Indexed OCR Text

Pages 281-300

وقد اعترض ابن بطال على احتجاج البخاري بجواز السجود على
غير وضوء بحديث ابن عباس : ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (النجم)
فسجد، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس)» وهذا
السجود متواتر عند أهل العلم ، وفى الصحيح أيضاً من حديث ابن
مسعود قال: (( قرأ النى صلى الله عليه وسلم بمكة النجم فسجد فيها
وسجد من معه غير شيخ أخذكفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته،
وقال : يكفيني هذا ، قال: فرأيته بعد قتل كافراً )).
قال ابن بطال هذا لا حجة فيه ؛ لأن سجود المشركين لم يكن على
وجه العبادة لله ، والتعظيم له ، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسان
النبى صلى الله عليه وسلم من ذكر آلهتهم في قوله: (أَفَهُ يُ اللَّهَ
وَالْعُزَّى * وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) فقال: تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن
قد ترتجى ، فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم . فلما علم النبي صلى
اللّه عليه وسلم ما ألقى الشيطان على لسانه من ذلك أشفق وحزن له،
فأنزل الله تعالى تأنيساً له وتسلية عما عرض له : (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ) إلى قوله: (وَاللّهُ عَلِيِهُ
حَكِيمُ) أي إذا تلا ألقى الشيطان فى تلاوته .
فلا يستنبط من سجود المشركين جواز السجود على غير
٢٨١

وضوء ؛ لأن المشرك بجس لا يصح له وضوء ، ولا سجود إلا بعد
عقد الإسلام .
فيقال : هذا ضعيف ، فإن القوم إنما سجدوا لما قرأ النى صلى الله
(أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا نَبْكُونَ *
عليه وسلم:
وَأَنْتُمْ سَمِدُونَ * فَأَسْجُ وْلِلَّهِوَأَعْبُدُوا) فسجد النبى صلى الله عليه وسلم ومن
معه امتثالا لهذا الأمر ، وهو السجود لله والمشركون تابعوه فى
السجود لله .
وما ذكر من التمني إذا كان صحيحاً فإنه هو كان سبب موافقتهم
له فى السجود لله ، ولهذا لما جرى هذا بلغ المسلمين بالحبشة ذلك ،
فرجع منهم طائفة إلى مكة ، والمشركون ما كانوا ينكرون عبادة الله
وتعظيمه ، ولكن كانوا يعبدون معه آلهة أخرى، كما أخبر اللّه عنهم بذلك،
فكان هذا السجود من عبادتهم للّه ، وقد قال : سجد معه المسلمون
والمشركون والجن والإنس .
وأما قوله لا سجود إلا بعد عقد الإسلام ، فسجود الكافر بمنزلة
دعائه لله، وذكره له، وبمنزلة صدقته، وبمنزلة حجهم الله، وم مشركون
فالكفار قد يعبدون الله وما فعلوه من خير أثيبوا عليه فى الدنيا ، فإن
ماتوا على الكفر حبطت أعمالهم فى الآخرة، وإن ماتوا على الإيمان فهل
٢٨٢

يثابون على ما فعلوه فى الكفر . فيه قولان مشهوران . والصحيح أنهم
يثابون على ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام:
(( أسلمت على ما أسلفت من خير)) وغير ذلك من النصوص ، ومعلوم
أن اليهود والنصارى لهم صلاة وسجود، وإن كان ذلك لاينفعهم فى الآخرة
إذا ماتوا على الكفر .
وأيضا فقد أخبر اللّه في غير موضع من القرآن عن سجود سحرة
(فَأُلْفِى السَّحَرَةُ سَجِدِينَ * قَالُواْ
فرعون كما قال تعالى :
ءَامَتَّابِرَبِ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ) وذلك سجود مع إيمانهم ، وهو مما قبله
الله منهم، وأدخلهم به الجنة، ولم يكونوا على طهارة . وشرع من قبلنا
شرع لنا مالم يرد شرعنا بنسخه . ولو قرئ القرآن على كفار فسجدوا
لله سجود إيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أو
رأوا آية من آيات الإيمان فسجدوا لله مؤمنين بالله ورسوله ،
لنفعهم ذلك .
ومما يبين هذا أن السجود بشرع منفرداً عن الصلاة كسجود
التلاوة ، وسجود الشكر، وكالسجود عند الآيات ، فإن ابن عباس لما
بلغه موت بعض أمهات المؤمنين سجد، وقال: (( إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمرنا إذا رأينا آية أن نسجد)).
٢٨٣

