Indexed OCR Text
Pages 381-400
عمداً بطلت صلاته ، وتسبيح الركوع والسجود كذلك أيضاً عند أحمد وغيره ، وكذلك التكبير ، تكبير الانتقال . فمذهب مالك من ترك من ذلك ثلاثاً عمداً أعاد الصلاة ، ومذهب أحمد مشهور عنه مطلقاً، وما يذكره أصحاب أحمد فى مسائل الخلاف : أن إيجاب هذه الأذكار من مفردات أحمد عن الثلاثة ؛ فذلك لأن أصحاب مالك يسمون هذه سفناً ، والسنة عندم قد تكون واجبة إذا تركها أعاد ، وهذه من ذلك ، فيظن من يظن أن السنة عندم لا تكون إلا لما يجوز تركه ؛ وليس كذلك. وأما الدعاء فلم يجب منه دعاء مفرد أصلا، بل ما وجب من الفاتحة وجب بعد الثناء وكذلك من أوجب أن يدعو بعد التشهد بالدعاء المأمور به هناك، وهو الاستعاذة من عذاب جهنم ، والقبر ، وفتنة المحيا والمات، والدجال ، فإنما أوجبه بعد التشهد الذي هو ثناء ، وهو قول طاووس ووجه في مذهب أحمد . وأيضاً فالدعاء لم يشرع مجرداً، لم يشرع إلا مع الثناء . وأما الثناء فقد شرع مجردا بلا كراهة . فلو اقتصر في الاعتدال على الثناء ، وفي الركوع والسجود على التسبيح ، كان مشروعا بلا كراهة ، ولو اقتصر في ذلك على الدعاء لم يكن مشروعاً، وفى بطلان الصلاة نزاع . و ((أيضاً)) فالثناء يتضمن مقصود الدعاء، كما فى الحديث ((أفضل ٣٨١ الذكر. لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله)) فإن ثناء الداعي على المدعو بما يتضمن حصول مطلوبه قد يكون أبلغ من ذكر المطلوب كما قيل : كفاء من تعرضه الثناء إذا أثنى عليك المرء يوماً ولهذا يقول فى الدعاء المأثور: «أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السموات والأرض)). فسأله بأن له الحمد ، فعلم بأن الاعتراف بكونه مستحقا للحمد : هو سبب فى حصول المطلوب . وهذا كقول أيوب عليه السلام: (مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ) فقوله : هذا أحسن من قوله : ارحمني . وفى دعاء ليلة القدر الذي روته عائشة: ((اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى)). وفى الصحيحين عن ابن عباس (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب : لا إله إلا الله الحليم العظيم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات السبع، ورب الأرض رب العرش الكريم)». ومما يبين فضل الثناء على الدعاء ، أن الثناء المشروع يستلزم الإيمان بالله، وأما الدعاء فقد لا يستلزمه، إذ الكفار يسألون الله ٣٨٢ فيعطيهم ، كما أخبر الله بذلك في القرآن فى غير موضع فإن سؤال الرزق والعافية ونحو ذلك من الأدعية المشروعة : هو مما يدعو به المؤمن والكافر؛ بخلاف الثناء كقوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)) و((التحيات لله والصلوات ، والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) فإن هذا لا يثنى به إلا المؤمن، وكذلك قوله: ((اللهم ربنا ولك الحمد ، ملء السموات وملء الأرض ، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعده )» لكن قد يكون بعض الثناء يقر به الكفار ، كإقرارهم بأن الله خالق السموات والأرض ، وأنه يجيب المضطر إذا دعاه ، ونحو ذلك . لكن المشركون لم يكن لهم ثناء مشروع يثنون به على الله، حتى فى تلبيتهم كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك : إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . وكذلك النصارى تناؤم فيه الشرك ، وأما اليهود فليس فى عبادتهم ثناء ، اللهم إلا ما يكون مأثوراً عن الأنبياء ، وذلك من ثناء أهل الإيمان ، وكذلك النصارى إن كان عندهم شيء من ذلك ، وأما ما شرعه من ثنائه فهو يتضمن الإيمان ، والأدلة الدالة على فضل جنس الثناء على جنس الدعاء كثيرة . مثل أمره أن يقال