Indexed OCR Text
Pages 321-340
فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً)) وجميع الرسل دعوا إلى عبادة الله وتقواه وخشيته وإلى طاعتهم ، كما ( أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) وقال قال نوح عليه السلام : تعالى: (وَمَن يُطِعِاللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ) وقال كل من نوح والنبيين : ( فَنَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) وطاعة الرسول فيما أمرنا به هو الأصل الذي على كل مسلم أن يعتمده ، وهو سبب السعادة ، كما أن ترك ذلك سبب الشقاوة وطاعته فى أمره أولى بنا من موافقته فى فعل لم يأمرنا بموافقته فيه باتفاق المسلمين ، ولم يتنازع العلماء أن أمره أوكد من فعله ؛ فإن فعله قد يكون مختصاً به، وقد يكون مستحباً ، وأما أمره لنا فهو من دين الله الذي أمرنا به . ومن أفعاله ما قد على أنه أمرنا أن نفعل مثله ، كقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وقوله: لما صلى بهم على المنبر: ((إنما فعلت هذا لتأتموا بى، ولتعلموا صلاتى)) وقوله لما حج: (( خذوا عني مناسككم » وأيضاً فقد ثبت بالكتاب والسنة أن ما فعله على وجه العادة فهو مباح لنا ، إلا أن يقوم دليل على اختصاصه به ، كما قال سبحانه وتعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَّازَ وَّحْتَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَج أَدْعِيَآْبِهِمْ إِذَا قَضَوْ مِنْهُنَّ وَطَرًا ) فأباح له أن يتزوج ٣٢١ امرأة دعيه ليرفع الحرج عن المؤمنين فى أزواج أدعيائهم ، فعلم أن ما فعله كان لنا مباحا أن نفعله . ولما خصه ببعض الأحكام قال: ( وَآمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَالنَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُ قَدْ عَلِمْنَامَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فيِ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) فلما أحل له أن ينكح الموهوبة بين أن ذلك خالص له من دون المؤمنين ، فليس لأحد أن ينكح امرأة بلا مهر غيره صلى الله عليه وسلم . وفى صحيح مسلم: « أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيقبل الصائم ؟ فقال له : سل هذه ـ لأم سلمة - فأخبرتهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقال: يا رسول الله ! قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال له : أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له)) فلما أجابه صلى الله عليه وسلم بفعله دل ذلك على أنه يباح للأمة ما أبيح له؛ ولهذا كان جمهور علماء الأمة على أن اللّه إذا أمره بأمر . أو نهاه عن شيء، [كانت أمته أسوة له](١) في ذلك، ما لم يقم دليل على اختصاصه بذلك . (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( كان أسوة لأمته ) ٣٢٢ فمن خصائصه : ما كان من خصائص نبوته ورسالته ، فهذا ليس لأحد أن يقتدي به فيه ، فإنه لا نبي بعده ، وهذا مثل كونه يطاع في كل ما يأمر به ، ونهى عنه، وإن لم يعلم جهة أمره ، حتى يقتل كل من أمر بقتله ، وليس هذا لأحد بعده، فولاة الأمور من العلماء والأمراء يطاعون إذا لم يأمروا بخلاف أمره: ولهذا جعل الله طاعتهم (أَطِيعُواْلَهَوَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ في ضمن طاعته . قال الله تعالى: لأن أولي (وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ ) فقال : مِنْكُمْ ) . الأمر يطاعون طاعة تابعة لطاعته ، فلا يطاعون استقلالا ، ولا