وقد تنازع الفقهاء في السجود المطلق لغير سبب ، هل هو عبادة
أم لا؟ ومن سوغه يقول : هو خضوع لله، والسجود هو الخضوع
(وَآَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْحِظَةٌ) قال أهل اللغة السجود
قال تعالى :
في اللغة هو الخضوع ، وقال غير واحد من المفسرين أمروا أن يدخلوا
ركعا منحنين ، فإن الدخول مع وضع الجبهة على الأرض لا يمكن ، وقد
قال تعالى: (أَلَمْتَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ, مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَاُلُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجُرُ وَالدَّوَآتُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) وقال تعالى:
ومعلوم أن
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا )
سجود كل شيء بحسبه ، ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على
الأرض . وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر
لما غربت الشمس: ((إنها تذهب فتجد تحت العرش)) رواه
البخاري ومسلم .
فعلم أن السجود اسم جنس ، وهو كمال الخضوع لله، وأعز مافى
الإنسان وجهه ، فوضعه على الأرض لله غاية خضوعه ببدنه ، وهو غاية
ما يقدر عليه من ذلك. ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أقرب ما
(وَأَسْجُدْ وَاقْتَب )
يكون العبد من ربه وهو ساجد )) وقال تعالى :
فصار من جنس أذكار الصلاة التى تشرع خارج الصلاة ، كالتسبيح ؛
والتحميد ، والتكبير ، والتهليل، وقراءة القرآن، وكل ذلك يستحب
له الطهارة .
٢٨٤

ويجوز للمحدث فعل ذلك ، بخلاف مالا يفعل إلا في الصلاة
كالركوع ، فإن هذا لا يكون إلا جزءاً من الصلاة . وأفضل أفعال الصلاة
السجود ، وأفضل أقوالها القراءة ، وكلاهما مشروع فى غير الصلاة ،
فيسرت العبادة لله، لكن الصلاة أفضل الأعمال، فاشترط لها
أفضل الأحوال .
واشترط للفرض ما لم يشترط للنفل ، من القيام والاستقبال مع
القدرة ، وجاز التطوع على الراحلة فى السفر ، كما مضت به سنة النبي
صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد ثبت في الصحاح أنه كان يتطوع على
راحلته في السفر قبل أي وجه توجهت به . وهذا مما اتفق العلماء على
جوازه ، وهو صلاة بلا قيام ولا استقبال القبلة ، فإنه لا يمكن المتطوع
على الراحلة أن يصلي إلا كذلك ، فلو نهى عن التطوع أفضى إلى تفويت
عبادة الله التى لا يقدر عليها إلا كذلك : بخلاف الفرض . فإنه شيء
مقدر يمكنه أن ينزل له ولا يقطعه ذلك عن سفره . ومن لم يمكنه
النزول لقتال أو مرض أو وحل صلى على الدابة أيضاً .
ورخص فى التطوع جالساً ؛ لكن يستقبل القبلة ، فإن الاستقبال
يمكنه مع الجلوس ، فلم يسقط عنه ، بخلاف تكليفه القيام فإنه قد
يشق عليه ترك التطوع ، وكان ذلك تيسيراً للصلاة بحسب الإمكان ،
فأوجب الله فى الفرض مالا يجب فى النفل .
٢٨٥

وكذلك السجود دون صلاة النفل ، فإنه يجوز فعله قاعداً ، وإن
كان القيام أفضل ، وصلاة الجنازة أكمل من النفل من وجه، فاشترط
لها القيام بحسب الإمكان ؛ لأن ذلك لا يتعذر ، وصلاة النافلة فيها ركوع
وسجود فهي أكمل من هذا الوجه. والمقصود الأكبر من صلاة الجنازة
هو الدعاء للميت، ولهذا كان عامة ما فيها من الذكر دعاء .
واختلف السلف والعلماء : هل فيها قراءة ؟ على قولين مشهورين ،
ولم يوقت النبى صلى الله عليه وسلم فيها دعاء بعينه، فعلم أنه لا يتوقت
فيها وجوب شيء من الأذكار ، وإن كانت قراءة الفاتحة فيها سنة ، كما
ثبت ذلك عن ابن عباس . فالناس فى قراءة الفاتحة فيها على أقوال :
قيل: نكره. وقيل: تجب. والأشبه أنها مستحبة لا تكره ولا
يجب ، فإنه ليس فيها قرآن غير الفاتحة ، فلو كانت الفاتحة واجبة
فيها كما يجب فى الصلاة التامة لشرع فيها قراءة زائدة على الفاتحة . ولأن
الفاتحة نصفها ثناء على الله ، ونصفها دعاء للمصلي نفسه ، لا دعاء للميت ،
والواجب فيها الدعاء للميت، وما كان تتمة كذلك .
والمشهور عن الصحابة أنه إذا سلم فيها سلم تسليمة واحدة ،
لنقصها عن الصلاة التامة .
وقوله: (( من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج )
٢٨٦

