Indexed OCR Text
Pages 121-140
ومن حديث أبى هريرة رضى الله عنهما : أنه لما ذكر له الجنب قال: ((إن المؤمن لا ينجس)). وفى صحيح الحاكم: ((حياً ولا ميتاً)). وما أعلم على كراهية إزالة شعر الجنب وظفره دليلا شرعياً، بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسلم: ((ألق عنك شعر الكفر واختتن ))، فأحر الذي أسلم أن يغتسل ولم يأمره بتأخير الاختتان وإزالة الشعر عن الاغتسال ، فإطلاق كلامه يقتضي جواز الأمرين . وكذلك تؤمر الحائض بالامتشاط فى غسلها مع أن الامتشاط يذهب ببعض الشعر . والله أعلم . ١٢١ باب الوضوء سئل رحمه الله عن مسح الرأس فى الوضوء: من العلماء من أوجب جميع الرأس ومنهم من أوجب ربح الرأس ، ومنهم من قال : بعض شعره يجزئ : فما ينبغي أن يكون الصحيح من ذلك ؟ بينوا لنا ذلك ! فأجاب : الحمد لله. اتفق الأئمة كلهم على أن السنة مسح جميع الرأس ، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة والحسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الذين نقلوا وضوءه لم ينقل عنه أحد منهم أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ، وما يذكره بعض الفقهاء - كالقدوري فى أول مختصره وغيره - أنه توضأ ومسح على ناصيته : إنما هو بعض الحديث الذي فى الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ عام تبوك ومسح على ناصيته . ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى جواز مسح بعض الرأس ، وهو ١٢٢ مذهب أبى حنيفة والشافعي ، وقول فى مذهب مالك وأحمد . وذهب آخرون إلى وجوب مسح جميعه ، وهو المشهور من مذهب مالك وأحمد وهذا القول هو الصحيح ، فإن القرآن ليس فيه ما يدل على جواز مسح بعض الرأس ، فإن قوله تعالى: (وَأَمْسَحُواْبِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) نظير قوله : (فَأَمْسَحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم)، لفظ المسح في الآيتين ، وحرف الباء في الآيتين : فإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنه بدل عن الوضوء ، وهو مسح بالتراب لا يشرع فيه تكرار : فكيف تدل على ذلك آية الوضوء مع كون الوضوء هو الأصل ، والمسح فيه بالماء المشروع فيه التكرار ؟ هذا لا يقوله من يعقل ما يقول. ومن ظن أن من قال بإجزاء البعض لأن الباء للتبعيض ، أو دالة على القدر المشترك : فهو خطأ أخطأه على الأئمة ، وعلى اللغة ، وعلى دلالة القرآن . والباء للإلصاق وهى لا تدخل إلا لفائدة : فإذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أفادت قدراً زائداً ، كما في قوله : ( عَيْنَايَشْرَبُبِهَا فإنه لو قيل : يشرب منها لم تدل على الري ، فضمن عِبَادُ اللَّهِ ) ، يشرب معنى يروي، فقيل: (يَشْرَبُبِهَا) فأفاد ذلك أنه شرب يحصل معه الري . وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى بتعديته - كقوله: وقوله (وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)، ١٢٣ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَايَتِنَا )، وقوله: (وَأَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وأمثال ذلك - كثير في القرآن، وهو بغنى عند البصريين إِلَيْكَ ) ، من النحاة عما يتكلفه الكوفيون من دعوى الاشتراك فى الحروف. وكذلك المسح فى الوضوء والتيمم لو قال: فامسحوا رؤوسكم أو وجوهكم : لم تدل على ما يلتصق بالمسح ، فإنك تقول : مسحت رأس فلان ، وإن لم يكن بيدك بلل . فإذا قيل : فامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم ضمن المسح معنى الإلصاق . فأفاد أنكم نلصقون برؤوسكم وبوجوهكم شيئاً بهذا المسح ، وهذا يفيد فى آية التيمم أنه لا بد أن يلتصق الصعيد بالوجه واليد ، ولهذا قال: ( فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) . وإنما مأخذ من جوز البعض : الحديث . ثم تنازعوا : فمنهم من قال : يجزئ قدر الناصية ، كرواية عن أحمد وقول بعض الحنفية . ومنهم من قال: يجزئ الأكثر . كرواية عن أحمد وقول بعض المالكية . ومنهم من قال : يجزئ الربع . ومنهم من قال : قدر ثلاث أصابع . وهما قولان للحنفية . ومنهم من قال : ثلاث شعرات أو بعضها . ومنهم من قال : شعرة أو بعضها . وهما قولان للشافعية . وأما الذين أوجبوا الاستيعاب - كمالك وأحمد فى المشهور من ١٢٤ مذهبها - فحجتهم ظاهر القرآن . وإذا سلم لهم منازعوم وجوب الاستيعاب فى مسح التيمم : كان فى مسح الوضوء أولى وأحرى لفظاً ومعنى ، ولا يقال : التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه ، واستيعابه واجب : لأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا فى وصفه ؛ ولهذا المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين . وأيضاً للسنة المستفيضة من عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما حديث المغيرة بن شعبة فعند أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة الأحاديث الصحيحة الثابتة فى ذلك ، وإذا مسح عنده بناصيته وكمل الباقي بعمامته أجزأه ذلك عنده بلا ريب . وأما مالك فلا جواب له عن الحديث إلا أن يحمله على أنه كان معذوراً لا يمكنه كشف الرأس فتيمم على العامة للعذر . ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلانزاع ، وأجزاه بدون العذر عند الثلاثة، ومسح الرأس مرة مرة يكفي بالاتفاق كما يكفي تطهير سائر الأعضاء مرة . وتنازعوا فى مسحه ثلاثاً : هل يستحب ؟ فمذهب الجمهور أنه لا يستحب ، كمالك وأبى حنيفة وأحمد فى المشهور عنه . ١٢٥ وقال الشافعي وأحمد فى رواية عنه : يستحب ؛ لما فى الصحيح أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً وهذا عام . وفي سنن أبى داود: أنه مسح برأسه ثلاثاً، ولأنه عضو من أعضاء الوضوء فسن فيه الثلاث كسائر الأعضاء . والأول أصح، فإن الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم تبين أنه كان يمسح رأسه مرة واحدة ، ولهذا قال أبو داود السجستانى: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح مرة واحدة . وبهذا يبطل ما رواه من مسحه ثلاثاً ، فإنه يبين أن الصحيح أنه مسح رأسه مرة وهذا المفصل يقضى على المجمل، وهو قوله: ((توضأ ثلاثاً ثلاثاً))، كما أنه لما قال: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا: مثل ما يقول)) كان هذا مجملا، وفسره حديث ابن عمر أنه يقول عند الحيعلة: (( لا حول ولا قوة إلا بالله))، فإن الخاص المفسر يقضي على العام المجمل. وأيضاً فإن هذا مسح، والمسح لا يسن فيه التكرار، كمسح الخف والمسح في التيمم ومسح الجبيرة ، وإلحاق المسح بالمسح أولى من إلحاقه بالغسل ؛ لأن المسح إذا كرر كان كالغسل . وما يفعله الناس من أنه يمسح بعض رأسه بل بعض شعره ثلاث مرات : خطأ مخالف للسنة المجمع عليها من وجهين : من جهة مسحه بعض رأسه ، فإنه خلاف السنة باتفاق الأئمة . ومن جهة تكراره ، فإنه خلاف السنة على الصحيح ومن يستحب التكرار - كالشافعي وأحمد في قول ـ لا يقولون : ١٢٦ امسح البعض وكرره، بل يقولون: امسح الجميع وكرر المسح . ولا خلاف بين الأئمّة أن مسح جميع الرأس مرة واحدة أولى من مسح بعضه ثلاثاً ، بل إذا قيل : إن مسح البعض يجزئ وأخذ رجل بالرخصة كيف يكرر المسح . ثم المسلمون متنازعون فى جواز الاقتصار على البعض وفى استحباب تكرار المسح : فكيف يعدل إلى فعل لا يجزئ عند أكثرم ولا يستحب عند أكثرم ، ويترك فعل يجزئ عند جميعهم وهو الأفضل عند أكثرم؟ والله أعلم. وسئل : هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عنقه في الوضوء ، أو أحد من الصحابة رضي الله عنهم ؟ فأجاب: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عنقه في الوضوء ، بل ولا روي عنه ذلك فى حديث صحيح ، بل الأحاديث الصحيحة التى فيها صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يمسح على عنقه؛ ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم ، ومن استحبه فاعتمد فيه على أثر يروى عن ١٢٧ أبى هريرة رضي الله عنه، أو حديث يضعف نقله: ((أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال)) ، ومثل ذلك لا يصلح عمدة ، ولا يعارض ما دلت عليه الأحاديث ، ومن ترك مسح العنق فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء . والله أعلم . وقال شيخ الإسلام رحمه الله: غسل القدمين فى الوضوء منقول عن النبى صلى الله عليه وسلم نقلا متواترا ، منقول عمله بذلك وأمره به ، كقوله فى الحديث الصحيح من وجوه متعددة ؛ كحديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة : ((ويل للأعقاب من النار))، وفى بعض ألفاظه: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)). فمن توضأ كما تتوضأ المبتدعة - فلم يغسل باطن قدميه ولا عقبه بل مسح ظهرهما- فالويل لعقبه وباطن قدميه من النار. وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين، ونقل عنه المسح على القدمين فى موضع الحاجة مثل أن يكون فى قدميه نعلان يشق نزعها . وأما مسح القدمين مع ظهورهما جميعا فلم ينقله أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم، وهو مخالف للكتاب والسنة. أما مخالفته للسنة فظاهر ١٢٨ متواتر . وأما مخالفته للقرآن فلأن قوله تعالى: (وَأَمْسَحُواْبِرُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فيه قراءتان مشهورتان : النصب والخفض. فمن قرأ بالنصب فإنه معطوف على الوجه واليدين ، والمعنى : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم . ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس ؛ لأوجه : أحدها : أن الذين قرأوا ذلك من السلف قالوا : عاد الأمر إلى الغسل . الثاني: أنه لو كان عطفاً على الرؤوس لكان المأمور به مسح الأرجل لا المسح بها، والله إنما أمر فى الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا مسح العضو؛ فقال تعالى: (وَأَمْسَحُواْبِرُءُ وسِكُمْ)، وقال: (فَتَيَمَّمُوْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِّنْهُ)، ولم يقرأ القراء المعروفون في آية التيمم وأيديكم بالنصب كما قرأوا فى آية الوضوء ، فلو كان عطفاً لكان الموضعان سواء ؛ وذلك أن قوله: ( وَأَمْسَحُواْبِرُءُ وسِكُمْ ) وقوله: (فَأَمْسَحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم) يقتضي إلصاق الممسوح ؛ لأن الباء للإلصاق ، وهذا يقتضى إيصال الماء والصعيد إلى أعضاء الطهارة . وإذا قيل : امسح رأسك ورجلك : لم يقتض إيصال الماء إلى العضو . وهذا يبين أن الباء حرف جاء لمعنى لا زائدة كما يظنه بعض الناس، وهذا خلاف قوله : ١٢٩ فلسنا بالجبال ولا الحديدا معاوي إننا بشر فأسجح فإن الباء هنا مؤكدة فلو حذفت لم يختل المعنى ، والباء فى آبة الطهارة إذا حذفت اختل المعنى ، فلم يجز أن يكون العطف على محل المجرور بها، بل على لفظ المجرور بها أو ماقبله . الثالث : أنه لو كان عطفاً على المحل لقرئ فى آية التيمم فامسحوا بوجوهكم وامسحوا أيديكم : فكان فى الآية ما يبين فساد مذهب الشارح بأنه قد دلت عليه (فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) بالنصب ؛ لأن اللفظين سواء ، فلما اتفقوا على الجر فى آية التيمم مع إمكان العطف على المحل لو كان صوابا : على أن العطف على اللفظ ، ولم يكن في آية التيمم منصوب معطوف على اللفظ كما في آية