Indexed OCR Text
Pages 21-40
ويكفي المسح على الخفين وغيرهما من اللباس والحوائل . فقد صنف الإمام أحمد (( كتاب المسح على الخفين )) وذكر فيه من النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى المسح على الخفين والجوربين وعلى العمامة ، بل على خمر النساء - كما كانت أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وغيرها تفعله . وعلى القلانس - كما كان أبو موسى وأنس يفعلانه: ما إذا تأمله العالم على فضل على أهل الحديث على غيرهم ، مع أن القياس يقتضي ذلك اقتضاء ظاهراً ، وإنما توقف عنه من توقف من الفقهاء : لأنهم قالوا بما بلغهم من الأثر ، وجبنوا عن القياس ورعا . ولم يختلف قول أحمد فيما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كأحاديث المسح على العمائم والجوربين ، والتوقيت فى المسح . وإنما اختلف قوله فيما جاء عن الصحابة ، كمر النساء ، وكالقلانس الدنيات . ومعلوم أن فى هذا الباب من الرخصة التى تشبه أصول الشريعة وتوافق الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أن كل من تأول فى هذه الأخبار تأويلا - مثل كون المسح على العمامة مع بعض الرأس هو الجزئ ونحو ذلك - لم يقف على مجموع الأخبار ، وإلا فمن وقف على مجموعها أفادته علماً يقيناً بخلاف ذلك . ٢١ وأصل آخر فى التيمم : فإن أصح حديث فيه : حديث عمار بن ياسر - رضي الله عنه - المصرح بأنه يجزئ ضربة واحدة للوجه والكفين ، وليس فى الباب حديث يعارضه من جنسه ، وقد أخذ به فقهاء الحديث أحمد وغيره. وهذا أصح من قول من قال : يجب ضربتان وإلى المرفقين : كقول أبى حنيفة والشافعي فى الجديد ، أو ضربتان إلى الكوعين . وأصل آخر: في الحيض والاستحاضة فإن مسائل الاستحاضة من أشكل أبواب الطهارة ، وفى الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سفن : سنة فى المعتادة: أنها ترجع إلى عادتها، وسنة في المميزة : أنها تعمل بالتمييز، وسنة فى المتحيرة التي ليست لها عادة ولا تمييز : بأنها تتحيض غالب عادات النساء : ستاً أو سبعاً، وأن تجمع بين الصلاتين إن شاءت. فأما السنتان الأولتان ففى الصحيح ، وأما الثالثة : حديث حمنة بنت جحش رواه أهل السنن، وصححه الترمذي. وكذلك قد روى أبو داود وغيره في سهلة بنت سهيل بعض معناه. وقد استعمل أحمد هذه السنن الثلاث فى المعتادة المميزة والمتحيرة. فإن اجتمعت العادة والتمييز قدم العادة في أصح الروايتين ، كما جاء فى أكثر الأحاديث . ٢٢ فأما أبو حنيفة فيعتبر العادة إن كانت ، ولا يعتبر التمييز ولا الغالب . بل إن لم تكن عادة إن كانت مبتدئة حيضها حيضة الأكثر ، وإلا حيضة الأقل . ومالك يعتبر التمييز ولا يعتبر العادة ولا الأغلب ، فإن لم يعتبر العادة ولا الأغلب فلا يحيضها ، بل تعلى أبداً إلا فى الشهر الأول ، فهل تحيض أكثر الحيض ؛ أو عادتها وتستظهر ثلاثة أيام ؟ علی روايتين . والشافعي يستعمل التمييز والعادة دون الأغلب ؛ فإن اجتمع قدم التمييز ، وإن عدم صلت أبداً . واستعمل من الاحتياط فى الإيجاب والتحريم والإباحة ما فيه مشقة عظيمة علما وعملا . فالسنن الثلاث التى جاءت عن النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الحالات الفقهية : استعملها فقهاء الحديث ، ووافقهم فى كل منها طائفة من الفقهاء . ٢٣ وسئل : عن مسائل كثير وقوعها ؛ ويحصل الابتلاء بها ؛ ويحصل الضيق والحرج والعمل بها على رأي إمام بعينه ؟