Indexed OCR Text

Pages 441-460

فإما أن يكون المفهوم منها هو المفهوم من اسم الوجود فى الحوادث ؛
وإما خلافه . فالأول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود فى الوجود
واجباً لذاته؛ ضرورة أن وجود الباري واجب لذاته ؛ أو أن يكون
وجود الرب ممكنا : ضرورة إمكان وجود ما سوى الله؛ وهو محال.
وإن كان الثانى لزم منه الاشتراك ؛ وهو المطلوب .
فهذا فى دليله وهو فى غاية الضعف ؛ فإنه مبني على مقدمتين :
على أن اسم الوجود حقيقة فى الواجب والممكن ؛ وأن ذلك يستلزم
الاشتراك .
والمقدمة الثانية باطلة قطعاً .
والأولى فيها نزاع ؛ خلاف ما ادعاء من الإجماع .
فمن الناس من قال : إن كل اسم تسمى به المخلوق لا يسمى به
الخالق إلا مجازا ، حتى لفظ الشيء ، وهو قول جهم ومن وافقه من
الباطنية ، وهؤلاء لا يسمونه موجودا ولا شيئا ؛ ولا غير ذلك
من الأسماء .
ومن الناس من عكس ، وقال : بل كلما يسمى به الرب فهو
حقيقة ؛ ومجاز فى غيره . وهو قول أبى العباس الناشي من المعتزلة .
٤٤١

والجمهور قالوا : إنه حقيقة فيها ؛ لكن أكثرم قالوا : إنه متواطئ
التواطؤ العام ؛ أو مشككا إن جعل المشكك نوعا آخر ؛ وهو غير
التواطئ الخاص الذي تتماثل معانيه في موارد ألفاظه. وإنما جعله مشتركا
شرذمة من المتأخرين ، لا يعرف هذا القول عن طائفة كبيرة ولا نظار
مشهورين .
ومن حكى ذلك عن الأشعري كما حكاه الرازي فقد غلط ؛ فإن
مذهب الرجل وعامة أصحابه : أن الوجود اسم عام ينقسم إلى : قديم؛
وحادث ، ولكن مذهبه أن وجود كل شيء عين ماهيته ، وهذا مذهب
جماهير العقلاء من المسلمين وغيرهم ، فظن الظان أن هذا يستلزم [ أن
يكون ] اللفظ مشتركا كما احتج به الآمدي ، وذلك غلط كما قد بسطناه
في موضعه ، وهو يتبين بالكلام على حجته .
وقوله : إما أن يكون اسم الوجود دالا على الذات ؛ أو على صفة
زائدة على الذات .
يقال له : أتريد به لفظ الوجود العام المنقسم إلى واجب وممكن؛
أم لفظ الوجود الخاص ؟ كما يقال : وجود الواجب ووجود الممكن ؛
فإنه من المعلوم أن الأسماء التى يسمى بها الرب وغيره - بل كل
٤٤٢

مسميين - تارة تعتبر مطلقة عامة تتناول النوعين ؛ وتارة تعتبر مقيدة
بهذا المسمى .
ولفظ الحي والعليم ؛ والقدير ؛ والسميع ؛ والبصير ، والموجود؛
والشيء ؛ والذات: إذا كان عاما يتناول الواجب، وإذا قيل: ( وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ)؛ (اللَّهُ لَآ إِلَهَإِلََّ هُوَ الْحَىُّ اَلْقَيُّومُ). (وَهُوَ
، ونحو ذلك مما يختص بالرب: لم يتناول ذلك المخلوق
اَلْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
( يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ ) لم يدخل الخالق فى اسم
كما إذا قيل :
هذا الحى .
وكذلك إذا قيل : العلم، والقدرة؛ والكلام؛ والاستواء؛ والنزول
ونحو ذلك : تارة يذكر مطلقا عاما ؛ وتارة يقال : على الله وقدرته ؛
وكلامه ؛ ونزوله ؛ واستواؤه : فهذا يختص بالخالق ؛ لا يشركه فيه
المخلوق . كما إذا قيل : على المخلوق وقدرته؛ وكلامه ؛ ونزوله ؛ واستواؤه
فهذا يختص بالمخلوق ولا يشركه فيه الخالق . فالإضافة أو التعريف
خصص وميز وقطع الاشتراك بين الخالق والمخلوق .
وكذلك إذا قيل لفظ الوجود مطلقا، وقيل : وجود الواجب ووجود
الممكن ، فهذه ثلاثة معان . فإذا قيل : وجود العبد وذاته وماهيته
وحقيقته كان ذلك مختصا به ؛ دالا على ذاته المختصة به المتصفة بصفاته .
٤٤٣

