Indexed OCR Text

Pages 361-380

أما الأول فقد على اللّه الذكر الذي أنزله على رسوله ، وأمر
أزواج نبيه بذكره، حيث يقول: (وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّمِنْ
ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [و](١) حفظه من أن يقع فيه من التحريف ما وقع
فيما أنزل قبله . كما عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة ، فعصم
حروف التنزيل أن يغير ، وحفظ تأويله أن يضل فيه أهل الهدى
المتمسكون بالسنة والجماعة ، وحفظ أيضاً سنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم عما ليس فيها من الكذب عمداً أو خطأ ، بما أقامه من علماء
أهل الحديث وحفاظه ، الذين خصوا عنها وعن نقلتها ورواتها، وعلموا
من ذلك مالا يعلم غيرم ، حتى صاروا مجتمعين على ما تلقوه بالقبول
منها إجماعاً معصوما من الخطأ ؛ لأسباب يطول وصفها فى هذا الموضع.
وعلموا م خصوصاً وسائر علماء الأمة ، بل وعامتها عموما ما صانوا به
الدين عن أن يزاد فيه ، أو ينقص منه، مثلما علموا أنه لم يفرض عليهم
فى اليوم والليلة إلا الصلوات الخمس، وأن مقادير ركعاتها ما بين الثنائي والثلاثي
والرباعي ، وأنه لم يفرض عليهم من الصوم إلا شهر رمضان، ومن
الحج إلا حج البيت العتيق ؛ ومن الزكاة إلا فرائضها المعروفة، إلى
نحو ذلك .
وعلموا كذب أهل الجهل والضلالة فيما قد يأثرونه عن النبى صلى
الله عليه وسلم، لعلمهم بكذب من يزعم من الرافضة أن النبى صلى
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٣٦١

الله عليه وسلم نص على علي بالخلافة نصاً قاطعاً جلياً ، وزعم آخرين أنه
نص على العباس .
وعلموا أكاذيب الرافضة والناصبة - التى يأثرونها فى مثل ((الغزوات))
التى يروونها عن علي وليس لها حقيقة ، كما يرويها المكذبون الطرقية:
مثل أكاذيبهم الزائدة فى سيرة عنتر والبطال - حيث علموا مجموع مغازي
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القتال فيها كان في تسعة مغاز
فقط ، ولم يكن عدة المسلمين ولا العدو فى شيء من مغازي القتال
عشرين ألفا .
ومثل ((الفضائل)) المروية ليزيد بن معاوية ونحوه ، والأحاديث
التى يرويها كثير من الكرامية فى الإرجاء ونحوه ، والأحاديث التى
يرويها كثير من النساك فى صلوات أيام الأسبوع ، وفى صلوات
أيام الأشهر الثلاثة ، والأحاديث التى يروونها فى استماع النبى صلى الله عليه
وسلم هو وأصحابه ، وتواجده ، وسقوط البردة عن ردائه ، وتمزيقه
الثوب ، وأخذ جبريل لبعضه، وصعوده به إلى السماء ، وقتال أهل
الصفة مع الكفار ، واستماعهم لمناجاته ليلة الإسراء ، والأحاديث المأثورة
فى نزول الرب إلى الأرض يوم عرفة ، وصبيحة مزدلفة ، ورؤية النبى
صلى الله عليه وسلم له فى الأرض بعين رأسه ، وأمثال هذه الأحاديث
المكذوبة التى يطول وصفها ، فإن المكذوب من ذلك لا يحصيه أحد
إلا الله تعالى ؛ لأن الكذب يحدث شيئاً فشيئاً ليس بمنزلة الصدق
٣٦٢

