Indexed OCR Text

Pages 501-520

يتغير ، كما قاله من قاله من فقهاء الحجاز والعراق، وفقهاء الحديث ، وغيرهم
كمالك وأصحابه ، ومن وافقهم من أصحاب الشافعي وأحمد ، وهذه طريقة
القاضي أبي يعلى بن القاضى أبي حازم ، مع قوله : إن القليل ينجس
بالملاقاة ، وأما ابن عقيل وابن المنى وابن المظفر وابن الجوزي وأبو
نصر وغيرهم من أصحاب أحمد فنصروا هذا أنه لا ينجس إلا بالتغير ،
كالرواية الموافقة لأهل المدينة ، وهو قول أبى المحاسن الرويانى ، وغيره
من أصحاب الشافعي .
وقال الغزالي : وددت أن مذهب الشافعى في المياه كان كمذهب
مالك ، وكلام أحمد وغيره موافق لهذا القول ، فإنه لما سئل عن الماء
إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت طعمه أو لونه بأي شيء ينجس ؟ والحديث
المروي فى ذلك وهو قوله: ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير
لونه أو طعمه أو ريحه)) ضعيف؟ فأجاب: بأن الله حرم الميتة، والدم، ولحم
الخنزير ، فإذا ظهر فى المساء طعم الدم أو الميتة، أو لحم الخنزير ،
كان المستعمل لذلك مستعملا لهذه الخبائث ، ولو كان القياس عنده
التحريم مطلقاً لم يخص صورة التحريم باستعمال النجاسة .
وفى الجملة فهذا القول هو الصواب ، وذلك أن الله حرم الخبائث
التى هي الدم والميتة ولحم الخنزير ، ونحو ذلك ، فإذا وقعت هذه في
الماء أو غيره واستهلكت لم يبق هناك دم ولا ميتة ولا لحم خنزير
٥٠١

أصلا . كما أن الخمر إذا استهلكت فى المائع لم يكن الشارب لها شارباً
للخمر ، والخمرة إذا استحالت بنفسها وصارت خلا كانت طاهرة بانفاق
العلماء ، وهذا على قول من يقول : إن النجاسة إذا استحالت طهرت
أقوى . كما هو مذهب أبي حنيفة، وأهل الظاهر ، وأحد القولين فى
مذهب مالك وأحمد ، فإن انقلاب النجاسة ملحاً ورماداً ونحو ذلك
هو كانقلابها ماء ، فلا فرق بين أن تستحيل رماداً أو ملحاً أو ترابا
أو ماء أو هواء . ونحو ذلك ، والله تعالى قد أباح لنا الطيبات .
وهذه الأدهان والألبان والأشربة الحلوة والحامضة وغيرها من
الطيبات والخبيثة قد استهلكت واستحالت فيها ، فكيف يحرم الطيب
الذي أباحه اللّه تعالى. ومن الذي قال: إنه إذا خالطه الخبيث واستهلك
فيه واستحال قد حرم ؟ وليس على ذلك دليل لا من كتاب ولا من
سنة ولا إجماع ولا قياس ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فى حديث
بئر بضاعة لما ذكر له أنها يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن
فقال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) وقال فى حديث القلتين: ((إذا
بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) وفى اللفظ الآخر: ((لم ينجسه شيء))
رواه أبو داود وغيره .
فقوله: ((لم يحمل الخبث)) بين أن تنجيسه بأن يحمل الخبث،
أي بأن يكون الخبث فيه محمولا ، وذلك يبين أنه مع استحالة الخبث
لا ينجس الماء .
٥٠٢