: منها مسألة المياه اليسيرة ووقوع النجاسة فيها من غير تغير وتغييرها بالطاهرات ؟ . فأجاب رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين . أما مسألة تغير الماء اليسير أو الكثير بالظاهرات : كالأشنان والصابون والسدر والخطمي والتراب والعجين وغير ذلك مما قد يغير الماء ، مثل الإناء إذا كان فيه أثر سدر أو خطمي ووضع فيه ماء ، فتغير به ، مع بقاء اسم الماء : فهذا فيه قولان معروفان للعلماء. أحدهما : أنه لا يجوز التطهير به ، كما هو مذهب مالك والشافعى وأحمد في إحدى الروايتين عنه التى اختارها الخرقى والقاضى ، وأكثر متأخري أصحابه ؛ لأن هذا ليس بماء مطلق ، فلا يدخل فى قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُ واْمَةُ ) . ثم إن أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعا ، بعضها متفق عليه بينهم ، وبعضها مختلف فيه ، فما كان من التغير حاصلا بأصل الخلقة أو بما يشق صون الماء عنه : فهو طهور ٢٤ باتفاقهم . وما تغير بالأدهان والكافور ونحو ذلك : ففيه قولان معروفان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما . وما كان تغيره يسيراً : فهل يعفى عنه أولا يعفى عنه ، أو يفرق بين الرائحة وغيرها ؟ على ثلاثة أوجه ، إلى غير ذلك من المسائل . والقول الثاني : أنه لا فرق بين المتغير بأصل الخلقة وغيره ، ولا بما يشق الاحتراز عنه ؛ ولا بمالا بشق الاحتراز عنه، فما دام بسمى ماء ولم يغلب عليه أجزاء غيره كان طهوراً ، كما هو مذهب أبى حنيفة وأحمد فى الرواية الأخرى عنه ، وهي التى نص عليها فى أكثر أجوبته. وهذا القول هو الصواب ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ( وَإِن كُنتُم فَرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِّنكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًاطَيِّبًا فَأَمْسَحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ )، وقوله : ( فَلَمْ تَجِدُ واْمَآءَ) نكرة فى سياق النفى ، فيعم كل ما هو ماء، لا فرق فى ذلك بين نوع ونوع . فإن قيل : إن المتغير لا يدخل فى اسم الماء ؟ قيل : تناول الاسم لمسماء لا فرق فيه بين التغير الأصلي والطارئ ولا بين التغير الذي يمكن الاحتراز منه والذي لا يمكن الاحتراز منه، فإن الفرق بين هذا وهذا إنما هو من جهة القياس لحاجة الناس إلى ٢٥ استعمال هذا المتغير ، دون هذا ، فأما من جهة اللغة وعموم الاسم وخصوصه فلا فرق بين هذا وهذا؛ ولهذا لو وكله فى شراء ماء ، أو حلف لا يشرب ماء أو غير ذلك لم يفرق بين هذا وهذا ؛ بل إن دخل هذا دخل هذا ، وإن خرج هذا خرج هذا، فلما حصل الاتفاق على دخول المتغير تغيراً أصلياً ، أو حادثاً بما يشق صونه عنه على أن هذا النوع داخل فى عموم الآية . وقد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)) والبحر متغير الطعم تغيراً شديداً، لشدة ملوحته . فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن ما .. طهور - مع هذا التغير .