Indexed OCR Text
Pages 381-400
فإن قيل : فهذا لا يتكرر فى الطلاق والعتق المعلق. قيل: لأن عتق الشخص الواحد لا يتكرر . وكذلك الطلاق المعلق نفسه لا يتكرر ، بل الطلقة الثانية حكمها غير حكم الأولى . وهو محدود بثلاث. ولكن إذا قال الناذر : لله علي إن رزقني الله ولداً أن أعتق عنه ، وإذا أعطاني مالا أن أزكيه ، أو أتصدق بعشره: تكرر . وبسط هذا له موضع آخر . فصل قوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَّرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْلَمَسْتُ النِّسَآءَ ) الآية. هذا مما أشكل على بعض الناس. فقال طائفة من الناس: ((أو)) بمعنى الواو ، وجعلوا التقدير: وجاء أحد منكم من الغائط . ولا مستم النساء . قالوا: لأن من مقتضى ((أو )) أن يكون كل من المرض والسفر موجباً للتيمم ؛ كالغائط والملامسة . وهذا مخالف لمعنى الآية ، ٣٨١ فإن (( أو )) ضد الواو، والواو: للجمع والتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه . وأما معنى: (( أو)) فلا يوجب الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه ، بل يقتضي إثبات أحدهما . لكن قد يكون ذلك مع إباحة الآخر كقوله : جالس الحسن أو ابن سيرين ؛ وتعلم الفقه أو النحو ؛ ومنه خصال الكفارة يخير بينها ، ولو فعل الجميع جاز . وقد يكون مع الحصر ؛ يقال للمريض : كل هذا ، أو هذا . وكذلك فى الخبر : هي لإثبات أحدهما ، أما مع عدم علم المخاطب . وهو الشك، أو مع علمه وهو الإبهام ، كقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) لكن المعنى الذي أراده: هو الأصح، وهو أن خطابه بالتيمم : للمريض والمسافر ، وإن كان قد جاء من الغائط ، أو جامع . ولا ينبغي - على قولهم - أن يكون المراد: أن لا يباح التيمم إلا مع هذين . بل التقدير : بالاحتلام ، أو حدث بلا غائط ، فالتيمم هنا أولى، وهو سبحانه لما أمر كل قائم إلى الصلاة بالوضوء، أمرم إذا كانوا جنباً : أن يطهروا ، وفيهم المحدث بغير الغائط ، كالقائم من النوم ، والذي خرجت منه الريح . ومنهم الجنب بغير جماع ، بل باحتلام . فالآية عمت كل محدث وكل جنب . فقال تعالى : ( وَإِن فأباح التيمم للمحدث والجنب إذا كُنْتُمْ مَرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... فَتَيَمَّمُواْ ) ٣٨٢ كان مريضاً أو على سفر، ولم يجد ماء . والتيمم رخصة . فقد يظن الظان : أنها لا تباح إلا مع خفيف الحدث والجنابة كالريح والاحتلام بخلاف الغائط والجماع . فإن التيمم مع ذلك ، والصلاة معه: مما تستعظمه النفوس وتهابه . فقد أنكر بعض كبار الصحابة تيمم الجنب مطلقاً . وكثير من الناس يهاب الصلاة مع الحدث بالتيمم ، إذ كان جعل التراب طهوراً كالماء: هو مما فضل الله به محمداً صلى اللّه عليه وسلم وأمته. ومن لم يستحكم إيمانه: لا يستجيز ذلك. فبين الله سبحانه : أن التيمم مأمور به مع تغليظ الحدث بالغائط ، وتغليظ الجنابة بالجماع . والتقدير : وإن كنتم مرضى أو مسافرين ، أو كان - مع ذلك - جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء. ليس المقصود : أن يجعل الغائط والجماع فيما ليس معه مرض أو سفر، فإنه إذا جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامس النساء ، وليسوا مرضى ولا مسافرين. فقد بين ذلك بقوله (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ) وبقوله: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ ) فدلت الآية على وجوب الوضوء والغسل على الصحيح والمقيم . وأيضا فتخصيصه المجيء من الغائط والجماع : يجوز أن يكون لايتيمم في هذه الحالة ، دون ما هو أخف من ذلك ، من خروج الربح ومن ٣٨٣ الاحتلام . فإن الريح كالنوم ، والاحتلام يكون فى المنام . فهناك يحصل الحدث والجنابة والإنسان نائم . فإذا كان فى تلك الحال يؤمر بالوضوء والغسل ، فإذا حصل ذلك وهو يقظان : فهو أولى بالوجوب . لأن النائم رفع عنه القلم ، بخلاف اليقظان . ولكن دلت الآية على أن الطهارة تجب ، وإن حصل الحدث والجنابة