الموروث عن النبى صلى الله عليه وسلم الذي لا يحدث بعده، وإنما يكون
موجوداً فى زمنه صلى الله عليه وسلم ، وهو محفوظ محروس بنقل خلفاء
الرسول ، وورثة الأنبياء .
وكان من الدلائل على انتفاء هذه الأمور المكذوبة وغيرها وجوه :
( أحدها ) : أن ما توفرت همم الخلق ودواعيهم على نقله وإشاعته
يمتنع فى العادة كتماته ، فانفراد العدد القليل به يدل على كذبهم ، كما يعلم
كذب من خرج يوم الجمعة وأخبر بحادثة كبيرة فى الجامع مثل سقوط
الخطيب وقتله ، وإمساك أقوام فى المسجد ، إذا لم يخبر بذلك إلا
الواحد والاثنان ، ويعلم كذب من أخبر أن في الطرقات بلادا عظيمة
وأمما كثيرين ، ولم يخبر بذلك السيارة ، وإنما انفرد به الواحد والاثنان،
ويعلم كذب من أخبر بمعادن ذهب وفضة متيسرة لمن أرادها بمكان
يعلمه الناس، ولم يخبر بذلك إلا الواحد والاثنان ، وأمثال ذلك كثيرة
فباعتبار العقل وقياسه وضربه الأمثال يعلم كذب ما ينقل من الأمور التى
مضت سنة الله بظهورها وانتشارها ، لو كانت موجودة .
كما يعلم أيضاً صدق ما مضت سنة الله فى عباده أنهم لا يتواطؤون
فيه على الكذب ، من الأمور المتواترة ، والمنقولات المستفيضة ، فإن الله
جبل جماهير الأمم على الصدق والبيان ، فى مثل هذه الأمور ؛ دون
٣٦٣

الكذب والكتمان ، كما جبلهم على الأكل والشرب واللباس ، فالنفس
بطبعها تختار الصدق ، إذا لم يكن لها في الكذب غرض راجح ،
وتختار الإخبار بهذه الأمور العظيمة دون كتمانها .
والناس يستخبر بعضهم بعضا ، ويميلون إلى الاستخبار والاستفهام
عما يقع ، وكل شخص له من يؤثر أن يصدقه ، ويبين له دون أن
يكذبه ويكتمه ، والكذب والكتمان يقع كثيراً في بنى آدم فى قضايا
كثيرة لا تنضبط ، كما يقع منهم الزنا وقتل النفوس والموت جوعا وعريا
ونحو ذلك، لكن ليس الغالب على أنسابهم إلا الصحة، وعلى أنفسهم
إلا البقاء ، فالغرض هنا أن الأمور المتواترة يعلم أنهم لم يتواطؤوا فيها
على الكذب، والأخبار الشاذة يعلم أنهم لم يتواطؤوا فيها على الكتمان .
( الوجه الثاني ) : أن دين الأمة يوجب عليهم تبليغ الدين ،
وإظهاره وبيانه ، ويحرم عليهم كتمانه ، ويوجب عليهم الصدق ، ويحرم
عليهم الكذب ، فتواطؤهم على كتمان ما يجب بيانه، كتواطئهم على الكذب
وكلاهما من أقبح الأمور التى تحرم في دين الأمة، وذلك باعث موجب
الصدق والبيان .
( الثالث ) : أنه قد علم من عدل سلف الأمة ودينها وعظيم رغبتها
فى تبليغ الدين وإظهاره وعظيم مجانبتها للكذب على الرسول صلى الله
٣٦٤

عليه وسلم ما يوجب أعظم العلوم الضرورية ؛ بأنهم لم يكذبوا فيما
نقلوه عنه، ولا كتموا ما أمرهم بتبليغه ، وهذه العادة الحاجية الخاصة
الدينية لهم غير العادة العامة المشتركة بين جنس البشر .
( الرابع ) : أن العلماء الخاصة يعلمون من نصوص رسول الله
صلى الله عليه وسلم الموجبة عليهم التبليغ، ومن تعظيمهم لأمر الله
ورسوله ، ومن دين آحادم : مثل الخلفاء ، ومثل ابن مسعود ، وأبي ،
ومعاذ ، وأبى الدرداء - إلى ابن عمر ، وابن عباس ، وابن عمرو .
وغيرهم. يعلمون علما يقينا - لا يتخالجه ريب - امتناع هؤلاء من
كتمان قواعد الدين التى يجب تبليغها إلى العامة ، كما يعلمون امتناعهم
من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويعلم أيضاً أهل الحديث مثل أحوال المشاهير بمعرفة ذلك مثل
الزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير ، ومثل مالك والثوري وشعبة وحماد
ابن زيد ، وحماد بن سلمة ، وغيرم أموراً يعلمون معها امتناعهم من
الكذب ، وامتناعهم عن كتمان تبليغ هذه الأمور العظيمة التى تأبى
أحوالهم كتمانها ، لو كانت موجودة ، ولهم في ذلك أسباب يطول شرحها
وليس الغرض هنا تقرير ذلك . وإنما الغرض التنبيه على ما وقع من
الشبهة لبعض الناس من أهل الأهواء .
٣٦٥