يقال الصلاة المطلقة هي التى فيها ركوع وسجود ، بدليل مالو نذر
أن يصلي صلاة. وهذه صلاة تدخل فى قوله: ((مفتاح الصلاة الطهور،
وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم )، لكنها تقيد . يقال : صلاة
الجنازة، ويقال صلوا على الميت. كما قال تعالى: (وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم
مَّاتَ أَبَدًّا وَلَاتَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ) .
والصلاة على الميت قد بينها الشارع أنها دعاء مخصوص ، بخلاف
( خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَّكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ
قوله :
إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) تلك قد بين أنها الدعاء المطلق الذي ليس له تحريم
وتحليل ، ولا يشترط له استقبال القبلة . ولا يمنع فيه من الكلام .
والسجود المجرد لا يسمى صلاة ، لا مطلقا ولا مقيداً ؛ ولهذا لا يقال
صلاة التلاوة ، ولا صلاة الشكر، فلهذا لم تدخل فى قوله: ((لا يقبل
الله صلاة بغير طهور)) وقوله: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث
حتى يتوضأ)» فإن السجود مقصوده الخضوع ، والذل له . وقيل لسهل
ابن عبد الله التستري : أيسجد القلب ؟ قال : نعم ! سجدة لا يرفع
رأسه منها أبداً .
ومسمى الصلاة لا بد فيه من الدعاء فلا يكون مصلياً إلا بدعاء
بحسب إمكانه ، والصلاة التى يقصد بها التقرب إلى الله لا بد فيها
من قرآن، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنى نهيت أن
٢٨٧

أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً)، فالسجود لا يكون فيه قرآن ،
وصلاة التقرب لا بد فيها من قرآن ، بخلاف الصلاة التى مقصودها
الدعاء للميت فإنها بقرآن أكمل ، ولكن مقصودها يحصل بغير قرآن.
وأما مس المصحف : فالصحيح أنه يجب له الوضوء ، كقول
الجمهور ، وهذا هو المعروف عن الصحابة : سعد ، وسلمان ، وابن عمر .
وفى كتاب عمرو بن حزم عن النبى صلى الله عليه وسلم: (( لا يمس
القرآن إلا طاهر )). وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى أن
يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم ، وقد أقر
المشركين على السجود لله، ولم ينكره عليهم ، فإن السجود الله خضوع:
(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)
وأما كلامه فله حرمة عظيمة؛ ولهذا ينهى أن يقرأ القرآن فى حال
الركوع والسجود ، فإذا نهى أن يقرأ في السجود ، لم يجز أن يجعل
المصحف مثل السجود ، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المسجد ،
والمسجد يجوز أن يدخله المحدث ، ويدخله الكافر للحاجة ، وقد كان
الكفار يدخلونه . واختلف فى نسخ ذلك ، بخلاف المصحف فلا يلزم
إذا جاز الطواف مع الحدث ، أن يجوز للمحدث مس المصحف ؛ لأن
حرمة المصحف أعظم . وعلى هذا فما روى عن عثمان وسعيد من أن
الحائض تومئ بالسجود ، هو لأن حدث الحائض أغلظ ، والركوع هو
٢٨٨

