Indexed OCR Text
Pages 361-380
يوسف ، وغيره. لكن محمد بن الحسن لم يجوز ذلك ؛ لنقص حال المتيمم . وأيضا كان دخول الوقت وخروجه من غير مجدد سبب حادث لا تأثير له في بطلان الطهارة الواجبة ، إذ كان حال المتطهر قبل دخول الوقت وبعده سواء . والشارع حكيم إنما يثبت الأحكام ويبطلها بأسباب تناسبها ، فكما لا يبطل الطهارة بالأمكنة ، لا يبطل بالأزمنة ، وغيرها من الأوصاف التى لا تأثير لها فى الشرع . فإن قيل : هذا ينتقض بطهارة الماسح على الخفين ، وطهارة المستحاضة ، وذوي الأحداث الدائمة . قيل : أما طهارة المسح على الخفين فليست واجبة ، بل هو مخير بين المسح وبين الخلع والغسل؛ ولهذا وقتها الشارع، ولم يوقتها بدخول وقت صلاة ، ولا خروجها ، ولكن لما كانت رخصة ليست بعزيمة حد لها وقتاً محدودا في الزمن ، ثلاثا للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم ؛ ولهذا لم يجز المسح فى الطهارة الكبرى ، ولهذا لما كانت طهارة المسح على الجبيرة عزيمة لم تتوقت بل يمسح عليها ، إلى أن يحلها ، ويمسح في الطهارتين الصغرى والكبرى ، كما يتيمم عن الحدثين الأصغر والأكبر، فإلحاق التيمم بالمسح على الجبيرة أولى من إلحاقه بالمسح على الخفين . ٣٦١ وأما ذوو الأحداث الدائمة : كالمستحاضة ، فأولئك وجد في حقهم السبب الموجب للحدث ، وهو خروج الخارج النجس من السبيلين ، ولكن لأجل الضرورة رخص لهم الشارع في الصلاة معه ، فجاز أن تكون الرخصة مؤقتة ؛ ولهذا لو تطهرت المستحاضة ولم يخرج منها شيء لم تنتقض طهارتها بخروج الوقت ، وإنما تنتقض إذا خرج الخارج فى الوقت فإنها تصلى به إلى أن يخرج الوقت ، ثم لا تصلى لوجود الناقض للطهارة بخلاف المتيمم ، فإنه لم يوجد بعد تيممه ما ينقض طهارته . والتيمم كالوضوء فلا يبطل تيممه إلا ما يبطل الوضوء ، ما لم يقدر على استعمال الماء ، وهذا بناء على قولنا ، وقول من وافقنا على التوقيت فى مسح الخفين ، وعلى انتقاض الوضوء بطهارة المستحاضة ، فإن هذا مذهب الثلاثة : أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد . وأما من لم ينقض الطهارة بهذا ، أو لم يوقت هذا كمالك ، فإنه لا يصلح لمن قال بهذا القول المعارضة بهذا وهذا ؛ فإنه لا يتوقت عنده لا هذا ولا هذا ، فالتيمم أولى أن لا يتوقت . وقول القائل : إن القائم إلى الصلاة مأمور بإحدى الطهارتين . قيل : نعم ! يجب عليه ، لكن إذا كان قد تطهر قبل ذلك فقد ٣٦٢ أحسن ، وأتى بالواجب قبل هذا ، كما لو توضأ قبل هذا ، فإن كونه على طهارة قبل الوقت إلى حين الوقت أحسن من أن يبقى محدثا ، وكذلك المتيمم إذا كان قد أحسن بتقديم طهارته لكونه على طهارة قبل الوقت أحسن من كونه على غير طهارة ، وقد ثبت بالكتاب والسنة أنها طهارة ، حتى ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم عليه رجل فلم يرد عليه حتى تيمم ورد عليه السلام ، وقال: ((كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)). وإذا كان تطهر قبل الوقت كان قد أحسن ، وأتى بأفضل مما وجب عليه، وكان كالمتطهر للصلاة قبل وقتها، وكمن أدى أكثر من الواجب فى الزكاة ، وغيرها، وكمن زاد على الواجب فى الركوع والسجود، وهذا كله حسن، إذا لم يكن محظورا، كزيادة ركعة خامسة فى الصلاة. والتيمم مع عدم الماء حسن ليس بمحرم، ولهذا يجوز قبل الوقت للنافلة ، ولمس المصحف ، وقراءة القرآن، وما ذكر من الأثر عن بعض الصحابة فبعضه ضعيف، وبعضه معارض بقول غيره ، ولا إجماع في المسألة . وقد قال تعالى: ( فَإِن تَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى لَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). ٣٦٣ فصل وأما الصعيد : ففيه أقوال ، فقيل : يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض ، وإن لم يعلق بيده : كالزرنيخ ، والنورة ، والجص ، وكالصخرة الملساء ، فأما ما لم يكن من جنسها كالمعادن فلا يجوز التيمم به . وهو قول أبي حنيفة . ومحمد يوافقه ؛ لكن بشرط أن يكون مغبرا لقوله : ( منه ) . وقيل يجوز بالأرض ، وبما اتصل بها حتى بالشجر ، كما يجوز عنده وعند أبى حنيفة بالحجر ، والمدر ، وهو قول مالك ، وله فى الثلج روايتان : إحداهما : يجوز التيمم به ، وهو قول الأوزاعي والثوري . وقيل يجوز بالتراب والرمل ، وهو أحد قولي أبى يوسف ، وأحمد فى إحدى الروايتين ، وروي عنه أنه يجوز بالرمل عند عدم التراب . وقيل : لا يجوز إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد ، وهو قول أبى يوسف ، والشافعي ، وأحمد في الرواية الأخرى . ٣٦٤ واحتج هؤلاء بقوله : (فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) وهذا لا يكون إلا فيما يعلق بالوجه واليد ، والصخر لا يعلق لا بالوجه ولا باليد واحتجوا بأن ابن عباس قال : الصعيد الطيب تراب الحرث، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((جعلت لي الأرض مسجداً، وجعلت تربتها طهورا )) قالوا : فعم الأرض بحكم المسجد ، وخص تربتها - وهو ترابها - بحكم الطهارة . قالوا : ولأن الطهارة بالماء اختصت من بين سائر المائعات بما هو [ماء ] فى الأصل، فكذلك طهارة التراب تختص بما هو تراب فى الأصل، وهما الأصلان اللذان خلق منها آدم : الماء ، والتراب . وهما العنصران البسيطان ، بخلاف بقية المائعات والجامدات ، فإنها مركبة . واحتج الأولون بقوله تعالى: ( صَعِيدًا ) قالوا: والصعيد هو الصاعد على وجه الأرض ، وهذا يعم كل صاعد ، بدليل قوله تعالى : ( وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدً ا جُزًّا ) وقوله : (فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ) . واحتج من لم يخص الحكم بالتراب بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهوراً ، فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل)) وفي رواية ((فعنده مسجده وطهوره)) فهذا يبين أن المسلم فى أي موضع كان عنده مسجده وطهوره . ٣٦٥ ومعلوم أن كثيرا من الأرض ليس فيها تراب حرث ، فإن لم يجز التيمم بالرمل كان مخالفا لهذا الحديث ، وهذه حجة من جوز التيمم بالرمل دون غيره ، أو قرن بذلك السبخة ؛ فإن من الأرض ما يكون سبخة . واختلاف التراب بذلك كاختلافه بالألوان ، بدليل قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنوه على قدر تلك القبضة : جاء منهم الأسود ، والأبيض وبين ذلك ، وجاء منهم السهل والحزن وبين ذلك، ومنهم الخبيث والطيب، وبين ذلك)). وآدم إنما خلق من تراب ، والتراب الطيب والخبيث : الذي يخرج نباته بإذن ربه ، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ، يجوز التيمم به فعلم أن المراد بالطيب الطاهر ، وهذا بخلاف الأحجار والأشجار ، فإنها ليست من جنس التراب ، ولا تعلق باليد ؛ بخلاف الزرنيخ والنورة فإنها معادن فى الأرض ، لكنها لا تنطبع كما ينطبع الذهب والفضة والرصاص والنحاس . ٣٦٦ قال الشيخ الإمام العالم مفتى الأنام ، المجتهد الفقيه الإمام : أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى . رحمه الله ورضى عنه : قول الله عز وجل: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِ يَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْبِرُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًاطَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ج مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). هذا الخطاب يقتضي : أن كل قائم إلى الصلاة فإنه مأمور بما ذكر من الغسل . والمسح . وهو الوضوء . وذهبت طائفة : إلى أن هذا عام مخصوص . ٣٦٧ وذهبت طائفة : إلى أنه يوجب الوضوء على كل