وكذلك إذا قيل : وجود الرب ونفسه ؛ وذاته ؛ وماهيته ،
وحقيقته : كان دالا على ما يختص بالرب : وهو نفسه المتصفة بصفاته.
فقوله : اسم الوجود إما أن يكون دالا على ذات الرب ؛ أو
صفة زائدة . يقال له : إن أردت لفظ الوجود المطلق العام الذي
يتناول الواجب والممكن ؛ فهذا لا يدل على ما يختص بالواجب ولا على
ما يختص بالممكن ؛ بل يدل على المشترك الكلي ، والمشترك الكلي
إنما يكون مشتركا كلياً في الذهن واللفظ . وإلا فليس فى الخارج شيء
هو نفسه كلي مع كونه فى الخارج .
وهذا كما إذا قيل : الذات والنفس ؛ بحيث بعم الواجب والممكن
فإنما يدل على المعنى العام الكلي لا على ما يختص بواحد منهما ، كما إذا
قيل : الوجود ينقسم إلى : واجب ؛ وممكن . والذات تنقسم إلى :
واجب ؛ وممكن . ونحو ذلك . وأما إن أريد بالوجود ما يعمهما جميعاً
كما إذا قيل : الوجود كله واجبه وممكنه ؛ أو الوجود الواجب والممكن
فهنا يدل على ما يختص بكل منها ، كما إذا قيل : وجود الواجب
ووجود الممكن .
ففى الجملة اللفظ : إما أن يدل على المشترك فقط كالوجود المنقسم
أو على المميز فقط كقول : وجود الواجب : وقول : وجود الممكن ،
٤٤٤

أو عليهما كقولك : الوجود كله واجبه وممكنه ؛ والوجود الواجب
والممكن. وعلى كل تقدير فلا يلزم الاشتراك .
وقوله : إذا كان دالا على ذات الرب فذاته مخالفة لما سواها من
الموجودات ، يقال : لفظ الوجود المطلق المنقسم لا يدل على ما يختص
بالرب ، وأما لفظ الوجود الخاص لوجود الرب أو العام كقولنا :
الوجود الواجب والممكن ونحو ذلك : فهذا يدل على ما يختص بذات
الرب وإن كان مخالفاً لذات غيره ، كما أن لفظ ذات الرب وذات
العبد تدل على ما يختص بالرب وبالعبد ؛ وإن كان حقيقة هذا مخالفاً
لحقيقة هذا ، فكذلك لفظ الوجود يدل عليهما مع اختلاف
حقيقة الموجودين .
فإن قيل : إذا كان حقيقة هذا الوجود يخالف حقيقة هذا الوجود
كان اللفظ مشتركا . قيل : هذا غلط منه نشأ غلط هذا وأمثاله :
وذلك أن جميع الحقائق المختلفة تتفق فى أسماء عامة تتناول بطريق
التواطؤ والتشكيك ، كلفظ اللون ؛ فإنه يتناول السواد والبياض والحمرة
مع اختلاف حقائق الألوان .
وكذلك لفظ الصفة والعرض والمعنى يتناول العلم؛ والقدرة، والحياة
والطعم ؛ واللون ؛ والريح ، مع اختلاف حقائق الألوان .
٤٤٥