بغير اختياره ، كحدث النائم واحتلامه . وإذا دلت على وجوب طهارة الماء فى الحال ، فوجوبها مع الحدث الذي حصل باختياره أو يقظته : أولى . وهذا بخلاف التيمم . فإنه لا يلزم إذا أباح التيمم للمعذور الذي أحدث في النوم باحتلام أو ربح: أن يبيحه لمن أحدث باختياره. فقال تعالى: ( أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ) لیبین جواز التيمم لهذين . وإن حصل حدثهما فى اليقظة ، وبفعلهما وإن كان غليظاً . ولو كانت (( أو )) بمعنى الواو : كان تقدير الكلام : أن التيمم لا يباح إلا بوجود الشرطين - المرض ، والسفر - مع المجيء من الغائط والاحتلام . فيلزم من هذا أن لا يباح مع الاحتلام ولا مع الحدث بلا غائط ، كحدث النائم ، ومن خرجت منه الريح . فإن الحكم إذا علق بشرطين لم يثبت مع أحدهما . وهذا ليس مراداً قطعاً ، بل هو ضد ٣٨٤ الحق ؛ لأنه إذا أبيح مع الغائط الذي يحصل بالاختيار، فمع الخفيف وعدم الاختيار أولى . فتبين أن معنى الآية : وإن كنتم مرضى أو على سفر فتيمموا . وإن كان مع ذلك قد جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء . كما يقال: وإن كنت مريضا أو مسافراً . والتقدير : وإن كنتم أيها القائمون إلى الصلاة - وأنتم مرضى أو مسافرين - قد جئتم من الغائط أو لا مستم النساء ؛ ولهذا قال من قال : إنها خطاب للقائمين من النوم: إن التقدير إذا قمتم إلى الصلاة ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء . فإنه سبحانه ذكر أولا فعلهم بقوله: ( إِذَا قُمْتُمْ) (أَوْجَآءَ أَحَدٌمِّنَكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ) الثلاثة الأفعال . وقوله : ( وَإِن حال لهم . أي كنتم على هذه الحال . كُنتُم مَّرْضَىَ أَوْعَلَى سَفَرٍ ) كقوله : وإن كنتم على حال العجز عن استعمال الماء - إما لعدمه ، أو لخوف الضرر باستعماله - فتيمموا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم . أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لا مستم النساء . ولكن الذي رجحناء: أن قوله: (إِذَا قُمْتُمْ) عام : إما لفظاً ومعنى. وإما معنى . ٣٨٥ وعلى هذا فالمعنى : إذا قمتم إلى الصلاة فتوضوا ، أو اغتسلوا إن كنتم جنبا. وإن كنتم مرضى أو مسافرين ، أو فعلتم ما هو أبلغ فى الحدث - جئتم من الغائط أو لا مستم النساء - إذ التقدير: وإن كنتم مرضى أو مسافرين ، وقد قمتم إلى الصلاة أو فعلتم - مع القيام إلى الصلاة ، والمرض أو السفر - هذين الأمرين المجيء من الغائط، والجماع. فيكون قد اجتمع قيامكم إلى الصلاة والمرض والسفر وأحد هذين . فالقيام موجب للطهارة ، والعذر مبيح ، وهذا القيام . فإذا قمتم وجب التيمم إن كان قياما مجرداً . أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء . ولكن من الناس من يعطف قوله ( أَوَجَآءَ ) (أَوْلَمَسْتُمُ ) على قوله (إِذَا قُمْتُمْ ) والتقدير: وإذا قمتم أو جاء أو لا مستم . وهذا مخالف لنظم الآية . فإن نظمها يقتضي أن هذا داخل فى جزاء الشرط . وقوله : (وَإِن كُنتُم مَّرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فإن الذي قاله قريب من جهة المعنى. ولكن فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ ) التقدير : وإن كنتم إذا قمتم إلى الصلاة مرضى أو على سفر ، أو كان مع ذلك : جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء . فهو تقسيم من مفرد ومركب . يقول : إن كنتم مرضى أو على سفر قائمين إلى الصلاة فقط بالقيام ٣٨٦ من النوم أو القعود المعتاد . أو كنتم - مع هذا - : قد جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء . خطاب لمن قيل فقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) لهم: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ) (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ) فالمغنى : يا أيها القائم إلى الصلاة توضأ. وإن كنت جنباً فاغتسل . وان كنت مريضاً أو مسافراً تيمم. أو كنت مع هذا وهذا ، مع