Indexed OCR Text

Pages 341-360

مقصود القراءة حصل بالاستماع ، وهو لا يسمع استفتاحه واستعادته ،
إذ كان الإمام يفعل ذلك سراً .
والثانية: يستفتح ولا يستعيذ ؛ لأن الاستعاذة تراد للقراءة ، وهو
لا يقرأ، وأما الاستفتاح فهو تابع لتكبيرة الافتتاح .
والثالثة: لا يستفتح ولا يستعيذ، وهو أصح، وهو قول أكثر
العلماء ، كمالك والشافعي ، وكذا أبو حنيفة فيما أظن ؛ لأنه مأمور
بالإنصات والاستماع ، فلا يتكلم بغير ذلك . ولأنه ممنوع من القراءة ،
فكذا يمنع من ذلك . وكثير من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم يقول
منعه أولى ، لأن القراءة واجبة ، وقد سقطت بالاستماع ؛ لكن مذهب
أحمد ليس منعه من القراءة أوكد ، فإن القراءة عنده لا يجب على
المأموم لا سراً ولا جهراً، وإن اختلف في وجوبها على المأموم،
فقد اختلف فى وجوب الاستفتاح والاستعاذة . وفى مذهبه فى ذلك
قولان مشهوران .
ومن حجة من يأمر بها عند الجهر : أنها واجبان لم يجعل عنها
بدل ؛ بخلاف القراءة فإنه جعل منها بدل وهو الاستماع؛ لكن الصحيح
أن ذلك ليس بواجب، والاستعاذة إنما أمر بها من يقرأ، والأمر بإستماع
قراءة الإمام والإنصات له مذكور فى القرآن ، وفى السنة الصحيحة ، وهو
٣٤١

إجماع الأمة فيما زاد على الفاتحة ، وهو قول جماهير السلف من الصحابة
وغيرهم فى الفاتحة وغيرها، وهو أحد قولي الشافعي ، واختاره طائفة
من حذاق أصحابه: كالرازي ، وأبى محمد بن عبد السلام ، فإن القراءة
مع جهر الإمام منكر مخالف للكتاب والسنة ، وما كان عليه عامة
الصحابة ، ولكن طائفة من أصحاب أحمد استحبوا للمأموم القراءة في
سكتات الإمام ، ومنهم من استحب أن يقرأ بالفاتحة وإن جهر، وهو
اختيار جدي. كما استحب ذلك طائفة منهم الأوزاعى وغيره ، واستحب
بعضهم للإمام أن يسكت عقب الفاتحة ليقرأ من خلفه ، وأحمد لم
يستحب هذا السكوت ، فإنه لا يستحب القراءة إذا جهر الإمام؛ وبسط
هذا له موضع آخر .
والمقصود هنا: أن سكوت الاستفتاح ثبت بهذا الحديث الصحيح ،
ومع هذا فعامة العلماء من الصحابة ومن بعدهم يستحبون الاستفتاح بغيره
كما يستحب جمهورم الاستفتاح بقوله: (( سبحانك اللهم)) وقد بينا سبب
ذلك فى غير هذا الموضع ، وهو أن فضل بعض الذكر على بعض هو لأجل
ما اختص به الفاضل، لا لأجل إسناده .
والذكر ثلاثة أنواع: أفضله ما كان ثناء على الله، ثم ما كان
إنشاء من العبد، أو اعترافا بما يجب لله عليه، ثم ما كان دعاء
من العبد .
٣٤٢

فالأول مثل النصف الأول من الفاتحة، ومثل: ((سبحانك اللهم
وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك))، ومثل التسبيح
فى الركوع والسجود .
والثاني مثل قوله: (وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ)
ومثل قوله فى الركوع والسجود: ((اللهم لك ركعت ولك سجدت )) وكما
في حديث علي الذي رواه مسلم .
والثالث مثل قوله: ((اللهم بعد بيني وبين خطاياي)) ومثل دعائه
فى الركوع والسجود . ولهذا أوجب طائفة من أصحاب أحمد ما كان
ثناء ، كما أوجبوا الاستفتاح ، وحكي فى ذلك عن أحمد روايتان ، واختار
ابن بطة وغيره وجوب ذلك ، وهذا لبسطه موضع آخر .
والمقصود هنا : أن النوع المفضول مثل الاستفتاح الذي رواه أبو
هريرة ، ومثل الاستفتاح بوجهت ، أو سبحانك اللهم ، عند من يفضل
الآخر : فعله أحياناً أفضل من المداومة على نوع ، ومجر نوع ، وذلك
أن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. كما ثبت في
الصحيح أنه كان يقول فى خطبة الجمعة: ((خير الكلام كلام الله، وخير
الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)). ولم يكن يداوم على استفتاح
واحد قطعاً ، فإن حديث أبى هريرة يدل على أنه كان يستفتح بهذا.
٣٤٣