فصل
وإذا عرف أصل هذه المسألة: فالحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها ؛
كالحمر لما كان الموجب لتحريمها ونجاستها هي الشدة المطربة فإذا زالت
بفعل الله طهرت ؛ بخلاف ما إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح . كما
قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: (( لا تأكلوا خل خمر إلا خمراً بدأ
الله بفسادها)) ولا جناح على مسلم أن يشتري خل خمر من أهل
الكتاب مالم يعلم أنهم تعمدوا فسادها .
وذلك لأن اقتناء الخمر محرم ، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد
فعل محرما ، والفعل المحرم لا يكون سبباً للحل ، والإباحة، وأما إذا
اقتناها لشربها واستعمالها خمراً فهو لا يريد تخليلها ، وإذا جعلها الله خلا
كان معاقبة له بنقيض قصده ، فلا يكون فى حلها وطهارتها مفسدة .
وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد لإفسادها ؛ لأن إفسادها ليس
بمحرم . كما لا يحد شاربها؛ لأن النفوس لا يخاف عليها بمقاربتها
المحظور كما يخاف من مقاربة المر ؛ ولهذا جوز الجمهور أن تدبغ
٥٠٣

جلود الميتة ، وجوزوا أيضا إحالة النجاسة بالنار وغيرها ، والماء
لنجاسته سببان :
أحدهما : متفق عليه ، والآخر مختلف فيه .
فالمتفق عليه التغير بالنجاسة ، فمتى كان الموجب لنجاسته التغير
فزال التغير كان طاهراً . كالثوب المضمخ بالدم إذا غسل عاد طاهراً .
والثانى: القلة : فإذا كان الماء قليلا ووقعت فيه نجاسة ففي نجاسته
قولان للعلماء : فمذهب الشافعى وأحمد فى إحدى الروايات عنه أنه ينجس
ما دون القلتين ، وأحمد فى الرواية المشهورة عنه يستثنى البول والعذرة
المائعة ، فيجعل ما أمكن نزحه نجسا بوقوع ذلك فيه .ومذهب أبى
حنيفة ينجس ما وصلت إليه الحركة ، ومذهب أهل المدينة وأحمد فى
الرواية الثالثة أنه لا ينجس ، ولو لم يبلغ قلتين ، واختار هذا القول
بعض الشافعية كإحدى الروايات ، وقد نصر هذه الرواية بعض أصحاب
الشافعي كما نصر الأولى طائفة كثيرة من أصحاب أحمد ، لكن طائفة من
أصحاب مالك قالوا : إن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ، ولم يحدوا
ذلك بقلتين ، وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول ، فهؤلاء لا ينجسون
شيئاً إلا بالتغير ، ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن
أحمد ، وقال بهذا القول الذي هو رواية عن أحمد قال في المائعات
كذلك، كما قاله الزهري وغيره. فهؤلاء لا ينجسون شيئاً من المائعات
٥٠٤

إلا بالتغير كما ذكره البخاري في صحيحه ؛ لكن على المشهور عن أحمد
اعتبار القلتين في الماء .
وكذلك فى المائعات إذا سويت به . فنقول: إذا وقع فى المائع القليل
نجاسة فصب عليه مائع كثير فيكون الجميع ظاهراً ، إذا لم يكن متغيراً،
وإن صب عليه ماء قليل دون القلتين فصار الجميع كثيراً فوق القلتين ففي
ذلك وجهان فى مذهب أحمد :
أحدهما : وهو مذهب الشافعي فى الماء أن الجميع طاهر .
والوجه الثانى : أنه لا يكون طاهراً حتى يكون المضاف كثيراً.
والمكاثرة المعتبرة أن يصب الطاهر على النجس ، ولو صب النجس على
الطاهر الكثير كان كما لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا،
وذلك مطهر له إذا لم يكن متغيراً، وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة
على قليل لم تلاقه النجاسة - وكان الجميع كثيراً فوق القلتين - كان
كالماء القليل إذا ضم إلى القليل ، وفى ذلك الوجهان المتقدمان .
وهذا القول الذي ذكرناه من أن المائعات كالماء أولى بعدم التنجيس
من الماء هو الأظهر فى الأدلة الشرعية ، بل لو نجس القليل من الماء
لم يلزم تنجيس الأشربة والأطعمة ، ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه
٥٠٥

