Indexed OCR Text
Pages 281-300
وركعتين قبل الفجر))، وحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر أربعاً، وهو فى الصحيح أيضاً، وسأره فى صحيح مسلم، كحديث ابن عمر ، وهكذا فى الصحيح ، وفى رواية مححها الترمذي صلى قبل الظهر ركعتين . وحديث أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من صلى فى يوم وليلة اثنتى عشرة ركعة تطوعا غير فريضة بنى الله له بيتاً فى الجنة)). وقد جاء فى السنن تفسيرها: ((أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد العشاء ، وركعتين قبل الفجر )) فهذا الحديث الصحيح فيه أنه رغب بقوله في ثنتى عشرة ركعة . وفى الحديثين الصحيحين : أنه كان يصلي مع المكتوبة إما عشر ركعات ، وإما اثنتى عشرة ركعة ، وكان يقوم من الليل إحدى عشرة ركعة ، أو ثلاث عشرة ركعة ، فكان مجموع صلاة الفريضة والنافلة فى اليوم والليلة نحو أربعين ركعة ، كان يوتر صلاة النهار بالمغرب ، ويوتر صلاة الليل بوتر الليل . وقد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((بين كل أذانين صلاة ، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة ، وقال : فى الثالثة لمن شاء )) كراهية أن يتخذها الناس سنة . ٢٨١ وثبت فى الصحيح أن أصحابه كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها ركعتين ، وهو يرام ولا ينهامٍ ، فإذا كان التطوع بين أذاني المغرب مشروعا ، فلأن يكون مشروعا بين أذانى العصر والعشاء بطريق الأولى لأن السنة تعجيل المغرب باتفاق الأئمة ، فدل ذلك على أن الصلاة قبل العصر ، وقبل المغرب ، وقبل العشاء : من التطوع المشروع ، وليس هو من السنن الراتبة التى قدرها بقوله ، ولا داوم عليها بفعله . ومن ظن أنه كان له سنة يصليها قبل العصر قضاها بعد العصر فقد غلط ، وإنما كانت تلك ركعتى الظهر لما فاته قضاها بعد العصر ، وما يفعل بعد الظهر فهو قبل العصر ، ولم يقض بعد العصر إلا الركعتين بعد الظهر . و ((التطوع المشروع)) كالصلاة بين الأذانين، وكالصلاة وقت الضحى ، ونحو ذلك ، هو كسائر التطوعات من الذكر والقراءة والدعاء مما قد يكون مستحباً لمن لا يشتغل عنه بما هو أفضل منه ، ولا يكون مستحباً لمن اشتغل عنه بما هو أفضل منه ، والمداومة على القليل أفضل من كثير لا يداوم عليه ؛ ولهذا كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة . واستحب الأئمة أن يكون للرجل عدد من الركعات يقوم بها من ٢٨٢ الليل لا يتركها ، فإن نشط أطالها ، وإن كسل خففها، وإذا نام عنها صلى بدلها من النهار ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام عن صلاة الليل صلى فى النهار اثنتى عشرة ركعة، وقال: ((من نام عن حزبه فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل )) . ومن هذا الباب ((صلاة الضحى)) فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن بداوم عليها باتفاق أهل العلم بسنته ، ومن زعم من الفقهاء أن ركعتى الضحى كانتا واجبتين عليه، فقد غلط. والحديث الذي يذكرونه (( ثلاث هن علي فريضة، ولكم تطوع: الوتر، والفجر، وركعنا الضحى )) حديث موضوع ؛ بل ثبت في حديث صحيح لا معارض له أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى وقت الضحى لسبب عارض: لا لأجل الوقت : مثل أن ينام من الليل ، فيصلي من النهار اثنتى عشرة ركعة ، ومثل أن يقدم من سفر وقت الضحى، فيدخل المسجد فيصلي فيه . ومثل ما صلى لما فتح مكة ثماني ركعات ، وهذه الصلاة كانوا يسمونها ((صلاة الفتح)). وكان من الأمراء من يصليها إذا فتح مصرا ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلاها لما فتح مكة . ولو