فإن قيل : كان يداوم عليه ، فكانت المداومة عليه أفضل ، قلنا : لم
يقل هذا أحد من العلماء فيما علمناه.، فعلم أنه لم يكن يداوم عليه .
وأيضاً فقد كان عمر يجهر: ((بسبحانك اللهم وبحمدك)) يعلمها
الناس . ولولا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقولها فى الفريضة
ما فعل ذلك عمر ، وأقره المسلمون ، وكما كان بعضهم يجهر بالاستعاذة ،
وكذلك قيل فى جهر جماعة منهم بالبسملة أنه كان لتعليم الناس قراءتها ،
كما جهر من جهر منهم بالاستعاذة والاستفتاح ، وكما جهر ابن عباس
بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ؛ ولهذا كان الصواب هو المنصوص عن
أحمد أنه يستحب الجهر أحياناً بذلك ، فيستحب الجهر بالبسملة أحياناً ،
ونص قوم على أنه كان يجهر بها إذا صلى بالمدينة ، فظن القاضي أن
ذلك لأن أهل المدينة شيعة يجهرون بها ، وينكرون على من لم يجهر بها؛
لأن القاضي لما حج كان قد ظهر بها التشيع ، واستولى عليها وعلى أهل
مكة العبيديون المصريون ، وقطعوا الحج من العراق مدة وإنما حج
القاضي من الشام .
والصواب أن أحمد لم يأمر بالجهر لذلك ، بل لأن أهل المدينة
على عهده كانوا لا يقرأون بها سراً ولا جهراً، كما هو مذهب مالك ،
فأراد أن يجهر بها كما جهر بها من جهر من الصحابة تعليما للسنة ، وأنه يستحب
قراءتها فى الجملة ، وقد استحب أحمد أيضاً لمن صلى بقوم لا يقنتون
٣٤٤

بالوتر ، وأرادوا من الإمام أن لا يقنت لتأليفهم . فقد استحب ترك
الأفضل لتأليفهم ، وهذا يوافق تعليل القاضي . فيستحب الجهر بها إذا
كان المأمومون يختارون الجهر لتأليفهم، ويستحب أبضاً إذا كان فيه إظهار
السنة ، وهم يتعلمون السنة منه ولا ينكرونه عليه .
وهذا كله يرجع إلى أصل جامع: وهو أن المفضول قد بصير فاضلا
لمصلحة راجحة ، وإذا كان المحرم كأكل الميتة قد بصير واجباً
للمصلحة الراجحة ، ودفع الضرر . فلأن بصير المفضول فاضلا لمصلحة
راجحة أولى .
وكذلك يقال في أجناس العبادات كالصلاة : جنسها أفضل من جنس
القراءة، والذكر . ثم إنها منهي عنها فى أوقات النهي، فالقراءة والذكر
والدعاء في ذلك الوقت أفضل من الصلاة ، وكذلك الدعاء فى مشاعر
الحج بعرفة ومزدلفة ومنى والصفا والمروة أفضل من القراءة أبضاً بالنص
والإجماع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنى نهيت أن أقرأ
القرآن راكماً وساجداً)) وهذا فى الصحيح من حديث ابن عباس،
ومن حديث علي أيضاً أنه نهاه عن ذلك ، ولو قرأ هل تبطل
صلاته ؟ فيه وجهان في مذهب أحمد ، فالهي عن الصلاة والقراءة في
المشاعر الفضيلة (١) .
(١) بياض بالأصل .
٣٤٥