قالوا : هذا الذي ذكرتموه معارض بأمر الأذان والإقامة، فإنه كان
يفعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم خمس مرات ، ومع
هذا فقد وقع الاختلاف فى صفته ، وكذلك الجهر بالبسملة ، والقنوت
في الفجر، وحجة الوداع من أعظم وقائعه ، وقد وقع الاختلاف في
نقلها ، وذكروا نحو هذه الأمور التى وقعت فيها الشبهة والنزاع عند
بعض الناس ، وجعلوا هذا معارضاً لما تقدم ليسوغوا أن يكون من
أمور الدين ما لم ينقل ، بل كتم لأهواء وأغراض .
وأما جهة الرأي والتنازع ، فإن تنازع العلماء واختلافهم فى صفات
العبادات ، بل وفي غير ذلك من أمور الدين صار شبهة لكثير من أهل
الأهواء من الرافضة وغيرهم، وقالوا : إن دين اللّه واحد، والحق
لا يكون فى جهتين: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ واْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا ).
فهذا التفرق والاختلاف دليل على انتفاء الحق فيما عليه أهل
السنة والجماعة ، ويعبرون عنهم بعبارات تارة يسمونهم الجمهور ، وتارة
يسمونهم الحشوية ، وتارة يسمونهم العامة ، ثم صار أهل الأهواء لما
جعلوا هذا مانعاً من كون الحق فيما عليه أهل السنة والجماعة ، كل ينتحل
سبيلا من سبل الشيطان .
٣٦٦

فالرافضة تنتحل النقل عن أهل البيت لما لا وجود له ، وأصل من
وضع ذلك لهم زنادقة ، مثل رئيسهم الأول عبد الله بن سبأ ، الذي
ابتدع لهم الرفض ، ووضع لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نص
على علي بالخلافة ، وأنه ظلم ومنع حقه ، وقال إنه كان معصوماً ،
وغرض الزنادقة بذلك التوسل إلى هدم الإسلام ، ولهذا كان الرفض
باب الزندقة والإلحاد ، فالصابئة المتفلسفة ومن أخذ ببعض أمورهم ، أو
زاد عليهم - من القرامطة والنصيرية والإسماعيلية والحاكمية وغيرهم -
إنما يدخلون إلى الزندقة والكفر بالكتاب والرسول ، وشرائع الإسلام
من باب التشيع والرفض ، والمعتزلة ومحوم تنتحل القياس والعقل ،
وتطعن فى كثير مما ينقله أهل السنة والجماعة ، ويعللون ذلك بما ذكر
من الاختلاف ونحوه . وربما جعل ذلك بعض أرباب الملة من أسباب
الطعن فيها ، وفي أهلها ، فيكون بعض هؤلاء المتعصبين ببعض هذه
الأمور الصغار ساعياً في هدم قواعد الإسلام الكبار .
فصل
إذا تبين بعض ما حصل في هذا الاختلاف والتفرق من الفساد ،
فنحن نذكر طريق زوال ذلك ، ونذكر ما هو الواجب فى الدين فى
هذه المنازعات، وذلك ببيان الأصلين اللذين هما ((السنة والجماعة))
٣٦٧

المدلول عليها بكتاب الله، فإنه إذا اتبع كتاب الله وما تضمنه من
اتباع رسوله ، والاعتصام بحبله جميعاً حصل الهدى والفلاح ، وزال
الضلال والشقاء .
أما الأصل الأول: وهو ((الجماعة)) وبدأنا به لأنه أعرف عند
عموم الخلق ، ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من
معاني الكتاب والسنة .
فنقول : عامة هذه التنازعات إنما هي فى أمور مستحبات ومكروهات،
لا فى واجبات ومحرمات ؛ فإن الرجل إذا حج متمتعاً أو مفرداً أو
قارناً كان حجه مجزئاً عند عامة علماء المسلمين، وإن تنازعوا فى الأفضل
من ذلك ، ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب أو يمنع ذلك .
فمن الشيعة من يوجب المتعة ويحرم ما عداها ، ومن الناصبة من يحرم
المتعة ولا يبيحها بحال .
وكذلك الأذان سواء رجع فيه أو لم يرجع ، فإنه أذان صحيح عند
جميع سلف الأمة ، وعامة خلفها، وسواء ربح التكبير فى أوله أو
تناه ، وإنما يخالف فى ذلك بعض شواذ المتفقهة ، كما خالف فيه بعض
الشيعة، فأوجب له الحيعلة ((بحي على خير العمل)) وكذلك الإقامة بصح
فيها الإفراد والتثنية بأيها أقام صحت إقامته عند عامة علماء الإسلام ، إلا
٣٦٨