وكذلك لفظ الحيوان يتناول الإنسان والبهيمة مع اختلاف حقائقها
فلفظ الوجود أولى بذلك .
وذلك أن هذه الحقائق المختلفة قد تشترك فى معنى عام يشملها ؛
ويكون اللفظ دالا على ذلك المعنى كلفظ اللون ، ثم بالتخصيص يتناول
ما يختص بكل واحد ، كما يقال : لون الأسود ولون الأبيض ، وقيل :
وجود الرب ووجود العبد ، ولو تكلم بالاسم العام المتناول لأفراده كما
إذا قيل : اللون أو الألوان ؛ أو الحيوان ؛ والعرض ؛ أو الوجود :
يتناول جميع ما دخل فى اللفظ ، وإن كانت حقائق مختلفة؛ لشمول
اللفظ لها كسائر الألفاظ العامة ، وإن كانت أفرادها تختلف باعتبار
آخر من جهة اللفظ العام .
وأيضاً فقوله : إن كان مدلول اسم الوجود صفة فإن كان المفهوم
واحداً فى الواجب والممكن : لزم كون الواجب ممكناً ، والممكن واجباً
وإلا لزم الاشتراك .
يقال له : أنغنى مدلول الاسم الوجود المطلق ، أو المقيد المضاف؟
كما إذا قيل: وجود الواجب ؛ ووجود الممكن؟ فإن عنيت الأول
فالمفهوم واحد ولا يلزم تماثلها فى الموضعين ؛ وإن كان ما فى الذهن
من معنى الوجود مماثلا لا يلزم أن يكون ما فى الخارج منه متماثلا ،
٤٤٦

وإنما يلزم أن يطابق الاثنين ويعمهما فقط ، كسائر الألفاظ المتواطئة
المشككة ، إذا قيل : السواد شارك سواد القار والحبر مع عدم
تماثلها ، وإذا قيل : الأبيض والأحمر ونحو ذلك يتناول الكامل
والناقص ، وكذلك اسم الحي يتناول حياة الملائكة وحياة أهل الجنة
وحياة الذباب والبعوض مع عدم تماثلها ، فكيف يكون وجود الرب
أو علمه أو قدرته مماثلا لوجود المخلوق وعلمه وقدرته ؟ إذ يشملها اسم
الوجود المطلق ، أو العلم المطلق ، أو القدرة المطلقة .
وإن قال : بل أعنى به الوجود المقيد مثل قولنا : وجود الواجب
ووجود الممكن .
قيل : هنا المفهوم يختلف ؛ لاختصاص كل منها بلفظ قيد به
الوجود وهو الإضافة ، فهذه الإضافة المقيدة تمنح التماثل ، ولا يلزم من
ذلك الاشتراك اللفظى ، فإن الاختلاف هنا يحصل في نفس لفظ الوجود
بل الإضافة الزائدة على اللفظ والإضافة أو التعريف كقولنا : وجود
الرب أو الوجود الواجب ، ووجود المخلوق ؛ أو الوجود الممكن ،
ونحو ذلك .
فهذا الذي احتج به على الاشتراك فيما يسمى به الرب والعبد
يلزم منه الاشتراك في سائر الأسماء العامة ، وهي من جنس الحجة التى
٤٤٧