فإن الطهارة شرط فى الصلاة ، ولا يشترط له الطهارة ،
ولكل مكان عبادة تشرع ، وكذلك ترك الصلاة وقت النهي مشروع
فى كل زمان . وأما الطواف فهل تكره فيه القراءة؟ فيه قولان
مشهوران للعلماء، وهما روايتان عن أحمد ، والرخصة مذهب
الشافعي ؛ بل هو يستحب فيه القراءة ، ولا يستحب الجهر بها،
وللأخرى مصنف (١).
وإذا كان هذا من أجناس العبادات التى ثبت فضل بعضها على
بعض بالنص والإجماع ، فكيف في أنواع الذكر لاسيما فيا فيه نزاع ،
فالأصل بلا ريب هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت
أنه كان يستفتح بهذا الاستفتاح الذي فى حديث أبي هريرة ، فالأفضل
أن يستفتح به أحياناً ، ويستفتح بغيره أحياناً.
وأيضاً فلكل استفتاح حاجة ليست لغيره ، فيأخذ المؤمن بحظه
من كل ذكر .
وأيضاً فقد يحتاج الإنسان إلى المفضول ، ولا يكفيه الفاضل . كما
فى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) فإنها تعدل ثلث القرآن ؛ أي يحصل لصاحبها
من الأجر ما يعدل ثواب ثلث القرآن في القدر ، لا فى الصفة .
فإن مافى القرآن من الأمر والنهي والقصص والوعد والوعيد لا يغنى عنه
(١) العبارة غير واضحة .
٣٤٦

(قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ) وليس أجرها من جنس أجرها ، وإن كان جنس
أجر (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) أفضل، فقد يحتاج إلى المفضول
حيث لا يغنى الفاضل . كما يحتاج الإنسان إلى رجله حيث لا تغنى
عنها عينه.
وكذلك المخلوقات لكل مخلوق حكمة خلق لأجلها ، فكذلك
العبادات. فجميع ما شرعه الرسول له حكمة ومقصود ينتفع به [فى ](١) مقصوده
فلا يهمل ما شرعه من المستحبات . وإن قيل إن جنس غيره أفضل
فهو في زمانه ومكانه أفضل من غيره، والصلوات التى كان يدعو فيها
بهذا الاستفتاح : كان دعاؤه فيها بهذا الاستفتاح أفضل من غيره
وهو دعاؤه بالطهارة والتنقية من الذنوب والتبعيد عنها من جنس الاستغفار
في السحر ، وكاستغفاره عقب الصلاة ، وقد كان يدعو بمثل هذا الدعاء
فى آخر قيام الاعتدال بعد التحميد، فكان يفتتح به القيام تارة ، ويختم
به القيام أيضاً .
وقد روى عنه في الاستفتاح أنواع وعامتها في قيام الليل ، كما ذكر
ذلك أحمد . ويستحب للمصلي بالليل أن يستفتح بها كلها ، وهذا أفضل
من أن يداوم على نوع ويهجر غيره ، فإن هذا هدى النبى صلى الله
عليه وسلم ؛ لكن يقال أيضاً: هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو
الأفضل، ومن الناس من لا يصلح له الأفضل ، بل يكون فعله للمفضول
(١) اضيفت حسب مفهوم السياق .
٣٤٧

أنفع. كمن ينتفع بالدعاء دون الذكر، أو بالذكر دون القراءة، أو
بالقراءة دون صلاة التطوع ، فالعبادة التى ينتفع بها فيحضر لها قلبه
ويرغب فيها ويحبها أفضل من عبادة يفعلها مع الغفلة وعدم الرغبة .
كالغذاء الذي يشتهيه الإنسان وهو جائع : هو أنفع له من غذاء لا
يشتهيه ، أو بأكله وهو غير جائع .
فكذلك يقال هنا : قد تكون مداومته على النوع المفضول أنفع
لمحبته وشهود قلبه وفهمه ذلك الذكر ، ونحن إذا قلنا التنوع فى هذه
الأذكار أفضل ، فهو أيضاً تفضيل لجنس التنوع ، والمفضول قد يكون
أنفع لبعض الناس لمناسبته له ، كما قد يكون جنسه فى الشرع أفضل
فى بعض الأمكنة والأزمنة والأحوال، فالمفضول تارة يكون أفضل مطلقاً
في حق جميع الناس ، كما تقدم . وقد يكون أفضل لبعض الناس لأن
انتفاعه به أتم ، وهذه حال أكثر الناس قد ينتفعون بالمفضول لمناسبته
لأحوالهم الناقصة مالا ينتفعون بالفاضل الذي لا يصلون إلى أن يكونوا
من أهله .
فصل
وكذلك («صلاة الخوف)) إذا صلى مرة على وجه ، ومرة على
وجه: كان أتبع من حفظ وجه وترك آخر ، وقد يكون على وجه
٣٤٨