- كان ما هو أخف ملوحة منه أولى أن يكون طهوراً، وإن كان الملح وضع فيه قصداً ؛ إذ لا فرق بينها فى الاسم من جهة اللغة . وبهذا يظهر ضعف حجة المانعين ؛ فإنه لو استقى ماء ، أو وكله في شراء ماء لم يتناول ذلك ماء البحر ، ومع هذا فهو داخل فى عموم الآية ، فكذلك ما كان مثله فى الصفة . وأيضاً فقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم (( أحر بغسل المحرم بماء وسدر))، ((وأمر بغسل ابنته بماء وسدر))، ((وأمر الذي أسلم أن يغتسل بماء وسدر))، ومن المعلوم : أن السدر لا بد أن يغير الماء فلو كان التغير يفسد الماء لم يأمر به . ٢٦ وقول القائل : إن هذا تغير فى محل الاستعمال ، فلا يؤثر : تفريق بوصف غير مؤثر ، لا فى اللغة ولا فى الشرع ؛ فإن المتغير إن كان يسمى ماء مطلقاً ، وهو على البدن ، فيسمى ماء مطلقاً ، وهو فى الإناء. وإن لم بسم ماء مطلقاً فى أحدهما لم بسم مطلقاً في الموضع الآخر ؛ فإنه من المعلوم أن أهل اللغة لا يفرقون فى التسمية بين محل ومحل . وأما الشرع : فإن هذا فرق لم يدل عليه دليل شرعى ، فلا يلتفت إليه . والقياس عليه إذا جمع أو فرق أن يبين أن ما جعله مناط الحكم جمعاً أو فرقاً مما دل عليه الشرع، وإلا فمن علق الأحكام بأوصاف جمعاً وفرقا بغير دليل شرعى كان واضعاً لشرع من تلقاء نفسه ، شارعا فى الدين ما لم يأذن به الله . ولهذا كان على القائس أن يبين تأثير الوصف المشترك الذي جعله مناط الحكم ، بطريق من الطرق الدالة على كون الوصف المشترك هو علة الحكم . وكذلك في الوصف الذي فرق فيه بين الصورتين ، عليه أن يبين تأثيره بطريق من الطرق الشرعية . وأيضاً : فإن النبي صلى الله عليه وسلم ((توضأ من قصعة فيها أثر العجين ومن المعلوم أنه لابد فى العادة من تغير الماء بذلك، لا سيما في ٢٧ آخر الأمر ، إذا قل الماء وانحل العجين . فإن قيل : ذلك التغير كان يسيراً؟ قيل : وهذا أيضاً دليل في المسألة ؛ فإنه إن سوى بين التغير اليسير والكثير مطلقاً كان مخالفاً للنص ؛ وإن فرق بينهما لم يكن للفرق بينها حد منضبط ، لا بلغة ولا شرع ، ولا عقل ولا عرف ، ومن فرق بين الحلال والحرام بفرق غير معلوم لم يكن قوله صحيحاً . وأيضاً : فإن المانعين مضطربون اضطرابا يدل على فساد أصل قولهم ، منهم من يفرق بين الكافور والدهن وغيره ، ويقول : إن هذا التغير عن مجاورة لا عن مخالطة . ومنهم من يقول : بل نحن نجد في الماء أثر ذلك . ومنهم من يفرق بين الورق الربيعي والخريفي. ومنهم من يسوى بينهما ، ومنهم من يسوى بين الملحين : الجبلي والمائي. ومنهم من يفرق بينهما . وليس على شىء من هذه الأقوال دليل يعتمد عليه ، لا من نص ولا قياس ولا إجماع ؛ إذ لم يكن الأصل الذي تفرعت عليه مأخوذاً من جهة الشرع. وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِلَوَجَدُ وافِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا )، وهذا بخلاف ما جاء من عند ٢٨ اللّه، فإنه محفوظ، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّالَهُ لَفِظُونَ )، فدل ذلك على ضعف هذا القول . وأيضاً . فإن القول بالجواز موافق للعموم اللفظي والمعنوي ؛ مدلول عليه بالظواهر والمعاني ؛ فإن تناول اسم الماء لمواقع الإجماع . كتناوله لموارد النزاع فى اللغة ، وصفات هذا كصفات هذا فى الجنس ، فتجب التسوية بين المتماثلين . وأيضاً . فإنه على قول المانعين : يلزم مخالفة الأصل ، وترك العمل بالدليل الشرعى لمعارض راجح؛ إذ كان يقتضي القياس عندم : أنه لا يجوز استعمال شيء من المتغيرات فى طهارتي الحدث والخبث ، لكن استثنى المتغير بأصل الخلقة ، وبما بشق صون الماء عنه للحرج والمشقة فكان هذا موضع استحسان ترك له القياس ، وتعارض الأدلة على خلاف