الكلب من الماء القليل كما جاء في الحديث ولم يأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب
من الأطعمة والأشربة ، واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك ،
وذلك لأن الماء لاتمن له فى العادة ، بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم
فإن فى نجاستها من المشقة والحرج والضيق مالا يخفى على الناس ، وقد
تقدم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج فى هذا الباب ، فإذا لم ينجسوا
الماء الكثير رفعا للحرج . فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة
والأشربة ؟ والحرج فى هذا أشق، ولعل أكثر المائعات الكثيرة لا تكاد
تخلو من نجاسة .
فإن قيل : الماء يدفع النجاسة عن غيره ، فعن نفسه أولى وأحرى،
بخلاف المائعات .
قيل : الجواب عن ذلك من وجوه .
أحدها : أن الماء إنما دفعها عن غيره لأنه يزيلها عن ذلك المحل ،
وتنتقل معه فلا يبقى على المحل نجاسة ، وأما إذا وقعت فيه فإنما كان
طاهرا لاستحالتها فيه ، لا لكونه أزالها عن نفسه ؛ ولهذا يقول أصحاب
أبى حنيفة: إن المائعات كالماء فى الإزالة، وهي كالماء فى التنجيس ، وإذا
كان كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا زالت معه أن يزيلها إذا
كانت فيه . ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل .
٥٠٦

وتلك نجسة قبل طهارة المحل . وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه : هل
هي طاهرة، أو مطهرة ، أو نجسة ؟ .
وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال : الماء ينجس بوقوعها فيه ،
وإن كان يزيلها عن غيره لما ذكرنا ، فإذا كانت النصوص وقول الجمهور
على أنها لا تنجس بمجرد الوقوع مع الكثرة ، كما دل عليه قول النبى
صلى الله عليه وسلم: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) وقوله: ((إذا بلغ
الماء قلتين لم يحمل الخبث ، فإنه إذا كان طهوراً يطهر به غيره على أنه
لا ينجس بالملاقاة . إذ لو تجس بها لكان إذا صب عليه النجاسة ينجس
علاقاتها، فحينئذ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ، لكن إن بقيت عين النجاسة
حرمت، وإن استحالت زالت .
فدل ذلك على أن استحالة النجاسة بعلاقاته لها فيه لا ينجس ، وإن لم
تكن قد زالت كما زالت عن المحل . فإن من قال إنه يدفعها عن نفسه
كما يزيلها عن غيره فقد خالف المشاهدة ، وهذا المعنى يوجد في سائر
المائعات من الأشربة وغيرها .
الوجه الثانى؛ أن يقال: غاية هذا أن يقتضي أنه يمكن إزالة النجاسة
بالمائع ، وهذا أحد القولين فى مذهب أحمد ومالك ، كما هو مذهب
أبي حنيفة وغيره. وأحمد جعله لازما لمن قال : إن المائع لا ينجس
٥٠٧

ملاقاة النجاسة ، وقال : يلزم على هذا أن تزال به النجاسة ، وهذا لأنه
إذا دفعها عن نفسه دفعها عن غيره كما ذكروه فى الماء ، فيلزم جواز
إزالته بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر على هذا القول . وهذا
هو القياس فنقول به على هذا التقدير . وإن كان لا يلزم من دفعها
عن نفسه دفعها عن غيره، لكون الإحالة أقوى من الإزالة فيلزم من قال :
إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات أن تكون المائعات كالماء ،
فإذا كان الصحيح فى الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير إما مطلقا ، وإما مع
الكثرة - فكذلك الصواب في المائعات .
وفى الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين ، وهذا مقتضى
النص والقياس فى مسألة إزالة النجاسات ، وفى مسألة ملاقاتها للمائعات
الماء وغير الماء .
ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها ، والمعانى الشرعية المعتبرة
فى الأحكام الشرعية تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال ، فإن نجاسة
الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة ، وكون
حكم النجاسة يبقى فى مواردها بعد إزالة النجاسة بماتح أو غير ماتع بعيد
عن الأصول ، وموجب القياس .
ومن كان فقيها خبيراً بمآخذ الأحكام الشرعية، وأزال عنه الهوى ،
٥٠٨