كان سببها مجرد الوقت كقيام الليل . لم يختص بفتح مكة ؛ ولهذا كان ٢٨٣ من الصحابة من لا يصلى الضحى : لكن قد ثبت في الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: (( أو صافى غليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتى الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام)). وفي رواية لمسلم: (( وركعتى الضحى كل يوم)). وفى صحيح مسلم عن أبى ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ، ونهى عن المنكر صدقة ، ويجزي من ذلك ركعتان يركعها من الضحى )). وفى صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: (( خرج النبى صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى ، فقال: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى)). وهذه الأحاديث الصحيحة وأمثالها تبين أن الصلاة وقت الضحى حسنة محبوبة. بقي أن يقال : فهل الأفضل المداومة عليها ؛ كما فى حديث أبى هريرة أو الأفضل ترك المداومة اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم ؟ هذا مما تنازعوا فيه . والأشبه أن يقال : من كان مداوما على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى، كما كان النى صلى الله عليه وسلم يفعل ، ومن كان ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل عن قيام الليل . ٢٨٤ وفى حديث أبى هريرة أنه أوصاه أن يوتر قبل أن ينام ، وهذا إنما يوصى به من لم يكن عادته قيام الليل ، وإلا فمن كانت عادته قيام الليل ، وهو يستيقظ غالباً من الليل ، فالوتر آخر الليل أفضل له ، كما ثبت فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( من خشي أن لا يستيقظ آخر الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يستيقظ آخره فليوتر آخره ، فإن صلاة آخر الليل مشهودة ، وذلك أفضل)) وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ؟ فقال : قيام الليل)) . ـل والقسم الثالث : ما قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه سن الأمرين ، لكن بعض أهل العلم حرم أحد النوعين ، أو كرهه ، لكونه لم يبلغه ، أو نأول الحديث تأويلا ضعيفاً، والصواب فى مثل هذا أن كل ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فهو مسنون ، لا ينهى عن شيء منه ، وإن كان بعضه أفضل من ذلك . فمن ذلك أنواع التشهدات : فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم تشهد ابن مسعود، وثبت عنه فى صحيح ٢٨٥ مسلم تشهد أبى موسى ، وألفاظه قريبة من ألفاظه . وثبت عنه في صحيح مسلم تشهد ابن عباس . وفي السنن تشهد ابن عمر ، وعائشة ، وجابر ، وثبت فى الموطأ وغيره أن عمر بن الخطاب علم المسلمين تشهدا على منبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن عمر ليعلمهم تشهدا يقرونه عليه إلا وهو مشروع؛ فلهذا كان الصواب عند الأئمّة المحققين أن التشهد بكل من هذه جائز ، لاكراهة فيه ، ومن قال : إن الإتيان بألفاظ تشهد ابن مسعود واجب كما قاله بعض أصحاب أحمد ، فقد أخطأ . ومن ذلك الأذان والإقامة : فإنه قد ثبت في الصحيح عن أنس أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ، وثبت فى الصحيح « أنه على أبا محذورة الأذان والإقامة، فرجع فى الأذان، وثنى الإقامة)) وفى بعض طرقه أنه كبر فى أوله أربعاً ، كما في السنن ، وفى بعضها أنه كبر مرتين ، كما فى صحيح مسلم . وفى السنن أن أذان بلال الذي رواه عبد الله بن زيد ليس فيه ترجيع للأذان ، ولا تثنية للإقامة ، فكل واحد من أذان بلال وأبى محذورة سنة ، فسواء رجع المؤذن في الأذان ، أو لم يرجع ، وسواه أفرد الإقامة ، أو تناها ، فقد