Indexed OCR Text

Pages 381-400

وكذلك فى الإيلاء ، مذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث وغيرهم
أنه عند انقضاء أربعة أشهر يوقف، إما أن بفي وإما أن يطلق . وهذا
هو المأثور عن بضعة عشر من الصحابة ، وقد دل عليه القرآن
والأصول من غير وجه ، وقول الكوفيين أن عزم الطلاق انقضاء العدة
فإذا انقضت ولم يف طلقت ، وغاية ما يروى ذلك عن ابن مسعود
إن صح عنه .
ومسألة الرجعة بالفعل ، كما إذا طلقها : فهل يكون الوطء رجعة ؟
فيه ثلاثة أقوال . أحدها : يكون رجعة كقول أبى حنيفة . والثانى :
لا يكون كقول الشافعي . والثالث : يكون رجعة مع النية وهو المشهور
عند مالك ، وهو أعدل الأقوال الثلاثة فى مذهب أحمد .
فصل
وأما العقوبات والأحكام فمذهب أهل المدينة أرجح من مذهب
أهل الكوفة من وجوه :
أحدها : أنهم يوجبون القود فى القتل بالمثقل كما جاءت بذلك
السنة، وكما تدل عليه الأصول ، بل بالغ مالك حتى أنكر الخطأ شبه
٣٨١

العمد ، وخالفه غيره فى ذلك لهجر الشبه ، لكنه في الحقيقة نوع من
الخطأ امتاز بمزيد حكم ، فليس هو قسما من الخطأ المذكور في القرآن.
ومن ذلك مسألة قتل المسلم بالكافر والنمي ، والحر بالعبد للناس
فيه ثلاثة أقوال: أحدها : يقتل به بكل حال ؛ كقول أبي حنيفة
وأصحابه . والثانى: لا يقتل به بحال ، كقول الشافعي وأحمد في أحد
القولين . والثالث : لا يقتل به إلا فى المحاربة ؛ فإن القتل فيها حد
لعموم المصلحة فلا تتعين فيه المكافأة ، بل يقتل فيه الحر وإن كان
المقتول عبداً ، والمسلم وإن كان المقتول ذمياً . وهذا قول أهل المدينة
والقول الآخر لأحمد. وهو أعدل الأقوال، وفيه جمع بين الآثار
المنقولة في هذا الباب أيضاً .
ومذهب مالك فى المحاربين وغيرم إجراء الحكم على الردء والمباشر
كما اتفق الناس على مثل ذلك في الجهاد ، ومن نازعه في هذا سلم أن
المشتركين فى القتل يجب عليهم القود فإنه متفق عليه من مذهب
الأئمة ، كما قال عمر لو تمالأ أهل صنعاء لقتلتهم به ، فإن كانوا كلهم
مباشرين فلا نزاع ، وإن كان بعضهم غير مباشر لكنه متسبب سبباً
يفضي إلى القتل غالباً؛ كالمكره، وشاهد الزور إذا رجع، والحاكم
الجائر إذا رجع : فقد سلم له الجمهور على أن القود يجب على هؤلاء ،
كما قال علي رضي الله عنه فى الرجلين اللذين شهدا على رجل أنه سرق
٣٨٢

فقطع بده ، ثم رجعا وقالا: أخطأنا! قال: (( لو أعلم أنكما تعمدتما
لقطعت أيديكما)) ، فدل على قطع الأيدي باليد ، وعلى وجوب القود
على شاهد الزور .
والكوفيون يخالفون في هذين ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه
جعل رقبة المحاربين بينهم ، ومعلوم أن قول من جعل المتعاونين على
الإثم والعدوان مشتركين فى العقوبة أشبه بالكتاب والسنة لفظاً ومعنى
ممن لم يوجب العقوبة إلا على نفس المباشر .
ومن ذلك أهل المدينة يتبعون ما خطب به عمر بن الخطاب على
منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: الرجم فى كتاب الله
حق على كل من زنا من الرجال والنساء إذا أحصن وقامت البينة أو كان
الحبل أو الاعتراف . وكذلك يحدون في المر بما إذا وجد سكراناً، أو
تقيأ ؛ أو وجدت منه الرائحة ولم يكن هناك شبهة ، وهذا هو المأثور
عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين كعمر وعثمان وعلي .
وأبو حنيفة والشافعي لا يرون الحد إلا بإقرار أو بينة على الفعل
وزعموا أن ذلك شبهة ، وعن أحمد روايتان .
ومعلوم أن الأول أشبه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
٣٨٣

وسنة خلفائه الراشدين ، وهو حفظ لحدود الله تعالى التى أمر الله
بحفظها ، والشبهة فى هذا كالشبهة في البينة والإقرار الذي يحتمل
الكذب والخطأ .
ومن ذلك أن أهل المدينة يرون ((العقوبات المالية)) مشروعة ،
حيث مضت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه
الراشدين ، كما أن العقوبات البدنية مشروعة حيث مضت بها السنة .
وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم،
وادعوا أنها منسوخة ، ومن أين يأتون على نسخها بحجة ؟ وهذا
بفعلونه كثيراً إذا رأوا حديثاً صحيحاً يخالف قولهم ، وأما علماء أهل
المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية ،
كما جاءت بالعقوبات البدنية : مثل كسر دنان الخمر ، وشق ظروفها ،
وتحريق حانوت الخمار ، كما صنع موسى بالعجل، وصنع النبى صلى الله
عليه وسلم بالأصنام ، وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق
الثوبين المعصفرين ، وكما أمريم عليه السلام بكسر القدور التى فيها لحم
الخمر ثم أذن لهم في غسلها ، وكما ضعف القود على من سرق من غير
الحرز ، وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب غرم الضالة المكتومة
وضعف ثمن دية الذمي المقتول عمداً .
وكذلك مذهبهم فى ((العقود والديات ، من أصح المذاهب ، فمن
٣٨٤

ذلك دية الذمي ، فمن الناس من قال : ديته كدية المسلم ؛ كقول أبي
حنيفة . ومنهم من قال: ديته ثلث دية المسلم ؛ لأنه أقل ماقيل ؛ كما
قاله الشافعي . والقول الثالث : أن ديته نصف دية المسلم ، وهذا
مذهب مالك ، وهو أصح الأقوال ؛ لأن هذا هو المأثور عن النبى
صلى الله عليه وسلم ، كما رواه أهل السنن : أبو داود وغيره عن النبي
صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك العاقلة تحمل جميع الدية كما يقول الشافعي ، أو تحمل
المقدرات كدية الموضحة والأصابع فما فوقها كما يقوله أبو حنيفة ، أو
تحمل ما زاد على الثلث وهو مذهب مالك ، وهذا الثالث هو المأثور
وهو مذهب أحمد ، وفي الثلث قولان فى مذهب مالك وأحمد .
ويذكر أنه تناظر مدني وكوفي ، فقال المدنى للكوفى : قد بورك
لكم فى الربح ، كما نقول : يمسح ربع الرأس ويعفى عن النجاسة
المخففة عن ربع المحل ، وكما نقولونه فى غير ذلك . فقال له الكوفى :
وأنتم بورك لكم فى الثلث ، كما تقولون : إذا نذر صدقة ماله أجزاء
الثلث ، وكما تقولون : العاقلة تحمل ما فوق الثلث ، وعقل المرأة
كعقل الرجل إلى الثلث فإذا زادت كانت على النصف ، وأمثال ذلك.
وهذا صحيح ؛ ولكن يقال للكوفى : ليس في الربع أصل لا
٣٨٥