تبين له ذلك ، ولكن إذا كان فى استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك :
كما ينهى عن ذبح الخيل التى يجاهد عليها، والإبل التى يحمج عليها ،
والبقر التى يحرث عليها ، ونحو ذلك . لما فى ذلك من الحاجة إليها لا
لأجل الخبث ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ((لما
كان فى بعض أسفاره مع أصحابه فندت أزوادم فاستأذنوه فى نحر الظهر
فأذن لهم، ثم أتى عمر فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها
ويبقى الظهر، ففعل ذلك)) فهيه لهم عن محر الظهر كان لحاجتهم إليه
للركوب ؛ لا لأن الإبل محرمة . فهكذا ينهى فيما يحتاج إليه من الأطعمة
والأشربة عن إزالة النجاسة بها ، كما ينهى عن الاستنجاء بماله حرمة من
طعام الإنس والجن وعلف دواب الإنس والجن ، ولم يكن ذلك تكون
هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها ، بل لحرمتها ، فالقول في المائعات
كالقول فى الجامدات .
الوجه الثالث : أن يقال إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى
من إحالة الماء ، وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات ، فإذا
كان الماء لا ينجس بما وقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته ،
فالمائعات أولى وأحرى .
الوجه الرابع : أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا
لون ولا ريح فلا نسلم أن يقال بنجاسته أصلا، كما فى الخمر المنقلبة أو
٥٠٩

أبلغ . وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة . فإن الجمهور على أن
المستحيل من النجاسات طاهر كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية ،
وهو أحد القولين فى مذهب مالك وأحمد، ووجه فى مذهب الشافعي .
الوجه الخامس : أن دفع المائعات للنجاسة عن نفسها كدفع الماء لا
يختص بالماء ، بل هذا الحكم ثابت فى التراب وغيره؛ فإن العلماء اختلفوا
فى النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الربح أو الاستحالة
هل تطهر الأرض على قولين :
أحدهما : تطهر ، وهو مذهب أبى حنيفة، وأحد القولين فى مذهب
الشافعي وأحمد ، وهو الصحيح في الدليل . فإنه ثبت عن ابن عمر رضي
الله عنهما أنه قال: (( كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فى مسجد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك)).
وفى السنن أنه قال: ((إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه ، فإن
كان فيها أذى فليدلكها فى التراب فإن التراب لهما طهور)). وكان
الصحابة كعلي بن أبي طالب وغيره يخوضون فى الوحل ثم يدخلون
يصلون بالناس ، ولا يغسلون أقدامهم
وأوكد من هذا قوله صلى الله عليه وسلم فى ذيول النساء، إذا
أصابت أرضا طاهرة بعد أرض خبيثة: ((تلك بتلك)) وقوله. ((يطهره
٥١٠