احتج بها على المجاز حيث قال : إن كان اللفظ حقيقة فى الموضعين لزم
الاشتراك ؛ وهو غلط ؛ فإن الذي دل على خصوص هذا المعنى ليس
هو الذي دل على خصوص ذاك ، بل الزائد على اللفظ .
فإذا قيل : وجود الرب ووجود العبد فهو من جنس ظهر
الإنسان وظهر الفرس ، كما تقول ظهر الإنسان وظهر الطريق ، يعنى
جميع هذه المواضع الدال على ما يخالف به هذا هو مما يختص بكل
موضع ، لا مجرد اللفظ المشترك ، بل المشترك يدل على المشترك ،
والمختص يدل على المختص ، وهذا يقتضي أن بين الظهرين جهة اتفاق
وافتراق ، وكذلك بين الوجودين جهة اتفاق وافتراق ، وهو الذي
يعنى به الاشتراك والامتياز ، لكن بعض الناس يظن أن المشترك بينهما
موجود في الخارج مشتركاً بينهما ؛ وذلك غلط ، بل كل واحد مختص
بالخارج ، ولكن الذهن يأخذ منها قدراً مشتركا كلياً ، ويقال : هما
( وَلَن
مشتركان فى الوجود والحيوانية والإنسانية ، كما قال تعالى :
يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذَظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ)، وقال: (فَإِنَّهُمْيَوْمَيِدٍ فِى
اَلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ )، فالعذاب الذي يصيب الآخر هو نظيره ، وهو
من جنسه اشتراكاً فى جنس العذاب ، ليس فى الخارج شيء بعينه
يشتركان فيه ، ولكن اشتركا في العذاب الخاص . بمعنى : أن كل واحد
له منه نصيب ، كالمشتركين فى العقار ونحو ذلك .
٤٤٨

الجواب السادس : أن يقال : منع
مشتركاً لما سبق إلى الفهم عند إطلاق .
ضرورة التساوي فى الدلالة الحقيقية .
من إطلاق لفظ الأسد إنما هو السبع
هو البهيمة وكذلك ما فى الضرورة .
فيقال : إطلاق لفظ الأسد والحما
إلى ما يعرفه المتكلم أو المخاطب . وإذ
إليها ، وهذا هو المعروف عند أكثر !
يلزم من ذلك إذا كان معرفاً يوجب ا
يكون حقيقة أيضاً ، كقول أبى بكر : لا
أسد الله يقاتل عن الله ورسوله يعط
وقيل : هذا الأسد ، أو إلى بليد وقيلـ
عينه وقطع إرادة غيره ، كما أن لفظ
ذلك ينصرف عند الإطلاق إلى الرؤوم
والبيوت إلى مساكن الناس ، ثم إذا ذ
ورؤوس الجراد كان أيضاً حقيقة باتفاق
الجواب السابع : أن يقال : أنت
إلى الفهم عند إطلاق اللفظ ، فاعتبرت
٤٤٩

وفي المتكلم إطلاق لفظه ، وهذا لا ضابط له ؛ فإنه إنما يسبق إلى فهم
المستمع في كل موضع ما دل عليه دليل فى ذلك الموضع ، فإذا قال :
ظهر الطريق ومتها لم يسبق إلى فهمه ظهر الحيوان البتة ، بل ممتنع
عنده إرادته .
الجواب الثامن : قولك : من إطلاق جميع اللفظ: كلام مجمل ؛
فإن أردت كون اللفظ مطلقاً عن القيود فهذا لا يوجد قط ؛ فإن
النظر إنما هو فى الأسماء الموجودة فى كلام كل متكلم: كلام الله وملائكته
وأنبيائه والجن وسائر بني آدم والأمم لا يوجد إلا مقروناً بغيره، إما فى
ضمن جملة اسمية أو فعلية ، ولا يوجد إلا من متكلم ، ولا يستدل به
إلا إذا عرفت عادة ذلك المتكلم فى مثل ذلك اللفظ ، فهنا لفظ مقيد
مقرون بغيره من الألفاظ ، ومتكلم قد عرفت عادته ، ومستمع قد
عرف عادة المتكلم بذلك اللفظ ، فهذه القيود لا بد منها فى كلام يفهم
معناه ، فلا يكون اللفظ مطلقا عنه . فإن أراد أنه مطلق عن قيد دون
قيد لم يكن ما ذكره دالا على ذلك . فعلم أن قوله: يرجع إلى مايفهم
من إطلاق اللفظ .
الجواب التاسع : أن يقال له : اذكر أي قيد شئت وفرق بين
مقيد ومقيد ؛ فلا يذكر شيئا إلا انتقض وأبين لك من الحدود التى
تذكرها فارقة بين الحقيقة والمجاز ، أن ما جعلته حقيقة بجعله مجازاً وما
٤٥٠