فى كتاب الله ولا سنة رسوله ، وإنما قالوا : الإنسان له أربع جوانب
ويقال : رأيت الإنسان إذا رأيت أحد جوانبه وهي أربعة ، فيقام
الربح مقام الجميع . وأما الثلث فله أصل في غير موضع من سنة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق
المسلمين أن المريض له أن يوصي بثلث ماله لا أكثر كما أمر به النبى
صلى الله عليه وسلم سعد بن أبى وقاص لما عاده فى حجة الوداع، وكما
ثبت فى الصحيح فى الذي أعتق ستة ملوكين له عند موته ، فجزأم
النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء ، فأعتق اثنين وأرق أربعة ،
وكما روى أنه قال لأبى لبابة ((يجزيك الثلث))، وكما في غير ذلك،
فأين هذا من هذا ؟
وما فى هذا الحديث يقول [ به ] أهل المدينة ، والقرعة فيها آية من
كتاب الله ، وستة أحاديث عن النبى صلى الله عليه وسلم منها
هذا الحديث .
ومنها قوله: ((لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول ولم يجدوا
إلا أن يستهموا عليه)). ومنها: (( إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن
خرج سهمها خرج بها معه )) ومنها أن الأنصار كانوا يستهمون على
المهاجرين لما هاجروا إليهم، ومنها فى المتداعيين اللذين أمرهما النبى صلى
اللّه عليه وسلم أن يستها على اليمين حباً أم كرهاً ، ومنها فى اللذين
٣٨٦

اختصما في مواريث درست فقال لهما: (( توخيا الحق واستهما وليحلل
كل منكما صاحبه)).
والقرعة يقول بها أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد وغيرهما ،
ومن خالفهم من الكوفيين لايقول بها ، بل نقل عن بعضهم أنه قال :
القرعة ثمار ، وجعلوها من الميسر ؛ والفرق بين القرعة التى سنها
رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الميسر الذي حرمه ظاهر بين ؛
فإن القرعة إنما تكون مع استواء الحقوق وعدم إمكان تعيين واحد ،
وعلى نوعين:
أحدهما : أن لا يكون المستحق معيناً ، كالمشتركين إذا عدم المقسوم
فيعين لكل واحد بالقرعة ، وكالعبيد الذين جزأم النبي صلى الله عليه
وسلم ثلاثة أجزاء ، وكالنساء اللاتى يريد السفر بواحدة منهن ، فهذا
لانزاع بين القائلين بالقرعة أنه يقرع فيه .
والثانى : ما يكون المعين مستحقاً فى الباطن ، كقصة يونس
والمتداعيين، وكالقرعة فيما إذا أعتق واحداً بعينه ثم أنسيه ، وفيما إذا
طلق امرأة من نسائه ثم أنسيها ، أو مات : أو نحو ذلك. فهذه القرعة
فيها نزاع ، وأحمد يجوز ذلك دون الشافعي .
٣٨٧

فصل
ومذهبهم في الأحكام أنهم يرجحون جانب أقوى المتداعيين ويجعلون
اليمين فى جانبه ، فيقضون بالشاهد ويمين الطالب فى الحقوق ، وفي
القسامة يبدأون بتحليف المدعين ، فإن حلفوا خمسين يميناً استحقوا الدم.
والكوفيون يرون أنه لا يحلف إلا المدعى عليه ، فلا يحلفون المدعي لا
في قسامة ولا فى غيرها ، ولا يقضون بشاهد ويمين ، ولا يرون اليمين
على المدعي .
ومعلوم أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة توافق
مذهب المدنيين ؛ فإن حديث القسامة صحيح ثابت فيه ، وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم للأنصار: ((يحلفون خمسين يمينا وتستحقون
دم صاحبكم ))، وكان الشافعى ونحوه من أهل العراق إذا ناظروا علماء
أهل المدينة كأبى الزناد وغيره في القسامة؛ واحتج عليهما أهل المدينة بالسنة
التى لا مندوحة لا حد عن قبولها ، ويقولون لهم : إن السنة ووجوه
الحق لتأتى على خلاف الرأي : فلا يجد المسلمون بدا من قبولها. فى
كلام طويل حروى بإسناد .
٣٨٨