أفضل فى وقت لمناسبة حاله حال ذلك الوقت ، وربما كان بعض
الذكر والدعاء فى بعض الأوقات أفضل . كذلك فقد يكون فى حال
يكون الاستغفار أنفع له ، وفى حال يكون إقراره لله بالتوحيد أفضل له
وفى حال يكون تسبيحه و تحمیده و تهلیله وتكبيره أفضل له ، والذين يستحبون
بعض المشروع ويكرهون بعضه ، فإن الله سبحانه يقيم طائفة تقول هذا
وطائفة تقول هذا، وطائفة تقول هذا، ويتنازعون؛ فإنـ [4] بسبب النزاع
تظهر كل طائفة من السنة ما قالت به وتركته الأخرى ، كالمختلفين فى
البسملة ، هل تجب ويجهر بها ؟ أم نكره قراء تها سراً وجهراً؟ يحتاج
أولئك أن يظهروا ما يدل على أنها من القرآن آية مفردة تبعاً للسور ،
ويحتاج أولئك أن يظهروا ما يدل على أنها ليست من السور ، ولا
يجب قراءتها ، وكلا القولين حق .
((وسورة اقرأ )) هي أول ما نزل من القرآن، وقد احتج بها كل من
الطائفتين ، وفيها حجة لما معه من الحق، فالذين قالوا ليست من السورة
قالوا : إن جبريل لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بقراءتها،
بل أمره أن يقرأ: (بِأَسِْرَيَّكَ الَّذِي خَلَقَ ) ولو كانت هي أول
السورة لأمره بها، وهذا ثابت فى الصحيحين من حديث عائشة .
والذين قالوا بقراءتها قالوا: قد قال: ( أَقْرَأْبِأَسْوِرَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ )
فهذا أمر لكل قارئ أن يقرأ باسم ربه ، فإذا قيل اذبح بسم الله ،
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٣٤٩

وكل بسم الله، واركب بسم اللّه، فمعناه اذكر اسم الله إذا فعلت ذلك
فلما قال: (اقْرَأْيِلْسِرَبِّكَ) كان أمراً للقارئ أن يذكر اسم الله،
فيقول : باسم الله ، وهذا أولى من ذكر اسم ربه عند الذبح
والأكل والشرب .
وهنا قد أمر بالاستعاذة أيضاً عند القراءة، وهو إذا قال (بِسْمٍ
اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فقد امتثل ما أمر به فذكر اسم ربه إذا قرأ ،
وإنما لم يذكرها جبريل ابتداء لأنه بعد لم يتعلم شيئاً من القرآن ،
لكن علمه هذا وأمره فيه بذكر اسم ربه إذا قرأ ، فكان بعد هذا إذا
قرأ السورة يقرأ (بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، كما ثبت فى صحيح مسلم
أنه قال: ((قد أنزل علي آنفاً سورة)» ثم قرأ: (بِسْمِ اللهِالرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ * إِنَّ شَانِتَكَ
هُوَ الْأَبْتَ ).
ولكن هذه تدل على أنها تبع للقرآن المقصود ؛ لما فيها من ذكر
الله ؛ ولهذا كتبت فى المصاحف مفردة عن السورة لم يخلط بها ، فهي
قرآن مكتوب فى المصاحف ، لكن أزل تبعاً لغيره ، والمقصود غيره ،
فلهذا أفردت في الكتابة والتلاوة ، ففى الكتابة تكتب مفردة ، وفى
التلاوة كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يجهر بها، ولم يجعلها من القرآن
المفروض في الحديث الصحيح بقوله: ((يقول الله تعالى قسمت الصلاة
٣٥٠

بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ماسأل
فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ بِلَِّرَبِ الْعَلَمِينَ) قال الله حمدني عبدي ، فإذا
قال : ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال أثنى على عبدي ، فإذا قال: ( مَلِكِ یَوَمِ
الّذِينِ) قال مجدنى عبدي - إلى آخر الحديث .
وهذا قول جمهور العلماء فى البسملة أنها آية من القرآن مفردة
وليست من السورة ، وأنه يقرأ بها في الصلاة سراً، فلا تخرج من
القرآن وتهجر ، ولا تشبه بالقرآن المقصود فيجهربها، وهي تشبه الاستعاذة
من بعض الوجوه ، لكن الاستعاذة ليست بقرآن ، ولم تكتب في
المصاحف وإنما فيه الأمر بالاستعاذة، وهذا قرآن. والفاتحة سبع آيات
(وَلَقَدْءَانَيْنَكَ سَبْعًامِنَ الْمَثَانِ
بالاتفاق . وقد ثبت ذلك بقوله :
وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ) وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((فاتحة الكتاب هي السبع المثانى))
وقد كان كثير من السلف يقول البسملة آية منها ، ويقرؤها ،
وكثير من السلف لا يجعلها منها، ويجعل الآية السابعة (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )
كما دل على ذلك حديث أبي هريرة الصحيح ، وكلا القولين حق ،
فهي منها من وجه ، وليست منها من وجه ، والفاتحة سبع آيات. من
وجه تكون البسملة منها، فتكون آية . ومن وجه لا تكون منها
فالآ ية السابعة ( أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) لأن البسملة أنزلت تبعاً للسور .
٣٥١

والمقصود أن يبتدأ القرآن بذكر اسم الله، فهي أنزلت فى أول
السورة تبعاً لم تنزل في أواخر السور ، وكتبت فى المصاحف مفردة
لكن تبعاً لما بعدها ، لا لما قبلها . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا
((قد أنزلت على آنفاً سورة)) وقرأ
أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ )
وفى السنن كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يعلم فصل السورة
حتى ينزل عليه (بِسْمِ اللّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فمن جهة كونها تابعة
للسورة تجعل منها ، ومن جهة كون المقصود أن يقرأ بسم الله كما يفعل
سائر الأفعال باسم الله، والقرآن المقصود غيرها لم تكن آية من
السورة ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إني لأ علم سورة
من القرآن ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: (تَبَرَكَ
الَّذِىِ بِيَدِهِالْمُلْكُ) »
والقراء منهم من يفصل بها بين السورتين ، ومنهم من لا يفصل
لكون القرآن كله كلام اللّه، فلا يفصلون بها بين السورتين، كمن سمى
إذا أكل ، ثم أكل أنواعاً من الطعام . ومنهم من يسمي فى أول
كل سورة ، وهذا أحسن لمتابعته لخط المصحف ، وهو بمنزلة رفع
طعام ، ووضع طعام . فالتسمية عنده أفضل .
٣٥٢

وكذلك من ذبح شاة بعد شاة فالتسمية على كل شاة أفضل ، وأما
تلاوتها في أول الفاتحة فهو ابتداء بها للقرآن ، ولهذا اختلف كلام
أحمد هل قراءتها فى أول الفاتحة واجبة فرض لا تصح الصلاة إلابها؟
على روايتين . وذكر عنه روايتان فى الاستعاذة والاستفتاح ، فالبسملة
أولى بالوجوب ، ثم وجوبها قد يبتنى على أنها من الفاتحة ، وقد يقال
بوجوبها وإن لم تكن من الفاتحة ، كما يوجب الاستعاذة والاستفتاح ؛
ولهذا لا يجعل الجهر بها تبعاً لوجوبها ، بل يوجبها ويستحب المخافتة
بها ، ولو كانت من الفاتحة من كل وجه لكان الجهر ببعض الفاتحة
دون بعض بعيداً عن الأصول ، فإذا جعلت منها من وجه دون وجه
اتفقت الأدلة والأصول ، وأعطى كل شيء من ذلك صفة ، ولم يقل إنها
من القرآن في أول الفاتحة ، ولو كقول من لم يجعلها من القرآن في
حال إلا فى سورة النمل .
وقد قال طائفة إنها من القرآن في قراءة دون قراءة لتواتر
هذه القراءات ، فيقال: المتواتر هو الأمر الوجودي ، وهو ما سمعوه
من القرآن من الصحابة ، وبلغوه عن الرسول ، والقرآن فى زمانه
لم يكتب ، ولا كان ترتيب السور على هذا الوجه أمراً واجباً، مأموراً
به من عند الله، بل الأمر مفوض فى ذلك إلى اختيار المسلمين ؛ ولهذا
كان لجماعة من الصحابة لكل منهم اصطلاح فى ترتيب سوره غير
٣٥٣

