإن جاز هذا كان هؤلاء لا يجهرون ، ولا يرفعون
أيديهم ، إلا فى تكبيرة الافتاح ، ويسفرون بالفجر ، وأنواع ذلك مما
عليه الكوفيون .
ونظير هذه احتجاج بعضهم على الجهر بأن أهل مكة من أصحاب
ابن جريج كانوا يجهرون، وأنهم أخذوا صلاتهم عن ابن جريج ، وهو
أخذها عن عطاء ، وعطاء عن ابن الزبير ، وابن الزبير عن أبى بكر
الصديق، وأبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا ريب أن
الشافعي رضي الله عنه أول ما أخذ الفقه فى هذه المسألة وغيرها عن
أصحاب ابن جريج . كسعيد بن سالم القداح ، ومسلم بن خالد الزمجي ،
لكن مثل هذه الأسانيد المجملة لا يثبت بها أحكام مفصلة تنازع
الناس فيها .
ولئن جاز ذلك ليكونن مالك أرجح من هؤلاء، فإنه لا يستريب
عاقل أن الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين كانوا بالمدينة أجل قدراً ،
وأعلم بالسنة ، وأتبع لها ممن كان بالكوفة ومكة والبصرة. وقد احتج
أصحاب مالك على ترك الجهر بالعمل المستمر بالمدينة ، فقالوا : هذا
٤٢٨

المحراب الذي كان يصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبو
بكر ، ثم عمر، ثم عثمان، ثم الآثمة، وهلم جرا. ونقلهم لصلاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل متواتر ، كلهم شهدوا صلاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلاة خلفائه، وكانوا أشد محافظة على
السنة ، وأشد إنكارا على من خالفها من غيرهم ، فيمتنع أن يغيروا
صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا العمل يقترن به عمل الخلفاء
كلهم من بني أمية ، وبني العباس ، فإنهم كلهم لم يكونوا يجهرون ،
وليس لجميع هؤلاء غرض بالإطباق على تغيير السنة فى مثل هذا ،
ولا يمكن أن الآثمة كلهم أقرتهم على خلاف السنة، بل نحن نعلم ضرورة
أن خلفاء المسلمين وملوكهم لا يبدلون سنة لا تتعلق بأمر ملكهم ،
وما يتعلق بذلك من الأهواء ، وليست هذه المسألة مما للملوك
فيها غرض .
وهذه الحجة إذا احتج بها المحتج لم تكن دون تلك ، بل نحن
تعلم أنها أقوى منها ، فإنه لا يشك مسلم أن الجزم بكون صلاة التابعين
بالمدينة أشبه بصلاة الصحابة بها ، والصحابة بها أشبه صلاة بصلاة
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أقرب من الجزم بكون صلاة شخص أو
شخصين أشبه بصلاة آخر ، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه
وسلم؛ ولهذا لم يذهب ذاهب قط إلى أن عمل غير أهل المدينة
٤٢٩

أو إجماعهم حجة ، وإنما تتوزع فى عمل أهل المدينة وإجماعهم : هل
هو حجة أم لا ؟ نزاعاً لا يقصر عن عمل غيرهم ، وإجماع غيرم إن
لم يزد عليه .
فتبين دفع ذلك العمل عن سليمان التيمى ، وابن جريج ، وأمثالها
بعمل أهل المدينة ، لو لم يكن المنقول نقلا صحيحاً صريحاً عن أنس
يخالف ذلك، فكيف والأمر فى رواية أنس أظهر وأشهر وأصح
وأثبت من أن يعارض بهذا الحديث المجمل الذي لم يثبت ، وإنما صححه
مثل الحاكم ، وأمثاله .
ومثل هذا أيضاً يظهر ضعف حديث معاوية الذي فيه أنه صلى
بالصحابة بالمدينة ، فأنكروا عليه ترك قراءة البسملة فى أول الفاتحة
وأول السورة حتى عاد يعمل ذلك ، فإن هذا الحديث وإن كان الدار قطني
قال : إسناده ثقات ، وقال الخطيب : هو أجود ما يعتمد عليه فى هذه
المسألة ، كما نقل ذلك عنه نصر المقدسى ، فهذا الحديث يعلم ضعفه من
وجوه :
( أحدها ) أنه يروي عن أنس أيضاً الرواية الصحيحة الصريحة
المستفيضة التى ترد هذا .
( الثانى ) أن مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم
٤٣٠