عند سماع المؤذن مثل ما يقول ، ثم يصلي على النبى صلى الله عليه وسلم ثم يسأل له الوسيلة ، ثم يسأل العبد بعد ذلك. فقدم الثناء على ٣٨٣ الدعاء ، وهكذا بعد التشهد فإنه قدم فيه الثناء على الله ، ثم الدعاء لرسوله ، ثم للإنسان. وكذلك هنا مع أنى لا أعلم فى هذا نزاعا بين العلماء ، ولكن المفضول قد يكون أحياناً أفضل . فإن الصلاة أفضل من قراءة القرآن ، والقرآن أفضل من الذكر ، والذكر أفضل من الدعاء والمفضول قد يعرض له حال يكون فيه أفضل ؛ لأسباب متعددة، إما مطلقاً كفضيلة القراءة وقت النهي على الصلاة، وإما لحال مخصوص ، وهذا مبسوط في موضع آخر . والمقصود هنا : أن جنس الثناء أفضل من السؤال . كما قال تعالى: ((من شغله ذكري عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)» وقراءة القرآن أفضل منها ، كما فى حديث الترمذي عن أبي سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله عز وجل : من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتى ، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين)» قال الترمذي حسن غريب . وهذا بين فى الاعتبار ، لأن السائل غاية مقصوده حصول مطلوبه ومراده، فهو مريد من الله، وإن كان مطلوبه محبوباً لله ، مثل أن يطلب منه إعانته على ذكره وشكره ، وحسن عبادته ، فهو يريد منه هذا الأمر المحبوب لله . ٣٨٤ وأما المثنى فهو ذاكر لنفس محبوب الحق من أسمائه وصفاته، فالمطلوب بهذا معرفة الله ومحبته وعبادته. وهذا مطلوب لنفسه لا لغيره، وهو الغابة التى خلق لها الخلق. كما قال تعالى ( وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ) والسؤال وسيلة إلى هذا؛ ولهذا قال فى الفاتحة: ( إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فقدم قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لأنه المقصود لنفسه، على قوله : ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيٌ) لأنه وسيلة إلى ذلك. والمقاصد مقدمة فى القصد والقول على الوسائل، ثم مقصود السائل من الدعاء يحصل لهذا العابد المثنى مع اشتغاله بأشرف القسمين . وأما الداعى فإذا كان مهتما بما هو محتاج إليه من جلب منفعة ودفع مضرة ، كماجته إلى الرزق والنصر الضروري ، كان اشتغاله بهذا نفسه صارفا له عن غيره ، فإذا دعا الله سبحانه فقد يحصل له بالدعاء من معرفة الله، ومحبته ، والثناء عليه ، والعبودية له ، والافتقار إليه ماهو أفضل وأنفع من مطلوبه ذلك . كما قال بعض السلف : يا ابن آدم ! لقد بورك لك فى حاجة كثرت فيها قرع باب سيدك . وقال بعضهم : إنه ليكون لي إلى الله ماجة فأدعوه ، فيفتح لي من باب معرفته ما أحب معه أن لا يعجل لي قضاءها ؛ لئلا ينصرف قلى عن الدعاء . والسائل إذا حصل سؤاله برد ، فإنه لم يكن مراده إلا سؤاله ، وإذا حصل أعرض عن الله ، فهذا حال الكفار الذين ذمهم الله فى القرآن كقوله : ( وَإِذَامَسََّ الْإِنسَنَ الضُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْقَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا ٣٨٥ عَنْهُ ضُرَّهُمَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّ مَّسَّهُ) وقال تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِيَكُمْ مِّنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّوَالْبَحْرِنَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِنَ * قُلِ اَلَه ◌ُنَحِّكُمْ مِنْهَا وَ مِنْ كُلِ كَرْبٍ ثُمَّأَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) وقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّدَعَارَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّإِذَا خَوَّلَهُ, نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلّ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ ) . : أي نسي فقوله سبحانه: ( نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوَاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ) ما كان يدعو الله إليه، وهو الحاجة التى طلبها ، فإن دعاءه كان إليها ، أي توجه إليها ، وقصده ، فهي الغاية التى كان يقصدها . وإذا كانت ما مصدرية . كان تقديره نسى كونه يدعو الله إلى حاجته. كما قال تعالى فى الآية الأخرى: (فَلَّاكَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّكَأَنْ لَّوْيَدْ عُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ) لكن على هذا يبقى الضمير فى إليه عائداً على غير مذكور ، بخلاف ما إذا جعلت بمعنى الذي فإن التقدير نسي حاجته الذي دعاني إليها من قبل ، فنسى دعاءه الله الذي كان سبب الحاجة ، وإلى حرف الغاية. كما قال تعالى فى الآية الأخرى : (قُلُ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْأَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَّدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَاتُشْرِكُونَ ) فقد أخبر تعالى: أنه يكشف ما يدعون ٣٨٦ إليه ؛ وهي الشدة التى دعوا إليها . وأما المؤمن : فلا بد بعد قضاء حاجته من عبادة الله وإخلاصه له كما أمره، إما قياما بالواجب فقط ، فيكون من الأبرار ، أو بالواجب والمستحب فيكون من المقربين ، ومن ترك بعض ما أمر به بعد قضاء حاجته فهو من أهل الذنوب ، وقد يكون ذلك من الشرك الأصغر الذي يبتلى به غالب الخلق : إما شركا في الربوبية ، وإما شركا فى الألوهية ، كما هو مبسوط فى موضعه . وقد يبتلى في أماكن الجهل وزمانه كثير من الناس بما هو من الشرك الأكبر ، وهم لا يعلمون . فالسائل مقصوده سؤاله ، وإن حصل له ما هو محبوب الرب من إنابته إليه ومحبته وتوبته ، فهذا بالعرض ، وقد يدوم . والأغلب أنه لا يدوم إلا أن يكون ذلك المحبوب للرب هو سؤاله ، مثل أن يسأل الله التوبة والإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته . فهنا مطلوبه محبوب للرب ؛ ولهذا ذم اللّه من لم يطلب إلا الدنيا فى قوله : ( فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاثِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ. فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ ). وأما المثنى : فنفس ثنائه محبوب للرب ، وحصول مقصود السائل يحصل ضمناً وتبعاً ، فهذا أرفع . لكن هذا إنما يتم لمن يخلص إيمانه ٣٨٧ فصار يحب الله، ويحب حمده وثناء. وذكره . وذلك أحب إلى قلبه من مطالب السائلين رزقا ونصراً . وأما من كان اهتمامه بهذا أكثر فهذا يكون انتفاعه بالدعاء أكثر وإن كان جنس الثناء أفضل ، كما أن قراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء . وقد يكون بعض الناس لنقص حاله انتفاعه بالذكر والدعاء أكمل ، فهو خير له بحسب حاله ، لا أفضل في نفس الأمر . والمقصود هنا : بيان ما شرعه الله لعباده مطلقاً عاماً . ولهذا ما كان من أذكار الصلاة من جنس الدعاء لم يجب عند عامة العلماء . وأما الثناء كدعاء الاستفتاح وغيره ، فاختلفوا في وجوبه ، فذهب طائفة من أصحاب أحمد إلى وجوب الذكر الذي هو ثناء كالاستفتاح . وهو اختيار ابن بطة وغيره ، وذكر هذا رواية عن أحمد . كما وجب في المشهور عنه التسبيح فى الركوع والسجود والتسميع والتحميد وتكبيرة الانتقال ، فهذان نوعان ظهر فضل أحدهما على الآخر . وأما النوع المتوسط بينهما : فهو إخبار الإنسان بعبادة الله تعالى كقوله: ( وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ) وقوله : إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) وقوله: ((لك سجدت ولك عبدت ، وبك آمنت ، وبك أسلمت )) ونحو ذلك . فهذا ٣٨٨ أفضل من الدعاء ، ودون الثناء ، فإنه إنشاء وإخبار بما يحبه الله، ويأمر به العبد ، فمقصوده محبوب الحق ، فهو أفضل مما مقصوده مطلوب العبد ، لكن جنس الثناء أفضل منه ، كما روى مسلم فى صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) فجعل هذا الكلام الذي هو ذكر الله أفضل من جميع الكلام بعد القرآن . وكذلك قال للرجل الذي قال : لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن فعلمنى ما يجزيني فعله: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) فجعل ذلك بدلا عن القرآن. فصل وسورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) أفضل من (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) وذلك أمر بأن يقال : ما هو صفة الرب ، وهذه أمر بأن يقال ما هو إنشاء خبر عن توحيد العبد ، وكان النى صلى الله عليه وسلم يقدم ذلك الصنف، كقوله فى الحديث الصحيح: ((اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ، أنت الحق وقولك الحق ، ووعدك حق، والجنة حق والنار حق ، ٣٨٩ والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت إلهي لا إله إلا أنت)) . فهذا الذكر تضمن الأنواع الثلاثة . فقدم ما هو خبر عن الله واليوم الآخر ورسوله ، ثم ذكر ما هو خبر عن توحيد العبد وإيمانه ثم ختم بالسؤال . وهذا لأن خبر الإنسان عن نفسه سلوك يشهد فيه نفسه ، وتحقيق عبادة الله عز وجل . وأما الثناء الحض فهو لا يشهد فيه إلا الله عز وجل بأسمائه وصفاته، وما جرد فيه ذكر الله تعالى أفضل مما جرد فيه الخلق أيضاً ، ولهذا فضلت سورة ( قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدُّ) وجعلت تعدل ثلث القرآن، لأنها صفة الرحمن وذكره محضاً لم تشب بذكر غيره، لكن فى ابتداء السلوك لا بد من ذكر الإنشاء ولهذا كان مبتدأ الدخول في الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . بخلاف حال العبادة المحضة ، فإنه يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فإن الشهادة بها يصير مسلماً . وهو الأصل والأساس ، ولهذا جعلت ركناً فى الخطب: فى خطب الصلاة ، وهي التشهد يختم بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . وفى الخطب خارج الصلاة : كطبة ٣٩٠ الحاجة . خطبة ابن مسعود ، والخطب المشروعة ، خطبة الجمعة وغيرها . وفى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل خطبة ليس فيها تشهد ، فهي كاليد الجذماء » . والذين أوجبوا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فى الخطبة كأصحاب الشافعي وأحمد قال كثير منهم: يجب مع الحمد الصلاة عليه ، وقال بعضهم : يجب ذكره ، إما بالصلاة ، وإما بالتشهد . وهو اختيار جدي أبي البركات . والصواب: أن ذكره بالقشهد هو الواجب ، لدلالة هذا الحديث ؛ ولأن الشهادة إيمان به ، والصلاة عليه دعاء له ، وأين هذا من هذا والتشهد فى الصلاة لا بد فيه من الشهادة له فى الأول والآخر ، وأما الصلاة عليه فشرعت مع الدعاء . وأما التشهد فهو مشروع فى الخطب والثناء ، فتشهد الصلاة ثناء على الحق ، شرع فيه التشهد ، والخطبة خطاب مع الناس ، شرع فيها التشهد، والأذان ذكر اللّه يقصد به الإعلام بوقت العبادة وفعلها، فشرع فيه التشهد . وأما الصلاة عليه فإنما جاءت الآثار بأنها تكون مع الدعاء، حديث الذي قال فيه: ((عجل هذا)) وأمثاله . فإن الصلاة ٣٩١ عليه من جنس الدعاء ، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فيكون الدعاء له