ما تنازع فيه شذوذ الناس .
وكذلك الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما حائز لا يبطل الصلاة ، وإن
كان من العلماء من يستحب أحدهما، أو يكره الآخر ، أو يختار أن
لا يقرأ بها . فالمنازعة بينهم في المستحب، وإلا فالصلاة بأحدهما حارة
عند عوام العلماء ، فإنهم وإن تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما ، هل
هما واجبان أم لا ؟ وفيه نزاع معروف فى مذهب مالك وأحمد وغيرهما
فهذا فى الجهر الطويل بالقدر الكثير ، مثل المخافتة بقرآن الفجر ، والجهر
بقراءة صلاة الظهر .
فأما الجهر بالشيء اليسير ، أو المخافتة به ، فمما لا ينبغي لأحد أن
يبطل الصلاة بذلك ، وما أعلى أحداً قال به . فقد ثبت في الصحيحين
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان فى صلاة المخافتة يسمعهم الآية أحياناً
وفي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال : (( كنا نصلي وراء
النبى صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة. قال: سمع
الله لمن حمده، قال رجل وراءه : ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً
مباركا فيه، فلما انصرف قال: ((من المتكلم؟)) قال: أنا ، قال :
((رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)).
ومعلوم أنه لولا جهره بها لما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا
٣٦٩

الراوي . ومعلوم أن المستحب المأموم المخافتة بمثل ذلك ، وكذلك ثبت
في الصحيح عن عمر أنه كان يجهر بدعاء الاستفتاح ((سبحانك اللهم
وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك . وهذا فعله
بين المهاجرين والأنصار والسنة الراتبة فيه المخافتة ، وكذلك كان من
الصحابة من يجهر بالاستعاذة ، وفي الصحيح عن ابن عباس أنه جهر
بقراءة الفاتحة على الجنازة ، وقال : لتعلموا أنها السنة ، ولهذا نظائر .
وأيضاً فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة ، كابن
الزبير ونحوه ، ومنهم من لم يكن يجهر بها كابن مسعود وغيره ، وتكلم
الصحابة فى ذلك ، ولم يبطل أحد منهم صلاة أحد في ذلك . وهذا
مما لم أعلم فيه نزاعاً ، وإن تنازعوا فى وجوب قراءتها فتلك
مسألة أخرى .
وكذلك القنوت فى الفجر إنما النزاع بيهم فى استحبابه أو كراهيته،
وسجود السهو لتركه أو فعله ، وإلا فعامتهم متفقون على صحة صلاة من
ترك القنوت ، وأنه ليس بواجب ، وكذلك من فعله إذ هو تطويل يسير
للاعتدال ، ودعاء الله فى هذا (١) الأذان ، فإذا كان كل واحد من
مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمره النبى صلى الله عليه وسلم
(١) سقط في الأصل أربع صفحات .
٣٧٠

