Indexed OCR Text
Pages 141-160
الوضوء ثم عرض أمر واجب يمنعه عن الإتمام - كإنقاذ غريق، أو أمر بمعروف ونهي عن منكر فعله - ثم أتم وضوءه كالطواف وأولى. وكذلك لو قدر أنه عرض له مرض منعه من إتمام الوضوء . وأيضاً فإن أصول الشريعة تفرق في جميع مواردها بين القادر ، والعاجز ؛ والمفرط ؛ والمعتدي ؛ ومن ليس بمفرط ولا معتد . والتفريق بينهما أصل عظيم معتمد ، وهو الوسط الذي عليه الأمة الوسط ، وبه يظهر العدل بين القولين المتباينين . وقد تأملت ما شاء الله من المسائل التى يتباين فيها النزاع نفياً وإثباتاً حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء ؛ وما يتعصب له الطوائف من الأقوال ؛ كمسائل الطرائق المذكورة في الخلاف بين أبي حنيفة والشافعى وبين الأئمة الأربعة ؛ وغير هذه المسائل : فوجدت كثيراً منها يعود الصواب فيه إلى الوسط ؛ كمسألة إزالة النجاسة بغير الماء ، ومسألة القضاء بالنكول ؛ وإخراج القيم فى الزكاة ؛ والصلاة فى أول الوقت ؛ والقراءة خلف الإمام؛ ومسألة تعيين النية وتبيتها؛ وبيع الأعيان الغائبة واجتناب النجاسة فى الصلاة ومسائل الشركة : كشركة الأبدان، والوجوه ، والمفاوضة . ومسألة صفة القاضي . وكذلك هو الأصل المعتمد فى المسائل الخبرية العلمية التى تسمى ١٤١ مسائل الأصول : أو أصول الدين ؛ أو أصول الكلام ؛ يقع [ فيها ] اتباع الظن وما تهوى الأنفس . وقد قررنا أيضاً ما دل عليه الكتاب والسنة فيها وفى غيرها من الفرق بين المؤمن باطنا وظاهراً ؛ وبين المنافق الزنديق المؤمن ظاهراً لا باطنا ، وأن المؤمنين قد عفى لهم عن الخطأ والنسيان ، ثم غالب الخلاف المتباين فيها يعود الحق فيه إلى القول الوسط فى مسائل التوحيد والصفات ؛ ومسائل القدر والعدل ؛ ومسائل الأسماء والأحكام ؛ ومسائل الإيمان والإسلام ؛ ومسائل الوعد والوعيد؛ ومسائل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والخروج على الأمراء ومذاهبهم، أو موافقتهم على طاعة الله؛ فأمرهم ونهيهم بحسب الإمكان والامتناع عن الخروج والفتن . وأمثال هذه الأهواء . وأيضاً فعمدة القياس في مسألة الترتيب والموالاة إنما هو قياس ذلك على الصلاة ؛ فإن الصلاة يجب فيها الترتيب ؛ فلا يجوز تقديم السجود على الركوع . وتجب فيها الموالاة ؛ فلا يفرق بين أبماضها بما ينافيها ؛ والصلاة مع هذا عبادة واحدة متصلة الأجزاء ؛ ليس بين أجزائها فصل أصلا حتى يمكن فى ذلك المتابعة أو التفريق ، ثم مع ذلك إذا فرق بينهما لعذر كالعمل الكثير لضرورة كما في حديث ابن عمر: ((أن الطائفة الأولى بعد صلاة ركعة تذهب وجاه العدو ؛ فإذا صلت الثانية الركعة الثانية ذهبت أيضاً إلى وجاه العدو ، ثم رجعت ١٤٢ الأولى إلى موقفها فأتمت الصلاة ثم الثانية )) والصفة فى الصحيحين . وهي جازة غير مكروهة عند أئمة الحديث كأحمد وغيره ، وهي الصلاة المختارة فى الخوف عند أبي حنيفة؛ إذ ليس فيها مخالفة لصلاة الأمن إلا فى استدبار القبلة والعمل الكثير ؛ وهذان يجوزان للعذر كمن سبقه الحدث ؛ فإنه عند أكثر العلماء - كأبي حنيفة، ومالك؛ وقول الشافعي وأحمد فى إحدى الروايات - يقول : إنه يتوضأ ويبنى على ما مضى إذا لم تبطل صلاته بكلام عمد ونحوه ، وهذا مأثور عن أكثر الصحابة وفيه حديثان مرسلان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمرسل إذا عمل به جمهور الصحابة يحتج به الشافعي وغيره . وأيضاً فإذا سلم من صلاته ساهيا - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فى حديث ذي اليدين ؛ وفصل بين أبعاض الصلاة بالقيام إلى الخشبة والاتكاء عليها؛ وتشبيك أصابعه؛ ووضع خده عليها ؛ والكلام منه ومن المنبه له السائل له المخبر له أنه لم ينس ولم تقصر ؛ والمجيبين له الموافقين للمنبه - ثم أتم الصلاة : لم يكن هذا التفريق والفصل مانعاً من الإتمام . ومعلوم أنه لو فعل ذلك عمداً لأبطل الصلاة بلا نزاع ، فإذا كانت الصلاة التى لم تشرع إلا متصلة لا يستوى تفريقها فى حال العذر وعدمه: فكيف يستوى تفريق الوضوء في حال العذر وعدمه ؟ مع أن الوضوء ١٤٣ أفعال منفصلة لا يجب اتصالها بالاتفاق ، وليس لقائل أن يقول : إذا عمل عملاً كثيراً لعذر ، كما فى صلاة الخوف ؛ والساهي إذا سلم فإنه فى حكم المصلى ؛ بدليل أنه لو تعمد حينئذ الحدث أو الكلام المبطل ؛ أو العمل الكثير الذي لا يحتاج إليه أو استدبار القبلة الذي لا يحتاج إليه ، أو كشف العورة بطلت صلاته. ولو كان في غير صلاة لم تبطل صلاته بذلك ، فلا يكون هذا تركا للموالاة الواجبة ! لأنه يقال : بل هذا من أوكد الأدلة على ما قلناه ، فإنه من المعلوم أن هذه الأفعال والفصل الطويل المعفو له عنه - مثل الذهاب إلى العدو ثم الرجوع إلى موقفه ، ومثل قيام المسلم سهواً إلى ناحية المسجد واتكائه عليه - ليس هو من أفعال الصلاة الواجبة ولا المستحبة ، ولا داخلاً فى ذلك كما يدخل ما يدخل فى تطويل القيام ، والركوع ، والسجود ، والقعود ، فإن هذه الأربعة من جنس أفعال الصلاة ، فإذا أطالها أو أدخل فيها ما لا يشرع فى الصلاة من العمل اليسير : لم يمنع أن تكون هي من الصلاة . وأما تلك فليست من أفعال الصلاة ، وإنما أمر المصلى بالعمل الكثير في صلاة الخوف لأجل الجهاد ، وغفر له عن نحو ذلك من السهو لأن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، فصار الفصل بين أبعاض الصلاة المتابع ثارة بفعل يوجب تغييرها ، وتارة بفعل لاجناح على فاعله ١٤٤ لكونه ليس مكلفاً بتركه يشبهه الفصل بين الصيام المتابع : تارة بصوم أو فطر واجب، وتارة بحيض أو نفاس، أو مرض يعجز معه عن الصوم. ولهذا طرد أحمد ذلك ؛ ولو وقع هذا التفريق لغير عذر أبطل الصلاة بالانفاق ، فالوضوء أولى أن لا يسوى بين تفريقه لعذر ولغير عذر . وأما كونه فى حكم المصلى فمعنى ذلك أنه ليس له أن يفرق الصلاة إلا بما يعفى عنه فيه ، فإذا أتى بما ينافيها - من كلام عمد، أو عمل كثير؛ أو استدبار قبلة لغير عذر ـ كان قد فصل بين أبعاضها وفرق بنها بما ينافيها لغير عذر ؛ فتبطل صلاته ؛ كما لو صلى ركعتين فسلم عمداً؛ فانه ليس له أن يأتي بالركعتين الأخيرتين، بل يستأنف الصلاة ، ولو سلم سهواً بنى على الأول ، بالسنة المتواترة عند العلماء واتفاقهم على ذلك والمسلم إنما هو خارج من الصلاة وزائد على الفعل المأمور به ، فإذا فعل ذلك عمداً لم يكن له ذلك ، ولا محذور فى ذلك إلا قطع الصلاة . ألا ترى أنه لا فرق بين الوتر بثلاث متصلة وثلاث يفصل فيها بين الشفع والوتر : إلا بمجرد الفصل ؟ ولهذا يقولون : يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة ؛ أو لا يفصل بتسليمة . فمن أهل العراق من لا يسوغ الفصل كالمغرب ؛ ويجعل وتر الليل لا يكون إلا كوثر النهار متصلا غير منفصل . ومن أهل الحجاز من لا يسوغ إلا الفصل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الليل ١٤٥ مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة)). وفقهاء أهل الحديث يختارون الفصل لصحة الآثار وكثرتها به ، وإن جوزوا الوصل . والمقصود هنا: أنهم لا يذكرون بين صورتى الوتر فرقاً إلا كون هذا متصلا وهذا منفصلا . وهذا هو الموالاة والتفريق ؛ فتبين أن السلام العمد إنما أبطل الصلاة المكتوبة ونحوها مما سنته الاتصال : لأجل نفريق بعض الصلاة عن بعض ، وهو إذا فعل ذلك سهواً لم تبطل ، وكل ما ينافي الصلاة من فعل أو عمل كثير ؛ أو تعمد كلام ، وترك شرط من شروطها - من استقبال القبلة أو ستر عورته ونحو ذلك - فإنه مع منافانه يفرق بين أبعاض الصلاة ، ويمكن أن يخرج منها كما يخرج بالسلام ؛ ولهذا ذهب بعض