أحسن ، واتبع السنة . ٢٨٦ ومن قال: إن الترجيع واجب ، لا بد منه ، أو أنه مكروه منهى عنه ، فكلاهما مخطئ ، وكذلك من قال إن إفراد الإقامة مكروه أو تثنيتها مكروه ، فقد أخطأ . وأما اختيار أحدهما فهذا من مسائل الاجتهاد ، كاختيار بعض القراءات على بعض ، واختيار بعض التشهدات على بعض . ومن هذا الباب أنواع ((صلاة الخوف)) التى صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أنواع ((الاستسقاء)) فإنه استسقى مرة في مسجده بلا صلاة الاستسقاء ، ومرة خرج إلى الصحراء فصلى بهم ركعتين، وكانوا يستسقون بالدعاء بلا صلاة، كما فعل ذلك خلفاؤه ، فكل ذلك حسن جائز . ومن هذا الباب الصوم والفطر للمسافر فى رمضان : فإن الأئمة الأربعة اتفقوا على جواز الأمرين ، وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا الفطر ، وأنه لو صام لم يجزئه . وزعموا أن الإذن لهم فى الصوم في السفر منسوخ بقوله: (( ليس من البر الصيام في السفر) والصحيح ما عليه الأئمة . وليس في هذا الحديث ما ينافى إذنه لهم في الصيام فى السفر ، فإنه نفى أن يكون من البر ، ولم ينف أن يكون جائزاً مباحا ، والفرض يسقط بفعل النوع الجائز المباح ، إذا أتى بالمأمور به . ٢٨٧ والمراد به كونه في السفر ليس من البر ، كما لو صام وعطش نفسه بأكل المالح، أو صام وأضحى للشمس ، فإنه يقال : ليس من البر الصيام في الشمس ، ولهذا قال سفيان بن عيينة : معناه ليس من صام بأبر ممن لم يصم. ففي هذا ما دل على أن الفطر أفضل ، فإنه آخر الأمرين من النبى صلى الله عليه وسلم ، فإنه صام أولا فى السفر ؛ ثم أفطر فيه . ومن كان يظن أن الصوم في السفر نقص في الدين ، فهذا مبتدع ضال وإذا صام على هذا الوجه معتقداً وجوب الصوم عليه ، وتحريم الفطر . فقد أمر طائفة من السلف والخلف بالإعادة . وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن حمزة ابن عمرو سأله : فقال: إني رجل أكثر الصوم ، أفأصوم فى السفر ؟ فقال: ((إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس)) فإذا فعل الرجل فى السفر أيسر الأمرين عليه من تعجيل الصوم أو تأخيره ، فقد أحسن فإن اللّه يريد بنا اليسر، ولا يريد بنا العسر. أما إذا كان الصوم في السفر أشق عليه من تأخيره ، فالتأخير أفضل ، فإن في المسند عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يكره أن تؤنى معصيته)) وأخرجه بعضهم إما ابن خزيمة ، وإما غيره فى صحيحه وهذه الصحاح مرتبتها دون مرتبة صحيحي البخاري ومسلم . ٢٨٨ وأما صوم يوم الغيم : إذا حال دون منظر الهلال غيم ، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان ، فكان فى الصحابة من يصومه احتياطاً ، وكان منهم من يفطر ، ولم نعلم أحداً منهم أوجب صومه ، بل الذين صاموه إنما صاموه على طريق التحري والاحتياط ، والآثار المنقولة عنهم صريحة فى ذلك ، كما نقل عن عمر ، وعلي ، ومعاوية ، وعبد الله ابن عمر ، وعائشة ، وغيرهم . والعلماء متنازعون فيه على أقوال : منهم من نهى عن صومه نهى تحريم أو تنزيه ، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب مالك والشافعي وأحمد . ومنهم من يوجبه كما يقول ذلك طائفة من أصحاب أحمد . ومنهم من يشرع فيه الأمرين بمنزلة الإمساك إذا غم مطلع الفجر . وهذا مذهب أبى حنيفة ، وهو المنصوص عن أحمد ، فإنه كان يصومه على طريق الاحتياط اتباعا لابن عمر وغيره ، لا على طريق الإيجاب . كسار ما يشك فى وجوبه ، فإنه يستحب فعله احتياطاً من غير وجوب . وإذا صامه الرجل بنية معلقة بأن ينوي إن كان من رمضان أجزاء وإلا فلا، فتبين أنه من رمضان أجزاء ذلك عندأكثر العلماء، وهو مذهب