سجود خفيف. كما قال تعالى: ( وَآدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا) قالوا : ركعاً ،
فرخص لها في دون كمال السجود .
وأما احتجاج ابن حزم على أن ما دون ركعتين ليس بصلاة بقوله :
((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) فهذا يرويه الأزدي عن علي بن عبد
الله البارقى عن ابن عمر ، وهو خلاف ما رواه الثقات المعروفون عن
ابن عمر ، فإنهم رووا ما فى الصحيحين أنه سئل عن صلاة الليل فقال :
((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الفجر فأوتر بواحدة)) ولهذا ضعف
الإمام أحمد وغيره من العلماء حديث البارقي . ولا يقال هذه زيادة من
الثقة ، فتكون مقبولة لوجوه :
أحدها : أن هذا متكلم فيه .
الثاني : أن ذلك إذا لم يخالف الجمهور ، وإلا فإذا انفرد عن الجمهور
ففيه قولان فى مذهب أحمد وغيره .
الثالث : أن هذا إذا لم يخالف المزيد عليه ، وهذا الحديث قد
ذكر ابن عمر: ((أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة
الليل فقال : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة))
ومعلوم أنه لو قال : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح
٢٨٩

فأوتر بواحدة لم يجز ذلك ، وإنما يجوز إذا ذكر صلاة الليل منفردة
كما ثبت فى الصحيحين ، والسائل إنما سأله عن صلاة الليل ، والنبى
صلى الله عليه وسلم وإن كان قد يجيب عن أعم مما سئل عنه - كما
فى حديث البحر لما قيل له : إنا نركب البحر ، ويحمل معنا القليل من
الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر، فقال: ((هو
الطهور ماؤه. الحل ميتته )) - لكن يكون الجواب منتظما ، كما فى
هذا الحديث .
وهناك إذا ذكر النهار لم يكن الجواب منتظما ؛ لأنه ذكر فيه قوله :
((فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة )) وهذا ثابت فى الحديث لاريب فيه.
فإن قيل : يحتمل أن يكون هذا قد ذكره النبى صلى الله عليه وسلم
فى مجلس آخر ، كلاما مبتدأ لآخر: إما لهذا السائل ، وإما لغيره .
قيل : كل من روى عن ابن عمر إنما رواه هكذا فذكروا فى
أوله السؤال، وفى آخره الوتر ، وليس فيه إلا صلاة الليل ، وهذا
خالفهم ، فلم يذكر ما فى أوله ولا ما فى آخره ، وزاد فى وسطه ،
وليس هو من المعروفين بالحفظ والإتقان ؛ ولهذا لم يخرج حديثه أهل
الصحيح البخاري ومسلم .
وهذه الأمور وما أشبهها متى تأملها اللبيب على أنه غلط في الحديث
٢٩٠

وإن لم يعلم ذلك أوجب ريبة قوبة تمنع الاحتجاج به ، على إثبات مثل
هذا الأصل العظيم .
ومما يبين ذلك أن الوتر ركعة وهو صلاة ، وكذلك صلاة الجنازة
وغيرها ، فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بذلك بيان مسمى
الصلاة وتحديدها ، فإن الحد يطرد وينعكس .
فإن قيل : قصد بيان ما يجوز من الصلاة .
قيل : ماذكرتم حلْ ، وسجود التلاوة والشكر أيضاً جائز ، فلا
يمكن الاستدلال به ، لا على الاسم، ولا على الحكم . وكل قول ينفرد
به المتأخر عن المتقدمين ، ولم يسبقه إليه أحد منهم ، فإنه يكون خطأ
كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم فى مسألة ليس لك
فيها إمام .
وأما سجود السهو : فقد جوزه ابن حزم أيضاً على غير طهارة ،
وإلى غير القبلة كسجود التلاوة بناء على أصله الضعيف . ولهذا لا
يعرف عن أحد من السلف ، وليس هو مثل سجود التلاوة والشكر؛
لأن هذا سجدتان يقومان مقام ركعة من الصلاة ، كما قال النى صلى
الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح حديث الشك: (( إذا شك أحدكم
٢٩١

فلم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليطرح الشك وليين على ما استيقن ، ثم
ليسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن صلى خمسا شفعتا له صلاته ،
وإلا كانتا ترغيما للشيطان)). وفى لفظ ((وإن كانت صلاته تماماً كانتا
ترغيما )). فجعلهما كالركعة السادسة التى تشفع الخامسة المزيدة سهواً.
ودل ذلك على أنه يؤجر عليها لأنه اعتقد أنها من تمام المكتوبة
وفعلها تقربا إلى الله، وإن كان مخطئاً فى هذا الاعتقاد. وفي هذا
ما يدل على أن من فعل ما يعتقده قربة بحسب اجتهاده ، إن كان مخطئا
في ذلك أنه يثاب على ذلك ، وإن كان له علم أنه ليس بقربة يحرم
عليه فعله .
وأيضاً فإن سجدتى السهو يفعلان : إما قبل السلام ، وإما قريباً
من السلام ، فهما متصلان بالصلاة ، داخلان فيها . فها منها .
وأيضاً فإنهما جبران للصلاة فكانتا كالجزء من الصلاة .
وأيضاً فإن لهما تحليلا وتحريماً ، فإنه يسلم منها ، ويتشهد ،
فصارتا أوكد من صلاة الجنازة .
وفى الجملة : سجدتا السهو من جنس سجدتى الصلاة ، لا من جنس
٢٩٢