الأصل . وعلى القول الأول : يكون رخصة ثابتة على وفق القياس من غير تعارض بين أدلة الشرع ؛ فيكون هذا أقوى . ٢٩ فصل وأما الماء إذا تغير بالنجاسات : فإنه ينجس بالاتفاق . وأما ما لم يتغير ففيه أقوال معروفة : أحدها : لا ينجس . وهو قول أهل المدينة ، ورواية المدنيين عن مالك وكثير من أهل الحديث ، وإحدى الروايات عن أحمد ، اختارها طائفة من أصحابه ، ونصرها ابن عقيل فى المفردات ؛ وابن البناء وغيرهما . والثانى : ينجس قليل الماء بقليل النجاسة . وهي رواية البصريين عن مالك . والثالث : وهو مذهب الشافعى وأحمد فى الرواية الأخرى - اختارها طائفة من أصحابه - الفرق بين القلتين وغيرهما . فمالك لا يحد الكثير بالقلتين ، والشافعي وأحمد يحدان الكثير بالقلتين . والرابع : الفرق بين البول والعذرة المائعة وغيرهما فالأول ينجس ٣٠ منه ما أمكن نزحه ، دون ما لم يمكن تزحه ، بخلاف الثانى ؛ فإنه لا ينجس القلتين فصاعداً . وهذا أشهر الروايات عن أحمد ، واختيار أكثر أصحابه. ٠٠ والخامس: أن الماء ينجس بملاقاة النجاسة ، سواء كان قليلا أو كثيراً ؛ وهذا قول أبى حنيفة وأصحابه ، لكن ما لم يصل إليه لا ينجسه . ثم حدوا ما لا يصل إليه : بما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر . ثم تنازعوا : هل يحد بحركة المتوضئ أو المغتسل ؟ وقدر ذلك محمد بن الحسن بمسجده ، فوجدوه عشرة أذرع فى عشرة أذرع . وتنازعوا فى الآبار إذا وقعت فيها نجاسة : هل يمكن تطهيرها ؟ فزعم المزني : أنه لا يمكن . وقال أبو حنيفة وأصحابه . يمكن تطهيرها بالنزح ، ولهم فى تقدير الدلاء أقوال معروفة . والسادس : قول أهل الظاهر ، الذين ينجسون ما بال فيه البائل ، دون ما ألقى فيه البول ، ولا ينجسون ما سوى ذلك إلا بالتغير . ٣١ وأصل هذه المسألة من جهة المعنى : أن اختلاط الخبيث ، وهو النجاسة بالماء : هل يوجب تحريم الجميع ، أم يقال : بل قد استحال فى الماء ، فلم يبق له حكم ؟ فالمنجسون ذهبوا إلى القول الأول ؛ ثم من استثنى الكثير قال : هذا بشق الاحتراز من وقوع النجاسة فيه ، فجعلوا ذلك موضع استحسان ، كما ذهب إلى ذلك طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد . وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها، وقدروه بالحركة أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق . والصواب : هو القول الأول، وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء طاهر ، سواء كان قليلا أو كثيراً ، وكذلك فى المائعات كلها ، وذلك لأن الله تعالى أباح الطيبات وحرم الخبائث، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته ، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث وجب دخوله فى الحلال دون الحرام . وأيضاً فقد ثبت من حديث أبي سعيد ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ٣٢ ولحوم الكلاب والنتن فقال: الماء طهور، لا ينجسه شىء))، قال أحمد : حديث بئر بضاعة صحيح. وهو في المسند أيضاً عن ابن عباس (( أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: الماء طهور لا ينجسه شيء))، وهذا اللفظ عام في القليل والكثير ، وهو عام فى جميع النجاسات . وأما إذا تغير بالنجاسة ، فإنما حرم استعماله ، لأن جرم النجاسة باق ففي استعماله استعمالها ، بخلاف ما إذا استحالت النجاسة فإن الماء طهور ، وليس هناك نجاسة