جعلته مجازاً تجعله حقيقة ، وأن المتكلم
والتقييد تكلم بكلام من لا يتصور ما يـ
عنه ؛ فإن التعبير فرع التصور ، فمن
إلا كان خطأ.
وأما حجته الثانية فقوله : كيف و
فى أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمـ
فيقال : هذا مما يعلم بطلانه قطعا
الوضع أنهم قالوا : هذا حقيقة وهذا م
هذا لم يقع من أهل الوضع ، ولا نقله
ولا ذكر هذا أحد عن الصحابة الذين
وما يدل فى كل موضع ، فليس منهم
وهذا مجاز ، ولا ما يشبه ذلك ، لا ابن
وأصحابه ، ولا زيد بن ثابت وأصحابه .
ولا سعيد بن جبير ، ولا عكرمة،
السدي ، ولا قتادة ، ولا غير هؤلاء
٤٥١

الأربعة وغيرهم ، ولا الثوري ، ولا الأوزاعى ، ولا الليث بن سعد ،
ولا غيره. وإنما وجد فى كلام أحمد بن حنبل لكن بمعنى آخر ، كما أنه
وجد فى كلام أبى عبيدة معمر بن المثنى بمعنى آخر .
ولم يوجد أيضا تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز فى كلام أئمة النحو
واللغة ، كأبى عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشيبانى؛ وأبى زيد ؛
والأصمعي ؛ والخليل؛ وسيبويه؛ والكسائى؛ والفراء ؛ ولا يعلمه أحد
من هؤلاء عن العرب .
وهذا يعلمه بالاضطرار من طلب على ذلك ، كما يعلم بالاضطرار عند
العرب أنها لم تتكلم باصطلاح النحاة التى قسمت بعض الألفاظ : فاعلا
واللفظ الآخر مفعولا ؛ ولفظا ثالثاً مصدراً ؛ وقسمت بعض الألفاظ :
معربا ؛ وبعضها مبنياً . لكن يعلم أن هذا اصطلاح النحاة ، لكنه اصطلاح
مستقيم المعنى ، بخلاف من اصطلح على لفظ الحقيقة والمجاز ؛ فإنه
اصطلاح حادث وليس بمستقيم فى هذا المعنى ؛ إذ ليس بين هذا وهذا
فرق فى نفس الأمر حتى يخص هذا بلفظ وهذا بلفظ ، بل أي معنى
خصوا به اسم الحقيقة وجد فيما سموه مجازاً ، وأي معنى خصوا به
اسم المجاز يوجد فيما سموه حقيقة ، ولا يمكنهم أن يأتوا بما يميز
بين النوعين .
وليسوا مطالبين بما يقال: إن حد الحقيقي مركب من الجنس
٤٥٢

والفصل ؛ فإن هذا لو كان حقاً لم يطالبوا به ، فكيف إذا كان باطلا ؟
بل المطلوب التمييز بين المسميين ، وهو معنى الحد اللفظي ، كما يميز
بين مسمى الاسم المعرب والمبنى، والفاعل والمفعول ؛ ويميز بين مسميات
سائر الأسماء ، فيطالبون بما يميزون بين ما سموه حقيقة وما سموه مجازاً ،
وهذا منتف فى نفس الأمر ، إذ ليس فى نفس الأمر نوعان ينفصل
أحدهما عن الآخر حتى يسمى هذا حقيقة وهذا مجازا . وهذا
بحث عقلي غير البحث اللفظي ؛ فإنهم يعترفون بأن النزاع في
المسألة لفظي .
وقد ظنوا أن هذه التسمية والفرق منقول عن العرب وغلطوا في
ذلك ، كما يغلط من يظن أن هذه التسمية والفرق يوجد فى كلام الصحابة
والتابعين وأئمة العلم ، وأن هذا ذكره الشافعي أو غيره من العلماء ،
أو تكلم به واحد من هؤلاء ؛ فإن هذا غلط ، يشبه أن الواحد تربى
على اصطلاح اصطلحه طائفة فيظن أن المتقدمين من أهل العلم كان
هذا اصطلاحهم .
ومن ظن أن العرب قسمت هذا التقسيم أو أن هذا أخذ عنها
توقيف ، كما يوجد فى كلام طائفة من المصنفين فى أصول الفقه ،
فغلطه أظهر ، وقد وجد في كلام طائفة كأبي الحسين البصري والقاضي
أبى الطيب والقاضي أبي يعلى وغيرهم .
٤٥٣