وقد ضعفه طائفة ، وقد اضطربوا فى روايته إسناداً ومتناً ، كما تقدم .
وذلك يبين أنه غير محفوظ .
( الثالث ) أنه ليس فيه إسناد متصل السماع ؛ بل فيه من الضعفة
والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع أو سوء الحفظ .
( الرابع ) أن أنساً كان مقيماً بالبصرة ، ومعاوية لما قدم المدينة
لم يذكر أحد علمناه أن أنساً كان معه ، بل الظاهر أنه لم يكن معه .
( الخامس ) أن هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة ، والراوي
لها أنس وكان بالبصرة ، وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها .
ومن المعلوم أن أصحاب أنس المعروفين بصحبته وأهل المدينة لم ينقل أحد
منهم ذلك ؛ بل المنقول عن أنس وأهل المدينة نقيض ذلك ، والناقل
ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء .
( السادس ) أن معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أول الفاتحة
والسورة ، لكان هذا أيضاً معروفاً من أمره عند أهل الشام الذين
محبوه ، ولم ينقل هذا أحد عن معاوية؛ بل الشاميون كلهم: خلفاؤم
وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها ؛ بل الأوزاعي مذهبه فيها مذهب
مالك لا يقرؤها سراً ولا جهراً . فهذه الوجوه وأمثالها إذا تدبرها العالم
٤٣١

قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له ، وإما مغير عن وجهه ،
وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من
انقطاع إسناده .
وقيل : هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذاً ؛ لأنه
خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس ، وعن أهل المدينة ،
وأهل الشام ، ومن شرط الحديث الثابت ألا يكون شاذاً ولا معللا
وهذا شاذ معلل ، إن لم يكن من سوء حفظ بعض روانه .
والعمدة التى اعتمدها المصنفون فى الجهر بها ووجوب قراءتها إنما
هو كتابتها فى المصحف بقلم القرآن، وأن الصحابة جردوا القرآن عما
ليس منه .
والذين نازعوم دفعوا هذه الحجة بلا حق ، كقولهم : القرآن لا
يثبت إلا بقاطع ، ولو كان هذا قاطعاً لكفر مخالفه . وقد سلك أبو بكر
ابن الطيب الباقلانى وغيره هذا المسلك ، وادعوا أنهم يقطعون بخط!
الشافعي فى كونه جعل البسملة من القرآن ، معتمدين على هذه
الحجة ، وأنه لا يجوز إثبات القرآن إلا بالتواتر ، ولا تواتر هنا، فيجب
القطع بنفي كونها من القرآن .
والتحقيق: أن هذه الحجة مقابلة بمثلها ، فيقال لهم : بل يقطع
٤٣٢

بكونها من القرآن حيث كتبت ، كما قطعتم بنفي كونها ليست منه.
ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآن ، فإن
التفريق بين آية وآية يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب بين لوحي
المصحف كلام اللّه ، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا
المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين لوحي المصحف كلام الله الذي
أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، لم يكتبوا فيه ما ليس من
كلام اللّه.
فإن قال المنازع : إن قطعتم بأن البسملة من القرآن حيث كتبت ،
فكفروا النافى ، قيل لهم : وهذا يعارض حكمه إذا قطعتم بنفي كونها
من القرآن ، فكفروا منازعكم .
وقد اتفقت الأمة على نفي التكفير في هذا الباب ، مع دعوى
كثير من الطائفتين القطع بمذهبه ، وذلك لأنه ليس كل ما كان قطعياً
عند شخص يجب أن يكون قطعياً عند غيره ، وليس كل ما ادعت
طائفة أنه قطعي عندها يجب أن يكون قطعياً في نفس الأمر ؛ بل قد
يقع الغلط فى دعوى المدعي القطع فى غير محل القطع ، كما يغلط فى
سمعه وفهمه ونقله ، وغير ذلك من أحواله ، كما قد يغلط الحس الظاهر
في مواضع ، وحينئذ فيقال : الأقوال في كونها من القرآن ثلاثة :
طرفان ، ووسط .
٤٣٣

