Indexed OCR Text
Pages 421-440
مأموراً به ، كالمأموم بشرع فى قراءة الفاتحة ثم بسمع قراءة الإمام فينصت له . ثم إذا سكت الإمام: أتم قراءتها وأجزأته. أومأ إليه أحمد. وكذلك إن كان السكوت نسياناً أو نوبا ، أو لانتقاله إلى غيرها غلطاً : لم تبطل. فإذا ذكر: أتى بما بقي منها. فإن تمادى فيما هو فيه - بعد ذكرها - أبطلها. ولزمه استئنافها . قال وإن قدم آية منها فى غير موضعها : أبطلها . وإن كان غلطا . رجع إلى موضع الغلط فأتها . فلم يسقطوا الترتيب بالعذر، كما أسقطوا الموالاة ، فإن الموالاة أخف . فإنه لو قرأ بعض سورة اليوم وبعضها غداً: جاز. ولو نكسها : لم يجز . ويفرق في الترتيب بين الكلام المستقل الذي إذا أتى به وحده كان مما يسوغ تلاوته، وبين ماهو مرتبط بغيره. فلو قال: (صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) لم يكن هذا كلاما مفيداً حتى يقول: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ولو قال (إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِيٌ) ثم قال (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كان مفيداً . لكن مثل هذا لا يقع فيه أحد . ولا يبتدئ أحد الفاتحة بمثل ذلك ، لا عمداً ولا غلطً. وإنما يقع الغلط فيما يحتاج فيه إلى الترتيب. فهذا فرق بين ما ذكروه فيما ينسى من الفاتحة وما ينسى من الختمة . ٤٢١ فصل ومما يبين أن الترتيب يسقط إذا احتاج إلى التكرار بلا تفريط من الإنسان : أن التيمم يجزئ بضربة واحدة ، كما دل عليه الحديث الصحيح - حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما - وهو مذهب أحمد بلا خلاف . وهو فى الصحيحين من حديث أبى موسى ، ومن ء حديث ابن أبزى . ففي حديث ابن أبزى ((إنما كان يكفيك هكذا . فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيها. ثم مسح بها وجهه وكفيه »وكذلك لمسلم فى حديث أبى موسى (( إنما كان يكفيك أن تقول هكذا . وضرب بيديه إلى الأرض . فنفض يديه. فمسح وجهه وكفيه)) وللبخاري ((ومسح وجهه وكفيه مرة واحدة)). وقد اختلف الأصحاب فى هذه الصفة . فقيل : يرتب . فيمسح وجهه ببطون أصابعه ، وظاهر يديه براحته . وقيل : لا يجب ذلك . بل يمسح بهما وجهه وظاهر كفيه . ٤٢٢ وعلى الوجهين : لا يؤخر مسح الراحتين إلى مابعد الوجه . بل يمسحها : إما قبل الوجه ، وإما مع الوجه ، وظهور الكفين . ولهذا قال ابن عقيل : رأيت التيمم بضربة واحدة قد أسقط ترتيبا مستحقا في الوضوء . وهو أنه بعد أن مسح باطن يديه مسح وجهه . وفى الصحيحين من حديث عمار بن ياسر من طريق أبى موسى رضي الله عنهما، قال (( إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه)) لفظ البخاري ((وضرب بكفيه ضربة على الأرض . ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله - أو ظهر شماله بكفه - ثم مسح بها وجهه )). وهذا صريح فى أنه لم يمسح الراحتين بعد الوجه . ولا يختلف مذهب أحمد : أن ذلك لا يجب . وأما ظهور الكفين : فرواية البخاري صريحة فى (( أنه مر على ظهر الكف قبل الوجه )» وقوله فى الرواية الأخرى ((وظاهر كفيه)) يدل على أنه مسح ظاهر كل منهما براحة اليد الأخرى. وقال فيها (( ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه قبل الوجه )) . وقال أبو محمد : فرض الراحتين سقط بإمرار كل واحدة على ظهر ٤٢٣ الكف. وهذا إنما يوجب سقوط فرض باطن الراحة. وأما باطن الأصابع : فعلى