سجود التلاوة والشكر ؛ ولهذا يفعلان إلى الكعبة ، وهذا عمل المسلمين
من عهد نبيهم ، ولم ينقل عن أحد أنه فعلها إلى غير القبلة ، ولا بغير
وضوء . كما يفعل ذلك فى سجود التلاوة . وإذا كان السهو في الفريضة
كان عليه أن يسجدهما بالأرض كالفريضة ، ليس له أن يفعلها
على الراحلة .
وأيضاً فإنهما واجبتان كما دل عليه نصوص كثيرة ، وهو قول أكثر
الفقهاء ، بخلاف سجود الشكر فإنه لا يجب بالإجماع ، وفي استحبابه
نزاع ، وسجود التلاوة فى وجوبه نزاع ، وإن كان مشروعاً بالإجماع ،
فسجود التلاوة سببه القراءة فيتبعها .
ولما كان المحدث له أن يقرأ فله أن يسجد بطريق الأولى ، فإن
القراءة أعظم من مجرد سجود التلاوة .
والمشركون قد سجدوا، وما كانوا يقرأون القرآن ، وقد نهى
النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القرآن في حال الركوع والسجود ،
فعلم أن القرآن أفضل من هذه الحال .
وقوله: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) أى من
الأفعال ، فلم تدخل الأقوال في ذلك . ويفرق بين الأقرب والأفضل:
٢٩٣

فقد يكون بعض الأعمال أفضل من السجود ، وإن كان فى السجود
أقرب : كالجهاد فإنه سنام العمل . إلا أن يراد السجود العام ، وهو
الخضوع . فهذا يحصل له فى حال القراءة وغيرها ، وقد يحصل للرجل
فى حال القراءة من الخشوع والخضوع ما لا يحصل له فى حال السجود.
وهذا كقوله: (( أقرب ما يكون الرب تعالى من عبده فى جوف
الليل)) وقوله: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث
الليل)) وقوله: ((إنه بدنو عشية عرفة ))
ومعلوم أن من الأعمال ما هو أفضل من الوقوف بعرفة ، ومن
قيام الليل ، كالصلوات الخمس ، والجهاد فى سبيل الله. وقد قال تعالى:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)
فهو قريب ممن دعاه ، وقد يكون غير الداعي أفضل من الداعى . كما
قال: (( من شغله القرآن عن ذكري ومسألتى أعطيته أفضل ما أعطى
السائلين )) والله أعلم.
٢٩٤

باب الغسل
سئل رحمه اللّه
عن غسل الجنابة : هل هو فرض أم لا ؟ وهل يجوز لأحد الصلاة
جنباً ولا يعيد ؟.
فأجاب : الطهارة من الجنابة فرض ، ليس لأحد أن يصلي جنباً
ولا محدثاً ، حتى يتطهر ، ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلا لذلك
فهو كافر ، ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره ، وهو مستحق
للعقوبة الغليظة ، لكن إن كان قادراً على الاغتسال بالماء اغتسل ، وإن
كان عادماً للماء ، ويخاف الضرر باستعماله بمرض ، أو خوف برد
تيمم ، وصلى .
وإن تعذر الغسل والتيمم صلى بلا غسل ولا تيمم ، فى أظهر
أقوال العلماء ، ولا إعادة عليه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
٢٩٥