وكذلك («مسألة الحكم بشاهد ويمين)) فيها أحاديث فى الصحيح
والسنن، كحديث ابن عباس الذي رواه مسلم، وكحديث أبي هريرة
وغيره مما رواه أبو داود ، لما قال بعض العلماء : نرى أن من حكم
بشاهد ويمين نقض حكمه ، انتصر لهذه السنة العلماء كمالك والشافعي
وأحمد بن حنبل وأبى عبيد وغيرم . فمالك بحث فيها في موطئه بحثا
لا يعد له نظير في الموطأ، والشافعي في ((الأم)) بحث فيها نحو عشر أوراق،
وكذلك أبو عبيد فى كتاب القضاء .
وليس مع الكوفيين إلا ما يروونه من قوله: (( البينة على من
ادعى واليمين على من أنكر)) . وهذا اللفظ ليس فى السنن ، وإن كان قد
رواه بعض المصنفين في الأحاديث ، ولكن فى الصحيح حديث ابن عباس
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لو يعطى الناس بدعوام لادعى
قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه ))، وهذا اللفظ
إما أن يقال : لا عموم فيه؛ بل اللام لتعريف المعهود وهو المدعى عليه .
إذ ليس مع المدعى إلا مجرد الدعوى ، كما قال : لو يعطى الناس بدعوام،
ومن يحلف المدعى لا يحلفه مع مجرد الدعوى ، بل إنما يحلفه إذا قامت
حجة يرجح بها جانبه ، كالشاهد فى الحقوق ، والإرث في القسامة إن
قيل : هو عام فالخاص يقضي على العام .
واحتجاجهم بما فى القرآن من ذكر الشاهدين والرجل والمرأتين
٣٨٩

ضعيف جداً ؛ فإن هذا إنما هو مذكور فى تحمل الشهادة دون الحكمـ
بها؛ ولو كان فى الحكم فالحكم بالشهادة المجردة لم يفتقر إلى ذلك ،
ومن حلف مع الشاهد لم يحكم بشهادة غير الشهادة المذكورة
في القرآن .
ثم الأئمة متفقون على أنه يحكم بلا شهادة أصلا ، بل بالتكول أو
الرد ، وأنه يحكم بشهادة النساء منفردات فى مواضع ، فكيف يحكم مع
أن هذا ليس بمخالف للقرآن ؟ فكيف باليمين مع الشاهد ؟
ثم مالك يوجب القود فى القسامة ، ويقيم الحد على المرأة إذا
التعن الرجل ولم تلتعن المرأة، والشافعي يقيم الحمد ولا يقتل من
القسامة ، وأبو حنيفة يخالف فى المسألتين ، وأحمد يوافق على القود
بالقسامة دون حد المرأة ، بل يجبسها إذا لم تلتعن ويخليها . وظاهر
الكتاب والسنة يوافق قول مالك .
ومن ذلك أهل المدينة يرون قتل اللوطى الفاعل والمفعول به ؛
محصنين كانا أو غير محصنين ، وهذا هو الذي دلت عليه السنة واتفاق
الصحابة ، وهو أحد القولين في مذهب الشافعى وأحمد . ومن قال
لا قتل عليه من الكوفيين فلا سنة معه ولا أثر عن الصحابة ، وقد
قال ربيعة للكوفى الذي ناظره أيجعل مالا يحل بحال كما يباح بحال
٣٩٠