مقدماً على الدعاء لغيره ، كما قدم السلام عليه في التشهد على السلام على غيره ، حتى على المصلى نفسه ، فهذا مما يبين كمال أسرار الدين فقدم في الخطب الحمد على التشهد، كما قدم فى الفاتحة المحمد على التوحيد بقوله : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) فإن فى سنن أبي داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم)» فالحمد لله له الابتداء . ولهذا كانت خطب النبى صلى الله عليه وسلم يفتتحها بالحمد لله، وكذلك الصلاة إنما تفتح بالحمد . فتفتتح بسورة الحمد عند المسلمين كلهم ؛ إذ هي السنة المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم، وتفتح بالجهر بكلمة ((الحمد)) عند المسلمين جمهورم. وإذا كانت البسملة مقصودة عند جمهورم ، فهي وسيلة ؛ إذ قول القارئ: بسم الله، معناه بسم الله أقرأ. أو أنا قارئ، ولهذا شرعت التسمية في افتتاح الأعمال كلها ، فيسمى الله عند الأكل . والشرب ؛ ودخول المنزل ، والخروج منه، ودخول المسجد، والخروج منه ، وغير ذلك من الأفعال . وهي عند الذبح من شعار التوحيد . فالصلاة والقراءة عمل من الأعمال ، فافتتحت بالتسمية . ٣٩٢ ولهذا إنما أنزلها الله فى أول كل سورة، وهي من القرآن حيث كتبت كما كتبها الصحابة ، لكنها آية مفردة فى أول السورة ، وليست من السورة ، وهذا القول أعدل الأقوال الثلاثة ، التى للعلماء فيها ، فلما كانت تابعة ووسيلة ، والحمد مقصود لنفسه ، والتسمية لأجله ، جهر بالمقصود وأعلن ، وأخفى الوسيلة . كما هو قول جمهور العلماء ، وعليه تدل الأحاديث الصحيحة . ألا ترى أنه باتفاق المسلمين ، وهي السنة المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها في الخطب، بل يفتتح الخطبة بالمحمد ، وإن لم تكن الخطبة قرآناً. ولهذا لم يذكرها النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حديث قسمة الصلاة بين العبد والرب ، وخطبة الجمعة تفتتح بالمحمد بالسنة المتواترة ، واتفاق العلماء . وأما خطبة الاستسقاء ففيها ثلاثة أقوال ، فى مذهب أحمد وغيره . أحدها : أنها تفتح بالحمد لله كالجمعة. والثانى: بالتكبير كالعيد . والثالث : بالاستغفار ؛ لأنه أخص بالاستسقاء، وخطبة العيد قد ذكر عبد الله بن عقبة : أنها تفتتح بالتكبير ، وأخذ بذلك من أخذ ٣٩٣ به من الفقهاء ؛ لكن لم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه افتتح خطبته بغير الحمد ، لا خطبة عيد ولا استسقاء ، ولا غير ذلك. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالمحمد فهو أجذم » . وقد كان يخطب خطب الحج ، وغير خطب الحج ، خطباً عارضة ولم ينقل أحد عنه أنه افتتح خطبة بغير الحمد ، فالذي لا بد منه فى الخطبة : الحمد لله، والتشهد، والحمد يتبعه التسبيح ، والتشهد يتبعه التكبير ، وهذه هي ( الباقيات الصالحات ) وقال تعالى: ( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) فصل إذا تبين هذا الأصل : فأفضل أنواع الاستفتاح ما كان ثناء محضا ، مثل: ((سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك، وتعالى جدك ولا إله غيرك)) وقوله : الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا )) ولكن ذاك فيه من الثناء ما ليس في هذا ، فإنه تضمن ذكر ((الباقيات الصالحات )) التى هى أفضل الكلام بعد القرآن ، وتضمن قوله: ((تبارك اسمك، وتعالى جدك)). وهما من القرآن أيضاً . ولهذا كان أكثر السلف يستفتحون به وكان عمر بن الخطاب جهر به يعلمه الناس . ٣٩٤ وبعده النوع الثانى: وهو الخبر عن عبادة العبد . كقوله : (( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض، إلخ.)) وهو يتضمن الدعاء ، وإن استفتح العبد بهذا