قيامك إلى الصلاة وأنت محدث ، أو جنب . ومع مرضك وسفرك قد جئت من الغائط ، أو لامست النساء : فتيمم إن كنت معذوراً . وإيضاح هذا : أنه من باب عطف الخاص على العام الذي يخص بالذكر لامتيازه . وتخصيصه يقتضى ذلك . ومثل هذا يقال : إنه داخل فى العام ، ثم ذكر بخصوصه . ويقال : بل ذكره خاصاً يمنع دخوله في العام . وهذا يجيء فى العطف بأو ، وأما بالواو : فمثل قوله تعالى: (وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَحِبْرِيلَ وَمِيكَلَ) وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِعِنَ مِيثَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوعِ وَإِنْرَهِيمَ) الآية ومن هذا قوله: (إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) ونحو ذلك . وأما فى ((أو )) ففي مثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً وقوله : (وَمَنْ يَعْمَلْ أَوْظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ) ٣٨٧ وقوله : سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةً أَوَإِنِمَا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَنَّا وَإِثْمَّامُبِينًا ) فإن الجنف هو وقوله (فَمَنْ خَافَ مِن قُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا ) الميل عن الحق ، وإن كان عامداً . قال عامة المفسرين ((الجنف)) الخطأ و((الإثم)) العمد. قال أبو سليمان الدمشقي: الجنف: الخروج عن الحق. وقد يسمى ((المخطئ العامد)) إلا أن المفسرين علقوا ((الجنف)) على المخطئ، و((الإثم)) على العامد . ومثله قوله: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوَكَفُورًا) فإن (( الكفور)) هو الآثم أيضاً . لكنه عطف خاص على عام . وقد قيل : هما وصفان لموصوف ولحد ، وهو أبلغ. فإن عطف الصفة على الصفة والموصوف واحد ، كقوله : وقوله : (الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى) وقوله : (قَدْأَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * (هُوَالْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّهِرُ وَالْبَاطِنُ) الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ الزَّكَوَةِ فَلِعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ ) ونظائر هذا كثيرة . قال ابن زيد: الآثم ، المذنب الظالم والكفور . هذا كله واحد. قال ابن عطية : هو مخير فى أنه يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين ؛ لأن كل واحد منهم فهو آثم ، وهو كفور ، ٣٨٨ ولم يكن للأمة من الكثرة بحيث يغلب الإثم على المعاصي . قال : واللفظ إنما يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة ، أو كفور من المشركين . وقال أبو عبيدة وغيره: ليس فيها تخيير ((أو)) بمعنى الواو. وكذلك قال طائفة : منهم البغوي ، وابن الجوزي . وقال المهدي: أي لاقطع من أثم أو كفر. ودخول ((أو )) يوجب أن لا تطيع كل واحد منهما على انفراد .. ولو قال: ولا قطع منها آتماً أو كفوراً، لم يلزم النهي إلا فى حال اجتماع الوصفين . وقد يقال: إن ((الكفور)) هو الجاحد للحق، وإن كان مجتهداً مخطئاً . فيكون هذا أعم من وجه، وهذا أعم من وجه التمسك (١) . وقوله تعالى: ( وَإِن كُنتُم مَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ اُلْغَابِطِ أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ) من هذا الباب . فإنه خاطب المؤمنين . فقال: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ ) وهذا يتناول المحدثين كما تقدم. ثم قال: (وَإِنَ كُمْ جُنُبًا فَأَ طَّهَرُواْ) ثم قال ((وَإِن كُنتُم - مع الحدث والجنابة - قَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ» (١) بياض في الأصل. ٣٨٩ وهذا يتناول كل محدث. سواء كان قد جاء من الغائط أو لم يجئ. كالمستيقظ من نومه ، والمستيقظ إذا خرجت منه الريح . ويتناول كل جنب، سواء كانت جنابته باحتلام أو جماع. فقال ((وإن كنتم محدثون - جنب مرضى أو على سفر - أو جاء أحد