ما ذكره سقط مع الوجه . وعلى كل حال : فباطن اليدين يصيبهما التراب حين يضرب بهما الأرض، وحين يمسح بهما الوجه، وظهر الكفين. وإن مسح إحداهما بالأخرى ، فهو ثلاث مرات . ولو كان الترتيب واجباً لوجب أن يمسح باطنهما بعد الوجه . وهذا لا يمكن مع القول بضربة واحدة . ولو فعل ذلك للزم تكرار مسحهما مرة بعد مرة . فسقط لذلك . فإن التيمم لا يشرع فيه التكرار ، بخلاف الوضوء . فإنه - وإن غسل يديه ابتداء ، وأخذ بهما الماء لوجهه فهو - بعد الوجه يغسلهما إلى المرفقين . وهو يأخذ الماء بهما. فيتكرر غسلهما ؛ لأن الوضوء يستحب فيه التكرار في الجملة . لأنه طهارة بالماء ؛ ولكن لو لم يغسل كفيه بعد غسل الوجه فهو محل نظر، فإنه يغرف بهما الماء ، وقد قالوا : إذا نوى الاغتراف لم يصر الماء مستعملا . وإن نوى غسلهما فيه : صار مستعملا . وإن لم ينو شيئاً ففيه وجهان . والصحيح : أنه لا يصير مستعملا ، وإن نوى غسلهما فيه ؛ لمجيء السنة بذلك، وهذا يقتضي أن غسلهما بنية الاغتراف لا تحصل به طهار تهما بل لابد من غسل آخر . ٤٢٤ والأقوى : أن هذا لا يجب، بل غسلهما بنية الاعتراف مجزئ عن تكرار غسلهما، كما فى التيمم . وأيضاً فإنه يغسل ذراعيه بيديه ؛ فيكون هذا غسلا لباطن اليد . ولو قيل : بل بقي غسلهما ابتداء، ومع الوجه يسقط فرضهما ، كما قيل مثل ذلك في التيمم : لكان متوجها . فإنه قال فى الوضوء: ( فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِ يَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) كما قال في التيمم : ( فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ ) ففي الوضوء أخر ذكر اليد . لكن الرواية التى انفرد بها البخاري : تبين أنه مسح ظهر الكفين قبل الوجه . وسائر الروايات مجملة، تقتضي أنه لما مسح لم يمسح الراحتين بعد الوجه ، فكذلك ظهر الكفين ، بل مسح ظهرهما مع بطنهما ؛ لأن مسحهما جملة أقرب إلى الترتيب . فإن مسح العضو الواحد بعضه مع بعض أولى من تفريق ذلك . وأيضاً : فتكون الراحتان ممسوحتين مع ظهر الكف . والاعتداد بذلك أولى من الاعتداد بمسحهما مع الوجه . وما ذكره بعض الأصحاب - من أنه يجعل الأصابع للوجه ، وبطون الراحتين لظهور الكفين - خلاف ما جاءت به الأحاديث. ٤٢٥ ء وليس فى كلام أحمد ما يدل عليه . وهو متعسر، أو متعذر . وهو بدعة لا أصل لها فى الشرع. وبطون الأصابع لا تكاد تستوعب الوجه . وإنما احتاجوا إلى هذا ليجعلوا بعض التراب لظاهر الكفين بعد الوجه . فيقال لهم : كما أن الراحتين لا يمسحان بعد الوجه بلا نزاع ، فكذلك ظهر الكفين. فإنهم - وإن مسحوا ظهر الكفين بالراحتين بطون الأصابع - مسحوا مع الوجه: مسح باليدين قبل الوجه ، كما قال ابن عقيل ؛ ولهذا اختار المجد : أنه لا يجب الترتيب فيه ، بل يجوز مسح ظهر الكفين قبل الوجه ، كما دل عليه الحديث الصحيح ، والحديث الصحيح يدل على أنه يمسح الوجه وظاهر الكفين بذلك التراب ، وأن مسح ظهر الكفين بما بقي فى اليدين من التراب يكفي لظهر الكفين . فإن ألفاظ الحديث كلها تتعلق بأنه يمسح وجهه بيديه، ومسح اليدين إحداهما بالأخرى : لم يجعل بعض باطن اليد للوجه وبعضه للكفين ، بل بباطن اليدين مسح وجهه ومسح كفيه، ومسح إحداهما بالأخرى . وأجاب القاضي ومن وافقه - متابعة لأصحاب الشافعي - بأنه إذا تيمم لجرح فى عضو : يكون التيمم فيه عند وجوب غسله، فيفصل بالتيمم بين أبعاض الوضوء ، هذا فعل مبتدع ، وفيه ضرر عظيم ، ومشقة لا ٤٢٦ تأتي بها الشريعة . وهذا ونحوه إسراف في وجوب الترتيب ، حيث لم يوجبه الله ورسوله. والنفاة يجوزون التنكيس لغير عذر، وخيار الأمور أوساطها، ودين اللّه بين الغالي والجافى. والله أعلى. وسئل هل يقوم التيمم مقام الوضوء فيما ذكر . أم لا ؟ . فأجاب : يقوم التيمم مقام الطهارة بالماء . فما يبيحه الاغتسال والوضوء من الممنوعات يبيحه التيمم . وسئل أيضاً رحم الله ء عن رجل قد أصابته جنابة وهو فى بستان ، ولم يكن عنده إلا ماء بارد ، ويخاف الضرر على نفسه باستعماله . وأحمام بعيد منه ؛ بحيث إذا وصل إلى الحمام واغتسل خرج الوقت . فهل إذا تيمم للجنابة وتوضأ وصلى في الوقت يلزمه إعادة ؟ وهل بأثم بذلك ؟ أو يأثم إذا تيمم ؟. وهل التيمم يقوم مقام الماء ، فيجوز له التيمم لنافلة ، ويصلي بها فريضة . أو يصلي فريضتين فى وقتين بتيمم واحد ؟. ٤٢٧ فأجاب : - الحمد لله رب العالمين . يجب على كل مسلم أن يصلي الصلوات الخمس فى مواقيتها ، وليس لأحد قط أن يؤخر الصلاة عن وقتها، لا لعذر، ولا لغير عذر . لكن العذر یبیح له شيئين: يبيح له ترك ما يعجز عنه ، ويبيح له الجمع بين الصلاتين . فما عجز عنه العبد من واجبات الصلاة سقط عنه . قال الله تعالى: فَأَنَّقُواْاللَّهَ مَاأَسْتَطَعْتُ). وقال تعالى: ( لَا يُكَلِفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ) وُسْعَهَا). ( وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). وقال - لما ذكر آية الطهارة - : (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجَ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) الآية. وقد روى فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)». فالمريض بصلي على حسب حاله . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: ((صل قائما. فإن لم تستطع فقاعداً. فإن لم تستطع فعلى جنب)) . وسقط عنه ما يعجز عنه من قيام ، وقعود ، أو تكميل الركوع والسجود . ويفعل ما يقدر عليه . فإن قدر على الطهارة بالماء تطهر ، وإذا عجز عن ذلك لعدم الماء ، أو خوف الضرر باستعماله تيمم . وصلى ولا إعادة عليه . لما يتركه من القيام والقعود باتفاق العلماء . وكذلك لا إعادة إذا صلى بالتيمم باتفاقهم، ولو كان في بدنه نجاسة ٤٢٨ لا يمكنه إزالتها صلى بها ولا إعادة عليه أيضا عند عامة العلماء . ولو لم يجد إلا ثوباً نجساً فقيل يصلي عرياناً، وقيل يصلي ويعيد، وقيل يصلي فى الثوب النجس ولا يعيد ، وهو أصح أقوال العلماء. وكذلك المسافر إذا لم يقدر على استعمال الماء صلى بالتيمم . وقيل : يعيد في الحضر ، وقيل : يعيد فى السفر ، وقيل : لا إعادة عليه لا في الحضر ولا فى السفر . وهو أصح أقوال العلماء . فالصحيح من أقوالهم أنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به بحسب الاستطاعة ، وإنما يعيد من ترك واجباً يقدر عليه . مثل من تركه لنسيانه ، أو نومه . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء من قدمه بعيد الوضوء والصلاة . وما ترك لجهله بالواجب ، مثل من كان يصلي بلا طمأنينة ، ولا يعلم أنها واجبة ، فهذا قد اختلفوا فيه : هل عليه الإعادة بعد خروج الوقت أولا ؟ على قولين معروفين . وهما قولان فى مذهب أحمد وغيره، والصحيح أن مثل هذا لا إعادة عليه ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال للأعرابي المسىء فى ٤٢٩ صلاته: ((اذهب فصل فإنك لم تصل - مرتين أو ثلاثاً - فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا؛ فعلمني ما يجزينى فى صلاتي)). فعلمه النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة بالطمأنينة ، ولم يأمره بإعادة ما مضى قبل ذلك الوقت ، مع قوله : والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا ؛ ولكن أمره أن يعيد تلك الصلاة ؛ لأن وقتها باق . فهو مأمور بها أن يصليها فى وقتها ، وأما ما خرج وقته من الصلاة فلم بأمره بإعادته مع كونه قد ترك بعض واجباته ، لأنه لم يكن يعرف وجوب ذلك عليه . وكذلك لم يأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقضي ما تركه من الصلاة : لأجل الجنابة . لأنه لم يكن يعرف أنه يجوز الصلاة بالتيمم . وكذلك المستحاضة قالت له : إني أستحاض حيضة شديدة منكرة تمنعني الصوم والصلاة فأمرها أن نتوضأ لكل صلاة ، ولم يأمرها بقضاء ما تركته . وكذلك الذين أكلوا فى رمضان حتى تبين لأحدم الحبال البيض من الحبال السود ، أكلوا بعد طلوع الفجر ولم يأمرهم بالإعادة. فهؤلاء كانوا جهالاً بالوجوب ، فلم يأمرهم بقضاء ما تركوه فى حال ٤٣٠ الجهل ، كما لا يؤمر الكافر بقضاء ما تركه فى حال كفره وجاهليته ؛ بخلاف من كان قد على الوجوب ، وترك الواجب نسياناً . فهذا أمره به إذا ذكره . وأمر النائم من حين يستيقظ ، فإنه حين النوم لم يكن مأموراً بالصلاة ، فلهذا كان النائم إذا استيقظ قرب طلوع الشمس يتوضأ ويغتسل ، وإن طلعت الشمس عند جمهور العلماء : كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة ، وإحدى الروايتين عن مالك ؛ بخلاف من كان مستيقظاً والوقت واسع ، مثل الذي يكون نائماً فى بستان أو قرية والماء بارد يضره ، والحمام بعيد منه إن خرج إليه ذهب الوقت ، فإنه يتيمم ويصلى فى الوقت ، ولا يؤخر الصلاة بعد خروج الوقت . وكذلك لو كان فى المصر وقد تعذر عليه دخول الحمام : إما لكونه لم يفتح ، أو لبعدها عنه، أو لكونه ليس معه ما يعطى الحمامي أجرته ونحو ذلك ؛ فإنه يصلي بالتيمم لأن الصلاة بالتيمم فرض إذا عجز عن الماء لعدم ، أو لخوف الضرر باستعماله ، ولا إعادة على أحد من هؤلاء ، ففي كثير من الضرر لا إعادة عليه باتفاق المسلمين : كالمريض والمسافر . وبعض الضرر تنازع فيه العلماء . والصحيح أنه لا إعادة على أحد صلى بحسب استطاعته كما أمر . ٤٣١ فمن صور النزاع من عدم الماء في الحضر . ومن تيمم لخشية البرد. وكذلك سائر من ترك واجباً لعذر نادر غير متصل ، فإنه يجب عليه الإعادة عند الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين ، ولا تجب عليه الإعادة عند مالك ، وأكثر العلماء ، وأحمد فى إحدى الروايتين عنه. وإذا فوت الصلاة حتى خرج الوقت بأن يؤخر صلاة الليل إلى النهار ، والنهار إلى الليل ، فإنه بأثم بذلك . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله )) وقد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة فى بعض الأوقات كمال المسابقة . كقول أبي حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين . والذي عليه أكثر العلماء أنه لا يجوز تأخير الصلاة بحال ، وهو قول مالك والشافعي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، لكن يجوز الجمع بين الصلاتين لعذر عند أكثر العلماء . كما جمع النبى صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء بمز دلفة ، والجمع فى هذين الموضعين ثابت بالسنة المتواترة ، واتفاق العلماء . وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجمع في السفر إذا جد به السير ، وأنه صلى بالمدينة ثمانياً جمعاً الظهر والعصر، وسبعاً المغرب والعشاء ، أراد بذلك أن لا يحرج أمته . لقوله تعالى : ( ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَچ ٤٣٢ فلهذا كان مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء كطائفة من أصحاب مالك وغيره : أنه يجوز الجمع بين الصلاتين إذا كان عليه حرج فى التفريق ، فيجمع بينها المريض ، وهو مذهب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي ، ويجوز الجمع بين المغرب والعشاء فى المطر عند الجمهور: كمالك، والشافعي ، وأحمد . وقال أحمد : يجمع إذا كان له شغل . وقال القاضي أبو يعلى: إذا كان له عذر يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز الجمع . فذهب فقهاء الحجاز ، وفقهاء الحديث : كمالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبى ثور ، وابن المنذر ، وغيرهم يجوز الجمع بين الصلاتين في الجملة ، ولا يجوز التفويت بأن يؤخر صلاة النهار إلى الليل ، وصلاة الليل إلى النهار . ومذهب طائفة من فقهاء الكوفة كأبي حنيفة وغيره ، أنه لا يجوز الجمع إلا بعرفة ، ومزدلفة . وكذلك إذا تعذر فعلها فى الوقت أخرها عن الوقت ، وقول من أمر بالجمع بين الصلاتين من غير تفويت أرجح من قول من أمر بالتفويت، ولم يأمر بالجمع؛ فإن الكتاب والسنة يدلان على أن الله أمر بفعل الصلاة في وقتها ، وأمر بالمحافظة عليها . كما قال تعالى: (حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى ) هذه نزلت ٤٣٣ ناسخة لتأخير الصلاة يوم الخندق . وقال النبى صلى الله عليه وسلم : ((صلوا الصلاة لوقتها)). وقد دل الكتاب والسنة على أن المواقيت ((خمسة)) في حال الاختيار، وهي: ((ثلاثة)) فى حال العذر ، ففي حال العذر إذا جمع بين الصلاتين : بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، فإنما صلى الصلاة فى وقتها . لم يصل واحدة بعد وقتها ؛ ولهذا لم يجب عليه عند أكثر العلماء أن ينوي الجمع ، ولا ينوي القصر . وهذا قول مالك وأبى حنيفة وأحمد فى نصوصه المعروفة . وهو اختيار أبى بكر عبد العزيز . ولهذا كان عند جمهور العلماء : كمالك والشافعي وأحمد إذا طهرت الحائض في آخر النهار صلت الظهر والعصر جميعاً، وإذا طهرت في آخر الليل صلت المغرب والعشاء جميعاً ، كما نقل ذلك عن عبد الرحمن ابن عوف ، وأبى هريرة ، وابن عباس ؛ لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر ، فإذا طهرت فى آخر النهار فوقت الظهر باق ، فتصليها قبل العصر . وإذا طهرت فى آخر الليل فوقت المغرب باق فى حال العذر ؛ فتصليها قبل العشاء . ولهذا ذكر الله المواقيت تارة خمساً، ويذكرها ثلاثاً نارة، ٤٣٤ كقوله: ( وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفَّا مِّنَ اَلَيْلِ ) الآية . وهو وقت المغرب والعشاء . وكذلك قال الله تعالى: ( أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُّلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ ). والدلوك هو الزوال ، وغسق الليل هو اجتماع ظلمة الليل ، وهذا يكون بعد مغيب الشفق. فأمر الله بالصلاة من الدلوك إلى الغسق، فرض فى ذلك الظهر والعصر، والمغرب والعشاء . ودل ذلك على أن هذا كله وقت الصلاة ، فمن الدلوك إلى المغرب وقت الصلاة ، ومن المغرب إلى غسق الليل وقت الصلاة . وقال: (وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ ) لأن الفجر خصت بطول القراءة فيها ، ولهذا جعلت ركعتين فى الحضر والسفر ، فلا تقصر ولا يجمع إلى غيرها ، فإنه عوض بطول القراءة فيها عن كثرة العدد . فصل وأما التيمم لكل صلاة ، ولوقت كل صلاة ، ولايصلي الفرض بالتيمم النافلة ؛ لأن التيمم طهارة ضرورية ، والحكم المقدر بالضرورة مقدر بقدرها . فلا يتيمم قبل الوقت ، ولا يبقى بعده. وهو مبيح للصلاة لا رافع للحدث ؛ لأنه إذا قدر على استعمال الماء استعمله من غير تجدد حدث ، فعلم أن الحدث كان باقياً، وإنما أبيح للضرورة . ٤٣٥ فلا يستبيح إلا ما نواه . فهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد . وقيل: بل التيمم يقوم مقام الماء مطلقا، يستبيح به كما يستباح بالماء ، ويتيمم قبل الوقت كما يتوضأ قبل الوقت ، ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده . وإذا تيمم لنافلة صلى به الفريضة ، كما أنه إذا توضأ لنافلة صلى به الفريضة . وهذا قول كثير من أهل العلم ، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد في الرواية الثانية . وقال أحمد : هذا هو القياس . وهذا القول هو الصحيح ، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار؛ فإن الله جعل التيمم مطهراً كما جعل الماء مطهراً. فقال تعالى: (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًاطَيْبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ الآية . فأخبر تعالى أنه يريد مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) أن يطهرنا بالتراب ، كما يطهرنا بالماء . وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : (( فضلنا على الناس بخمس : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأحلت لنا الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض مسجداً ، وطهوراً وفى لفظ فأيما رجل أدركته الصلاة من أمتى فعنده مسجده وطهوره )) ٤٣٦ وكان النى يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى الناس عامة )) وفى صحيح مسلم عن حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض مسجداً، وتربتها لنا طهوراً)). فقد بين صلى الله عليه وسلم: أن الله جعل الأرض لأمته طهوراً. كما جعل الماء طهوراً . وعن أبى ذر قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك فإن ذلك خير)) قال الترمذي حديث حسن صحيح . فأخبر أن الله جعل الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين . فمن قال إن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب والسنة . وإذا كان مطهراً من الحدث امتنع أن يكون الحدث باقيا ، مع أن الله طهر المسلمين بالتيمم من الحدث. فالتيمم رافع للحدث ، مطهر لصاحبه ، لكن رفع موقت إلى أن يقدر على استعمال الماء، فإنه بدل عن الماء ، فهو مطهر ما دام الماء متعذراً ، كما أن الملتقط يملك اللقطة ما دام لم يأته صاحبها ، وكان ملك صاحبها ملكا موقتا إلى ظهور المالك ، فإنه ٤٣٧ كان بدلاً عن المالك ، فإذا جاء صاحبها خرجت عن ملك الملتقط إلى ملك صاحبها . وما ثبت بنص أو إجماع لا يطلب له نظير يقاس به ، وإنما يطلب النظير لما لا نعلمه إلا بالقياس والاعتبار . فيحتاج أن نعتبره