بعد ذلك فقد جمع بين الأنواع الثلاثة وهو أفضل الاستفتاحات . كما جاء ذلك في حديث مصرحاً به ، وهو اختيار أبى يوسف ، وابن هبيرة ــ الوزير - من أصحاب أحمد ، صاحب ((الإفصاح))، وهكذا أستفتح أنا . وبعده النوع الثالث كقوله : « اللهم باعد بيني وبين خطاياي . كما باعدت بين المشرق والمغرب ، إلخ))، وهكذا ذكر الركوع والسجود، والتسبيح فيهما، أفضل من قوله: ((لك ركعت، ولك سجدت)). وهذا أفضل من الدعاء ، والترتيب هنا متفق عليه فيما أعلم ، فإنى لم أعلم أحداً قال : إن الدعاء فيهما أفضل من التسبيح ، كما قيل مثل ذلك في الاستفتاح . فإن قلت : هذا الترتيب عكس الأسانيد ، فإنه ليس فى الصحيحين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فى استفتاح الفريضة إلا هذا الدعاء ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي)). وقوله: ((وجهت وجهي)) فى محيح مسلم. وحديث (( سبحانك اللهم)) فى السنن . وقد تكلم فيه ، وقد روي أن هذا كان في قيام الليل، وكذلك قوله: ((وجهت وجهي)). ٣٩٥ قلت : كون هذا مما بلغنا من طريق أصح من هذا فهذا ليس فى صفة الذكر نفسه فضيلة توجب فضله على الآخر ، لكنه طريق لعلمنا به ، والفضيلة كانت ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفى زمنه قبل أن يبلغنا الأمر . وقد ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - أنه كان يجهر بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، يعلمه الناس ، فلولا أن هذا من السنن المشروعة لم يفعل هذا عمر ، ويقره المسلمون عليه . وحديث أبى هريرة دليل على أن الاستفتاح لا يختص بسبحانك اللهم، ووجهت وجهي وغيرهما، بل يستفتح بكل ما روي ؛ لكن فضل بعض الأنواع على بعض ، يكون بدليل آخر ، كما قدمنا . وأيضاً فإن قوله: ((سبحانك اللهم الخ)) يتضمن الباقيات الصالحات التى هي أفضل الكلام بعد القرآن ، كما فى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع ، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)). وأيضاً ففي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ٣٩٦ أي الكلام أفضل؟ قال: (( ما اصطفى الله لملائكته : سبحان الله وبحمده)) فهذه الكلمة هي أول ما في الاستفتاح ، وهي أفضل الكلام . وأيضاً فالله قد أمر بالتسبيح بحمده، وعبر بذلك عن الصلاة. فكان ابتداء الامتثال بهذا بقوله: ( وَسَيِّحْ بَحَمْدِرَبِّكَ حِيْنَ نَقُومُ) الذكر أولى . وقد قال طائفة . من المفسرين كالضحاك في تفسير هذه الآية : هو قول المصلي : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ، وقد بسطت الكلام على معنى هذه الكلمة فى غير هذا الموضع ، وبينت أنها تشتمل على التنزيه والتحميد والتعظيم بصفات البقاء والإثبات وأفعاله كلها سبحانه وبحمده . فصل التكبير مشروع فى الأماكن العالية ، وحال ارتفاع العبد ، وحيث بقصد الإعلان، كالتكبير في الأذان، والتكبير فى الأعياد، والتكبير إذا علا شرفا، والتكبير إذا رقى الصفا والمروة ، والتكبير إذا ركب الدابة، والتسبيح فى الأماكن المنخفضة ، وحيث ما نزل العبد. كما في السنن عن جابر قال: (( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا ، وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك)) . ٣٩٧ والحمد مفتاح كل أمر ذي بال : من مناجاة الرب، ومخاطبة العباد بعضهم بعضا، والشهادة مقرونة بالمحمد وبالتكبير ، فهي فى الأذان ، وفى الخطب خاتمة الثناء، فتذكر بعد التكبير ، ثم يخاطب الناس بقول المؤذن : حي على الصلاة ، حي على الفلاح . وتذكر فى الخطب ، ثم يخاطب الناس بقول: أما بعد ، وتذكر فى التشهد، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه ، فالحمد والتوحيد مقدم فى خطاب الخلق للخالق ، والحمد له الابتداء . فإن اللّه لما خلق آدم عليه السلام أول ما أنطقه بالمحمد فإنه عطس، وقال: الحمد لله رب العالمين، فقال الله: يرحمك ربك ، وكان أول ما نطق به الحمد ، وأول ما سمع من الله الرحمة، وبه افتتح الله أم القرآن، والتشهد هو الخاتمة. فأول الفاتحة (الْحَمْدُ للَّهِ) وآخر ما للرب ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ). وكذلك التشهد. والخطب فيها التشهد بعد الفاتحة . فإنه يتضمن إلهية الرب ، وهو أن يكون الرب هو المعبود ، هذا هو الغاية التى ينتهي إليها أعمال العباد، و ( لَوْكَانَ فيِهِمَاء ◌ِهُ إِلَّا اللّهُلَفَسَدَنَا ) لكن قدم الحمد ؛ لأن الحمد يكون من الله، ويكون من الخلق. وهو باق في الجنة: فـ (ءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) بخلاف العبادة. فإن العبادة إنما تكون فى الدنيا بالسجود ونحوه ، وتوحيده وذكره باق في الجنة يلهمه أهل الجنة ، كما يلهمهم النفس . ٣٩٨ وهذه الأذكار هي من جنس الأقوال ليست من العبادات العملية كالسجود والقيام والإحرام ، والرب تعالى يحمد نفسه ، ولا يعبد نفسه فالحمد أوسع العلوم الإلهية ، والحمد يفتح به ، ويختم به . فالسنة لمن أكل وشرب أن يحمد الله، وفى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ، ويشرب الشربة فيحمده عليها )) وقال تعالى: (وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ اْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ ) وقال تعالى: ( فَقُطِعَ دَابِرُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وقال: ( وَءَاخِرُ دَعْوَنِهُمْ أَنِ الْحَمْدُلِلَّهِ رَبِّ وَالْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) اَلْعَلَمِينَ ). وإنما فرض عليه من الدعاء الراتب الذي يتكرر بتكرر الصلوات ، بل الركعات فرضها ونفلها هو الدعاء الذي تتضمنه أم القرآن ، وهو قوله تعالى: ( اهْدِنَالصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) لأن كل عبد فهو مضطر دائماً إلى مقصود هذا الدعاء ، وهو هداية الصراط المستقيم ، فإنه لا مجاة من العذاب إلا بهذه الهداية ، ولا وصول إلى السعادة إلا به ، فمن فاته هذا الهدى : فهو إما من المغضوب عليهم ، أو من الضالين . ٣٩٩ وهذا الاهتداء لا يحصل إلا بهدى الله: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) وهذه الآية مما يبين به فساد مذهب القدرية الذين يزعمون أن العبد لا يفتقر فى حصول هذا الاهتداء . بل كل عبد عندم فمعه ما يحصل به الطاعة والمعصية ، لا فرق عندهم بين المؤمن والكافر ، ولم يخص الله المؤمن عندم يهدى حصل به الاهتداء ، والكلام عليهم مبسوط فى موضع آخر . والمقصود هنا أن كل عبد فهو مفتقر دائماً إلى حصول هذه الهداية وأما سؤال من يقول : فقد هدام إلى الإيمان فلا حاجة إلى الهدى . وجواب من يجيب بأن المطلوب دوام الهدى . فكلام من لم يعرف حال الإنسان ، وما أمر به ؛ فإن الصراط المستقيم حقيقته : أن تفعل كل وقت ما أمرت به فى ذلك الوقت من علم وعمل ، ولا تفعل ما نهيت عنه، وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهة جازمة لترك المحذور . وهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن يحصل للعبد فى وقت واحد ، بل كل وقت يحتاج أن يجعل الله فى قلبه من العلوم والإرادات ما يهدى به فى ذلك الوقت . نعم حصل له هدى مجمل ، بأن القرآن حق ، ودين الإسلام حق والرسول حق ، ونحو ذلك ، ولكن هذا الهدى المجمل لا يغنيه إن لم يحصل هدى مفصل فى كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التى يحار ٤٠٠