ما بعده )) وهذا هو أحد القولين فى مذهب أحمد وغيره ، وقد نص
عليه أحمد فى رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التى شرحها إبراهيم بن
يعقوب الجوزجاني ، وهي من أجل المسائل . وهذا لأن الذيول تتكرر
ملاقاتها للنجاسة ، فصارت كأسفل الخف ، ومحل الاستنجاء . فإذا كان
الشارع قد جعل الجامدات تزيل النجاسة عن غيرها ، لأجل الحاجة .
كما فى الاستنجاء بالأحجار ، وجعل الجامد طهوراً ، على أن ذلك وصف
لا يختص بالماء .
وإذا كانت الجامدات لا تنجس بما استحال إليها من النجاسة ،
فالمائعات أولى وأحرى لأن إحالتها أشد وأسرع ، ولبسط هذه المسائل
وما يتعلق بها مواضع غير هذا .
وأما من قال إن الدهن ينجس بما يقع فيه: ففي جواز الاستصباح
به قولان فى مذهب مالك والشافعى وأحمد ، أظهرهما: جواز الاستصباح
به ، كما نقل ذلك عن طائفة من الصحابة ، وفى طهارته بالغسل وجهان
في مذهب مالك والشافعي وأحمد .
أحدهما : يطهر بالغسل كما اختاره ابن شريح، وأبو الخطاب ، وابن
شعبان ، وغيرهم . وهو المشهور من مذهب الشافعي وغيره.
والثانى : لا يطهر بالغسل ، وعليه أكثرهم . وهذا النزاع يجري فى
٥١١

الدهن المتغير بالنجاسة ، فإنه نجس بلا ريب ، ففي جواز الاستصباح به
هذا النزاع . وكذلك فى غسله هذا النزاع .
وأما بيعه فالمشهور أنه لا يجوز بيعه ، لا من مسلم ولا من كافر .
وهو المشهور فى مذهب الشافعي وغيره ، وعن أحمد أنه يجوز بيعه من
كافر، إذا أعلم بنجاسته . كما روى عن أبى موسى الأشعري، وقد خرج
قول له بجواز بيعه منهم من خرجه على جواز الاستصباح به ، كما فعل
أبو الخطاب وغيره وهو ضعيف ؛ لأن أحمد وغيره من الأئمة فرقوا بينهما .
ومنهم من خرج جواز بيعه على جواز تطهيره ؛ لأنه إذا جاز تطهير.
صار كالثوب النجس ، والإناء النجس وذلك يجوز بيعه وفاقا . وكذلك
أصحاب الشافعي لهم فى جواز بيعه إذا قالوا : بجواز تطهيره ، وجهان ،
ومنهم من قال يجوز بيعه مطلقاً ، والله أعلم .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
وأما المائعات : كالزيت والسمن ، وغيرهما من الأدهان ، كالخل
واللبن وغيرهما ، إذا وقعت فيه نجاسة مثل الفأرة الميتة ، ونحوها من
النجاسات ، ففي ذلك قولان للعلماء.
٥١٢

أحدهما : أن حكم ذلك حكم الماء ، وهذا قول الزهري وغيره
من السلف ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، ويذكر رواية عن
مالك فى بعض المواضع ، وهذا هو أصل قول أبي حنيفة ، حيث قاس
الماء على المائعات .
والثانى : أن المائعات تنجس بوقوع النجاسة فيها ، بخلاف الماء
فإنه يفرق بين قليله وكثيره . وهذا مذهب الشافعي ، وهو الرواية
الأخرى عن مالك وأحمد .
وفيها قول ثالث: هو رواية عن أحمد ، وهو الفرق بين
المائعات المائية وغيرها فل التمر يلحق بالماء ، وخل العنب لا يلحق به .
وعلى القول الأول إذا كان الزيت كثيراً مثل أن يكون قلتين
فإنه لا ينجس إلا بالتغير كما نص على ذلك أحمد فى كلب ولغ فى زيت
كثير . فقال : لا ينجس . وإن كان المائع قليلا انبنى على النزاع المتقدم
فى الماء القليل . فمن قال: إن القليل لا ينجس إلا بالتغير قال :
ذلك في الزيت وغيره ، وبذلك أفتى الزهري لما سئل عن الفأرة أو
غيرها من الدواب . تموت في سمن أو غيره من الأدهان ، فقال:
تلقى وما قرب منها ويؤكل ، سواء كان قليلا أو كثيراً ، وسواء كان
جامداً أو مائعاً . وقد ذكر ذلك البخاري عنه فى صحيحه لمعنى سنذكره
إن شاء الله.
٥١٣