وأعجب من هذا دعوى تواتر هذا عن أهل الوضع وعن أهل
الأعصار لم يزل يتناقل فى أقوالها وكنبها عن أهل الوضع تسمية هذا
حقيقة وهذا مجازاً، وهذا التواتر الذي ادعاء لا يمكنه ولا غيره أن
يأتي بخبر واحد فضلا عن هذا التواتر الذي ادعاء .
فصل
وأما حجة النفاة التى ذكرها فإنه قال : فإن قيل : لو كان في لغة
العرب لفظ مجازي فإما أن يقيد معناه بقرينة ؛ أولا يقيد بقرينة ، فإن كان
الأول فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك ، فكان مع القرينة حقيقة
فى ذلك المعنى . وإن كان الثاني فهو أيضا حقيقة؛ إذ لا معنى للحقيقة
إلا ما يكون مستقلا بالإفادة من غير قرينة . ثم قال: قلنا : جواب
الأول أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة ، ولا معنى للمجاز
إلا هذا ، والنزاع فى ذلك لفظي ، كيف وأن المجاز والحقيقة من صفات
الألفاظ دون القرائن المعنوية ؟ فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع .
فيقال : هو قد سلم أن النزاع لفظي ، فيقال : إذا كان النزاع
لفظياً وهذا التفريق اصطلاح حادث لم يتكلم به العرب ؛ ولا أمة من
الأمم ؛ ولا الصحابة والتابعون ؛ ولا السلف: كان المتكلم بالألفاظ
الموجودة التى تكلموا بها ونزل بها القرآن أولى من المتكلم باصطلاح
٤٥٤

حادث لو لم يكن فيه مفسدة ، وإذا كان فيه مفاسد كان ينبغى تركه لو
كان الفرق معقولا، فكيف إذا كان الفرق غير معقول وفيه مفاسد
شرعية ، وهو إحداث فى اللغة ؟ ! كان باطلا عقلا وشرعا ولغة . أما
العقل فإنه لا يتميز فيه هذا عن هذا ، وأما الشرع فإن فيه مفاسد
يوجب الشرع إزالتها ، وأما اللغة فلأن تغيير الأوضاع اللغوية غير
مصلحة راجحة ، بل مع وجود المفسدة .
فإن قيل : وما المفاسد ؟
قيل : من المفاسد أن لفظ المجاز المقابل للحقيقة سواء جعل من
عوارض الألفاظ أو من عوارض الاستعمال يفهم ويوم نقص درجة المجاز
عن درجة الحقيقة ، لاسيما ومن علامات المجاز صحة إطلاق نفيه ، فإذا
قال القائل : إن اللّه تعالى ليس برحيم ولا برحمن ؛ لا حقيقة بل مجاز؛
إلى غير ذلك مما يطلقونه على كثير من أسمائه وصفاته، وقال: ((لا إله
إلا الله)) مجاز لا حقيقة، كما ذكر هذا الآمدي من أن العموم المخصوص
مجاز، وقال من جهة منازعه: فإن قيل: لو قال: ((لا إله)) تامة
مطلقة يكون كفراً ولو اقترن به الاستثناء، وهو قوله: ((إلا الله))
كان إيماناً ، وكذلك لو قال لزوجته : أنت طالق كانت مطلقة بتنجيز
الطلاق ، ولو اقترن به الشرط وهو قوله : إن دخلت الدار : كان
٤٥٥