أبى حنيفة، وأصح الروايتين عن أحمد وغيره ، فإن النية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله نواه بغير اختياره ، وأما إذا لم يعلم الشيء فيمتنع أن يقصده ، ٢٨٩ فلا يتصور أن يقصد صوم رمضان جزما من لم يعلم أنه من رمضان . وقد يدخل في هذا الباب القصر في السفر ، والجمع بين الصلاتين والذي مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقصر فى السفر ، فلا يصلي الرباعية فى السفر إلا ركعتين ، وكذلك الشيخان بعده أبو بكر ثم عمر. وما كان يجمع فى السفر بين الصلاتين إلا أحياناً عند الحاجة ، لم يكن جمعه كقصره ، بل القصر سنة راتبة، والجمع رخصة عارضة ، فمن نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربح فى السفر الظهر أو العصر أو العشاء فهذا غلط ، فإن هذا لم ينقله عنه أحد لا بإسناد صحيح ، ولا ضعيف . ولكن روى بعض الناس حديثاً عن عائشة أنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يقصر، وتتم ، ويفطر، وتصوم فسألته عن ذلك، فقال: أحسنت يا عائشة)) فتوم بعض العلماء أنه هو كان الذي يقصر فى السفر ويتم، وهذا لم يروه أحد . ونفس الحديث المروى في فعلها باطل ، ولم تكن عائشة ولا أحد غيرها ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلا كصلاته ، ولم يصل معه أحد أربعا قط لا بعرفة ولا بمزدلفة ولا غيرهما ، لا من أهل مكة ولا من غيرهم ، بل جميع المسلمين كانوا يصلون معه ركعتين ، وكان يقيم بمنى أيام الموسم يصلي بالناس ركعتين، وكذلك بعده أبو بكر ، ثم عمر ٢٩٠ ثم عثمان بن عفان في أول خلافته ، ثم صلى بعد ذلك أربعاً لأمور رآها تقتضى ذلك ، فاختلف الناس عليه ، فمنهم من وافقه ، ومنهم من خالفه . ولم يجمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إلا بعرفة ومزدلفة خاصة ، لكنه كان إذا جد به السير في غير ذلك من أسفاره أخر المغرب إلى بعد العشاء ، ثم صلاهما جميعاً، ثم أخر الظهر إلى وقت العصر فصلاهما جميعاً: ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء أن القصر فى السفر يجوز ، سواء نوى القصر أو لم ينوه، وكذلك الجمع حيث يجوز له سواء نواه مع الصلاة الأولى ، أو لم ينوه ، فإن الصحابة لما صلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة الظهر ركعتين ثم العصر ركعتين لم يأمرهم عند افتاح صلاة الظهر بأن بنووا الجمع ، ولا كانوا يعلمون أنه يجمع ؛ لأنه لم يفعل ذلك فى غير سفرته تلك ، ولا أمر أحداً خلفه لا من أهل مكة ولا غيرهم أن ينفرد عنه ، لا بتربيح الصلاتين ، ولا بتأخير صلاة العصر ، بل صلوها معه . وقد اتفق العلماء على جواز القصر فى السفر ، وانفقوا أنه الأفضل إلا قولا شاذاً لبعضهم ، واتفقوا أن فعل كل صلاة فى وقتها فى السفر أفضل إذا لم يكن هناك سبب يوجب الجمع ، إلا قولا شاذا لبعضهم. ٢٩١ والقصر سببه السفر خاصة لا يجوز فى غير السفر، وأما الجمع فسببه الحاجة والعذر ، فإذا احتاج إليه جمع فى السفر القصير ، والطويل وكذلك الجمع للمطر ونحوه، وللمرض ونحوه ، ولغير ذلك من الأسباب، فإن المقصود به رفع الحرج عن الأمة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع فى السفر وهو نازل إلا في حديث واحد ، ولهذا تنازع المجوزون للجمع . كمالك والشافعي وأحمد : هل يجوز الجمع للمسافر النازل ؟ فمنح منه مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه ، وجوزه الشافعي وأحمد فى الرواية الأخرى ، ومنع أبو حنيفة الجمع إلا بعرفة ومزدلفة . ومن هذا الباب التمتع والإفراد والقران فى الحج . فإن مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الأمة جواز الأمور الثلاثة . وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا التمتع ، وهو قول ابن عباس ومن وافقه من أهل الحديث والشيعة ، وكان طائفة من بني أمية ومن اتبعهم ينهون عن المتعة ، ويعاقبون من تمتع . وقد تنازع العلماء فى حج النبى صلى الله عليه وسلم: هل تمتع فيه ، أو أفرد أو قرن ؟ وتنازعوا أي الثلاثة أفضل ؟ فطائفة من أصحاب أحمد نظن أنه تمتع تمتعاً حل فيه من إحرامه . وطائفة أخرى نظن أنه أحرم بالعمرة ، ولم يحرم بالحج حتى طاف وسعى للعمرة . ٢٩٢ وطائفة من أصحاب مالك والشافعى ، نظن أنه أفرد الحج واعتمر عقيب ذلك . وطائفة من أصحاب أبى حنيفة تظن أنه قرن قراناً طاف فيه طوافين ، وسعى فيه سعيين . وطائفة تظن أنه أحرم مطلقاً . وكل ذلك خطأ لم تروه الصحابة رضوان الله عليهم؛ بل عامة روايات الصحابة متفقة ، ومن نسبهم إلى الاختلاف في ذلك فلعدم فهمه أحكامهم ؛ فإن الصحابة نقلوا أن النبى صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج ، هكذا الذي نقله عامة الصحابة ، ونقل غير واحد من هؤلاء وغيرهم أنه قرن بين العمرة والحج، وأنه أهل بها جميعاً ، كما نقلوا أنه اعتمر مع حجته ، مع اتفاقهم على أنه لم يعتمر بعد الحج ، بل لم يعتمر معه من أصحابه بعد الحج إلا عائشة ؛ لأجل حيضتها . ولفظ ((المتمتع)) في الكتاب والسنة وكلام الصحابة اسم لمن جمع بين العمرة والحج فى أشهر الحج ، سواء أحرم بها جميعاً، أو أحرم بالعمرة ، ثم أدخل عليها الحج ، أو أحرم بالحج بعد محلله من العمرة ، وهذا هو التمتع الخاص فى عرف المتأخرين ، وأحرم بالحج بعد قضاء العمرة قبل التحلل منها لكونه ساق الهدى ، أو مع كونه لم بسقه ، وهذا قد يسمونه متمتعاً التمتع الخاص ، وقارناً. وقد يقولون لا يدخل فى التمتع الخاص ، بل هو قارن . وما ذكرته من أن القران يسمونه تمتعاً حاء مصرحا به فى أحاديث ٢٩٣ صحيحة؛ وهؤلاء الذين نقلوا أنه تمتع نقل بعضهم أنه أفرد الحج، فإنه أفرد أعمال الحج، ولم يحل من إحرامه لأجل سوقه الهدى ، فهو لم يتمتع متعة حل فيها من إحرامه ؛ فلهذا صار كالمفرد من هذا الوجه . وأما الأفضل لمن قدم في أشهر الحج ولم يسق الهدى: فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل له كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فى حجة الوداع ، فإنه أمر كل من لم يسق الهدى بالتمتع ، ومن ساق الهدى فالقران له أفضل ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن اعتمر فى سفرة ، وحج فى سفرة ، أو اعتمر قبل أشهر الحج ، وأقام حتى يحج فهذا الإفراد له أفضل من التمتع والقران ، باتفاق الأئمة الأربعة . ( وأما القسم الرابع ): فهو مما تنازع العلماء فيه: فأوجب أحدهم شيئاً أو استحبه وحرمه الآخر ، والسنة لا تدل إلا على أحد القولين لم تسوغها جميعا، فهذا هو أشكل الأقسام الأربعة. وأما الثلاثة المتقدمة فالسنة قد سوغت الأمرين . وهذا مثل تنازعهم فى قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر، فإن للعلماء فيه ثلاثة أقوال . قيل : ليس له أن يقرأ حال جهر الإمام إذا كان يسمع ، لا بالفاتحة ولا غيرها ، وهذا قول الجمهور من السلف ٢٩٤ والخلف ، وهذا مذهب مالك وأحمد ، وأبى حنيفة وغيرم، وأحد قولي الشافعي . وقيل : بل يجوز الأمران ، والقراءة أفضل . ويروى هذا عن الأوزاعي ، وأهل الشام ، والليث بن سعد ، وهو اختيار طائفة من أصحاب أحمد ، وغيرهم. وقيل : بل القراءة واجبة ، وهو القول الآخر للشافعي . وقول الجمهور هو الصحيح فإن الله سبحانه قال: (وَإِذَا قُرِئَّ قال أحمد : أجمع الناس اُلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوا لَهُ, وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) على أنها نزلت فى الصلاة . وقد ثبت فى الصحيح من حديث أبى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا ، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فتلك بتلك، الحديث إلى آخره . وروى هذا اللفظ من حديث أبى هريرة أيضاً ، وذكر مسلم أنه ثابت : فقد أمر الله ورسوله بالإنصات للإمام إذا قرأ، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك من جملة الاتتمام به ، فمن لم ينصت له لم يكن قد انتم به ، ومعلوم أن الإمام يجهر لأجل المأموم ، ولهذا يؤمن المأموم على دعائه ، فإذا لم يستمع لقراءته ضاع جهره، ومصلحة متابعة الإمام مقدمة على مصلحة ما يؤمر به المنفرد . ألا ترى أنه لو أدرك الإمام في وتر من صلاته فعل كما يفعل ، فيتشهد عقيب الوتر ، ٢٩٥ ويسجد بعد التكبير إذا وجده ساجداً، كل ذلك لأجل المتابعة ، فكيف لا يستمع لقراءته ! مع أنه بالاستماع يحصل له مصلحة القراءة ، فإن المستمع له مثل أجر القارئ . ومما يبين هذا اتفاقهم كلهم على أنه لا يقرأ معه فيما زاد على الفاتحة إذا جهر ، فلولا أنه يحصل له أجر القراءة بإنصانه له لكانت قراءته لنفسه أفضل من استماعه للإمام ، وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ لم يحتج إلى قراءته ، فلا يكون فيها منفعة ، بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع المأمور به ، وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام لكون الصلاة صلاة مخافتة ، أو لبعد المأموم ، أو طرشه ، أو نحو ذلك هل الأولى له أن يقرأ أو يسكت ؟ والصحيح أن الأولى له أن يقرأ فى هذه المواضع ؛ لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة ، فإذا قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة وإلا بقي ساكتاً لا قارئا ولا مستمعاً ، ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة لم يكن مأموراً بذلك ، ولا محموداً؛ يل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى: كالقراءة، والتسبيح ، والدعاء ، أو الاستماع للذكر . وإذا قيل : بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة ، فقراءته لنفسه أكمل له، وأنفع له، وأصلح لقلبه، وأرفع له عند ربه، والإنصات ٢٩٦ لا يؤمر به إلا حال الجهر ، فأما حال المخافتة فليس فيه صوت مسموع، حتی ینصت له . ومن هذا الباب : فعل الصلاة التى لها سبب ، مثل تحية المسجد بعد الفجر ، والعصر . فمن العلماء من يستحب ذلك ، ومنهم من يكرهه كراهة تحريم أو تنزيه. والسنة إما أن تستحبه، وإما أن تكرهه . والصحيح قول من استحب ذلك ، وهو مذهب الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين ، اختارها طائفة من أصحابه ؛ فإن أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مثل قوله: (( لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)» عموم مخصوص . خص منها صلاة الجنائز باتفاق المسلمين ، وخص منها قضاء الفوائت بقوله: (( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح )) . وقد ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قضى ركعتى الظهر بعد العصر، وقال للرجلين اللذين رآهما لم يصليا بعد الفجر فى مسجد الخيف: (( إذا صليتما فى رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم. فإنها لكما نافلة)) وقد قال: ((يانى عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت ، وصلى فيه أية ساعة شاء من ليل أو نهار)) فهذا المنصوص يبين أن ذلك العموم خرجت منه صورة . ٢٩٧ أما قوله: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)» فهو