ومن قال : إن المائع القليل ينجس بوقوع النجاسة ، قال :
إنه كالماء فإنه يطهر بالمكاثرة كما يطهر الماء بالمكاثرة ، فإذا صب عليه
زيت كثير طهر الجميع ، والقول بأن المائعات لا تنجس كما لا ينجس
الماء هو القول الراجح ، بل هي أولى بعدم التنجيس من الماء . وذلك
لأن الله أحل لنا الطيبات ، وحرم علينا الخبائث ، والأطعمة والأشربة
- من الأدهان والألبان والزيت والخلول ، والأطعمة المائعة ــ هي
من الطيبات التى أحلها الله لنا ، فإذا لم يظهر فيها صفة الحبث :
لا طعمه ، ولا لونه ، ولا ريحه، ولا شيء من أجزائه : كانت على
حالها فى الطيب ، فلا يجوز أن تجعل من الخبيث المحرمة مع أن
صفاتها صفات الطيب لا صفات الخبائث ، فإن الفرق بين الطيبات
والخبائث بالصفات المميزة بينهما .
ولأجل تلك الصفات حرم هذا، وأحل هذا، وإذا كان هذا
الحب وقع فيه قطرة دم أو قطرة خمر، وقد استحالت واللبن باق
على صفته ، والزيت باق على صفته ، لم يكن لتحريم ذلك وجه ، فإن
تلك قد استهلكت واستحالت ، ولم يبق لها حقيقة من الأحكام يترتب
عليها شيء من أحكام الدم والخمر . وإنما كانت أولى بالطهارة من الماء
لأن الشارع رخص فى إراقة الماء وإتلافه حيث لم يرخص في إتلاف
المائعات كالاستنجاء ، فإنه يستنجي بالماء دون هذه، وكذلك إزالة سائر
النجاسات بالماء .
٥١٤

وأما استعمال المائعات فى ذلك فلا يصح: سواء قيل تزول النجاسة أولا
تزول . ولهذا قال من قال من العلماء : إن الماء يراق إذا ولغ فيه
الكلب ، ولا تراق آنية الطعام والشراب.
وأيضاً فإن الماء أسرع تغيراً بالنجاسة من الملح ، والنجاسة أشد
استحالة فى غير الماء منها في الماء ، فالمائعات أبعد عن قبول التنجيس
حساً وشرعاً من الماء ، فحيث لا ينجس الماء فالمائعات أولى أن
لا تنجس .
وأيضاً فقد ثبت فى صحيح البخاري وغيره عن النبى صلى الله عليه
وسلم أنه سئل عن فأرة وقعت فى من، فقال: ((ألقوها وما حولها،
وكلوا سمنكم ». فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم جواباً عاماً مطلقاً
بأن يلقوها وما حولها ، وأن يأكلوا سمنهم ، ولم يستفصلهم هل كان
مائعاً أو حامداً. وترك الاستفصال فى حكاية الحال مع قيام الاحتمال
ينزل منزلة العموم في المقال . مع أن الغالب على سمن الحجاز أن
يكون ذائباً . وقد قيل: إنه لا يكون إلا ذائباً، والغالب على
السمن أنه لا يبلغ القلتين، مع أنه لم يستفصل هل كان قليلاً أو كثيراً .
فإن قيل: فقد روى فى الحديث ((إن كان حامداً فألقوها وما
حولها وكلوا سمنكم، وإن كان مائماً فلا تقربوه)). رواه أبو داود وغيره.
٥١٥