وسئل
عن رجل بلاعب امرأته، ثم بعد ساعة يبول ، فيخرج شبه
المنى بألم وعصر ، فهل يجب عليه الغسل ؟
فأجاب : المنى الذي يوجب الغسل هو الذي يخرج بشهوة ، وهو
أبيض غليظ ، تشبه رائحته رائحة الطلع .
فأما المنى الذي يخرج بلا شهوة ، إما لمرض ، أو غيره ، فهذا
فاسد لا يوجب الغسل عند أكثر العلماء : كمالك ، وأبى حنيفة ،
وأحمد. كما أن هم الاستحاضة لا يوجب الغسل، والخارج عقيب
البول تارة مع ألم، أو بلا ألم، هو من هذا الباب ، لا غسل فيه
عند جمهور العلماء . والله أعلم .
وسئل
عن امرأة قيل لها إذا كان عليك نجاسة من عذر النساء ، أو
من جنابة لا تتوضئي إلا تمسحي بالماء من داخل الفرج، فهل يصح ذلك؟
٢٩٦

فأجاب: الحمد لله : لا يجب على المرأة إذا اغتسلت من جنابة أو حيض
غسل داخل الفرج ، في أصح القولين ، والله أعلم .
وسل
عن امرأتين تباحثنا ، فقالت إحداهما : يجب على المرأة أن ندس
أصبعها ، وتغسل الرحم من داخل . وقالت الأخرى : لا يجب إلا
غسل الفرج من ظاهر ، فأيهما على الصواب ؟
فأجاب : الصحيح أنه لا يجب عليها ذلك ، وإن فعلت جاز .
وسئل
عن امرأة تضع معها دواء وقت المجامعة ، تمنع بذلك نفوذ التى
في مجاري الحبل ، فهل ذلك جائز حلال أم لا ؟ وهل إذا بقي ذلك
الدواء معها بعد الجماع . ولم يخرج يجوز لها الصلاة والصوم بعد
الغسل ، أم لا ؟
فأجاب : أما صومها وصلاتها فصحيحة ، وإن كان ذلك الدواء
٢٩٧

في جوفها ، وأما جواز ذلك ففيه نزاع بين العلماء ، والأحوط أنه
لا يفعل . والله أعلم .
وسل
هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يغتسل بالصاع
ويتوضأ بالمد ، وما قدر ذلك ؟ وهل تكره الزيادة على هذا مع اختلاف
أحوالهم ، وهل يكرر الصب على وجهه في الوضوء ؟
فأجاب : الصاع بالرطل الدمشقي : رطل وأوقيتان تقريباً ، والمد
ربع ذلك . وهذا مع الاقتصاد والرفق يكفي غالب الناس ، وإن احتاج
إلى الزيادة أحياناً لحاجة فلا بأس بذلك .
لكن من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء، وما ذكر من تكثير الاعتراف
مكروه ، بل إذا غرف الماء يرسله على وجهه إرسالا من أعالي الوجه إلى
أسفله برفق، والله أعلم.
٢٩٨

وسئل
عن رجل اغتسل ، ولم يتوضأ فهل يجزيه ذلك ، أم لا ؟ .
فأجاب : الأفضل أن يتوضأ ، ثم يغسل سائر بدنه، ولا يعيد الوضوء.
كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.
ولو اقتصر على الاغتسال من غير وضوء ، أجزاء ذلك فى المشهور
من مذهب الأئمة الأربعة ، لكن عند أبى حنيفة وأحمد : عليه المضفة
والاستنشاق ، وعند مالك والشافعي ليس عليه ذلك ، وهل ينوي رفع
الحدثين ، فيه نزاع بين العلماء . والله أعلم .
٢٩٩

وقال رحمه الله:
فصل
فى الحمام
قد كره الإمام أحمد بناء الحمام ، وبيعه ، وشراءه، وكراءه ، وذلك
لاشتماله على أمور محرمة كثيراً ، أو غالبا ، مثل كشف العورات ومسها
والنظر إليها ، والدخول المنهي عنه إليها ، كنهي النساء ، وقد تشتمل
على فعل فواحش كبيرة وصغيرة بالنساء ، والرجال . وجاء فى الحديث
الذي رواه الطبراني: (( إن الشيطان قال : يارب اجعل لي بيتا ، قال:
بيتك الحمام )). ومن المنكرات التى يكثر فيها تصوير الحيوان فى حيطانها
وهذا متفق عليه .
قلت : قد كتبت فى غير هذا الموضع : أنه لا بد من تقييد ذلك
بما إذا لم يحتج إليها ، فأقول هنا : إن جوابات أحمد ونصوصه إما أن
تكون مقيدة فى نفسه ، بأن يكون خرج كلامه على المامات التى يعهدها
في العراق والحجاز واليمن ، وهي جمهور البلاد التى انتابها ، فإنه لم يذهب
٣٠٠