أمر عام لم يخص منه صورة ، فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص ؛ بل العموم المحفوظ أولى من العموم المخصوص . وأيضاً فإن الصلاة والإمام على المنبر أشد من الصلاة بعد الفجر والعصر ، وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) فلما أمر بالركعتين في وقت هذا النهي ، فكذلك فى وقت ذلك النهى، وأولى. ولأن أحاديث النهى في بعضها ((لا نتحروا بصلاتكم)) فنهى عن التحري للصلاة ذلك الوقت ، ولأن من العلماء من قال : إن النهى فيها نهي تنزيه لا تحريم. ومن السلف من جوز التطوع بعد العصر مطلقاً، واحتجوا بحديث عائشة ؛ لأن النهي عن الصلاة إنما كان سداً للذريعة إلى التشبه بالكفار وما كان منهيا عنه للذريعة ، فإنه يفعل لأجل المصلحة الراجحة . كالصلاة التى لها سبب تفوت بفوات السبب ، فإن لم تفعل فيه فانت المصلحة ، والتطوع المطلق لا يحتاج إلى فعله وقت النهي، فإن الإنسان لا يستغرق الليل والنهار بالصلاة ، فلم يكن في النهي تفويت مصلحة ، وفى فعله فيه مفسدة ؛ بخلاف التطوع الذي له سبب يفوت : كسجدة التلاوة ، وصلاة الكسوف ، ثم إنه إذا جاز ركعتا الطواف مع إمكان تأخير ٢٩٨ الطواف ، فما يفوت أولى أن يجوز . وطائفة من أصحابنا يجوزون قضاء السنن الرواتب دون غيرها ، لكون النبي صلى الله عليه وسلم قضى ركعتى الظهر، وروى عنه أنه رخص فى قضاء ركعتى الفجر ، فيقال إذا جاز قضاء السنة الراتبة مع إمكان تأخيرها ، فما يفوت كالكسوف وسجود التلاوة وتحية المسجد أولى أن يجوز ؛ بل قد ثبت بالحديث الصحيح قضاء الفريضة في هذا الوقت ، مع أنه قد يستحب تأخير قضائها. كما أخر النبى صلى الله عليه وسلم قضاء الفجر لما نام عنها في غزوة خيبر. وقال: ((إن هذا واد حضرنا فيه الشيطان)) فإذا جاز فعل ما يمكن تأخيره. فما لا يمكن ولا يستحب تأخيره أولى . وبسط هذه المسائل لا يمكن فى هذا الجواب . فصل وأما قيام الليل وصيام النهار فالأفضل فى ذلك ما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله. وقال: (( أفضل القيام قيام داود كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، وأفضل الصيام صيام داود . كان يصوم يوماً، ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى )) وقد ثبت ٢٩٩ في الصحاح أن عبد الله بن عمرو قال لأصومن النهار. ولأقومن الليل، والأقرأن القرآن كل يوم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تفعل فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين أي غارت ونفهت له النفس - أي سئمت ـ ولكن صم من كل شهر ثلاثة أيام، فذلك صيامك الدهر)) يعنى الحسنة بعشر أمثالها، فقال: ((إني أطيق أفضل من ذلك، فما زال يزايده، حتى قال: ((صم يوما وأفطر يوما)) قال : إني أطيق أفضل من ذلك، قال: ((لا أفضل من ذلك)) وقال له : فى القراءة (( اقرأ القرآن فى كل شهر ، فما زال يزايده حتى قال اقرأ فى سبع)) وذكر له أن أفضل القيام قيام داود، وقال له: ((إن لنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ولزوجك عليك حقا ، فآت كل ذي حق حقه)) فبين له صلى الله عليه وسلم أن المداومة على هذا العمل تغير البدن والنفس وتمنع من فعل ما هو آجر من ذلك من القيام لحق النفس والأهل والزوج . وأفضل الجهاد والعمل الصالح ما كان أطوع للرب، وأنفع للعبد، فإذا كان يضره ويمنعه مما هو أنفع منه ، لم يكن ذلك صالحا ، وقد ثبت فى الصحيح(١) أن رجالا قال أحدم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال الآخر : أما أنا فأقوم لا أنام ، وقال الآخر : أما أنا فلا آكل اللحم (١) الحديث مروي بالمعنى ٣٠٠