تعليقاً ، مع أن الاستثناء والشرط له معنى . ولولا الدلالة والوضع لما
کان كذلك .
قلنا : لا نسلم التغيير فى الوضع ، بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاء
من جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة، فقد تكلم فى ((لا إله إلا الله))
إذا كانت من مورد النزاع ، فإنه يزعم أن كل عام خص ولو بالاستثناء
كان مجازاً؛ فيكون ((لا إله إلا الله)) عنده مجازاً.
ومعلوم أن هذا الكلام من أعظم المنكرات فى الشرع ، وقائله
إلى أن يستتاب - فإن تاب وإلا قتل - أقرب منه إلى أن يجعل من علماء
المسلمين ، ثم هذا القائل مفتر على اللغة والشرع والعقل ؛ فإن العرب
لم تتكلم بلفظ ((لا إله)) مجرداً، ولا كانوا نافين للصانع حتى يقولوا:
((لا إله))، بل كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، قال تعالى: (أَبِنَّكُمْ
لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَى قُل لَّا أَشْهَدُ )
، ولهذا قالوا : (أَجَعَلَ الَلِمَةَ إِلَهَا وَاحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ ) .
والقرآن كله يثبت توحيد الإلهية ويعيب عليهم الشرك ، وقد
تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه أول مادعى الخلق إلى شهادة أن لا
إله إلا الله، وقال (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله، وأن محمداً رسول الله))، والمشركون لم يكونوا ينازعونه في
٤٥٦

الإثبات بل في النفي ، فكان الرسول والمشركون متفقين على إثبات
إلهية الله ، وكان الرسول ينفى إلهية ما سوى الله وم يثبتون ، فلم
يتكلم أحد لا من المسلمين ولا من المشركين : بهذه الكلمة إلا لإثبات
إلهية الله ولنفي إلهية ما سواه ، والمشركون كانوا يثبتون إلهية ما سواء
مع إلهيته ، أما الآلهة مطلقاً بهذا المعنى فلم يكونوا مما يعتقدونه حتى
يعبروا عنه ، فكيف يقال : هذا المعنى هو الذي وضعوا له هذا اللفظ
فى أصل لغتهم ؟.
وأما قول القائل : لا نسلم تغيير الدلالة بل غايته صرف اللفظ عما
اقتضاه من جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة .
فيقال له : هذه مغلطة ؛ فإنه في حال القيد لم يكن مطلقاً ، وهو
لا يقتضي النفي العام إذا كان مطلقا غير مقيد ، فأما مع القيد فقوله :
((لا إله إلا الله)) اللفظ مطلقاً، فكيف يقال: إنه صرف عما كان يقتضيه
لو كان مطلقاً ؟ فلو كان مطلقاً لكان يقتضي النفي العام ، فبالتقييد
زال الإطلاق المقتضى لذلك ، وهذا معنى تغيير الدلالة ؛ فإنه لو كان له
دلالة عند الإطلاق بطلت وصارت له دلالة أخرى عند التقييد والاستثناء
مخرج من اللفظ ما لولاه لدخل فى اللفظ عند الجمهور القائلين بالعموم ،
وعند أهل الوقف ، مخرج من اللفظ ما لولاه لصلح أن يدخل ، فعلى
القولين لا يخرج من اللفظ ما دخل ، بل ما لولا الاستثناء لكان الاستثناء
٤٥٧