دون حال ؟ وذكر الزهري أن السنة مضت بذلك .
ومن ذلك أن الدعوى فى التهم كالسرقة والقتل يراعون فيها حال
المتهم : هل هو من أهل التهم أم ليس من أهل ذلك ؟ ويرون عقوبة
من ظهرت التهمة فى حقه ، وقد ذكر ذلك من صنف فى الأحكام
السلطانية من أصحاب الشافعي وأحمد ، ذكروا فى عقوبة مثل هذا هل
يعاقبه الوالي والقاضي أم يعاقبه الوالي ؟ قولان . وكما يجب أن يعرف
أن أمر الله تعالى ورسوله متناول لكل من حكم بين الناس، سواء
كان والياً أو قاضياً أو غير ذلك ، فمن فرق بين هذا وهذا
بما يتعلق بأمر الله ورسوله فقد غلط، وأما من فرق بينهما
بما يتعلق بالولاية لكون هذا ولي على مثل ذلك دون هذا
فهذا متوجه .
وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين وفي
تصانيفهم إذا احتج عليهم محتج بمن قتله النبى صلى الله عليه وسلم،
أو أمر بقتله ؛ كقتله اليهودي الذي رض رأس الجارية ، وكإهداره لدم
السابة التى سبته وكانت معاهدة ، وكأمره بقتل اللوطي ونحو ذلك ،
قالوا : هذا يعمله سياسة ! فيقال . لهم : هذه السياسة : إن قلتم هي
مشروعة لنا فهي حق ؛ وهي سياسة شرعية، وان قلتم : ليست مشروعة
لنا فهذه مخالفة للسنة. ثم قول القائل بعد هذا سياسة : إما أن يريد أن الناس
٣٩١

بساسون بشريعة الإسلام ، أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام .
فإن قيل بالأول فذلك من الدين ، وإن قيل بالثاني فهو الخطأ .
ولكن منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة
سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسياسة خلفائه الراشدين .
وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال : إن بني إسرائيل كانت تسوسهم
الأنبياء ، كلما مات نى قام نبى ، وإنه لا نى بعدى ، وسيكون خلفاء
يكثرون؛ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((أوفوا بيعة الأول فالأول ،
وأعطوم حقهم؛ فإن اللّه سائلهم عما استرعامٍ))، فلما صارت الخلافة في
ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلدلهم القضاء من تقلده من
فقهاء العراق ، ولم يكن ما معهم من العلم كافياً فى السياسة العادلة :
احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم ، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية
شرع ، وتعاظم الأمر فى كثير من أمصار المسلمين ، حتى صار يقال :
الشرع والسياسة ، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى
السياسة ، سوغ حا كما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة .
والسبب فى ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا فى معرفة
السنة ، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود ،
حتى تسفك الدماء ، وتؤخذ الأموال ، وتستباح المحرمات ، والذين
انتسبوا إلى السياسة صاروا بسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام
٣٩٢

بالكتاب والسنة ، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل ، وكثير
منهم يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوم ونحو ذلك .
وكذلك كانت الأمصار التى ظهر فيها مذهب أهل المدينة يكون
فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها ، من جعل صاحب الحرب متبعا
لصاحب الكتاب مالا يكون فى الأمصار التى ظهر فيها مذهب أهل
العراق ومن اتبعهم ، حيث يكون فى هذه وإلى الحرب غير متبع لصاحب
العلم، وقد قال الله تعالى فى كتابه: (لَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا
الآية، فقوام الدين بكتاب يهدى وسيف بنصر (وَكَفَى
مَعَهُمُ )
بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ).
ودين الإسلام : أن يكون السيف تابعاً للكتاب . فإذا ظهر العلم
بالكتاب والسنة وكان السيف تابعاً لذلك كان أمر الإسلام قائما ، وأهل
المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك . أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان
الأمر كذلك، وأما بعدم فهم فى ذلك أرجح من غيرم . وأما إذا كان
العلم بالكتاب فيه تقصير ، وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة
يخالفه : كان دين من هو كذلك بحسب ذلك .
وهذه الأمور من اهتدى إليها وإلى أمثالها تبين له أن أصول أهل
المدينة أصح من أصول أهل المشرق بما لا نسبة بيها .
٣٩٣