قيل : هذه الزيادة هي التى اعتمد عليها من فرق بين المائع
والجامد ، واعتقدوا أنها ثابتة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا
في ذلك مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم واجتهادهم. وقد ضعف محمد بن يحيى
الذهلي حديث الزهري ، وصحح هذه الزيادة ؛ لكن قد تبين لغيرم أن
هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث ، ليست من كلام النبي صلى الله
عليه وسلم .
وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا ، ونحن حازمون بأن هذه الزيادة
ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك رجعنا عن الإفتاء
بها بعد أن كنا نفتى بها أولا ، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي
فى الباطل. والبخاري والترمذي رحمة الله عليها وغيرهما من أئمة الحديث
قد بينوا لنا أنها باطلة، وأن معمراً غلط فى روايته لها عن الزهري ، وكان
معمر كثير الغلط والأثبات من أصحاب الزهري : كمالك ، ويونس ،
وابن عيينة خالفوه فى ذلك ، وهو نفسه اضطربت روايته في هذا
الحديث إسناداً ومتناً ، فجعله عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة ، وإنما
هو عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة، وروى عنه فى بعض
طرقه أنه قال:((إن كان مائعاً فاستصبحوا به ، وفي بعضها فلا تقربوه)).
والبخاري بين غلطه فى هذا ، بأن ذكر فى صحيحه عن يونس
عن الزهري نفسه أنه سئل عن فأرة وقعت فى سمن فقال : إن كان
٥١٦

جامداً أو مائعاً قليلا أو كثيراً تلقى وما قرب منها ويؤكل ، لأن النبى
صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت فى سمن، فقال: ((ألقوها
وما حولها وكلوا سمنكم ) فالزهري الذي مدار الحديث عليه ، قد أفتى
فى المائع والجامد بأن تلقى الفأرة وما قرب منها ، ويؤكل ، واستدل بهذا
الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه . فتبين أن من ذكر عنه الفرق
بين النوعين فقد غلط .
وأيضاً فالجمود والميعان أمر لا ينضبط ، بل يقع الاشتباه في كثير
من الأطعمة ، هل تلحق بالجامد أو المائح . والشارع لا يفصل بين
الحلال والحرام إلا بفصل مبين لا اشتباه فيه . كما قال تعالى: ( وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْهَدَهُمْ حَتَّى يُبَيْنَ لَهُمْ فَايَتَّقُونَ). والمحرمات مما
يتقون ، فلا بد أن يبين لهم المحرمات بيانا فاصلا بينها وبين الحلال .
وقد قال تعالى : (وَقَدْ فَصَلَ لَكُم مَّاحَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) .
وأيضا فإذا كانت الخمر التى هي أم الخبائث إذا انقلبت بنفسها حلت
باتفاق المسلمين ، فغيرها من النجاسات أولى أن تطهر بالانقلاب ، وإذا
قدر أن قطرة خمر وقعت في خل مسلم بغير اختياره فاستحالت كانت
أولى بالطهارة .
فإن قيل : الخمر لما يجست بالاستحالة طهرت بالاستحالة ؛ بخلاف
غيرها ؟ والخمر إذا قصد تخليلها لم تطهر .
٥١٧

قيل فى الجواب عن الأول: أن جميع النجاسات نجست بالاستحالة ،
فإن الإنسان يأكل الطعام ويشرب الشراب وهي طاهرة ، ثم تستحيل
دما وبولا وغائطا فتنجس .
وكذلك الحيوان يكون طاهراً فإذا مات احتبست فيه الفضلات ،
وصار حاله بعد الموت خلاف حاله في الحياة فينجس ، ولهذا يطهر الجلد
بعد الدباغ عند الجمهور سواء قيل : إن الدباغ كالحياة ، أو قيل إنه
كالذكاة ؛ فإن فى ذلك قولين مشهورين للعلماء ، والسنة تدل على أن
الدباغ كالذكاة .
وأما ما قصد تخليله: فذلك لأن حبس الخمر حرام ، سواء
حبست لقصد التخليل أو لا، والطهارة نعمة فلا ثبت النعمة
بالفعل المحرم .
وسئل
عن الرجل يسافر فى الشتاء ويصيبه بلل المطر والنداوة ويمس
مقادم الدواب ورحالها وغير ذلك - مما يشق الاحتراز منه على المسافر -
وينزل منازل متنجسة يفرش عليها فرشه وغير ذلك ، مما يعلم من أحوال
المسافر . فهل يعفى عن ذلك ؟ وإذا عفى عنه ، فهل إذا حضر فى بلدته
٥١٨