أهل العراق إلى أنه يخرج منها بكل ما ينافيها كما يخرج بالسلام ، لكن فقهاء الحديث وأهل الحجاز منعوا ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم))، ولغير ذلك من الأمور التى يتبين أنه لا يدخل فيها إلا بالمشروع ؛ ولا يخرج إلا بالمشروع . ومما يوضح الكلام فى هذا أمور : أحدها : أن من يجوز الوتر بثلاث مفصولة - كالشافعي وأحمد ١٤٦ وغيرهما - يجوز عندهم أن تكون الصلاة التى لها اسم واحد يفصل بين أبعاضها بالسلام العمد ، كالوتر والضحى ، وقيام رمضان ، والأربع قبل الظهر ، واختيارهم فى جميع الصلوات أن تكون مثنى مثنى : إلا ما استثناه أحمد من الصور التى ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفصل : كالوتر بخمس أو سبح أو تسع ، فإنه يختار فيها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، ويقولون: أدنى الوتر ثلاث مفصولة وقد ثبت فى الصحيح من غير وجه عن عائشة : أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يوتر من الليل باحدى عشرة ركعة ، يفصل بين كل ركعتين قسمت الجميع وتراً مع الفصل . وقد ينازعهم فى هذا أصحاب أبى حنيفة ؛ إذ المسنون عندهم فى الأربع قبل الظهر الوصل ، وكذلك فى الوتر بثلاث ، وكذلك إذا جاء ذكر صلاة أربع أو ثمان : يجعلونها بتسليمة . الثانی: إذا تكلم بعد سلامه من الصلاة سهواً کما فی حدیث ذي اليدين ، فقد على ما فيه من الفقه ، والمنازع يقول: هو منسوخ، كما يقوله أصحاب أبي حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد : كالقاضي أبى يعلى ، وهم الذين يقولون : إن الكلام ببطل الصلاة مطلقاً ، ولو كان بعد السلام سهواً بناء على أنه فى الصلاة !. والجمهور على أنه محكم، وهو الصواب وهو المنصوص عن أحمد فى ١٤٧ ٠ عامة أجوبته ، فإنه أخذ به ونفقه فيه ، ولم يترك الأخذ به ولا قال هو منسوخ . وقد ثبت أن المشهور بروايته الذي ذكر أنه صلاها مع النبى صلى الله عليه وسلم هو أبو هريرة، قال: وذكر فيها : أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصلاة، وهو إنما سلم ورأى النبى صلى الله عليه وسلم، وصلى خلفه من عام خيبر، والقضية كانت فى مسجده ، وذلك بعد رجوعه من خيبر بيقين ، وهذا يقين بعد محريم الكلام ؛ فإنه قد ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا! فلما رجعنا من عند النجاشي سلمت عليه فلم يرد علي ، فقلنا : يا رسول الله؛ إنا كنا نسلم عليك فى الصلاة فترد علينا؟ فقال: (( إن فى الصلاة شغلا)). فهذا يبين أن الكلام حرم عليهم لما رجعوا من عند النجاشي . وعبد الله بن مسعود شهد بدراً مع النبى صلى الله عليه وسلم بلا خلاف وهو الذي أجهز على أبي جهل بن هشام ، فهذا يقتضي أن تحريم الكلام قبل بدر ، سواء كان ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ثم هاجر ، أو قدم من الحبشة إلى المدينة بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم ، فإن هذا قد توزع فيه : فذكر ابن إسحاق فى السيرة القول الأول ، وعلى هذا فيكون تحريم الكلام بمكة ، وهو مقيد كما فى ١٤٨ مسند أبي داود الطيالسي ، عن عبد الله بن عقبة ، عن ابن مسعود قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلا ، ومعنا جعفر بن أبى طالب ، فذكر الحديث فى دخولهم على النجاشي ، وفى آخره : فجاء ابن مسعود فبادر فشهد بدراً وللناس فى هذا المقام المشتبه ثلاثة أقوال يقولها من بقولها من أصحاب أحمد وغيرم : أحدها - وهو قول أصحاب أبى حنيفة، والقاضي أبي يعلى ، وطائفة من أتباعهم - أن حديث ذي اليدين متقدم على تحريم الكلام وظنوا أن قضيته كانت قبل بدر ، واحتجوا بأن ذا اليدين قتل يوم بدر فلا بد أن تكون القضية قبل ذلك ، قالوا : وتحريم الكلام كان بالمدينة بعد ذلك كما في الصحيحين عن زيد