طاعة مطلقة ، وأما الرسول فيطاع طاعة مطلقة مستقلة، فإنه: ( مَّن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) فقال تعالى: (أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ) فإذا أمرنا الرسول كان علينا أن نطيعه ، وإن لم نعلم جهة أمره. وطاعته طاعة الله، لا تكون طاعته بمعصية الله قط ، بخلاف غيره . وقد ذكر الناس من خصائصه فيما يجب عليه ، ويحرم عليه ، ويكرم به ، ما ليس هذا موضع تفصيله . وبعض ذلك متفق عليه ، وبعضه متنازع فيه . وقد كان صلى الله عليه وسلم إمام الأمة ، وهو الذي يقضي بينهم ، وهو الذي يقسم ، وهو الذي يغزو بهم ، وهو الذي يقيم الحدود ، وهو الذي يستوفي الحقوق ، وهو الذي يصلي بهم فالاقتداء به فى كل مرتبة بحسب تلك المرتبة ، فإمام الصلاة والحج يقتدى ٣٢٣ به فى ذلك ، وأمير الغزو يقتدي به فى ذلك ، والذي يقيم الحدود يقتدي به فى ذلك . والذي يقضي أو يفتى يقتدي به فى ذلك . وقد تنازع الناس فى أمور فعلها : هل هي من خصائصه أم للأمة فعلها ؟ كدخوله فى الصلاة إماما ، بعد أن صلى بالناس غيره ، وكتركه الصلاة على الغال والقاتل . وأيضاً فإذا فعل فعلا لسبب ، وقد علمنا ذلك السبب ، أمكننا أن نقتدي به فيه ، فأما إذا لم نعلم السبب ، أو كان السبب أمراً اتفاقياً ، فهذا مما يتنازع فيه النساس : مثل نزوله في مكان فى سفره . ثمن العلماء من يستحب أن ينزل حيث نزل ، كما كان ابن عمر يفعل ، وهؤلاء يقولون نفس موافقته فى الفعل هو حسن ، وإن كان فعله هو اتفاقا ، ونحن فعلناه لقصد التشبه به . ومن العلماء من يقول إنما تستحب المتابعة إذا فعلناه على الوجه الذي فعله ، فأما إذا فعله اتفاقا لم يشرع لنا أن نقصد ما لم يقصده ؛ ولهذا كان أكثر المهاجرين والأنصار لا يفعلون ، كما كان ابن عمر يفعل . وأيضاً فالاقتداء به ، يكون تارة فى نوع الفعل ، وتارة فى جنسه فإنه قد يفعل الفعل لمعنى بعم ذلك النوع وغيره ، لا لمعنى يخصه . فيكون المشروع هو الأمر العام . مثال ذلك احتجامه صلى الله عليه وسلم. فإن ذلك كان لحاجته ٣٢٤ إلى إخراج الدم الفاسد ، ثم التأسي هل هو مخصوص بالحجامة ؟ أو المقصود إخراج الدم على الوجه النافع ؟ ومعلوم أن التأسي هو المشروع فإذا كان البلد حاراً يخرج فيه الدم إلى الجلد كانت الحجامة هي المصلحة وإن كان البلد بارداً يغور فيه الدم إلى العروق كان إخراجه بالفصد هو المصلحة . وكذلك ادهانه صلى الله عليه وسلم : هل المقصود خصوص الدهن، أو المقصود ترجيل الشعر ؟ فإن كان البلد رطباً وأهله يغتسلون بالماء الحار الذي يغنيهم عن الدهن ، والدهن يؤذي شعورهم وجلودهم ، يكون المشروع فى حقهم ترجيل الشعر بما هو أصلح لهم ، ومعلوم أن الثاني هو الأشبه . وكذلك لما كان يأكل الرطب والتمر وخبز الشعير ، ونحو ذلك من قوت بلده ، فهل التأسي به أن يقصد خصوص الرطب والتمر والشعير ، حتى يفعل ذلك من يكون في بلاد لا ينبت فيها التمر ، ولا يقتاتون الشعير ، بل يقتاتون البر أو الرز أو غير ذلك ، ومعلوم أن الثاني هو المشروع . والدليل على ذلك أن الصحابة لما فتحوا الأمصار كان كل منهم يأكل من قوت بلده ، ويلبس من لباس بلده من غير أن يقصد أقوات المدينة ولباسها ، ولو كان هذا الثاني هو الأفضل فى حقهم ، لكانوا أولى باختيار الأفضل . ٣٢٥ وعلى هذا ينى نزاع العلماء فى صدقة الفطر : إذا لم يكن أهل البلد يقتاتون التمر والشعير . فهل يخرجون من قوتهم كالبر والرز ، أو يخرجون من التمر والشعير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض ذلك فإن فى الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: ((فرض رسول الله صلى اللّه عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير على كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى، حر أو عبد، من المسلمين)). وهذه المسألة فيها قولان للعلماء ، وهما روايتان عن أحمد، وأكثر العلماء على أنه يخرج من قوت بلده، وهذا هو الصحيح كما ذكر الله ذلك فى الكفارة بقوله : ( مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ). ومن هذا الباب : أن الغالب عليه وعلى أصحابه أنهم كانوا بأزرون ويرتدون ؛ فهل الأفضل لكل أحد أن يرتدي وبأزر ولو مع القميص ؟ أو الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء . هذا أيضاً مما تنازع فيه العلماء، والثانى أظهر وهذا باب واسع . وهذا النوع ليس مخصوصاً بفعله وفعل أصحابه ، بل وبكثير مما أمرهم به ونهاهم عنه، وهذا سمته طائفة من الناس: ((تنقيح المناط) وهو أن يكون الحكم قد ثبت فى عين معينة ، وليس مخصوصاً بها، بل الحكم ثابت فيها وفى غيرها، فيحتاج أن يعرف ((مناط الحكم)). ٣٢٦ مثال ذلك أنه قد ثبت فى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت فى سمن فقال: ((ألقوها وما حولها ، وكلوا سمنكم )، فإنه متفق على أن الحكم ليس مختصاً بتلك الفأرة ، وذلك السمن ؛ بل الحكم ثابت فيما هو أعم منها . فبقي المناط الذي علق به الحكم ما هو ؟ فطائفة من أهل العلم يزعمون أن الحكم مختص بفأرة وقعت فى سمن ، فينجسون ما كان كذلك مطلقاً، ولا ينجسون السمن إذا وقع فيه الكلب ، والبول والعذرة ، ولا ينجسون الزيت ونحوه إذا وقعت فيه الفأرة وهذا القول خطأ قطعاً . وليس هذا مبنياً على كون القياس حجة . فإن القياس الذي يكون النزاع فيه هو تخريج المناط ، وهو أن يجوز اختصاص مورد النص بالحكم ، فإذا جاز اختصاصه ، وجاز أن يكون الحكم مشتركا بين مورد النص وغيره احتاج معتبر القياس ، إلى أن يعلم أن المشترك بين الأصل والفرع هو مناط الحكم، كما فى قوله: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا الشعير بالشعير إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الملح بالملح إلا مثلا بمثل)) فلما نهى عن التفاضل فى مثل هذه الأصناف ، أمكن أن يكون النهي لمعنى مشترك ، ولمغنى مختص . ولما سئل عن فأرة وقعت في سمن ، فأجاب : عن تلك القضية ٣٢٧ المعينة ، ولاخفاء أن الحكم ليس مختصاً بها ، وكذلك سائر قضايا الأعيان ، كالأعرابي الذي قال له : إنى وقعت على أهلي فى رمضان ، فأمره أن يعتق رقبة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو بطعم ستين مسكيناً فإن الحكم ليس مخصوصاً بذلك الأعرابى باتفاق المسلمين . لكن هل أمره بذلك لكونه أفطر ، أو جامع فى رمضان ، أو أفطر فيه بالجماع ، أو أفطر بالجنس الأعلى ، هذا مما تنازع فيه العلماء . وكذلك لما سأله سائل عمن أحرم بالعمرة وعليه جبة ، وهو متضمخ بالخلوق . فقال: (( انزع عنك الحية ، واغسل عنك أثر الخلوق واصنع فى عمرتك ما كنت صانعاً فى حجتك » . فهل أمره بغسل الخلوق لكونه طيباً ، حتى يؤمر المحرم بغسل كل طيب كان عليه ، أو لكونه خلوقا لرجل ؟ وقد نهى أن يتزعفر الرجل ، فينهى عن الخلوق للرجل سواء كان محرماً أو غير محرم . وكذلك لما عتقت بريرة خيرها ، فاختارت نفسها عند من يقول : إن زوجها كان عبداً، فإن المسلمين اتفقوا على أن الحكم لا يختص بها ؛ لكن هل التخيير لكونها عتقت تحت عبد فكملت تحت ناقص ؟ ولا بخير إذا عتقت تحت الحر ، أو الحكم لكونها ملكت نفسها فتخير ، سواء كان الزوج حراً أو عبداً ؟ هذا مما تنازعوا فيه . وهذا باب واسع، وهو متناول لكل حكم تعلق بعين معينة ، مع العلم بأنه لا يختص بها ٣٢٨ فيحتاج أن يعرف المناط الذي يتعلق به الحكم ، وهذا النوع بسميه بعض الناس قياساً؛ وبعضهم لا يسميه قياسا؛ ولهذا كان أبو حنيفة وأصحابه يستعملونه في المواضع التى لا يستعملون فيها القياس . والصواب أن هذا ليس من القياس الذي يمكن فيه النزاع ، كما أن تحقيق المناط ليس مما يقبل النزاع باتفاق العلماء . وهذه الأنواع الثلاثة ((تحقيق المناط)) و((تنقيح المناط)) و((تخريج المناط )» هي جماع الاجتهاد . ( فالأول ) أن يعمل بالنص والإجماع ؛ فإن الحكم معلق بوصف يحتاج في الحكم على المعين إلى أن يعلم ثبوت ذلك الوصف فيه ، كما يعلم أن الله أمرنا بإشهاد ذوي عدل منا ، وممن نرضى من الشهداء ، ولكن لا يمكن تعيين كل شاهد ، فيحتاج أن يعلم فى الشهود المعينين : هل ثم من ذوي العدل المرضيين أم لا؟ وكما أمر الله بعشرة الزوجين بالمعروف ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((للنساء رزقهن وكسوتهن بالمعروف )» ولم يمكن تعيين كل زوج ، فيحتاج أن ينظر فى الأعيان . ثم من الفقهاء من يقول إن نفقة الزوجة مقدرة بالشرع ، والصواب ما عليه الجمهور أن ذلك مردود إلى العرف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند: (( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)). ٣٢٩ (وَلَ نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَّنِيِمِ إِلَّ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ) ويبقى وكما قال تعالى : النظر في تسليمه إلى هذا التاجر ، بجزء من الربح . هل هو من التى هي أحسن أم لا؟ وكذلك قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ) يبقى هذا الشخص المعين هل هو من الفقراء المساكين المذكورين فى القرآن أم لا ؟ وكما حرم الله الخمر والربا عموما يبقى الكلام فى الشراب المعين . هل هو خمر أم لا ؟ وهذا النوع مما اتفق عليه المسلمون ، بل العقلاء : بأنه لا يمكن أن ينص الشارع على حكم كل شخص، إنما يتكلم بكلام عام ، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم قد أوتى جوامع الكلم . (وأما النوع الثانى) الذي يسمونه ((تنقيح المناط)» بأن ينص على حكم أعيان معينة ؛ لكن قد علمنا أن الحكم لا يختص بها. فالصواب في مثل هذا أنه ليس من باب القياس ، لاتفاقهم على النص بل المعين هنا نص على نوعه ، ولكنه يحتاج إلى أن يعرف نوعه ، ومسألة الفأرة في السمن من هذا الباب ، فإن الحكم ليس مخصوصا بتلك الفأرة ، وذلك السمن . ولا بفأر المدينة وسمنها ، ولكن السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت فى سمن ؛ فأجابه ؛ لا أن الجواب يختص به ، ولا بسؤاله . كما أجاب غيره ولفظ الفأرة والسمن ليست من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى يكون هو الذي علق الحكم بها ، بل من كلام السائل الذي أخبر بما وقع له ، كما قال له ٣٣٠ الأعرابى : إنه وقع على امرأته ، ولو وقع على سريته لكان الأمر كذلك ، وكما قال له الآخر : رأيت بياض خلخالها فى القمر، فوثبت عليها ، ولو وطئها بدون ذلك ، كان الحكم كذلك . فالصواب فى هذا ما عليه الأمة المشهورون : أن الحكم فى ذلك معلق بالخبيث الذي حرمه الله ، إذا وقع في السمن ونحوه من المائعات لأن الله أباح لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث ، فإذا علقنا الحكم بهذا المعنى كنا قد اتبعنا كتاب الله ، فإذا وقع الخبيث فى الطيب ألقى الخبيث وما حوله ، وأكل الطيب، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وليس هذا الجواب موضع بسط مثل هذه المسائل . ولكن نيهنا على هذا لأن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فى أفعاله يتعلق بهذا. وحينئذ هذا مما يتعلق باجتهاد الناس ، واستدلالهم وما يؤتيهم الله من الفقه والحكمة والعلم، وأحق الناس بالحق من علق الأحكام بالمعانى ، التى علقها بها الشارع . وهذا موضع تفاوت فيه الناس وتنازعوا : هل يستفاد ذلك من خطاب الشارع ؟ أو من المعانى القياسية ؟ فقوم زعموا أن أكثر أحكام أفعال العباد لا يتناولها خطاب الشارع ، بل تحتاج إلى القياس . وقوم زعموا أن جميع أحكامها ثابتة بالنص ، وأسرفوا فى تعلقهم بالظاهر ، ٣٣١ حتى أنكروا فحوى الخطاب وتنبيه. كقوله تعالى: (فَلَا تَقُل لَُّمَا أُنٍّ ) وقالوا : إن هذا لا يدل إلا على النهي عن التأفيف ، لا يفهم منه النهي عن الضرب والشتم، وأنكروا ((تنقيح المناط)) وادعوا فى الألفاظ من الظهور ما لا تدل عليه ، وقوم يقدمون القياس تارة ، لكون دلالة النص غير تامة ، أو لكونه خبر الواحد ، وأقوام يعارضون بين النص والقياس ويقدمون النص ويتناقضون ، ونحن قد بينا فى غير هذا الموضع أن الأدلة الصحيحة لا تتناقض ، فلا تتناقض الأدلة الصحيحة العقلية والشرعية ولا تتناقض دلالة القياس إذا كانت صحيحة، ودلالة الخطاب إذا كانت صحيحة . فإن القياس الصحيح حقيقة التسوية بين المتماثلين ، وهذا هو العدل الذي أنزل الله به الكتب ، وأرسل به الرسل، والرسول لا يأمر بخلاف العدل ، ولا يحكم في شيئين متماثلين بحكمين مختلفين، ولا يحرم الشيء ويحل نظيره . وقد تأملنا عامة المواضع التى قيل : إن القياس فيها عارض النص وإن حكم النص فيها على خلاف القياس . فوجدنا ما خصه الشارع بحكم عن نظائره ، فإنما خصه به لاختصاصه بوصف أوجب اختصاصه بالحكم ، كما خص العرايا بجواز بيعها بمثلها خرصاً ، لتعذر الكيل مع ٣٣٢ الحاجة إلى البيع ، والحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل . فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل ، كما يقوم التراب مقام الماء، والميتة مقام المذكى عند الحاجة ، وكذلك قول من قال: القرض أو الإجارة أو القراض أو المساقاة أو المزارعة ونحو ذلك على خلاف القياس ، إن أراد به أن هذه الأفعال اختصت بصفات أوجبت أن يكون حكمها مخالفاً لحكم ما ليس مثلها ، فقد صدق . وهذا هو مقتضى القياس ، وإن أراد أن الفعلين المتماثلين حكم فيها بحكمين مختلفين ، فهذا خطأ ، ينزه عنه من هو دون الأنبياء صلوات الله عليهم. ولكن هذه الأقيسة المعارضة هي الفاسدة ، كقياس الذين قالوا : وقياس الذين قالوا ( إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَوَأْ وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَسْعَ وَحَّمَ الْرِيَوْأَ) (( أتأ كلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ )) يعنون الميتة، وقال تعالى: (وَإِنَّالشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَ بِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ ◌َمْرِكُونَ ) . ولعل من رزقه الله فهما ، وآتاه من لدنه علماً، يجد عامة الأحكام التى تعلم بقياس شرعى صحيح يدل عليها الخطاب الشرعي ، كما أن غاية ٣٣٣ ما يدل عليه الخطاب الشرعي هو موافق للعدل الذي هو مطلوب القياس الصحيح . وإذا كان الأمر كذلك : فالكلام فى أعيان أحوال الرجل السالك يحتاج إلى نظر خاص ، واستهداه