الوضوء . الرابع: أنه قال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) ولم يقل: إلى الكعاب ، فلو قدر أن العطف على المحل كالقول الآخر ؛ وأن التقدير أن فى كل رجلين كعبين ؛ وفي كل رجل كعب واحد : لقيل : إلى الكعاب كما قيل: ( إِلَى الْمَرَافِقِ ) لما كان فى كل يد مرفق ، وحينئذ فالكعبان هما العظمان الناتئان في جانى الساق ؛ ليس هو معقد الشراك مجمع الساق والقدم كما يقوله من يرى المسح على الرجلين ، فإذا كان الله تبارك وتعالى إنما أمر بطهارة الرجلين إلى الكعبين الناشئين ؛ ١٣٠ والماسح يمسح إلى مجمع القدم والساق: علم أنه مخالف للقرآن . الوجه الخامس: أن القراءتين كالآيتين ، والترتيب فى الوضوء : إما واجب ؛ وإما مستحب مؤكد الاستحباب ، فإذا فصل ممسوح بين مغسولين وقطع النظير عن النظير : دل ذلك على الترتيب المشروع فى الوضوء . الوجه السادس : أن السنة تفسر القرآن ، وتدل عليه وتعبر عنه ، وهي قد جاءت بالغسل . الوجه السابع: أن التيمم جعل بدلا عن الوضوء عند الحاجة ؛ فحذف شطر أعضاء الوضوء وخفف الشطر الثاني ؛ وذلك لأنه حذف ما كان ممسوحا ومسح ما كان مغسولا . وأما القراءة الأخرى - وهى قراءة من قرأ (وَأَرْجُلَكُمْ) بالخفض - فهي لا تخالف السنة المتواترة ؛ إذ القراءتان كالآيتين ، والسنة الثابتة لا تخالف كتاب الله بل توافقه وتصدقه؛ ولكن تفسره وتبينه لمن قصر فهمه عن فهم القرآن ؛ فإن القرآن فيه دلالات خفية تخفى على كثير من الناس ، وفيه مواضع ذكرت مجملة تفسرها السنة وتبينها . ١٣١ والمسح اسم جنس بدل على إلصاق الممسوح به بالممسوح ، ولا يدل لفظه على جريانه لا بنفي ولا إثبات . قال أبو زيد الأنصاري وغيره : العرب تقول : تمسحت للصلاة . فتسمى الوضوء كله مسحاً ، ولكن من عادة العرب وغيرم إذا كان الاسم عاماً تحته نوعان : خصوا أحد نوعيه باسم خاص . وأبقوا الاسم العام للنوع الآخر ، كما في لفظ الدابة فإنه عام للإنسان وغيره من الدواب، لكن للإنسان اسم يخصه ، فصاروا يطلقونه على غيره . وكذلك لفظ الحيوان ، ولفظ ذوي الأرحام يتناول لكل ذي رحم ؛ لكن للوارث بفرض أو تعصيب اسم يخصه . وكذلك لفظ المؤمن يتناول من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ؛ ومن آمن بالجيت والطاغوت : فصار لهذا النوع اسم يخصه وهو الكافر ، وأبقى اسم الإيمان مختصا بالأول . وكذلك لفظ البشارة ، ونظار ذلك كثيرة . ثم إنه مع القرينة تارة ومع الإطلاق أخرى يستعمل اللفظ العام في معنيين: كما إذا أوصى لذوي رحمه ؛ فإنه يتناول أقاربه من مثل الرجال والنساء. فقوله تعالى فى آية الوضوء: (وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) يقتضي إيجاب مسمى المسح بينهما ، وكل واحد من المسح الخاص الخالي عن الإسالة ؛ والمسح الذي معه إسالة : يسمى مسحاً ؛ فاقتضت الآية القدر المشترك في الموضعين ، ولم يكن فى لفظ الآية ما يمنع كون الرجل ١٣٢ يكون المسح بها هو المسح الذي معه إسالة ، ودل على ذلك قوله : (إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) فأمر بمسحهما إلى الكعبين . وأيضا فإن المسح الخاص هو إسالة الماء مع الغسل ، فها نوعان : للمسح العام الذي هو إيصال الماء ، ومن لغتهم في مثل ذلك أن يكتفى بأحد اللفظين ، كقولهم : علفتها تبنا وماء بارداً والماء سقى لا علف ، وقوله : متقلداً سيفا ورمحاً ورأيت زوجك فى الوغى والرمح لا يتقلد . ومنه قوله تعالى: ( يَطُوُفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَُّونَ * بِأَكْوَابٍ ( وَحُورُعِيرٌ ) ، فكذلك اكتفى وَأَبَرِيقَ وَكَسِ ) إلى قوله : بذكر أحد اللفظين وإن كان مراده الغسل ، ودل عليه قوله : ( إِلَى اُلْكَعْبَيْنِ ) والقراءة الأخرى مع السنة المتواترة . ومن يقول : يمسحان بلا إسالة: يمسحهما إلى الكتاب لا إلى الكعبين ، فهو مخالف لكل واحدة من القراءتين ، كما أنه مخالف للسنة المتواترة ، وليس معه لا ظاهر ولا باطن ولا سنة معروفة، وإنما هو غلط في فهم القرآن وجهل بمعناه وبالسنة المتواترة . وذكر المسح بالرجل مما يشعر بأن الرجل يمسح بها ، بخلاف الوجه واليد فإنه لا يمسح بهما بحال ، ولهذا جاء في المسح على الخفين اللذين على الرجلين ١٣٣ مالم يجئ مثله فى الوجه واليد ، ولكن دلت السنة مع دلالة القرآن على المسح بالرجلين . ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن، ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل ، والرجل إذا كانت ظاهرة وجب غسلها ، وإذا كانت فى الخف كان حكمها كما بينته السنة . كما فى آية الفرائض ، فإن السنة بينت حال الوارث إذا كان عبداً أو كافراً أو قائلا. ونظائره متعددة. والله سبحانه أعلم. ١٣٤ وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله فصل الموالاة في الوضوء فيها ثلاثة أقوال : أحدها : الوجوب مطلقاً ، كما يذكره أصحاب الإمام أحمد ظاهر مذهبه ، وهو القول القديم للشافعي، وهو قول في مذهب (١) . والثانى : عدم الوجوب مطلقاً ، كما هو مذهب أبى حنيفة ، ورواية عن أحمد . والقول الجديد للشافعي . والثالث : الوجوب إلا إذا تركها لعذر، مثل عدم تمام الماء، كما هو المشهور في مذهب مالك، وهو قول فى مذهب (١) . قلت : هذا القول الثالث هو الأظهر والأشبه بأصول الشريعة ، (١) بياض بالأصل . ١٣٥ وبأصول مذهب أحمد وغيره : وذلك أن أدلة الوجوب لا تتناول إلا المفرط ، لا تتناول العاجز عن الموالاة ، فالحديث الذي هو عمدة المسألة الذي رواه أبو داود وغيره عن خالد بن معدان ، عن بعض أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم: أنه رأى رجلا بصلي وفى ظهر قدمه لمعة قدر الدرم لم يصبها الماء ، فأمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة . فهذه قضية عين ، والمأمور بالإِعادة مفرط ، لأنه كان قادراً على غسل تلك اللمعة كما هو قادر على غسل غيرها ، وإنما بإهمالها وعدم تعاهده لجميع الوضوء بقيت اللمعة ، نظير الذين كانوا يتوضؤون وأعقابهم تلوح فنادام بأعلى صوته: (( ويل للأعقاب من النار)) . وكذلك الحديث الذي في صحيح مسلم عن عمر: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه ، فأبصره النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ((ارجع فأحسن وضوءك)) فرجع ثم صلى . رواه مسلم. فالقدم كثيراً مايفرط المتوضئ بترك استيعابها ، حتى قد اعتقد كثير من أهل الضلال أنها لا تغسل ، بل فرضها مسح ظهرها عند طائفة من الشيعة ، والتخيير بينه وبين الغسل عند طائفة من المعتزلة ، الذين لم يوجبوا الموالاة عمدتهم فى الأمر حديث عن ابن عمر : أنه توضأ (١) . (١) بياض في الأصل . ١٣٦ موالاة لفقد تمام الماء ، وأصول الشريعة تدل على ذلك ، قال تعالى: (فَنَقُوا اللَّهَمَاُسْتَطَعْتُمْ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). والذي لم يمكنه الموالاة - لقلة الماء ، أو انصبابه ، أو اغتصابه منه بعد تحصيله ، أو لكون المنبح أو المكان الذي يأخذ منه هو وغيره - كالأنبوب أو البئرلم يحصل له منه الماء إلا متفرقا نفرقاً كثيراً ونحو ذلك -: لم يمكنه أن يفعل ما أمر به إلا هكذا بأن يغسل ما أمكنه بالماء الحاضر . وإذا فعل ذلك ثم غسل الباقى بماء حصله فقد اتقى الله ما استطاع ، وفعل ما استطاع مما أمر به . يبين ذلك أنه لو عجز عن غسل الأعضاء بالكلية لعدم الماء لسقط عنه ولكان فرضه التيمم، ولو قدر على غسل بعضها فعنه ثلاثة أقوال : قيل : يتيمم فقط ، لئلا يجمع بين بدل ومبدل . وقيل : يستعمل ما قدر عليه ويتيمم للباقى . وهو المشهور