اصطلاح الآخر ، وحينئذ فيكون الذين لا يقرأونها قد أقرأم الرسول
ولم يبسمل ، وأولئك أقرأم وبسمل ، فهذا يدل على جواز الأمرين ،
وإن كان أحدهما أفضل لا يدل على أنها فى أحد الحرفين ليست من
القرآن ، وأنه نهى عن قراءتها فإن هذا جمع بين النقيضين ، كيف
يسوغ قراءتها والنهي عن قراءتها ، بل هذا يدل على جواز الأمرين
كالحروف التى ثبتت في قراءة دون قراءة مثل (مِنْ تَخِها) ومثل
( فَإِنَّاللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ) فالرسول يجوز إثبات ذلك ، ويجوز حذفه ،
كلاهما جاز في شرعه .
وبهذا يتبين أن من قال من الفقهاء إنها واجبة على قراءة من
أثبتها أو مكروهة على قراءة من لم يثبتها فقد غلط ، بل القرآن بدل
على جواز الأمرين . ومن قرأ بإحدى القراءات لا يقال إنه كلما قرأ
يجب أن يقرأ بها، ومن ترك ما قرأ به غيره لا يقول إن قراءة
أولئك مكروهة ، بل كل ذلك جائز بالانفاق ، وإن رجح كل قوم شيئاً ،
وبهذا يتبين أن من أنكر كونها من القرآن بالكلية إلا فى سورة
النمل ، وقطع بخطأ من أثبتها بناء على أن القرآنية لا تثبت إلا بالقطع
فهو مخطئ فى ذلك ، ويقال له : ولا تنفى إلا بالقطع أيضاً .
ثم يقال له : من أثبتها يقطع بأنها ثابتة ، ويقطع بخطأ من نفاها ؛
بل التحقيق أن كون الشيء قطعياً أو غير قطعي أمر إضافي، والقراءات
٣٥٤

تدل على جواز الأمرين ، ولكن القراءة بها أفضل . وهذا قول جمهور
العلماء يجوزون هذا ، ويرجحون قراءتها ، ويخفونها عن غيرها من
القرآن، لأنها تابعة لغيرها. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد. وآله وصحبه وسلم. وحسبنا الله
ونعم الوكيل .
٣٥٥

وقال شيخ الإسلام
((قاعدة)) في صفات العبادات الظاهرة التى حصل فيها تنازع بين
الأمة فى الرواية والرأي : مثل الأذان ، والجهر بالبسملة ، والقنوت فى
الفجر، والتسليم فى الصلاة ، ورفع الأيدي فيها ، ووضع الأكف
فوق الأكف .
ومثل التمتع ، والإفراد ، والقران فى الحج ، ونحو ذلك . فإن
التنازع فى هذه العبادات الظاهرة ، والشعار أوجب أنواعاً من الفساد
الذي يكرهه الله ورسوله ، وعباده المؤمنون:
((أحدها)) جهل كثير من الناس ، أو أكثرم بالأمر المشروع
المسنون الذي يحبه الله ورسوله، والذي سنه رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأمته ، والذي أمرم باتباعه .
((الثانى)) ظلم كثير من الأمة أو أكثرم بعضهم لبعض ، وبغيهم
عليهم : قارة بنهيهم عما لم ينه الله عنه، وبغضهم على ما لم يبغضهم الله
عليه . وتارة بترك ما أوجب اللّه من حقوقهم ، وصلتهم ، لعدم موافقتهم له
٣٥٦

على الوجه الذي يؤثرونه ، حتى بقدموا فى الموالاة والمحبة وإعطاء
الأموال والولايات من يكون مؤخراً عند الله ورسوله ، ويتركوا من
يكون مقدما عند الله ورسوله لذلك .
((الثالث)) اتباع الظن وما تهوى الأنفس، حتى بصير كثير منهم
مديناً باتباع الأهواء في هذه الأمور المشروعة . وحتى بصير في كثير
من المتفقهة والمتعبدة من الأهواء من جنس ما فى أهل الأهواء الخارجين
عن السنة والجماعة : كالخوارج ، والروافض ، والمعتزلة ، ونحوم . وقد
قال تعالى فى كتابه : (وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّالَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلٍ
اُللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوْيَوْمَالْحِسَابٍ )
وقال فى كتابه: (وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا
وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ)
((الرابع)) التفرق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف حتى
يصير بعضهم يبغض بعضا ، ويعاديه ، ويحب بعضا ويواليه على غير ذات
الله، وحتى يفضى الأمر ببعضهم إلى الطعن، واللعن، والهمز ، واللمز.
وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح ، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة
حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض ، وهذا كله من أعظم الأمور التى
حرمها الله ورسوله .
٣٥٧