من كان متوضئاً وكلا القولين ضعيف . فأما الأولون : فإن منهم من قال : المراد بهذا : القائم من النوم وهذا معروف عن زيد بن أسلم ، ومن وافقه من أهل المدينة من أصحاب مالك وغيرهم . قالوا : الآية أوجبت الوضوء على النائم بهذا ، وعلى المتغوط وعلى لامس النساء (أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِنَكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ ) بقوله : بقوله : (أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ) وهذا هو الحدث المعتاد. وهو الموجب للوضوء عندهم. ومن هؤلاء من قال : فيها تقديم وتأخير . تقديره : إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء . فيقال : أما تناولها للقائم من النوم المعتاد : فظاهر لفظها يتناوله . وأما كونها مختصة به ، بحيث لا تتناول من كان مستيقظاً وقام إلى الصلاة - فهذا ضعيف . بل هي متناولة لهذا لفظاً ومعنى . وغالب الصلوات يقوم الناس إليها من يقظة ؛ لا من نوم : ٣٦٨ كالعصر والمغرب والعشاء . وكذلك الظهر فى الشتاء ؛ لكن الفجر يقومون إليها من نوم . وكذلك الظهر فى القائلة . والآية تعم هذا كله . لكن قد يقال: إذا أمرت الآية القائم من النوم - لأجل الريح التى خرجت منه بغير اختياره - فأمرها للقائم الذي خرج منه الريح فى اليقظة أولى وأحرى . فتكون - على هذا - دلالة الآية على اليقظان بطريق تنبيه الخطاب وفحواه . وإن قيل : إن اللفظ عام ، يتناول هذا بطريق العموم اللفظي . فهذان قولان متوجهان . والآية على القولين عامة . وتعم أيضاً القيام إلى النافلة بالليل والنهار ، والقيام إلى صلاة الجنازة ، كما سنبينه إن شاء الله . فمتى كانت عامة لهذا كله : فلا وجه لتخصيصها . وقالت طائفة: تقدير الكلام : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون أو قد أحدثتم . فإن المتوضئ ليس عليه وضوء. وكل هذا عن الشافعي رحمه الله. ويوجبه الشافعي فى التيمم ، فإن ظاهر القرآن يقتضي وجوب الوضوء والتيمم على كل قائم يخالف هذا . ٣٦٩ فإن كان قد قال هذا : كان له قولان . ومن المفسرين من يجعل هذا قول عامة الفقهاء من السلف والخلف : لاتفاقهم على الحكم . فيجعل اتفاقهم على هذا الحكم اتفاقا على الإضمار، كما ذكر أبو الفرج ابن الجوزي . قال: وللعلماء فى المراد بالآية قولان . أحدهما : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ) محدثين (فَأَغْسِلُواْ) فصار الحدث مضمراً فى وجوب الوضوء . وهذا قول سعد بن أبى وقاص ، وأبى موسى ، وابن عباس ، رضي الله عنهم ، والفقهاء. قال: والثانى، أن الكلام على إطلاقه من غير إضمار، فيجب الوضوء على كل من يريد الصلاة، محدثاً كان أو غير محدث. وهذا مروى عن عكرمة وابن سيرين . ونقل عنهم : أن هذا الحكم غير منسوخ . ونقل عن جماعة من العلماء : أن ذلك كان واجباً بالسنة . وهو ما روى بريدة رضي الله عنه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد . وقال : عمداً فعلته يا عمر)). قلت : أما الحكم - وهو أن من توضأ لصلاة صلى بذلك ٣٧٠ الوضوء صلاة أخرى - فهذا قول عامة السلف والخلف : والخلاف فى ذلك شاذ . وقد على بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن يوجب الوضوء على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى ، فإنه قد ثبت بالتواتر (( أنه صلى بالمسلمين يوم عرفة الظهر والعصر جميعاً، جمع بهم بين الصلاتين)» وصلى خلفه ألوف مؤلفة لا يحصيهم إلا الله . ولما سلم من الظهر ، صلى بهم العصر ، ولم يحدث وضوءاً لا هو ولا أحد ، ولا أمر الناس بإحداث وضوء ، ولا نقل ذلك أحد ، وهذا يدل على أن التجديد لا يستحب مطلقاً . وهل يستحب التجديد لكل صلاة من الخمس ؟ فيه نزاع . وفيه عن أحمد رحمه الله روايتان . وكذلك أيضاً لما قدم مزدلفة: ((صلى بهم المغرب والعشاء جمعاً)) من غير تجديد وضوء للعشاء . وهو في الموضعين قد قام هو وهم إلى صلاة بعد صلاة . وأقام لكل صلاة إقامة. وكذلك سائر أحاديث الجمع الثابتة فى الصحيحين من حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وأنس رضي الله عنهم . كلها تقتضي : أنه هو صلى الله عليه وسلم - والمسلمون خلفه - صلوا الثانية من المجموعتين بطهارة الأولى ، لم يحدثوا لها وضوءاً. ٣٧١ وكذلك هو صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه في الصحيحين من حديث ابن عباس وعائشة وغيرهم (( أنه كان يتوضأ لصلاة الليل. فيصلي به الفجر )) مع أنه كان ينام حتى يغط. ويقول (( تنام عيناي ولا ينام قلبى )) فهذا أمر من أصح ما يكون أنه : كان ينام ثم يصلي بذلك الوضوء الذي توضأء للنافلة، يصلي به الفريضة . فكيف يقال: إنه كان يتوضأ لكل صلاة ؟ . وقد ثبت عنه فى الصحيح (( أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر. ثم قدم عليه وفد عبد القيس . فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر، ولم يحدث وضوءاً)). وكان يصلى تارة الفريضة ثم النافلة . وتارة النافلة ثم الفريضة . ونارة فريضة ثم فريضة . كل ذلك بوضوء واحد . وكذلك المسلمون صلوا خلفه فى رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة. وكان المسلمون على عهده يتوضؤون ثم يصلون ما لم يحدثوا ، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة . ولم ينقل عنه . لا بإسناد صحيح ولا ضعيف - : أنه أمرهم بالوضوء لكل صلاة . ٣٧٢ فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل . وأما القول بوجوبه : فمخالف للسنة المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولإجماع الصحابة . والنقل عن علي رضي الله عنه بخلاف ذلك لا يثبت ؛ بل الثابت عنه خلافه . وعلي رضي الله عنه أجل من أن يخفى عليه مثل هذا، والكذب على على كثير مشهور: أكثر منه على غيره . وأحمد بن حنبل رحمه الله - مع سعة علمه بآثار الصحابة والتابعين- أنكر أن يكون في هذا نزاع . وقال أحمد بن القاسم : سألت أحمد عمن صلى أكثر من خمس صلوات بوضوء واحد ؟ فقال : لا بأس بذلك ، إذا لم ينتقض وضوؤه . ما ظننت أن أحداً أنكر هذا . وروى البخاري في صحيحه عن أنس رضى الله عنه قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة. قلت: وكيف كنتم تصنعون ؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء، ما لم يحدث)) وهذا هو في الصلوات الخمس المفرقة . ولهذا استحب أحمد ذلك في أحد القولين ، مع أنه كان أحياناً يصلي صلوات بوضوء واحد. كما في صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال: ((صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ، ومسح على خفيه. فقال له عمر : إنى ٣٧٣ رأيتك صنعت شيئاً لم تكن صنعته؟ قال: عمداً صنعته يا عمر)). والقرآن أيضاً يدل على أنه لا يجب على المتوضئ أن يتوضأ مرة ثانية من وجوه : أحدها: أنه سبحانه قال: (وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ ◌ِنكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْمَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًاطَيِّبًّا ) فقد أمر من جاء من الغائط ، ولم يجد الماء : أن يتيمم الصعيد الطيب . فدل على أن المجيء من الغائط يوجب التيمم . فلو كان الوضوء واجباً على من جاء من الغائط ومن لم يجي ، فإن التيمم أولى بالوجوب . فإن كثيراً من الفقهاء يوجبون التيمم لكل صلاة . وعلى هذا فلاتأثير للمجيء من الغائط . فإنه إذا قام إلى الصلاة وجب الوضوء أو التيمم ، وإن لم يجئ من الغائط. ولو جاء من الغائط، ولم يقم إلى الصلاة : لا يجب عليه وضوء ولا تيمم، فيكون ذكر المجيء من الغائط عبئاً على قول هؤلاء . الوجه الثانى : أنه سبحانه خاطب المؤمنين. لأن الناس كلهم يكونون محدثين فإن البول والغائط أمر معتاد لهم ، وكل بني آدم محدث . والأصل فيهم : الحدث الأصغر . فإن أحدم من حين كان طفلا قد اعتاد ذلك ، فلا يزال محدثاً ، بخلاف الجنابة . فإنها إنما تعرض لهم ٣٧٤ عند البلوغ . والأصل فيهم : عدم الجنابة . كما أن الأصل فيهم : عدم الطهارة الصغرى؛ فلهذا قال: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ) ثم قال: ( وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَ طَّهَرُواْ ) فأمرهم بالطهارة الصغرى مطلقاً . لأن الأصل: أنهم كلهم محدثون قبل أن يتوضئوا . ثم قال: ( وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ ) وليس منهم جنب إلا من أجنب . فلهذا فرق سبحانه بين هذا وهذا . الثالث : أن يقال : الآية اقتضت وجوب الوضوء إذا قام المؤمن إلى الصلاة . فدل على أن القيام هو السبب الموجب للوضوء . وأنه إذا قام إلى الصلاة صار واجباً حينئذ وجوباً مضيفاً . فإذا كان العبد قد توضأ قبل ذلك : فقد أدى هذا الواجب قبل تضيقه . كما قال : فدل على أن (إِذَانُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) النداء يوجب السعي إلى الجمعة . وحينئذ يتضيق وقته فلا يجوز أن يشتغل عنه ببيع ولا غيره . فإذا سعى إليها قبل النداء : فقد سابق إلى الخيرات ، وسعى قبل تضيق الوقت . فهل يقول عاقل : إن عليه أن يرجع إلى بيته ليسعى عند النداء ؟. وكذلك الوضوء : إذا كان المسلم قد توضأ للظهر قبل الزوال ، أو للمغرب قبل غروب الشمس ، أو للفجر قبل طلوعه ، وهو إنما يقوم إلى الصلاة بعد الوقت . فمن قال : إن عليه أن يعيد الوضوء ، فهو ٣٧٥ بمنزلة من يقول : إن عليه أن يعيد السعي إذا أتى الجمعة قبل النداء . والمسلمون على عهد نبيهم كانوا يتوضؤون للفجر وغيرها قبل الوقت وكذلك المغرب . فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجلها، ويصليها إذا توارت الشمس بالحجاب . وكثير من أصحابه كانت بيوتهم بعيدة من المسجد . فهؤلاء لو لم يتوضؤوا قبل المغرب : لما أدركوا معه أول الصلاة بل قد تفوتهم جميعاً لبعد المواضع . وهو نفسه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتوضأ بعد الغروب ، ولا من حضر عنده فى المسجد ، ولا كان بأمر أحداً بتجديد الوضوء بعد المغرب . وهذا كله معلوم مقطوع به . وما أعرف فى هذا خلافا ثابتاً عن الصحابة : أن من توضأ قبل الوقت عليه أن يعيد الوضوء بعد دخول الوقت . ولا يستحب أيضاً لمثل هذا تجديد وضوء . وإنما تكلم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول : هل يستحب له التجديد ؟ وأما من لم يصل به : فلا يستحب له إعادة الوضوء ؛ بل تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما عليه المسلمون فى حياته وبعده إلى هذا الوقت . فقد تبين أن هذا قبل القيام قد أدى هذا الواجب قبل تضييقه ، كالساعى إلى الجمعة قبل النداء ، وكمن قضى الدين قبل حلوله ؛ ولهذا ٣٧٦ قال الشافعي وغيره : إن الصبى إذا صلى ثم بلغ لم يعد الصلاة ؛ لأنها تلك الصلاة بعينها ، سابق إليها قبل وقتها . وهو قول فى مذهب أحمد وهذا القول أقوى من إيجاب الإعادة . ومن أوجبها قاسه على الحج ، وبينها فرق . كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع. وهذا الذي ذكرناه في الوضوء : هو بعينه فى التيمم . ولهذا كان قول العلماء : إن التيمم كالوضوء ، فهو طهور المسلم ما لم يجد الماء . وإن تيمم قبل الوقت وتيمم للنافلة، فيصلي به الفريضة وغيرها ؛ كما هو قول ابن عباس . وهو مذهب كثير من العلماء : أبى حنيفة وغيره وهو أحد القولين عن أحمد . والقول الآخر - وهو التيمم لكل صلاة - هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد . وهو قول