بنظير ، وأما ما شرعه الله ورسوله فعلينا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ، ولا نطلب لذلك نظيراً، مع أن الاعتبار يوافق النص . كما قال أحمد القياس أن تجعل التراب كالماء . وعلى هذا القول الصحيح يتيمم قبل الوقت إن شاء ، ويصلي ما لم يحدث، أو يقدر على استعمال الماء ، وإذا تيمم لنقل صلى به فريضة ، ويجمع بالتيمم الواحد بين فرضين ، ويقضى به الفائت . وأصحاب القول الآخر احتجوا بآثار منقولة عن بعض الصحابة وهي ضعيفة لا تثبت . ولا حجة في شيء منها ولو ثبتت . وقول القائل : إنها طهارة ضرورية فتقدر بقدر الحاجة . قيل له : نعم ! والإنسان محتاج أن لا يزال على طهارة ، فيتطهر قبل الوقت ؛ فإنه محتاج إلى زيادة الثواب ؛ ولهذا يصلى النافلة بالتيمم باتفاق المسلمين ، وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه تيمم لرد السلام فى الحضر، وقال: (( إنى كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)) فدل على أن التيمم يكون مستحباً نارة ، وواجباً أخرى . أي يتيمم فى وقت لا يكون التيمم واجباً عليه أن يقيمم، وإن كان شرطاً للصلاة والتيمم ٤٣٨ قبل الوقت مستحب ، كما أن الوضوء قبل الوقت مستحب . وأصح أقوال العلماء أنه يتيمم لكل ما يخاف فوته ، كالجنازة ، وصلاة العيد ، وغيرهما مما يخاف فوته ، فإن الصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة ، كما أن صلاة التطوع بالتيمم خير من تفويته ، ولهذا يتيمم للتطوع من كان له ورد في الليل يصليه ، وقد أصابته جنابة ، والماء بارد يضره ، فإذا تيمم وصلى التطوع ، وقرأ القرآن بالتيمم كان خيراً من تفويت ذلك . فقول القائل: إنه حكم مقيد بالضرورة . فيقدر بقدرها . إن أراد به أن لا يفعل إلا عند تعذر الماء ، فهو مسلم. وإن أراد به أنه لا يجوز التيمم إلا إذا كان التيمم واجباً ، فقد غلط . فإن هذا خلاف السنة ، وخلاف إجماع المسلمين ، بل يتيمم للواجب ، ويتيمم للمستحب كصلاة التطوع ، وقراءة القرآن المستحبة ، ومس المصحف المستحب . والله قد جعله طهوراً للمسلمين عند عدم الماء ، فلا يجوز لأحد أن يضيق على المسلمين ما وسع الله عليهم، وقد أراد رفع الحرج عن الأمة فليس لأحد أن يجعل فيه حرجا . كما فعله طائفة من الناس . أثبتوا فيه من الحرج ما هو معلوم . ولهذا كان الصواب أنه يجوز التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين ٤٣٩ ولا يجب فيه ترتيب ؛ بل إذا مسح وجهه بباطن راحتيه أجزا ذلك عن الوجه والراحتين ، ثم يمسح ظهور الكفين بعد ذلك فلا يحتاج أن يمسح راحتيه مرتين ، وعلى هذا دلت السنة . وبسط هذه المسائل فى موضع آخر . والله أعلم . وسئل شيخ الإسلام وحمد الله عن الرجل إذا لم يجد ماء ، أو تعذر عليه استعماله لمرض ، أو يخاف من الضرر من شدة البرد ، وأمثال ذلك . فهل يتيمم؟ أم لا؟ فأجاب : التيمم جاز إذا عدم الماء ، وخاف المرض باستعماله ، كما نبه الله تعالى على ذلك بذكر المريض، وذكر من لم يجد الماء. فمن كان الماء يضره بزيادة فى مرضه، لأجل جرح به ، أو مرض ، أو لخشية البرد ونحو ذلك ، فإنه يتيمم سواء كان جنباً أو محدثاً، ويصلي. وإذا جاز له الصلاة جاز له الطواف ، وقراءة القرآن ، ومس المصحف ، واللبث فى المسجد . ولا إعادة عليه إذا صلى ، سواء كان فى الحضر أو فى السفر ، فى أصح قولي العلماء . فإن الصحيح أن كل من فعل ما أمر به بحسب قدرته من غير ٤٤٠