والاجتماع والائتلاف من أعظم الأمور التى أوجبها الله ورسوله ،
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ◌ُتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ
قال الله تعالى :
مُسْلِمُونَ * وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ)
- إلى قوله -
( وَلَا تَكُونُوْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
قال ابن
عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ )
عباس : تبيض وجوه أهل السنة والجماعة ، وتسود وجوه أهل
البدعة والفرقة .
وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه عن السنة التى
شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، ومن أهل الفرقة بالفرقة
المخالفة للجماعة التى أمر الله بها ورسوله ، قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ
( وَمَا
وقال تعالى :
فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِىِ شَىْءٍ )
وقال تعالى :
اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيْنَتُ )
(وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ فَهُمُ الْبِنَةُ * وَمَا أُمُِّوَاْإِلَّ لِيَعْبُدُ واْاللّهُ
مُخْلِصِينَ لَّهُ الَّذِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )
وقال تعالى: (إِنَّالدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ
إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ )
وقال تعالى: (وَءَاتَّيْنَهُمْ بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا اخْتَلَفُواْ إِلَّمِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ
( فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ
وقال تعالى :
اُلْعِلْمُ بَغْيَاِبَيْنَهُمْ )
٣٥٨

( فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ
وقال تعالى :
يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ )
بَيْنِكُمْ) وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخْوَيَّكُمْ ) وقال :
( إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ ).
وهذا الأصل العظيم : وهو الاعتصام بحبل الله جميعاً ، وأن
لا يتفرق ، هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية الله تعالى
به فى كتابه .
ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم ، ومما عظمت
به وصية النبي صلى الله عليه وسلم فى مواطن عامة وخاصة، مثل
قوله: ((عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة)) وقوله: ((فإن الشيطان
مع الواحد وهو من الاثنين أبعد)) وقوله: ((من رأى من أميره
شيئاً يكرهه فليصبر عليه : فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع
ربقة الإسلام من عنقه)، وقوله: «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة
والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟)) قالوا : بلى !
يا رسول الله قال: «صلاح ذات البين ؛ فإن فساد ذات البين هي
الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ))
وقوله: ((من جاءكم وأمركم على رجل واحد منكم يريد أن يفرق
جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان)) وقوله: ((يصلون لكم
(١) الحديث ورد في الترمذي مجلد ٤ ص ٥٧٢، ٥٧٣ بلفظ (أخبركم) بدل (أنبئكم) ولم
يرد فيه (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
٣٥٩

فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) وقوله: ((ستفترق
هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، منها واحدة ناجية ، واثنتان
وسبعون فى النار - قيل : ومن الفرقة الناجية ؟ قال - هي الجماعة
يد الله على الجماعة)).
و ( باب الفساد ) الذي وقع فى هذه الأمة ؛ بل وفى غيرها :
هو التفرق والاختلاف ، فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها ، من ملوكها
ومشايخها ، وغيرهم من ذلك ما الله به عليم . وإن كان بعض ذلك
مغفوراً لصاحبه لاجتهاده الذي يغفر فيه خطؤه ، أو لحسناته الماحية ،
أو توبته ، أو لغير ذلك ؛ لكن يعلم أن رعايته من أعظم أصول الإسلام
ولهذا كان امتياز أهل النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة
والجماعة ويذكرون فى كثير من السنن والآثار فى ذلك ما يطول
ذكره. وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم
العمل به هو الإجماع ، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة.
( النوع الخامس ) هو شك كثير من الناس وطعنهم فى كثير مما
أهل السنة والجماعة عليه متفقون ؛ بل وفى بعض ما عليه أهل الإسلام
بل وبعض ما عليه سائر أهل الملل متفقون ، وذلك من جهة نقلهم
وروايتهم تارة ، ومن جهة تنازعهم ورأيهم أخرى .
٣٦٠