بأحد النوعين ، صار ذلك مثل تعليمه القرآن لعمر بحرف ، ولهشام بن
حكيم بحرف آخر، وكلاهما قرآن أذن الله أن يقرأ به .
وكذلك الترجيع فى الأذان هو ثابت فى أذان أبي محذورة ، وهو
محذوف من أذان بلال الذي رووه في السنن ، وكذلك الجهر بالبسملة
والمخافتة بها صح الجهر بها عن طائفة من الصحابة ، وصحت المخافتة بها
عن أكثرم ، وعن بعضهم الأمران جميعاً .
وأما المأثور عن النبى صلى الله عليه وسلم فالذي فى الصحاح
والسنن ؛ يقتضي أنه لم يكن يجهر بها، كما عليه عمل أكثر الصحابة
وأمته ، ففي الصحيح حديث أنس وعائشة وأبى هريرة ، يدل على
ذلك دلالة بينة ، لا شبهة فيها ، وفي السنن أحاديث أخر : مثل حديث
ابن مغفل وغيره ، وليس في الصحاح والسنن حديث فيه ذكر جهره
بها ، والأحاديث المصرحة بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث،
ولهذا لم يخرجوا فى أمهات الدواوين منها شيئاً ، ولكن فى الصحاح
والسنن أحاديث محتملة .
وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس أن النبى صلى الله
عليه وسلم : كان يجهر بها إذكان بمكة، وأنه لما هاجر إلى المدينة
ترك الجهر بها حتى مات . ورواه أبو داود فى الناسخ والمنسوخ ، وهذا
٣٧١

يناسب الواقع ؛ فإن الغالب على أهل مكة كان الجهر بها ، وأما أهل
المدينة والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها، وكذلك أكثر
البصريين ، وبعضهم كان يجهر بها ، ولهذا سألوا أنساً من ذلك. ولعل
النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بها بعض الأحيان ، أو جهراً خفيفاً
إذا كان ذلك محفوظاً ، وإذا كان فى نفس كتب الحديث أنه فعل هذا
مرة ، وهذا مرة زالت الشبهة .
وأما القنوت فأمره بين لا شبهة فيه عند التأمل التام ؛ فإنه قد
ثبت فى الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه قنت فى الفجر
مرة يدعو على رعل وذكوان وعصية)) ثم تركه ولم يكن تركه نسخاً له
لأنه ثبت عنه فى الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين : مثل
الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، والمستضعفين من المؤمنين ، ويدعو
على مضر، وثبت عنه أنه قنت أيضاً فى المغرب والعشاء ، وسائر
الصلوات قنوت استنصار .
فهذا فى الجملة منقول ثابت عنه ، لكن اعتقد بعض العلماء من
الكوفيين أنه تركه ترك نسخ ، فاعتقد أن القنوت منسوخ ، واعتقد
بعضهم من المكيين أنه ما زال يقنت فى الفجر القنوت المتنازع فيه حتى
فارق الدنيا ، والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قنت لسبب ، وتركه
لزوال السبب .
٣٧٢

فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب ؛ لأنه ثبت أنه تركه لما
زال العارض ، ثم عاد إليه مرة أخرى ، ثم تركه لما زال العارض ،
وثبت فى الصحاح أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً ، هكذا ثبت عن
أنس وغيره ، ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت القنوت المتنازع فيه ،
لا قبل الركوع ولا بعده ، ولا فى كتب الصحاح والسنن شيء من
ذلك، بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر، وأبى مالك الأشجعي وغيرها.
ومن المعلوم قطعاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان كل
يوم يقنت قنوتاً يجهر به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة ، فإنهم
نقلوا ما كان يقوله في القنوت العارض ، وقنوت الوتر ، فالقنوت الراتب
أولى أن ينقل دعاؤه فيه ، فإذا كان الذي نستحبه إنما يدعو فيه لقنوت
الوتر ، علم أنه ليس فيه شيء عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وهذا مما
يعلم باليقين القطعي ، كما يعلم عدم النص على هذا وأمثاله ، فإنه من
الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نقل ذلك ، فانه مما يعلم
بطلانه قطعاً .
وكذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر ، وعلي ، وغيرهما هو القنوت
العارض ، قنوت النوازل ، ودعاء عمر فيه، وهو قوله: ((اللهم عذب
كفرة أهل الكتاب)) الخ . يقتضى أنه دعا به عند قتاله للنصارى ،
وكذلك دعاء علي عند قتاله لبعض أهل القبلة . والحديث الذي فيه عن
٣٧٣