قائمة . ومما يبين ذلك : أنه لو وقع خمر فى ماء واستحالت ، ثم شربها شارب لم يكن شارباً للخمر ؛ ولم يجب عليه حد الخمر؛ إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها وريحها ، ولو صب لبن امرأة فى ماء واستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل ذلك الماء : لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك . وأيضاً : فإن هذا باق على أوصاف خلقته ؛ فيدخل في عموم قوله تعالى: ( فَلَمْ تَجِدُواْمَةً ) ؛ فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه . فإن قيل : فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد ((نهى عن البول ٣٣ فى الماء الدائم وعن الاغتسال فيه )» ؟ قيل : نهيه عن البول فى الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول ؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك ، بل قد يكون نهيه سدا للذريعة ؛ لأن البول ذريعة إلى تنجيسه ؛ فإنه إذا بال هذا ثم بال هذا تغير الماء بالبول ، فكان نهيه سدا للذريعة. أو يقال : إنه مكروه بمجرد الطبع لا لأجل أنه ينجسه . وأيضاً فيدل نهيه عن البول في الماء الدائم أنه يعم القليل والكثير فيقال لصاحب القلتين : أنجوز بوله فيما فوق القلتين ؟ إن جوزته فقد خالفت ظاهر النص ؛ وإن حرمته فقد نقضت دليلك . وكذلك يقال لمن فرق بين ما يمكن نزحه ومالا يمكن : أتسوغ للحجاج أن يبولوا فى المصانع المبنية بطريق مكة ؟ إن جوزته خالفت ظاهر النص ؛ فإن هذا ماء دائم والحديث لم يفرق بين القليل والكثير وإلا نقضت قولك . وكذلك يقال للمقدر بعشرة أذرع: إذا كان لأهل القرية غدير مستطيل أكثر من عشرة أذرع رقيق أنسوغ لأهل القرية البول فيه؟ فإن سوغته خالفت ظاهر النص ؛ وإلا نقضت قولك ، فإذا كان النص ٣٤ بل والإجماع دل على أنه نهى عن البول فيما ينجسه البول ؛ بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير : كان هذا الوصف المشترك بين القليل والكثير مستقلا بالنهي، فلم يجز تعليل النهي بالنجاسة ولا يجوز أن يقال : إنه صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن البول فيه . لأن البول ينجسه ؛ فإن هذا خلاف النص والإجماع . وأما من فرق بين البول فيه وبين صب البول فقوله ظاهر الفساد ؛ فإن صب البول أبلغ من أن ينهى عنه من مجرد البول ؛ إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول ، وأما صب الأبوال فى المياه فلا حاجة إليه . فإن قيل : ففي حديث القلتين أنه سئل عن الماء يكون بأرض الفلاة وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: ((إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث))، وفى لفظ ((لم ينجسه شيء))؟ قيل: حديث القلتين فيه كلام قد بسط فى غير هذا الموضع ؛ وبين أنه من كلام ابن عمر لا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم . ٣٥ وسئل رحم الله: عن الماء الكثير إذا تغير لونه بمكثه ؛ أو تغير لونه وطعمه لا الرائحة : فهل يكون طهوراً ؟ فأجاب : الحمد لله. أما ما تغير بمكثه ومقره فهو باق على طهوريته باتفاق العلماء ، وأما النهر الجاري : فإن علم أنه متغير بنجاسة فإنه يكون نجسا فإن خالطه ما يغيره من طاهر ويجس وشك في التغير : هل هو بطاهر أو نجس لم يحكم بنجاسته بمجرد الشك . والأغلب أن هذه الأنهار الكبار لا تتغير بهذه الفنى التى عليها، لكن إذا تبين تغيره بالنجاسة فهو نجس ، وإن كان متغيراً بغير بجس ففي طهوريته القولان المشهوران . والله أعلم . ٣٦ وسل عن بئركثير الماء وقع فيه كلب ومات ، وبقي فيه حتى أنهرى جلده وشعره ، ولم يغير من الماء وصفاً قط ، لا طعم ولا لون ولا رائحة ؟ فأجاب: الحمد لله. هو طاهر عند جماهير العلماء - كمالك والشافعي وأحمد - إذا بلغ الماء قلتين ؛ وهما نحو القربتين ؛ فكيف إذا كان أكثر من ذلك ؟ وشعر الكلب فى طهارته نزاع بين العلماء ؛ فإنه طاهر فى مذهب مالك : ونجس فى مذهب الشافعي ، وعن أحمد روايتان . فإذا لم يعلم أن فى الدلو الصاعد شيئاً من شعره لم يحكم بنجاسته بلا ريب . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: يا رسول الله! إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تلقى فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب؛ وعذر الناس؟ فقال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)) وبئر بضاعة واقعة معروفة فى شرقي المدينة ؛ باقية إلى اليوم ، ومن قال : ٣٧ إنها كانت جارية: فقد أخطأ ؛ فإنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عين جارية، بل الزرقاء وعيون حمزة حدثنا بعد موته . والله أعلم . وسئل رحم الله تعالى: عن بئر وقع فيه كلب أو خنزير أو جمل أو بقرة أو شاة ثم مات فيها ؛ وذهب شعره وجلده ولحمه ؛ وهو فوق القلتين ؛ فكيف يصنع به ؟ فأجاب: الحمد لله. أي بئر وقع فيه شيء مما ذكر أو غيره إن كان الماء لم يتغير بالنجاسة فهو طاهر ؛ فإن كانت عين النجاسة باقية نزحت منه وألقيت وسائر الماء طاهر، وشعر الكلب والخنزير إذا بقي في الماء لم يضره ذلك فى أصح قولي العلماء ؛ فإنه طاهر في أحد أقوالهم، وهو إحدى الروايتين عند أحمد ، وهذا القول أظهر في الدليل ؛ فإن جميع الشعر والريش والوبر والصوف طاهر ، سواء كان على جلد ما يؤكل لحمه أو جلد ما لا يؤكل لحمه ، وسواء كان على حي أو ميت . هذا ٣٨ أظهر الأقوال للعلماء ؛ وهو إحدى الروايات عن أحمد . وأما إن كان الماء قد تغير بالنجاسة فإنه ينزح منه حتى بطيب، وإن لم يتغير الماء لم ينزح منه شيء ؛ فإنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض؛ ولحوم الكلاب ؛ والنتن؟ فقال: ((الماء طهور لا ينجسه شيء)). وقد بسط الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع . والله أعلم. وسئل : عن بئر سقطت فيه دجاجة ثم ماتت : هل ينجس أم لا ؟ فأجاب: إذا لم يتغير الماء لم ينجس . والله أعلم . وسئل عن البئر تكون في وسط البلد فيتغير لونه بالزبل ؛ فيصير أصفر ؛ ٣٩ وهو روث ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وربما صار فيه اللحمة : هل ينجس أم لا ؟ فأجاب: الحمد لله. إن كان الزبل مما يؤكل لحمه فهو طاهر عند جمهور العلماء ، كمالك وأحمد بن حنبل ، وقد دلت على ذلك الدلائل الشرعية الكثيرة كما قد بسط القول في ذلك ، وذكر فيه بضعة عشر حجة . وأما ما تيقن أن تغيره بالنجاسة فإنه ينجس ، وإن شك : هل الروث روت ما يؤكل لحمه أو روث ما لا يؤكل لحمه ؟ ففيه قولان فى مذهب أحمد وغيره . والله أعلم . وسئل رحم الله عن الماء الجاري إذا كان مزبلا : هل يجوز الوضوء به ؟ فأحاب : الحمد لله . إذا لم يتيقن أنه مزبل بزبل مجس جاز أن يكون طاهرا وحاز أن يكون نجسا ، فجاز الوضوء به في إحدى الروايتين فى مذهب أحمد وغيره . ٤٠