في مذهب أحمد وغيره . وقيل : بل يستعمل ذلك في الغسل دون الوضوء كما يذكر عن أبى بكر . وهو مبني على وجوب الموالاة فى الوضوء دون الغسل . ١٣٧ قال صاحب هذا القول : فينتفع باستعمال البعض في الغسل دون التيمم . وضعفوا ذلك بأنه يفعل المقدور عليه ، فعلم بذلك أن هذا عندهم طهارة نافعة عند العجز فى الوضوء كما هي نافعة فى الغسل وإذا كان كذلك لم يجب عليه عند القدرة على الماء إعادة ما غسله من أعضاء الوضوء ، كما لا يجب عليه ما صلاه بالتيمم ، وكما لا يجب عليه إعادة ما غسل فى الغسل على المشهور عند أصحاب أحمد من الفرق بين الوضوء والغسل كما سنذكره إن شاء اللّه، وذلك لأنه قد فعل ما أمر به كما أمر ، ومن كان ممتثلا الأمر أجزا عنه فلا إعادة عليه. يوضح هذا أنه فى حال العجز لم يكن مأموراً بغسل العضو الثاني، وإنما يؤمر بتحصيل الطهور الذي يتمكن به من غسله أو بتأخره إلى القدرة وهو قادر على غسل العضو الأول وهو المستطاع من المأمور فعليه فعله ، كما لو قدر على غسل بعض الأعضاء أو بعض العضو الواحد دون بعض فإن عليه غسله ، كالمقطوع يده من بعض الذراع . وطرد ذلك ما ذكرناه لو كان ببعض أعضائه ما يمنح الوجوب من جرح أو مرض أو غير ذلك فغسل الصحيح ، ثم قدر أن الألم زال وقد نشف ذلك العضو : فإنه إذا غسل الباقى فقد فعل المقدور عليه . ١٣٨ وأيضاً فالترتيب واجب فى صوم الشهرين بنص القرآن والسنة والإجماع، ثم اتفق المسلمون على أنه إذا قطع لعذر لا يمكن الاحتراز منه - كالحيض . فإنه لا يقطع التابع الواجب. ومذهب أحمد فى هذا أوسع من مذهب غيره : فعنده إذا قطع التتابع لعذر شرعى لا يمكن مع إمكان الاحتراز منه ــ مثل أن يتخلل الشهرين صوم شهر رمضان ، أو يوم الفطر ، أو يوم النحر ، أو أيام منى ، أو مرض أو نفاس ، ونحو ذلك - فإنه لا يمنع التابع الواجب ، ولو أفطر لعذر مبيح كالسفر فعلى وجهين . فالوضوء أولى إذا ترك التتابع فيه لعذر شرعى وإن أمكن الاحتراز منه . وأيضاً فالموالاة واجبة فى قراءة الفاتحة ، قالوا : إنه لو قرأ بعضها وسكت سكوناً طويلا لغير عذر : كان عليه إعادة قراءتها . ولو كان السكوت لأجل استماع قراءة الإمام ، أو لو فصل بذكر مشروع - كالتأمين ونحوه - لم تبطل الموالاة، بل يتم قراءتها ولا يبتدئها ومسألة الوضوء كذلك سواء ، فإنه فرق الوضوء لعذر شرعي . ومعلوم أن الموالاة فى الكلام أوكد من الموالاة فى الأفعال . وأيضاً فالمنصوص عن أحمد في العقود كذلك ، فإن الموالاة بين الإيجاب والقبول واجبة بحيث لو تأخر القبول عن الإيجاب - حتى ١٣٩ خرجا من ذلك الكلام إلى غيره ، أو تفرقا بأبدانهما - فلا بد من إيجاب ثان ، وقد نص أحمد على أنه إذا أوجب النكاح لغائب وذهب إليه الرسول فقبل في مجلس البلاغ : أنه يصح العقد ، فظن طائفة من أصحابه أن ذلك قول منه ثان : بأنه يصح تراخي القبول مطلقاً وإن كانا فى مجلس واحد بعد تفرقهما وطول الفصل ، وهي الرواية التى ذكرت فى مثل الهداية والمقنع والمحرر وغيرها: أنه يصح فى النكاح ولو بعد المجلس . وذلك خطأ كما نبه عليه الجد - فيما أظن - فى كتابه الكبير ، ولا فرق فى ذلك بين النكاح والبيع والإجارة ، والفرق بين الصورتين ظاهر ، ويذهب إلى الفرق : غيره من الفقهاء ، كأبى يوسف وغيره . وهذا التفريق من أحسن الأقوال ، ويشبه أن يكون المنصوص عنه في الوضوء كذلك، لكني لم أتأمل بعد نصه فى الوضوء. فإنه كثيراً ما يحكى عنه روايتان في مثل ذلك ويكون منصوصه التفريق بين حال وحال ، ويكون هو الصواب ، كمسألة إخراج القيم ، ومسألة قتل الموصى . وأيضا فالموالاة فى الطواف والسعي أوكد منه في الوضوء ، ومع هذا فتفريق الطواف لمكتوبة تقام ، أو جنازة تحضر ثم بيني على الطواف ولا يستأنف: فالوضوء أولى بذلك . وعلى هذا فلو توضأ بعد ١٤٠