يمنع ذلك الاقتضاء ، فلم يبق اللفظ مع الاستثناء مقتضياً لنفي المستثنى
ألبتة ، كما أنه لم يبق مقتضياً بقوله صرفه عن مقتضاه من جهة إطلاقه
ليس بسديد ؛ فإنه لو كان مقتضياً مطلقاً لم يكن هناك استثناء ولا يصرف
شيء ، وإذا لم يكن مطلقاً بل مقيداً بالاستثناء فليس هناك إطلاق
يكون له اقتضاء ، ولا هناك لفظ يقتضي نفي المستثنى ، ولا هناك
مستثنى منفي .
وأيضاً من مفاسد هذا جعل عامة القرآن مجازاً ، كما صنف بعضهم
مجازات القراءات ، وكما يكثرون من تسمية آيات القرآن مجازاً.، وذلك
يفهم ويوم المعانى الفاسدة ، هذا إذا كان ما ذكروه من المعانى صحيحاً
فكيف وأكثر هؤلاء يجعلون ما ليس بمجاز مجازاً؟ وينفون ما أثبته
الله من المعانى الثابتة، ويلحدون فى أسماء اللّه وآياته، كما وجد ذلك
للمتوسعين فى المجاز من الملاحدة أهل البدع .
وأما قوله : كيف والمجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون
القرائن المعنوية ؟ .
فيقال : أولا ليس الأمر كذلك عندكم ، بل كثيرا ما تجعلون الحقيقة
والمجاز اسما للمعنى ، فتقولون : حقيقة هذا اللفظ كذا ومجازه كذا ؛
وتقولون حقيقة هذا اللفظ ، فتجعلونه من عوارض الألفاظ تارة ، ومن
٤٥٨

عوارض المعنى أخرى ، وقد يجعلونه من عوارض الاستعمال ، فيقال :
استعمال هذا اللفظ فى هذا المعنى حقيقة وفى هذا مجاز .
ثم يقال : لا ضابط لهؤلاء : فإن منهم من يجعل استعمال اللفظ
في بعض معناه حقيقة . ومنهم من يجعله مجازاً . ومنهم من يجعله حقيقة
ومجازاً جميعاً، كما قد ذكر ذلك فى مسألة العموم والأمر إذا أريد به
الندب : هو مما يبين تناقض هذا الأصل .
ثم يقال : هب أن هذا من عوارض الألفاظ : فإنما هو من عوارض
اللفظ المستعمل الذي أريد به معناه ، فقولك: هو من صفات
الألفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع : باطل
من وجوه :
أحدها : أن اللفظ لم يدل قط إلا بقرائن معنوية ، وهو كون
المتكلم عاقلا له عادة باستعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى ؛ وهو يتكلم
بعادته ، والمستمع يعلم ذلك ، وهذه كلها قرائن معنوية تعلم بالعقل ،
ولا يدل اللفظ إلا معها . فدعوى المدعى أن اللفظ بدل مع تجرده عن
جميع القرائن العقلية : غلط .
الثانى : أن يقال: أنت لم تفرق بين القرائن المعنوية واللفظية؛ فإن
٤٥٩

العامل المخصوص بالاستثناء والشرط والصفة والبدل إنما اقترن به
قرائن لفظية ؛ وقد جعلته مجازاً ، وأيضاً فقول النى صلى الله عليه
وسلم: (( إن خالداً سيف سله اللّه على المشركين))؛ وقول أبى بكر
رضي الله عنه : لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله.
وأمثال ذلك ، وما مثلت به من قوله : ظهر الطريق ؛ ومتنه هي قرائن
لفظية بها عرف المعنى ، وهو عندك مجاز .
الثالث : أن نقول : اذكر لنا ضابطاً من القرائن التى بها يكون
حقيقة والقرائن التى يكون بها مجازاً ! فإن هذا ممتنع لا سبيل لك إليه ؛
لبطلان الفرق في نفس الأمر .
الرابع : أن يقال : هب أنه مفتقر إلى قرينة معنوية ! فلو قيل
لك : الحقيقة اسم لنفس اللفظ لكان يشترط أن يقترن به ما يبين
معناه ، سواء كانت القرينة لفظية أو معنوية ، ولفظ الحقيقة فى الموضعين
اسم اللفظ لما اقترن به لم يكن ما يدفع ذلك .
الخامس : أنه لو قيل لك : أنا أجعل لك لفظ الحقيقة اسماً للفظ
ولما اقترن مطلقاً ، لم يكن لك جواب عن هذا إلا أن يقول : أنا أجعله
اسماً للفظ والقرينة اللفظية دون المعنوية ، وهذا المعنى لو كان صحيحاً
لم يكن معك إلا مجرد تحكم قابلت به تحكما، وليس تحكمك أولى،
٤٦٠