أنس: (( أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا)) مع ضعف فى إسناده ،
وأنه ليس في السنن ، إنما فيه القنوت قبل الركوع .
وفى الصحاح عن أنس أنه قال: ((لم يقنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعد الركوع إلا شهراً)) والقنوت قبل الركوع هو القيام
الطويل ؛ إذ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة ، فتارة يكون في السجود
وتارة يكون في القيام ، كما قد بيناه فى غير هذا الموضع .
وأما حجة الوداع ، وإن اشتبهت على كثير من الناس ، فإنما أنوا
من جهة الألفاظ المشتركة حيث سمعوا بعض الصحابة يقول : إنه تمتح
بالعمرة إلى الحج ، وهؤلاء أيضاً يقولون إنه أفرد الحج ، ويقول بعضهم
إنه قرن العمرة إلى الحج ، ولا خلاف فى ذلك . فإنهم لم يختلفوا أن
النبى صلى الله عليه وسلم لم يحل من إحرامه، وأنه كان قد ساق الهدي
ومحره يوم النحر ، وأنه لم يعتمر بعد الحجة في ذلك العام ، لا هو ولا
أحد من أصحابه ، إلا عائشة أمر أخاها أن يعمرها من التنعيم أدنى الحل
وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه فيها أنه لم يطف بالصفا والمروة إلا مرة
واحدة ، مع طوافه الأول .
فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا ، لأنه أفرد أعمال الحج لم يقرن
٣٧٤

بها عمل العمرة ، كما يتوهم من يقول إن القارن يطوف طوافين ،
ويسعى سعيين، ولم يتمتع تمتعاً حل به من إحرامه ما يفعله المتمتح الذي
لم يسق الهدي ؛ بل قد أمر جميع أصحابه الذين لم بسوقوا الهدي
أن يحلوا من إحرامهم ، ويجعلوها عمرة ، ويهلوا بالحج بعد قضاء
عمرتهم . اهـ
٣٧٥

وقال الشيخ - حر الله
فصل
(( أنواع الاستفتاح للصلاة ثلاثة)) وهي أنواع الأذكار مطلقاً بعد
القرآن . أعلاها ما كان ثناء على الله ، ويليه ما كان خبراً من العبد عن
عبادة اللّه، والثالث ما كان دعاء للعبد.
فإن الكلام إما إخبار ، وإما إنشاء ، وأفضل الأخبار ما كان خبراً
عن الله، والإخبار عن اللّه أفضل من الخبر عن غيره، ومن الإنشاءات
ولهذا كانت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) تعدل ثلث القرآن؛ لأنها تتضمن
الخبر عن الله ، وكانت آية الكرسي أفضل آية فى القرآن ؛ لأنها خبر
عن الله، فما كان من الذكر من جنس هذه السورة، وهذه الآية،
فهو أفضل الأنواع . والسؤال للرب هو بعد الذكر المحض ، كما فى
حديث مالك بن الحويرث: (( من شغله ذكري عن مسألتى أعطيته أفضل
ما أعطى السائلين)).
ولهذا كانت الفاتحة نصفين : نصفاً ثناء ، ونصفاً دعاء. ونصف
٣٧٦

الثناء هو المقدم ، وهو الذي لله عز وجل ، وكذلك فى حديث الشفاعة
الصحيح قال : (( فإذا رأيت ربى خررت له ساجداً ، فأحمد ربى بمحامد
يفتحها علي ، لا أحسنها الآن ، فيقول: أي محمد ! ارفع رأسك ، وقل
تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع)، فبدأ بالحمد لله ، حتى أذن له
فى السؤال فسأل .
وفى صحيح البخاري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
«من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، والحمد لله، وسبحان الله، والله
أكبر ، اللهم اغفر لي . فإن دعا استجيب دعاؤه ، وإن توضأ وصلى
قبلت صلاته)) وقال: ((أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء
قدير )) ولهذا كان التشهد ثناء على الله عز وجل . وقال فى آخره ثم
ليتخير من المسألة ما شاء .
والأدعية الشرعية هي بعد التشهد ؛ لم يشرع الدعاء فى القعود قبل
التشهد ؛ بل قدم الثناء على الدعاء ، وفى حديث الذي دعا قبل الثناء
قال النبى صلى الله عليه وسلم ((عجل هذا)). فروى الإمام أحمد
والترمذي وأبو داود عن فضالة بن عبيد قال ((سمع رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم، رجلا يدعو فى صلاته لم يحمد الله ولم يصل على
٣٧٧