ومن ذلك أن القتال فى الفتنة الكبرى . كان الصحابة فيها ثلاث
فرق : فرقة قاتلت من هذه الناحية ، وفرقة قاتلت من هذه الناحية ،
وفرقة قعدت ، والفقهاء اليوم على قولين : منهم من يرى القتال من
ناحية علي - مثل أكثر المصنفين - لقتال البغاة . ومنهم من يرى
الإمساك. وهو المشهور من قول أهل المدينة وأهل الحديث، والأحاديث الثابتة
الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم في أمر هذه الفتنة توافق
قول هؤلاء ، ولهذا كان المصنفون لعقائد أهل السنة والجماعة
يذكرون فيه ترك القتال فى الفتنة، والإمساك عما شجر
بين الصحابة .
ثم إن أهل المدينة يرون قتال من خرج عن الشريعة كالحرورية
وغيرهم ، ويفرقون بين هذا وبين القتال فى الفتنة ، وهو مذهب
فقهاء الحديث . وهذا هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم وسنة خلفائه الراشدين ، فإنه قد ثبت عنه الحديث فى الخوارج
من عشرة أوجه ، خرجها مسلم فى صحيحه ، وخرج البخاري بعضها .
وقال فيه: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم
وقراءته مع قراءتهم ، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من
الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، أنما لقيتموم فاقتلوهم فإن فى قتلهم
أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) ، وقد ثبت اتفاق الصحابة على
٣٩٤

قتالهم ، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكر
فيهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمنة لقتالهم، وفرح
بقتلهم، وسجد لله شكراً لما رأى أيام مقتولا ، وهو ذو الندية بخلاف
ما جرى يوم الجمل وصفين ؛ فإن عليا لم يفرح بذلك ، بل ظهر منه
من التألم والندم ما ظهر ، ولم يذكر عن النبى صلى الله عليه وسلم فى
ذلك سنة ، بل ذكر أنه قاتل باجتهاده .
فأهل المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك
القتال فى الفتنة ، وعلى ذلك أئمة أهل الحديث ، بخلاف من سوى
بين قتال هؤلاء وهؤلاء ، بل سوى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق
لمانعي الزكاة ، فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة ، كما فعل ذلك من
فعله من المصنفين فى قتال أهل البغى ؛ فإن هذا جمع بين ما فرق
الله بينهما .
وأهل المدينة والسنة فرقوا بين ما فرق الله بينه واتبعوا النص
الصحيح والقياس المستقيم العادل ؛ فإن القياس الصحيح من العدل ،
وهو : التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتخالفين ، وأهل المدينة
أحق الناس باتباع النص الصحيح والقياس العادل .
وهذا باب يطول استقصاؤه ؛ وقد ذكرنا من ذلك ما شاء الله
٣٩٥

من القواعد الكبار فى القواعد الفقهية وغير ذلك ؛ وإنما هذا جواب
فتيا نبهنا فيه تنبيهاً على جمل يعرف بها بعض فضائل أهل المدينة النبوية ؛
فإن معرفة هذا من الدين ، لاسيما إذا جهل الناس مقدار علىهم ودينهم
فبيان هذا يشبه بيان علم الصحابة ودينهم إذا جهل ذلك من جهله ،
فكما أن بيان السنة وفضائل الصحابة وتقديمهم الصديق والفاروق من
أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الرافضة ومحوم ، فكذلك بيان
السنة ؛ ومذاهب أهل المدينة ؛ وترجيح ذلك على غيرها من مذاهب
أهل الأمصار ؛ أعظم أمور الدين عند ظهور بدع الجمال المتبعين
الظن وما تهوى الأنفس . والله أعلم .
والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين لما يحبه ويرضاه ، والحمد
لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٣٩٦