( الطرف الأول ) : قول من يقول إنها ليست من القرآن إلا
فى سورة النمل ، كما قال مالك ، وطائفة من الحنفية ، وكما قاله بعض
أصحاب أحمد . مدعياً أنه مذهبه ، أو ناقلا لذلك رواية عنه .
( والطرف المقابل له ) : قول من يقول إنها من كل سورة آية
أو بعض آية ، كما هو المشهور من مذهب الشافعي ، ومن وافقه ،
وقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة ،
وإنما يستفتح بها فى السور تبركا بها ، وأماكونها من الفاتحة فلم يثبت
عنه فيه دليل .
( والقول الوسط ) : أنها من القرآن حيث كتبت ، وأنها مع
ذلك ليست من السور ، بل كتبت آية فى أول كل سورة ، وكذلك
تتلى آية منفردة في أول كل سورة ، كما تلاها النى صلى الله عليه
وسلم حين أنزلت عليه سورة (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ) كما ثبت ذلك فى
صحيح مسلم [و] كما فى قوله: ((إن سورة من القرآن هي ثلاثون آية
(١
شفعت لرجل حتى غفر له ، وهي سورة (تَبَّكَ الَّذِى بِيَدِهِالْمُلْكُ)»
رواه أهل السنن ، وحسنه الترمذي ، وهذا القول قول عبد الله بن
المبارك ، وهو المنصوص الصريح عن أحمد بن حنبل .
وذكر أبو بكر الرازي أن هذا مقتضى مذهب أبى حنيفة عنده .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٤٣٤

وهو قول سائر من حقق القول فى هذه المسألة ، وتوسط فيها جمعامن
مقتضى الأدلة ، وكتابتها سطراً مفصولا عن السورة، ويؤيد ذلك قول ابن
عباس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة
حتى نزل عليه (بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))) رواه أبو داود، وهؤلاء لهم
فى الفاتحة قولان ، هما روايتان عن أحمد .
(أحدهما ) أنها من الفاتحة دون غيرها، تجب قراءتها حيث
تجب قراءة الفاتحة.
( والثانى ) وهو الأصح لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك .
وأن قراءتها في أول الفاتحة كقراءتها في أول السور ، والأحاديث
الصحيحة توافق هذا القول ، لا تخالفه . وحينئذ الخلاف أيضاً في قراءتها
فى الصلاة ثلاثة أقوال :
( أحدها ) أنها واجبة وجوب الفاتحة ، كمذهب الشافعي وأحمد فى
إحدى الروايتين ، وطائفة من أهل الحديث ، بناء على أنها من الفاتحة.
( والثانى ) قول من يقول : قراءتها مكروهة سراً وجهراً ، كما هو
المشهور من مذهب مالك .
( والقول الثالث ) أن قراءتها جازة ؛ بل مستحبة ، وهذا مذهب
٤٣٥

أبى حنيفة وأحمد فى المشهور عنه . وأكثر أهل الحديث ، وطائفة من
هؤلاء بسوى بين قراءتها وترك قراءتها ، ويخير بين الأمرين معتقدين
أن هذا على إحدى القراءتين ، وذلك على القراءة الأخرى .
ثم مع قراءتها هل يسن الجهر أو لا يسن ، على ثلاثة أقوال :
قيل : يسن الجهر بها . كقول الشافعي ، ومن وافقه .
وقيل : لا يسن الجهر بها ، كما هو قول الجمهور من أهل الحديث
والرأي ، وفقهاء الأمصار .
وقيل : يخير بينهما . كما يروى عن إسحاق ، وهو قول ابن
حزم وغيره .
ومع هذا فالصواب أن ما لا يجهر به قد يشرع الجهر به لمصلحة
راجحة ، فيشرع للإمام أحياناً لمثل تعليم المأمومين ، ويسوغ للمصلين
أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحياناً، ويسوغ أيضاً أن يترك الإنسان
الأفضل لتأليف القلوب ، واجتماع الكلمة خوفاً من التنفير ، عما يصلح
كما ترك النبى صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم؛
لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية ، وخشى تنفيرم بذلك ،
٤٣٦

ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على
قواعد إبراهيم .
وقال ابن مسعود - لما أكمل الصلاة خلف عثمان ، وأنكر عليه
فقيل له ، فى ذلك ، فقال - الخلاف شر؛ ولهذا نص الأئمة كأحمد
وغيره على ذلك بالبسملة ، وفى وصل الوتر ، وغير ذلك مما فيه العدول
عن الأفضل إلى الجائز المفضول ، مراعاة اتتلاف المأمومين، أو التعريفهم
السنة، وأمثال ذلك، والله أعلم .
٤٣٧

وسئل أيضاً رحم الله تعالى:
عن ( بِسْمِ اللَِّالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) هل هي آية من أول كل سورة
أفتونا مأجورين ؟ .
فأجاب: الحمد لله. اتفق المسلمون على أنها من القرآن فى قوله:
وتنازعوا فيها في
(
( إِنَّهُمِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أوائل السور حيث كتبت على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها ليست من القرآن ، وإنما كتبت تبركابها، وهذا
مذهب مالك ، وطائفة من الحنفية ، ويحكى هذا رواية عن أحمد ولا
يصح عنه ، وإن كان قولا فى مذهبه .
والثانى: أنها من كل سورة، إما آية ، وإما بعض آية، وهذا
مذهب الشافعي - رضي الله عنه .
والثالث: أنها من القرآن حيث كتبت آية من كتاب الله من أول
كل سورة ، وليست من السورة . وهذا مذهب ابن المبارك ، وأحمد
٤٣٨

ابن حنبل - رضي الله عنه - وغيرهما. وذكر الرازي أنه مقتضى
مذهب أبى حنيفة عنده . وهذا أعدل الأقوال .
فإن كتابتها فى المصحف بقلم القرآن تدل على أنها من القرآن ،
وكتابتها مفردة مفصولة عما قبلها وما بعدها تدل على أنها ليست من
السورة ، ويدل على ذلك ما رواه أهل السنن عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( إن سورة من القرآن ثلاثين آية ، شفعت لرجل ،
حتى غفر له. وهي (تَبََّكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ ))) وهذا لا ينافى ذلك؛
فإن فى الصحيح. أن النبي صلى الله عليه وسلم أغفى إغفاءة فقال: ((لقد
نزلت علي آنفا سورة. وقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ) ؛ لأن ذلك لم يذكر فيه أنها من السورة ، بل فيه أنها تقرأ
فى أول السورة ، وهذا سنة ، فإنها تقرأ في أول كل سورة ، وإن لم
تكن من السورة .
ومثله حديث ابن عباس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يعرف فصل السورة حتى تنزل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، رواه
أبو داود ، ففيه أنها نزلت للفصل، وليس فيه أنها آية منها، و ((تَبَرَكَ
الَّذِيَدِالْمُلْكُ)) ثلاثون آية بدون البسملة ؛ ولأن العادين لآيات القرآن
لم يعد أحد منهم البسملة من السورة ، لكن هؤلاء تنازعوا فى الفاتحة :
هل هي آية منها دون غيرها ؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد :
٤٣٩

أحدهما : أنها من الفاتحة دون غيرها ، وهذا مذهب طائفة من
أهل الحديث ، أظنه قول أبى عبيد، واحتج هؤلاء بالآثار التى رويت
في أن البسملة من الفاتحة ، وعلى قول هؤلاء يجب قراءتها في الصلاة .
وهؤلاء يوجبون قراءتها وإن لم يجهروا بها .
والثانى : أنها ليست من الفاتحة، كما أنها ليست من غيرها ،
وهذا أظهر . فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (( بقول الله تعالى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين،
نصفها لي ونصفها له، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ
اَلْعَلَمِينَ) يقول الله: حمدنى عبدي. يقول العبد: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
يقول الله: أثنى علي عبدي. يقول العبد: (مَلِكِ يَوْمِ الَّذِينِ ) يقول
الله: مجدنى عبدي. يقول العبد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ). يقول
الله : فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل . يقول
العبد: ( أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ) إلى آخرها . يقول الله: فهولاء
لعبدي ولعبدي ما سأل)). فلو كانت من الفاتحة لذكرها كما
ذكر غيرها .
وقد روى ذكرها فى حديث موضوع، رواه عبد الله بن زياد
ابن سمعان فذكره مثل الثعلبى فى تفسيره ، ومثل من جمع أحاديث
الجهر ، وانها كلها ضعيفة ، أو موضوعة . ولو كانت منها لما كان للرب
٤٤٠