النبى صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عجل هذا ، ثم دعاه فقال له - أو لغيره - إذا صلى أحدكم فليبدأ
بتحميد ربه ، والثناء عليه ، ثم يصلي على النبى صلى الله عليه وسلم ،
ثم يدعو بعد ذلك بما شاء)).
والذكر المشروع باتفاق المسلمين فى الركوع والسجود ، والاعتدال
وأما الدعاء فى الفرض ففي كراهيته نزاع ، وإن كان الصحيح أنه لا يكره
ولكن الذكر أفضل ؛ فإن الذكر مأمور به فيها بقوله تعالى: (فَسَيِّحْ بِأَسْمِ
رَبِّكَ الْعَظِيمِ) و (سَبِحِ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى ) قال النبى صلى الله عليه
وسلم: ((اجعلوها فى ركوعكم))، والثانية ((اجعلوها فى سجودكم)).
فأما قوله صلى الله عليه وسلم: « أما الركوع فعظموا فيه الرب،
وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)) ففيه الأمر
في الركوع بالتعظيم ، وأمره بالدعاء فى السجود بيان منه أن الدعاء فى
السجود أحق بالإجابة من الركوع ؛ ولهذا قال : فقمن أن يستجاب لكم
كما قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) فهو أمر بأن
يكون الدعاء فى السجود .
أمر بالصفة لا بالموصوف ، أو أمر بالصفة والموصوف، وإن كان
التسبيح أفضل فإنه ليس من شرط المأمور أن لا يكون غيره أفضل
٣٧٨

منه ؛ لأن الدعاء هو بحسب مطلوب العبد ، لم يذكر دعاء معيناً أمر به
كما أمر بالفاتحة، بقوله: (اهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ ) والدعاء الواجب
لا يكون إلا معيناً ، وإن كان جنس الدعاء واجباً فمعلوم أن
الدعاء جاز فى نفس الصلاة ، وخارج الصلاة، وأكثر الأدعية المنقولة
عن النبى صلى الله عليه وسلم كانت فى آخر الصلاة، كما فى الحديث
المروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ذكر: ((أن أجوب الدعاء
جوف الليل الآخر)) و((دبر الصلاة)).
فعلم أن الدعاء دبر الصلاة - لاسيما قبل السلام . كما كان النبى
صلى الله عليه وسلم يدعو فى الغالب، فهو - أجوب سائر أحوال الصلاة؛
لأنه دعاء بعد إكمال العبادة .
وأما السجود فإنما ذكره والركوع لأنه قال: ((إني نهيت أن أقرأ
القرآن راكعاً أو ساجداً : أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود
فاجتهدوا في الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم )) فلما نهى عن القراءة فى
هذين الحالين ، ذكر ما يكون بدلا مشروعا لمن أراد ، فحص
الركوع بالتعظيم ؛ والسجود بالدعاء . فجمع الأقسام الثلاثة : القراءة ،
والذكر ، والدعاء.
ومما يبين فضل الذكر على المسألة : ماثبت في صحيح مسلم عن
٣٧٩

النبى صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن
أربع: وهن من القرآن - سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا اللّه،
والله أكبر)) ولهذا أمر بالذكر من عجز عن القراءة فى الصلاة ؛ لأن
الاعتدال مشروع. فيه التحميد بالسنة المتواترة ، وإجماع المسلمين، وهو
الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في كل صلاة ، وكان أحيانا
يدعو بعد التحميد بقوله: ((اللهم باعد بينى وبين خطاياي )) فأخر
السؤال عن الحمد والثناء والمجد ، وأمر أيضاً بالمحمد بقوله: ((فإذا قال
سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد)) وما داوم عليه وقدمه
وأمر به أفضل مما كان يفعله أحياناً، ويؤخره ، ولم يأمر به.
وأيضاً فنوع الثناء أضافه الرب إلى نفسه ، ونوع السؤال أضافه
إلى عبده. فقال: ((إذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَِّرَبِ الْعَلَمِينَ) قال الله:
حمدني عبدي، فإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال: أثنى على عبدي ،
وإذا قال: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) قال الله: مجدني عبدي ، فإذا قال:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) قال: هذه الآية، بينى وبين عبدي
نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ) إلى
آخر السورة. قال: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل)).
وأيضاً فجماهير العلماء على إيجاب الثناء ، فيوجبون التشهد الأخير ،
وكذلك التشهد الأول ، يجب مع الذكر عند مالك وأحمد ، فإذا تركه
٣٨٠