من الله، والله قد أمر العبد أن يقول في كل صلاة: (أَهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّآلِينَ ). فعلى العبد أن يجتهد فى تحقيق هذا الدعاء ، ليصير من الذين أنعم الله عليهم : من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً . ٣٣٤ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل العبادات التى جاءت على وجوه متنوعة قد تقدم القول فى مواضع: أن العبادات التى فعلها النبي صلى الله عليه وسلم على أنواع بشرع فعلها على جميع تلك الأنواع ، لا يكره منها شيء ، وذلك مثل أنواع التشهدات ، وأنواع الاستفتاح ، ومثل الوتر أول الليل وآخره ، ومثل الجهر بالقراءة فى قيام الليل والمخافتة ، وأنواع القراءات التى أنزل القرآن عليها، والتكبير في العيد . ومثل الترجيح فى الأذان وتركه ، ومثل إفراد الإقامة وتثنيتها . وقد بسطنا فى جواب مسائل الزرعية وغيرها أن ما اختلف فيه العلماء وأراد الإنسان أن يحتاط فيه فهو نوعان : أحدهما : ما اتفقوا فيه على جواز الأمرين ، ولكن تنازعوا أيهما أفضل . ٣٣٥ والثانى ما تنازعوا فيه فى جواز أحدهما ، وكثير مما تنازعوا فيه قد جاءت السنة فيه بالأمرين ، مثل الحج . قيل : لا يجوز فسخ الحج إلى العمرة؛ بل قيل : ولا يجوز المتعة ، وقيل بل ذلك واجب ، والصحيح أن كليهما جائز ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة فى حجة الوداع بالفسخ ، وقد كان خيرم بين الثلاثة ، وقد حج الخلفاء بعده ولم يفسخوا . كما بسط فى موضعه ، وكذلك الصوم في السفر قيل : لا يجوز ، بل يجب الفطر، والصحيح الذي عليه الجمهور جواز الأمرين . ثم قال كثير منهم إن الصوم أفضل ، والصحيح أن الفطر أفضل إلا لمصلحة راجحة ، وما قال أحد إنه لا يجوز الفطر ، كما يظنه بعض الجهال ، وهذا مبسوط في مواضع . والمقصودهنا: أن ما جاءت به السنة على وجوه : كالأذان ، والإقامة وصلاة الخوف ، والاستفتاح ، فالكلام فيه من مقامين : ( أحدهما ) فى جواز تلك الوجوه كلها بلا كراهة ، وهذا هو الصواب ، وهو مذهب أحمد وغيره فى هذا كله . ومن العلماء من قد بكره، أو يحرم بعض تلك الوجوه؛ لظنه أن السنة لم تأت به ، أو أنه منسوخ . كماكره طائفة الترجيع في الأذان ، وقالوا : إنما قاله لأبى ٣٣٦ محذورة تلقينا للإسلام لا تعليما للأذان . والصواب أنه جعله من الأذان وهذا هو الذي فهمه أبو محذورة ، وقد عمل بذلك هو وولده والمسلمون يقرونهم على ذلك بمكة وغيرها . وكره طائفة الأذان بلا ترجيع ، وهو غلط أيضاً ، فإن أذان بلال الثابت ليس فيه ترجيع ، وكره طائفة ترجيعها، وكره طائفة صلاة الخوف إلا على حديث ابن عمر ، وكره آخرون ما أمر به هؤلاء. والصواب فى هذا كله أن كل ما جاءت به السنة فلا كراهة لشيء منه ؛ بل هو جائز، وهذا مبسوط فى مواضع . والمقصود هنا هو : ( المقام الثانى ) وهو أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع متنوعة ، وإن قيل: إن بعض تلك الأنواع أفضل ، فالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أن يفعل هذا نارة ، وهذا تارة أفضل من لزوم أحد الأمرين ، وهجر الآخر ، وهذا مثل الاستفتاح : ففي الصحيحين عن أبى هريرة قال: ((قلت يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول ؟ قال : أقول اللهم بعد بيني وبين خطاياي ، كما بعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد )) ولم يخرج البخاري فى الاستفتاح شيئاً إلا ٣٣٧ هذا ، وهو أقوى الحجج على الاستفتاح في المكتوبة ، فإنه صريح فى ذلك بقوله : أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ؟ وهذا سؤال عن السكوت ، لا عن القول سراً ، ويشهد له حديث سمرة ، وحديث أبي ابن كعب ، أنه كان له سكتتان . وأيضاً فللناس فى الصلاة أقوال : أحدها : أنه لا سكوت فيها كقول مالك ، ولا يستحب عنده استفتاح ، ولا استعاذة ، ولا سكوت لقراءة الإمام . والثانى : أنه ليس فيها إلا سكوت واحد للاستفتاح : كقول أبى حنيفة ، لأن هذا الحديث يدل على هذه السكتة. والثالث: أن فيها سكتتين ، كما في حديث السنن . لكن روى فيه أنه يسكت إذا فرغ من القراءة ، وهو الصحيح . وروى إذا فرغ من الفاتحة ، فقال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد : يستحب ثلاث سكتات . وسكتة الفاتحة جعلها أصحاب الشافعى وطائفة من أصحاب أحمد ليقرأ المأموم الفاتحة. والصحيح أنه لا يستحب إلا سكنتان ، فليس فى الحديث إلا ذلك، وإحدى الروايتين غلط، وإلا كانت ثلاثاً، ٣٣٨ وهذا هو المنصوص عن أحمد . وأنه لا يستحب إلا سكتتان ، والثانية عند الفراغ من القراءة للاستراحة ، والفصل بينها وبين الركوع . وأما السكوت عقيب الفاتحة فلا يستحبه أحمد ، كما لا يستحبه مالك وأبو حنيفة ، والجمهور لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم . وذلك أن قراءة المأموم عندهم إذا جهر الإمام ليست بواجبة، ولا مستحبة ، بل هي منهى منها ، وهل تبطل الصلاة إذا قرأ مع الإمام ؟ فيه وجهان في مذهب أحمد ، فهو إذا كان يسمع قراءة الإمام فاستماعه أفضل من قراءته ، كاستماعه لما زاد على الفاتحة ، فيحصل له مقصود القراءة ، والاستماع بدل عن قراءته ، فجمعه بين الاستماع والقراءة جمع بين البدل والمبدل ، ولهذا لم يستحب أحمد وجمهور أصحابه قراءته فى سكتات الإمام إلا أن يسكت سكوناً بليغاً يتسع للاستفتاح والقراءة. وأما إن ضاق عنهما فقوله وقول أكثر أصحابه: إن الاستفتاح أولى من القراءة ، بل هو فى إحدى الروايتين يأمر بالاستفتاح مع جهر الإمام ، فإذا كان الإمام ممن يسكت عقيب الفاتحة سكوناً يتسع للقراءة فالقراءة فيه أفضل من عدم القراءة ، لكن هل يقال القراءة فيه بالفاتحة أفضل للاختلاف في وجوبها أو بغيرها من القرآن ، لكونه قد استمعها ؟ هذا فيه نزاع . ومقتضى نصوص أحمد وأكثر أصحابه أن ٣٣٩ القراءة بغيرها أفضل . فإنه لا يستحب أن يقرأ بها مع استماعه قراءتها وعامة السلف الذين كرهوا القراءة خلف الإمام هو فيما إذا جهر ، ولم يكن أكثر الأئمة بسكت عقب الفاتحة سكوناً طويلا . وكان الذي يقرأ حال الجهر قليلا . وهذا منهى عنه بالكتاب والسنة ، وعلى النهي عنه جمهور السلف والخلف ، وفى بطلان الصلاة بذلك نزاع . ومن العلماء من يقول يقرأ حال جهره بالفاتحة ، وإن لم يقرأ بها ففى بطلان صلاته أيضاً نزاع ، فالنزاع من الطرفين ؛ لكن الذين ينهون عن القراءة مع الإمام م جمهور السلف والخلف . ومعهم الكتاب والسنة الصحيحة ، والذين أوجبوها على المأموم في حال الجهر هكذا . محديثهم قد ضعفه الأئمّة ، ورواه أبو داود ، وقوله فى حديث أبى موسى ((وإذا قرأ فأنصتوا)) صححه أحمد وإسحاق ومسلم بن الحجاج وغيرهم ، وعلله البخاري بأنه اختلف فيه ، وليس ذلك بقادح فى صحته ، بخلاف ذلك الحديث ، فإنه لم يخرج فى الصحيح ، وضعفه ثابت من وجوه . وإنما هو قول عبادة بن الصامت . بل يفعل في سكوته ما يشرع من الاستفتاح والاستعاذة، ولو لم يسكت الإمام سكوناً يتسع لذلك ، أو لم يدرك سكوته ، فهل يستفتح ويستعيذ مع جهر الإمام ؟ فيه ثلاث روايات : إحداها : يستفتح ويستعيذ مع جهر الإمام وإن لم يقرأ ؛ لأن ٣٤٠