وقال :
فصل
وأما ((نسخ القرآن بالسنة)) فهذا لا يجوزه الشافعى؛ ولا أحمد
فى المشهور عنه؛ ويجوزه فى الرواية الأخرى . وهو قول أصحاب أبي
حنيفة وغيرهم . وقد احتجوا على ذلك بأن الوصية للوالدين والأقربين
نسخها قوله: ((إن اللّه أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث))
وهذا غلط ! فإن ذلك إنما نسخه آية المواريث كما اتفق على ذلك
السلف ؛ فإنه لما قال بعد ذكر الفرائض: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ
فِيهَا وَ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ.
يُدْخِلُ نَارًاخَلِدًافِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِيرٌ)،فلماذكر أن الفرائض المقدرة
حدوده ونهى عن تعديها : كان في ذلك بيان أنه لا يجوز أن يزاد
أحد على ما فرض الله له ، وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم:
((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث))، وإلا
فهذا الحديث وحده إنما رواه أبو داود ونحوه من أهل السنن ، ليس
٣٩٧

فى الصحيحين ، ولو كان من أخبار الآحاد لم يجز أن يجعل مجرد خبر
غير معلوم الصحة ناسخاً للقرآن .
وبالجملة فلم يثبت أن شيئاً من القرآن نسخ بسنة بلا قرآن ، وقد
ذكروا من ذلك قوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ
اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُلَهُّنَّسَبِيلًا)، وقد ثبت فى صحيح مسلم عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خذوا عني ؛ خذوا عني ! قد
جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب
بالثيب جلد مائة والرجم)) .
وهذه الحجة ضعيفة لوجهين :
أحدهما : أن هذا ليس من النسخ المتنازع فيه؛ فإن الله مد الحكم
إلى غاية ، والنبي صلى الله عليه وسلم بين تلك الغاية ، لكن الغاية هنا
مجهولة ، فصار هذا يقال : إنه نسخ ، بخلاف الغاية البينة في نفس
؛ فإن هذا لا يسمى
الخطاب، كقوله: (ثُمَّأَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ )
نسخاً بلا ريب .
الوجه الثانى : أن جلد الزاني ثابت بنص القرآن ، وكذلك الرجم
كان قد أنزل فيه قرآن يتلى، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه ، وهو
٣٩٨

قوله : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله
والله عزيز حكيم ) ، وقد ثبت الرجم بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة.
وبهذا يحصل الجواب عما يدعى من نسخ قوله : (وَالَّتِى يَأْتِينَ
اُلْفَحِشَةَ مِن ◌ِّسَائِكُمْ ) الآية ؛ فإن هذا إن قدر أنه منسوخ فقد نسخه
قرآن جاء بعده: ثم نسخ لفظه وبقى حكمه منقولا بالتواتر ، وليس
هذا من موارد النزاع ؛ فإن الشافعي وأحمد وسائر الأئمة يوجبون
العمل بالسنة المتواترة المحكمة وإن تضمنت نسخاً لبعض آي القرآن ،
لكن يقولون: إنما نسخ القرآن بالقرآن لا بمجرد السنة ، ويحتجون
بقوله تعالى: ( مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأَتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا )،
ويرون من تمام حرمة القرآن أن الله لم ينسخه إلا بقرآن.
٣٩٩

وقال شيخ الإسلام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية - رضي الله عنه - (١)
فصل
قال أبو الحسن الآمدي فى أحكامه: ((المسألة الثانية)): اختلف
الأصوليون فى اشتمال اللغة على الأسماء المجازية ؛ فنفاء الأستاذ أبو إسحاق
ومن تابعه؛ ـ يعنى أبا إسحاق الإسفرائيني - وأثبته الباقون
وهو الحق .
قلت الكلام في شيئين :
أحدهما فى تحرير هذا النقل ؛ والثانى فى النظر فى أدلة القولين .
أما الأول فيقال : إن أراد بالباقين من الأصوليين كل من تكلم فى
(١) تسمى ((الحقيقة والمجاز)).
٤٠٠