منكم من الغائط)) وهذا نوع خاص من الحدث (( أو لا مستم النساء )) وهذا نوع خاص من الجنابة . ثم قد يقال: ((لفظ الجنب)) يتناول النوعين، وخص المجامع بالذكر ، وكذلك ((القائم إلى الصلاة)) يتناول من جاء من الغائط ومن أحدث بدون ذلك ، لكن خص الجائى بالذكر ، كما فى قوله : (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) فالآثم هو المتعمد، وتخصيصه بالذكر - وإن كان دخل - ليبين حكمه بخصوصه ، ولئلا يظن خروجه عن اللفظ العام. وإن كان لم يدخل فهو نوع آخر ، والتقدير: إن كنتم مرضى أو على سفر فتيمموا . وهذا معنى الآية . فصل وقوله: (أَوْجَةَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ) ذكر الحدث الأصغر. فالمجىء من الغائط هو مجيء من الموضع الذي يقضي فيه الحاجة . وكانوا ٣٩٠ ينتابون الأماكن المنخفضة ، وهي الغائط . وهو كقولك: جاء من المرحاض . وجاء من الكنيف ونحو ذلك. هذا كله عبارة عمن جاء وقد قضى حاجته بالبول أو الغائط . والربح يخرج معهما . وقد تنازع الفقهاء : هل تنقض الريح لكونها تستصحب جزءاً من الغائط . فلا يكون على هذا نوعا آخر ؟ أو هي لا تستصحب جزءاً من الغائط . بل هى نفسها تنقض . ونقضها متفق عليه بين المسلمين . وقد دل عليه القرآن فى قوله : ( إِذَا قُمْتُمْ ) سواء كان أريد القيام من النوم أو مطلقاً . فإن القيام من النوم : مراد على كل تقدير. وهو إنما نقض بخروج الريح . هذا مذهب الأئمة الأربعة ، وجمهور السلف والخلف : أن النوم نفسه ليس بناقض ، ولكنه مظنة خروج الريح . وقد ذهبت طائفة إلى أن النوم نفسه ينقض ونقض الوضوء بقليله وكثيره . وهو قول ضعيف . وقد ثبت فى الصحيحين عن النى صلى الله عليه وسلم أنه كان ينام حتى يغط ، ثم يقوم بصلي ولا يتوضأ ، ويقول : « تنام عيناي ولا ينام قلبى )). فدل على أن قلبه الذي لم يتم كان يعرف به أنه لم يحدث، ولو كان النوم نفسه كالبول والغائط والريح: لنقض كسائر النواقض . وأيضاً قد ثبت فى الصحيحين ((أن الصحابة كانوا ينتظرون الصلاة حتى ٣٩١ تخفق رؤوسهم. ثم يصلون ولا يتوضؤون، وهم في المسجد ينتظرون العشاء خلف النبي صلى الله عليه وسلم)). وفى الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شغل عن العشاء ليلة ، فأخرها حتى رقدنا فى المسجد ، ثم استيقظنا . ثم رقدنا ثم استيقظنا. ثم خرج علينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم. ثم قال: ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم )). ولمسلم عنه قال (( مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج علينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعضه - ولا ندري أي شىء شغله، من أهله أو غير ذلك - فقال حين خرج : إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ، ولولا أن يثقل على أمتى لصليت بهم هذه الساعة . ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى )). ولمسلم أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت ((أعتم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة، حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى . فقال: إنه لوقتها؛ لولا أن أشق على أمتى)). ففي هذه الأحاديث الصحيحة : أنهم ناموا، وقال فى بعضها ((إنهم ٣٩٢ وقدوا ثم استيقظوا ثم رقدوا ثم استيقظوا )) وكان الذين يصلون خلفه جماعة كثيرة، وقد طال انتظارهم وناموا. ولم يستفصل أحداً، لا سئل ولا سأل الناس : هل رأيتم رؤيا ؟ أو هل مكن أحدكم مقعدته ؟ أو هل كان أحدكم مستنداً ؟ وهل سقط شيء من أعضائه على الأرض ؟ فلو كان الحكم يختلف لسألهم . وقد علم أنه في مثل هذا الانتظار بالليل - مع كثرة الجمع - يقع هذا كله . وقد كان يصلي خلفه النساء والصبيان . وفى الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي بصلاة العشاء ، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال عمر بن الخطاب: نام النساء والصبيان. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لأهل المسجد حين خرج عليهم : ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم . وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس». وقد خرج البخاري هذا الحديث في « باب خروج النساء إلى المسجد بالليل والغلس)) وفى « باب النوم قبل العشاء لمن غلب عليه النوم)) وخرجه فى ((باب وضوء الصبيان وحضورم الجماعة )) وقال فيه ((إنه ليس أحد من أهل الأرض يصلي هذه الصلاة غيركم)). ٣٩٣ وهذا يبين أن قول عمر ((نام النساء والصبيان)) يعني والناس فى المسجد ينتظرون الصلاة . وهذا يبين أن المنتظرين للصلاة ، كالذي ينتظر الجمعة إذا نام أي نوم كان لم ينتقض وضوؤه . فإن النوم ليس بناقض . وإنما الناقض : الحدث ، فإذا نام النوم المعتاد ، الذي يختاره الناس فى العادة - كنوم الليل والقائلة - فهذا يخرج منه الريح فى العادة ، وهو لا يدري إذا خرجت ، فلما كانت الحكمة خفية لا نعلم بها : قام دليلها مقامها . وهذا هو النوم الذي يحصل هذا فيه فى العادة . وأما النوم الذي يشك فيه : هل حصل معه ريح أم لا ؟ فلا ينقض الوضوء . لأن الطهارة ثابتة بيقين ، فلا تزول بالشك. وللناس في هذه المسألة أقوال متعددة ، ليس هذا موضع تفصيلها لكن هذا هو الذي يقوم عليه الدليل . وليس في الكتاب والسنة نص يوجب النقض بكل نوم . فإن قوله: ((العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء )» قد روي فى السنن من حديث على بن أبي طالب ومعاوية ٣٩٤ رضي الله عنها ، وقد ضعفه غير واحد. وبتقدير صحته: فإنما فيه ((إذا نامت العينان استطلق الوكاء)) وهذا يفهم منه: أن النوم المعتاد هو الذي يستطلق منه الوكاء. ثم نفس الاستطلاق لا ينقض . وإنما ينقض ما يخرج مع الاستطلاق . وقد يسترخي الإنسان حتى ينطلق الوكاء ولا ينتقض وضوؤه. وإنما قوله فى حديث صفوان بن عسال (« أمرنا أن لا ننزع خفافنا، إذا كنا سفراً - أو مسافرين - ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة. لكن من غائط أو بول أو نوم )) فهذا ليس فيه ذكر نقض النوم . ولكن فيه: أن لابس الخفين لا ينزعها ثلاثة أيام إلا من جنابة ولا ينزعها من الغائط والبول والنوم، فهو نهى عن نزعها لهذه الأمور . وهو يتناول النوم الذي ينقض . ليس فيه : أن كل نوم ينقض الوضوء . هذا إذا كان لفظ ((النوم)) من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف إذا كان من كلام الراوي؟ وصاحب الشريعة قد يعلم أن الناس إذا كانوا قعوداً أو قياماً فى الصلاة أو غيرها ، فينعس أحدم وينام ، ولم يأمر أحداً بالوضوء في مثل هذا . أما الوضوء من النوم المعروف عند الناس : فهو الذي يترجح معه فى العادة خروج الربح وأما ما كان قد يخرج معه الربح ، وقد لا يخرج : فلا ينقض على أصل الجمهور ، الذين يقولون : إذا شك هل ينقض أو لا ينقض ؟ أنه لا ينقض . بناء على يقين الطهارة . ٣٩٥ فصل وهو سبحانه أمرنا بالطهارتين الصغرى والكبرى ، وبالتيمم عن كل منهما، فقال: ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَاغْسِلُواْ ) فأمر بالوضوء . ثم قال: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ ) فأمر بالتطهر من الجنابة، كما قال فى المحيض: ( وَلَا نَفْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) وقال فى سورة النساء : (وَلَاجُنُبًا إِلََّ عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ) وهذا يبين أن التطهر هو الاغتسال . والقرآن يدل على أنه لا يجب على الجنب إلا الاغتسال، وأنه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة . والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر ، كما قال جمهور العلماء . والمشهور في مذهب أحمد : أن عليه نية رفع الحدث الأصغر ، وكذلك ليس عليه فعل الوضوء ، ولا ترتيب ولا موالاة عند الجمهور. وهو ظاهر مذهب أحمد . وقيل : لا يرتفع الحدث الأصغر إلا بها . وقيل : لا يرتفع حتى يتوضأ . روي ذلك عن أحمد . ٣٩٦ والقرآن يقتضى : أن الاغتسال كاف . وأنه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر ، بل صار الأصغر جزءاً من الأكبر . كما أن الواجب فى الأصغر جزء من الواجب في الأكبر فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة . ويدل على ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم لأم عطية واللواتي غسلن ابنته: ((اغسلها ثلاثاً ، أو خمساً ، أو أكثر من ذلك ، إن رأيتن ذلك بماء وسدر. وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)). فجعل غسل مواضع الوضوء جزءاً من الغسل ، لكنه يقدم كما تقدم الميامن . وكذلك الذين نقلوا صفة غسله، كعائشة رضي الله عنها، ذكرت ((أنه كان يتوضأ، ثم يفيض الماء على شعره، ثم على سائر بدنه)) ولا يقصد غسل مواضع الوضوء مرتين ، وكان لا يتوضأ بعد الغسل . فقد دل الكتاب والسنة على أن الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء ، ولا ينويان وضوءاً، بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى. وقوله : ( فَطَّهَّرُوا) أراد به الاغتسال . فدل على أن قوله فى الحيض (حَّ يَطْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَرْنَ ) أراد به الاغتسال ، كما قاله الجمهور : ٣٩٧ مالك والشافعي وأحمد . وأن من قال : هو غسل الفرج . كما قاله داود ، فهو ضعيف . فصل قال الله عز وجل: (وَإِن كُنْتُمْ مَرْضَىّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًاطَيِّبًا ). فقوله ((فلم تجدوا ماء)) يتعلق بقوله ((على سفر)) لا بالمرض . والمريض يتيمم وإن وجد الماء . والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء . ذكر سبحانه وتعالى النوعين الغالبين : الذي يتضرر باستعمال الماء ، والذي لا يجده . وقوله ((على سفر)) يعم السفر الطويل والقصير ، كما قاله الجمهور . وقوله: ((وإن كنتم مرضى)) كقوله فى آية الخوف: (وَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَن تَضَعُواْأَسْلِحَتَكُمْ ) وقوله في الإحرام: (فَنَ كَانَ مِنْكُمْ تَرِيضًا أَوْبِهِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ ) ٣٩٨ وفى الصيام (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولم يوقت الله تعالى وقتاً في المرض . والذي عليه الجمهور : أنه لا يشترط فيه خوف الهلاك . بل من كان الوضوء يزيد مرضه، أو يؤخر برأه ، يتيمم. وكذلك فى الصيام والإحرام . ومن يتضرر بالماء لبرد، فهو كالمريض عند الجمهور . لكن الله ذكر الضرر العام . وهو المرض . بخلاف البرد . فإنه إنما يكون فى بعض البلاد لبعض الناس الذين لا يقدرون على الماء الحار . وكذلك ذكر المسافر الذي لا يجد الماء ، ولم يذكر الحاضر . فإن عدمه فى الحضر نادر . لكن قد يحبس الرجل وليس عنده إلا ما يكفيه لشربه . كما أن المسافر قد لا يكون معه إلا ما يكفيه لشربه وشرب دوابه . فهذا عند الجمهور عادم للماء فيتيمم . فصل وقوله: (أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ). ذكر أعظم ما يوجب الوضوء، وهو قضاء الحاجة. وأغلظ ما يوجب الغسل ، وهو ملامسة النساء . وأمر كلا منهما ، إذا كان ٣٩٩ مريضاً أو مسافراً لا يجد الماء : أن يتيمم . وهذا هو مذهب جمهور الخلف والسلف . وقد ثبت تيمم الجنب في أحاديث صحاح وحسان، كحديث عمار بن ياسر رضي الله عنها. وهو فى الصحيحين . وحديث عمران بن حصين ، رضي الله عنه وهو فى البخاري . وحديث أبي ذر ، وعمرو بن العاص، وصاحب الشجة رضي الله عنهم . وهو في السنن . فهاتان آيتان من كتاب الله، وخمسة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عرفت مناظرة ابن مسعود فى ذلك لأبى موسى الأشعري رضي اللّه عنها. ولهذا نظائر كثيرة عن الصحابة . إذا عرفتها تعرف دلالة الكتاب والسنة عن الرجل العظيم القدر، تحقيقا لقوله: (فَإِن تَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ولا يرد هذا النزاع إلا إلى الله والرسول المعصوم المبلغ عن الله ، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. الذي هو الواسطة بين الله وبين عباده . ٤٠٠