يجب عليه غسل ما لامس ثيابه وفرشه وفراءه ؟ وهي مرتبطة بتلك
المقاود . وآلة الدواب لا تخلو من النجاسات ، وقد تكون فى بعض
الأوقات المقاود رطبة من بول أو بلل ، ويمسكها بيده ، ويلمس بيده
ثيابه ، وقد تكون في الصيف بده عرقانة . فهل بعفى عن جميع ذلك
وإن عفى عنه فى السفر هل يكون عفواً له فى الحضر ، أم يجب غسل
ما ذكر؟ فإن الكثير من الناس لا يغسلون . والأقل من الناس
يعتنون بالغسل ؟ وهل كان الصحابة يغسلون من ذلك ، أم يتجاوزون ؟
وهل يكون الغسل من ذلك بخلاف السنة ؟ والغرض متابعة الصحابة
وما كانوا عليه
وفى الرجل إذا مس ثوبه القصاب أو يده وعليه شيء من الدسم
غسل ما أصابه منه . فهل هو فى ذلك مصيب ؟ أو هذا وسواس ؟ وفى
الرجل أيضا يصلي إلى جانبه قصاب فى المسجد فيقول مكان هذا القصاب
غير طاهر ؛ لأن القصابين لا يتحرزون من النجاسة فى أبدانهم وثيابهم
وإذا صافه قصاب غسل يده ؟ وكذلك إذا مسه الطواف باللحم غسل
ما أصابه منه . فهل هو مخطئ ؟ وما الحكم فى ذلك ؟ وما الذي كانت
عليه الصحابة .
وفى الرجل يأكل الشرائح وقد جرت العادة بأن عمالها لا يغسلون
اللحم ، فهل يحرم أكلها أو يكره ؟ لكون القصابين يذبحون بسكين
٥١٩

ويسلخون بها من غير غسل ؟ وإذا عفى عنه في الأكل : فهل يعفى
عن الرجل يأكل من ذلك ويصيب ثوبه وبدنه من ذلك ولا يغسله
والمراد ما لو جرى بحضرة الصحابة أو فعل ، أفتونا مأجورين ؟
فأجاب : أما مقاود الخيل ورباطها فطاهر باتفاق الأئمة ، لأن الخيل
طاهرة بالانفاق . ولكن الخمير فيها خلاف : هل هي طاهرة أو نجسة ؟
أو مشكوك فيها ؟ والصحيح الذي لا ريب فيه أن شعرها طاهر ، إذ
قد بينا أن شعر الكلب طاهر ، فشعر الحمار أولى. وإنما الشبهة في
ريق الحمار هل يلحق بريق الكلب ، أو بريق الخيل ، وأما مقاودها
وبراذعها فمحكوم بطهارتها ، وغاية ما فيها أنه قد يصيها بول
الدواب ورونها .
وبول البغل والخمار فيه نزاع بين العلماء . منهم من يقول : هو
طاهر ؛ ومنهم من ينجسه ، وم الجمهور وهو مذهب الأئمة الأربعة ؛
لكن هل يعفى عن يسيره ؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد ، فإذا
عفى عن يسير بوله وروثه ، كان ما يصيب المقاود وغيرها معفواً عنه ،
وهذا مع تيقن النجاسة .
وأما مع الشك فالأصل فى ذلك الطهارة ، والاحتياط في ذلك
وسواس ؛ فإن الرجل إذا أصابه ما يجوز أن يكون طاهراً ويجوز أن
٥٢٠