بن أرقم قال : إن كنا التكلم فى الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته! حتى نزلت (حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْلَّهِ قَانِتِينَ ) ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ؛ وليس للبخاري : ونهينا عن الكلام ، وفي رواية للترمذي : كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصلاة . وزيد بن أرقم من صغار الأنصار ، وهو صاحب الإذن الذي وفى ١٤٩ الله بإذنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول ابن أبي من المنافقين ( لَكِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِلَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) وكذبه من كذبه ولامه من لامه من المؤمنين، حتى أنزل الله قوله: (يَقُولُونَ لَیِن رَجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ) فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «هذا الذي وفى الله بإذنه)) وهو لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة فعلم أنهم كانوا يتكلمون بعد الهجرة ، وذكر أن النسخ حمل بآية المحافظة وهي مدنية بالاتفاق ، بل قد يقال : إنها إنما نزلت عام الخندق لما شغله المشركون عن صلاة العصر، حتى قال: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)) - كما ثبت ذلك في الصحيح - فقال هؤلاء : إذا كانت قصة ذي اليدين قبل بدر ولم يثبت أن الكلام كان قد حرم ، أو ثبت أنه إنما حرم بعد ذلك بل بعد عام الخندق التى هي بعد بدر بأكثر من سنتين : كان منسوخا . وأقصى ما يقال : إنه يحتمل أنه كان قبل النسخ ، ويحتمل أنه بعده ، فلا يبقى فيه حجة . ونجد كثيراً من الناس - ممن يخالف الحديث الصحيح من أصحاب أبى حنيفة أو غيرم - يقول : هذا منسوخ ، وقد انخذوا هذا محنة؛ كل حديث لا يوافق مذهبهم يقولون : هو منسوخ من غير أن يعلموا أنه منسوخ ، ولا يثبتوا ما الذي نسخه . ١٥٠ وكذلك كثير ممن يحتج بالعمل من أهل المدينة - أصحاب مالك وغيرم - يقولون : هذا منسوخ ، لكن هؤلاء قد يقولون : إن وجود على أهل المدينة بخلافه دليل نسخه ، وهذا كثير . وما ذكروه فى حديث ذي اليدين هو من أبلغ ما قرروه ، وادعوا أن تحريم الكلام كان بعد ذلك عام الخندق أو نحوه ، ويقولون فى القنوت إنه منسوخ وفي دعائه لمعين أو غير معين : إنه منسوخ ، وأن هذا من كلام الآدميين الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين)) حتى يبالغوا فيما يبطل الصلاة من هذا النحو ، كالتنبيه بالقرآن وغيره . وقد ثبت في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركوع في صلاة الصبح شهراً إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) يقول فى قنوته: ((اللهم نج الوليد بن الوليد! اللهم نج سلمة بن هشام! اللهم نتج عياش بن أبى ربيعة! اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ! اللهم اشدد وطأنك على مضر ! اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف!)) قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم بعد ، فقلت : أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم ، قال : فقيل : أو ما ترام قد قدموا ؟ وهذا الحديث فيه أنواع من الفقه ، فإن أبا هريرة لم يصل خلف ١٥١ النبى صلى الله عليه وسلم إلا بعد خيبر، وخيبر بعد الحديبية، وكانت الهدنة التى بينه وبين المشركين فى الحديبية : على أن لا يدع أحداً منهم يهاجر إليه ، ولا يرد إليه من ذهب مرتداً منه إليهم ، فهؤلاء وأمثالهم كانوا من المستضعفين بمكة الذين قهرهم أهلوم ، والمسلمون كلهم من بني مخزوم ، وهم بنو عبد مناف أشرف قبائل قريش ، وبنو مخزوم كانوا هم الذين ينادون عبد مناف ، والمحاسدة التى بينهم هي إحدى ما منعت أشرافهم - كالوليد وأبى جهل وغيرهما - من الإسلام ، فلما قدم بعد الحديبية من قدم من المهاجرين ، ولحقوا بسيف البحر على الساحل - كأبى بصير، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو - فإن النى صلى الله عليه وسلم لم يجرم بالشرط ، فصاروا بأيدي أنفسهم بالساحل يقطعون على أهل مكة ، حتى أرسل أهل مكة حينئذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يأذن لهم فى المقام عنده ليأمنوا قطعهم ، فقدموا حينئذ أولئك المستضعفون ، فترك النبى صلى الله عليه وسلم القنوت. وهذا القنوت بعد القنوت الذي رواه أنس : أن النى صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على رعل ، وذكوان ، وعصية ، ثم تركه ؛ فإن ذلك القنوت كان فى أوائل الأمر لما أرسل القراء السبعين : أصحاب بئر معونة ، وذلك متقدم قبل الخندق التى هي قبل الحديبية كما ١٥٢ ثبت ذلك في الصحيح ، فتبين أن تركه للقنوت لم يكن ترك نسخ ؛ إذ قد ثبت أنه قنت بعد ذلك ، وإنما قنت لسبب ، فلما زال السبب ترك القنوت ، كما بين في هذا الحديث أنه ترك الدعاء لهم لما قدموا . وليس أيضاً قوله فى حديث أنس المتفق عليه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهراً بعد الركوع يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه: أنه ترك الدعاء فقط، كما يظنه من ظن أن النبى صلى الله عليه وسلم كان مداوماً على القنوت فى الفجر بعد الركوع أو قبله ، بل ثبت فى أحاديث أنس التى فى الصحيحين : أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهراً ، وغير ذلك مما يبين أن المتروك كان القنوت . وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع ، وبينا أن من تأمل الأحاديث علم علما يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يداوم على القنوت في شئ من الصلوات ، لا الفجر ولا غيرها ؛ ولهذا لم ينقل هذا أحد من الصحابة ؛ بل أنكروه . ولم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم حرفا واحداً مما يظن أنه كان يدعو به فى القنوت الراتب، وإنما المنقول عنه ما يدعو به في العارض : كالدعاء لقوم وعلى قوم ، فأما مايدعو به من يستحب المداومة على قنوت الفجر من قول: ((اللهم اهدنا فيمن هديت )) : فهذا إنما في السنن أنه علمه للحسن يدعو به في قنوت الوتر . ١٥٣ ثم من العجب أنه لا يستحب المداومة عليه في الوتر الذي هو من متن الحديث ويداوم عليه فى الفجر ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله فى الفجر ، ومن المعلوم باليقين الضروري أن القنوت لو كان مما داوم عليه لم يكن هذا مما يهمل؛ ولتوفرت دواعي الصحابة ثم التابعين على نقله : فإنهم لم يهملوا شيئاً من أمر الصلاة التى كان يداوم عليها إلا نقلوه ؛ بل نقلوا مالم يكن بداوم عليه : كالدعاء فى القنوت لمعين وعلى معين وغير ذلك . ودعوى هذا أيضاً هي من بعض الوجوه ما يدعيه بعض أهل الأهواء فى النص الجلي على معين فى الإمامة ؛ أو من زيادة فى القرآن وغير ذلك ؛ ولهذا كان المصفون يفرقون بين بيان ما يمتنع من الكذب وما يمتنع من الكتمان . فإذا تكلموا فى الأخبار الصادقة التى يمتنع أن تكون كذبا من الأخبار المتواترة : تكلموا فيما يمتنع أن يكون من الأخبار للعادة العامة ، أو الخاصة ، أو للأدلة الشرعية الدالة على حفظ هذا الدين وأمثال ذلك . وبسط هذا له موضع آخر . وأما الدعاء على أهل الكتاب - كما يتخذه من يتخذه سنة راتبة فى دعاء القنوت فى النصف الأخير من شهر رمضان أو غيره - فهذا إنما هو منقول عن عمر بن الخطاب أنه كان يدعو به لما كان يجاهد أهل الكتاب بالشام ، وكان يدعو به فى المكتوبة ، وهو موافق لسنة رسول ١٥٤ الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان يقنت أحياناً يدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين ، ويذكر قبائل المشركين الذين يحاربونه ، كمضر ؛ ورعل، وذكوان؛ وعصية، وعمر لما قاتل أهل الكتاب قنت عليهم فى المكتوبة ؛ فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب أولئك القوم المحاربين . فأما أن يتخذ قنوت عمر فى المكتوبة سنة فى الوتر وقنوت الحسن فى الوتر سنة فى المكتوبة راقبة فهو كما تراه ، وكذلك فى هذا الحديث أنه دعا لأقوام سماهم بأسمائهم بعد خيبر ، وذلك بعد تحريم الكلام بالاتفاق ، وإن اقتضى ما يقال . بحريم الكلام فى الصلاة أنه تأخر إلى عام الخندق ، وخيبر في تأخر بعد الخندق بأكثر من سنتين ؛ فإن خيبر كانت بالاتفاق بعد الحديدية، والحديبية كانت بالانفاق سنة ست؛ وكان النبى صلى الله عليه وسلم أيضاً إنما اعتمر فى ذي القعدة ، فلما صالحهم رجع إلى المدينة ، فكانت غزوة الغابة غزوة ذي قرد التى ذكرها مسلم فى صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع لما جعل يقول: واليوم يوم الرضع خذها أنا ابن الأكوع لما أغارت فزارة على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت خيبر عقب ذلك فى أواخر ست وأوائل سبح ، وهذا متفق عليه . وأما الخندق فقبل ذلك : إما في أوائل خمس أو أواخر أربع ، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال : عرضت على النبى صلى ١٥٥ الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني . وليس لأحد أن يحتج على النسخ بما فى الصحيحين عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع فى الركعة الأخيرة من الفجر يقول: ((اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا)) بعد ما يقول: ((سمع الله لمن حمده؛ ربنا ولك الحمد))؛ فأزل الله: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِشَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) فإن هذا إنما يدل على ترك اللعنة لهم ؛ لكونه ليس له من الأمر شيء لجواز توبتهم ، وهذا إذا كان نهياً فلا فرق فيه بين الصلاة وخارج الصلاة ، والكلام إنما هو فى الدعاء الجائز خارج الصلاة : كالدعاء لمعينين مستضعفين ، والدعاء على معينين من الكفار بالنصرة عليهم ؛ لا باللعنة ونحو ذلك . والقول الثاني : قول من يقول - من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرم - : إن تحريم الكلام كان بمكة بناء على أن النسخ ثبت بحديث ابن مسعود بناء على ماذكره ابن إسحاق في السيرة قال : وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة ، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك إسلام أهل مكة الذي كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفيا، فكان من قدم ١٥٦ منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة شهد معه بدراً وأحداً ، فذكر منهم عبد الله بن مسعود . وهؤلاء يجيبون عن حديث زيد بن أرقم بمجوابين : أحدهما : أنه يحتمل أنه كان نهى عنه متقدماً ثم أذن فيه ؛ ثم نهى عنه لما نزلت الآية . الثانى: أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم فى الصلاة لم يبلغهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت الآية انتهوا . فأما القول الأول فضعيف لوجوه قاطعة : منها : أن حديث ابن مسعود صحيح صريح، وقد علم بالتواتر عند أهل العلم أن ابن مسعود شهد بدراً، وهو لما رجع من الحبشة أخبر أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم؛ وأنه لم يرد عليه بعد ما كان يرد عليهم قبل أن يذهبوا إلى الحبشة؛ وأنه قال لهم: (( إن في الصلاة لشغلا))، وفي رواية: ((إن الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا فى الصلاة)). ١٥٧ الثانى : أن أبا هريرة لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل خلفه إلا بعد عام خيبر باتفاق أهل العلم ، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة ، وهو أشهر من روى حديث ذي اليدين ، وهو أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى تلك الصلاة بهم ؛ كما فى الصحيحين عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر )» فعلم أنها لم تكن قبل عام خيبر ، بل بعد فتح خيبر: فكيف تكون قبل بدر ؟ بل خيبر بعد الخندق ، فلو ثبت أن الكلام لم يحرم إلا عام الخندق لكان حديث ذي اليدين بعد ذلك فلا يكون منسوخا . الثالث : أن من رواة حديث ذي اليدين عمران بن حصين كما رواه مسلم وغيره ، قالوا : وإسلام عمران كان بعد بدر ، وقد روى نحواً منه أهل السنن من حديث معاوية بن خديج ، وقد قيل : إنه أسلم قبل موت النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بشهرين ، وقد روى حديث ذي اليدين كما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمر ، رواه أهل السنن قالوا : وإسناده على شرط الصحيح ، وابن عمر قبل بدر كان صغيراً ؛ فإنه عام أحد كان ابن أربع عشرة سنة ، ولا يكاد ابن عمر يروى ما كان حينئذ مما كان مثل ذلك ، كما لم يرو حديث بناء المسجد ونحوه . ١٥٨ الرابع : أن قولهم : ذو اليدين قبل بدر غلط ، قالوا : فإن المقتول بيدر هو ذو الشمالين ، هو ابن عمرو من نضلة بن عبسان : حليف لبني زهرة من خزاعة ، قتل بيدر. وأما ذو اليدين فاسمه الخرباق ويكنى أبا العريان . بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى حديثه في السهو كما ذكره عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه ، عن نصر بن معدى ابن سليمان ثقة ، قال : أتيت مطراً لأسأله عن حديث ذي اليدين فأتيته فسألته ؛ فإذا هو شيخ كبير لا ينفذ الحديث من الكبر ، فقال ابنه شعيب : بلى يا أبت ! حدثني : أن ذا اليدين لقيك بذي خشب فحدئك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إحدى صلاتى العشي وهي العصر ركعتين ، ثم سلم فرج سرعان الناس ، فقالوا : قصرت الصلاة - وفى القوم أبو بكر وعمر - فقال ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ((ما قصرت الصلاة ولا نسيت!)) ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال: (( ما يقول ذو اليدين ؟ فقالا : صدق يا رسول اللّه! فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاب الناس ؛ وصلى بهم ركعتين ثم سلم ؛ ثم سجد سجدتي السهو . ورواه عبد الله بن أحمد أيضاً عن محمد بن المثنى ، عن معدى بن سليمان ؛ عن شعيب بن مطر ، ومطر جاء من يصدقه بمقالته . وهذا السياق موافق لسياق أبى هريرة وابن عمر فى : أن السلام كان من ١٥٩ ركعتين، وفى حديث عمران أنه من ثلاث ، وكذلك في حديث رافع ؛ وفيه الجزم بأنها العصر، كما فى حديث عمران وغيره ، وهل كانت القصة مرة أو مرتين ؟ هذا فيه نزاع ليس هذا موضعه . والمقصود هنا : أنه إذا ثبت أن حديث ذي اليدين محكم : ثبت به أن مثل ذلك الكلام والفعال لا يبطل الصلاة ، وهنا أقوال فى مذهب أحمد وغيره : فعنه أن كلام الناسي والمخطئ لا يبطل ؛ وهذا قول مالك والشافعي ، وهو أقوى الأقوال، ومما يؤيده حديث معاوية بن الحكم السلمي لما شمت العاطس فى الصلاة ، فلما سمعه النبى صلى الله عليه وسلم قال له: (( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين)» ولم يأمره بالإعادة ، وهذا كان جاهلا بتحريم الكلام . وفى الجاهل لأصحاب أحمد طريقان . أحدهما : أنه كالناسي . والثانى: أنه لا تبطل صلاته وإن بطلت صلاة الناسي ؛ لأن النسخ لا يثبت حكمه إلا بعد العلم بالناسخ . وهذا الفرق ضعيف هنا؛ لأن هذا إنما يكون فيمن تمسك بالمنسوخ ولم يبلغه الناسخ كما كان أهل قباء ، وأما هنا فلم يكن بلغه المنسوخ ١٦٠