لم يثبت عن غيره من الصحابة كما قد بسط فى موضعه . فالآ بة محكمة ولله الحمد . وهي على ما دلت عليه ، من أن كل قائم إلى الصلاة فهو مأمور بالوضوء . فإن كان قد توضأ قبل ذلك فقد أحسن وفعل الواجب قبل تضييقه ، وسارع إلى الخيرات ، كمن سعى إلى الجمعة قبل النداء . فقد تبين أن الآية ليس فيها إضمار ولا تخصيص ، ولا تدل على ٣٧٧ وجوب الوضوء مرتين . بل دلت على الحكم الثابت بالسنن المتواترة ، وهو الذي عليه جماعة المسلمين ، وهو وجوب الوضوء على المصلى . كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ . فقال رجل من حضرموت : ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال : فساء أو ضراط )» وفى صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )) . وهذا يوافق الآية الكريمة . فإنه يدل على أنه لا بد من الطهور، ومن كان على وضوء فهو على طهور ، وإنما يحتاج إلى الوضوء من كان محدثاً. كما قال: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) وهو إذا توضأ ثم أحدث : فقد دلت الآية على أمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة ، وإذا كان قد توضأ ، فقد فعل ما أمر به . كقوله : لا تصل إلا بوضوء. أو لا تصل حتى تتوضأ ونحو ذلك . مما بين أنه مأمور بالوضوء لجنس الصلاة ، الشامل لأنواعها وأعيانها . ليس مأموراً لكل نوع أو عين بوضوء غير وضوء الآخر . ولا فى اللفظ ما يدل على ذلك . لكن هذا الوجه لا يدل على تقدم الوضوء على الجنس ، كمن أسلم ٣٧٨ فتوضأ قبل الزوال أو الغروب ، أو كمن أحدث فتوضأ قبل دخول الوقت . بخلاف الوجه الذي قبله . فإنه يتناول هذا كله . فصل وقوله تعالى : (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ ) يقتضى وجوب الوضوء على كل مصل مرة بعد مرة ، فهو يقتضى التكرار ، وهذا متفق عليه بين المسلمين في الطهارة . وقد دلت عليه السنة المتواترة ، بل هو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين عن الرسول صلى الله عليه وسلم : أنه لم يأمرنا بالوضوء لصلاة واحدة . بل أمر بأن يتوضأ كما صلى . ولو صلى صلاة بوضوء ، وأراد أن يصلي سائر الصلوات بغير وضوء : استتيب ، فإن تاب وإلا قتل . لكن المقصود هنا: دلالة الآية عليه، وذلك من لفظ ((الصلاة)) فإن ((الصلاة)) هنا اسم جنس . ليس المراد صلاة واحدة . فقد أمر إذا قام إلى جنس الصلاة أن يتوضأ . والجنس يتناول جميع ما يصليه من الصلوات فى جميع عمره . فإن قيل : هذا يقتضي عموم الجنس ، فمن أين التكرار ؟ فإذا ٣٧٩ قام إلى أي صلاة توضأ ، لكن من أين أنه إذا قام إليها يوماً آخر بتوضأ ؟ قيل : لأنه في هذا اليوم الثاني قائم إلى الصلاة . فهو مأمور بالوضوء إذا قام إلى مسمى الصلاة ؛ حيث وجد قيام إلى مسمى الصلاة فهو مأمور بالوضوء متى وجد ذلك . فعليه الوضوء . وهو كقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَوَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) فالمراد : جنس الدلوك، فهو مأمور بإقامة الصلاة له . وكذلك قوله: (وَسَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ قَبْلَ مُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ فهو متناول لكل طلوع وغروب ، وليس المراد غُرُوِهَا ) طلوعاً واحداً ، فكأنه قال : قبل كل طلوع لها ، وقبل كل غروب . وأقم الصلاة عند كل دلوك ، وكل صلاة يقوم إليها متوضئاً لها . وقد تنازع الناس فى الأمر المطلق : هل يقتضي التكرار ؟ على ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد وغيره . قيل : يقتضيه ، كقول طائفة ، منهم القاضى أبو يعلى وابن عقيل . وقيل : لا يقتضيه ، كقول كثير ، منهم أبو الخطاب . وقيل : إن كان معلقاً بسبب اقتضى التكرار . وهذا هو المنصوص عن أحمد كآية الطهارة والصلاة . ٣٨٠