Indexed OCR Text

Pages 361-380

بمنى ، سواء كان من أهل مكة أو غيرم . ولا ريب أن هذا هو الذي
مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ريب ، وهذا القول
أحد الأقوال في مذهب الشافعي وأحمد . ومن قال : إنه لا يجوز
القصر إلا لمن كان منهم على مسافة القصر فقوله مخالف للسنة ،
وأضعف منه قول من يقول : لا يجوز الجمع إلا لمن كان على مسافة
القصر ؛ وقد علم أن للجمع أسبابا غير السفر الطويل ؛ ولهذا كان
قول من يقول : إنه يجوز الجمع في السفر القصير كما يجوز فى الطويل
أقوى من قول من لا يجوزه إلا فى الطويل لا فى القصير .
وظن من قال هذه الأقوال من أهل العراق وغيرم أن النبى
صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ثم قال: (( يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم
سفر))، وهذا باطل عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل الحديث ،
وإنما الذي فى السنن أنه قال ذلك لما صلى فى مكة فى غزوة الفتح
وكذلك قد نقلوا هذا عن عمر .
ويروى أن الرشيد لما حج أمر أبا يوسف أن يصلي بالناس ،
فلما سلم قال : يا أهل مكة ! أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ، فقال له بعض
المكيين : أنقول لنا هذا ومن عندنا خرجت السنة ؟ وقال : هذا من
فقهك تكلم وأنت فى الصلاة .
٣٦١

وهذا المكى وافق أبا يوسف على ظنه أنهم لا يقصرون لكن من
قلة فقهه تكلم ، وتكلم الناسي والجاهل بتحريم الكلام لا يبطل صلاته
عند مالك ، والشافعى ، وأحمد فى إحدى الروايتين ، ويبطلها عند أبي
حنيفة . ولو كان المكى عالما بالسنة لقال : ليست هذه السنة ، بل قد
صلى صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وأبو بكر وعمر، وكذلك صلوا
بعرفة ومزدلفة ركعتين ولم يأمروا من خلفهم من المكيين بإتمام الصلاة
فيها ، كما هو مذهب أهل المدينة .
ومن ذلك (( صلاة الكسوف)) فإنه قد تواترت السنن فيها عن
النبى صلى الله عليه وسلم بأنه صلاها بركوعين فى كل ركعة ،
واتبع أهل المدينة هذه السنة ، وخفيت على أهل الكوفة حيث
منعوا ذلك .
وكذلك ((صلاة الاستسقاء)) فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه على صلاة الاستسقاء، وأهل المدينة
يرون أن يصلى للاستسقاء ، وخفيت هذه السنة على من أنكر صلاة
الاستسقاء من أهل العراق .
ومن ذلك تكبيرات العيد الزوائد ؛ فإن غالب السنن والآثار
توافق مذهب أهل المدينة فى الأولى سبع بتكبيرات الافتتاح والإحرام،
وفى الثانية خمس .
٣٦٢

ومن ذلك أن الصلاة هل تدرك بركعة أو بأقل من ركعة؟ فذهب
مالك أنها إنما ندرك بركعة . وهذا هو الذي صح عن النبي صلى الله
عليه وسلم حيث قال: (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة))،
وقال: ((من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك،
ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك»، فمالك
يقول فى الجمعة والجماعة : إنما تدرك بركعة ، وكذلك إدراك الصلاة
فى آخر الوقت وكذلك إدراك الوقت كالحائض إذا طهرت والمجنون إذا
أفاق قبل خروج الوقت .
وأبو حنيفة يعلق الإدراك فى الجميع بمقدار التكبيرة ، حتى فى
الجمعة يقول : إذا أدرك منها مقدار تكبيرة فقد أدركها. والشافعى وأحمد
يوافقان مالكا في الجمعة ، ويختلف قولهما فى غيرها ، والأكثرون من
أصحابهما يوافقون أبا حنيفة فى الباقى . ومعلوم أن قول من وافق مالكا
في الجميع أصح نصا وقياساً .
وقد احتج بعضهم على مالك بقوله فى الحديث الصحيح : ((من
أدرك سجدة من الصلاة )) وليس فى هذا حجة ؛ لأن المراد بالسجدة
الركعة ، كما قال ابن عمر : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ((سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها)). ونظائرها متعددة.
٣٦٣

ومن ذلك أن مذهب أهل المدينة أن الإمام إذا صلى ناسيا لجنابته
وحدته ثم علم أعاد هو ولم يعد المأموم ، وهذا هو المأثور عن الخلفاء
الراشدين كعمر وعثمان . وعند أبى حنيفة يعيد الجميع، وقد ذكر ذلك
رواية عن أحمد ، والمنصوص المشهور عنه كقول مالك ، وهو مذهب
الشافعي وغيره ، ومما يؤيد ذلك أن هذه القصة جرت لأبي يوسف ؛
فإن الخليفة استخلفه فى صلاة الجمعة فصلى بالناس ، ثم ذكر أنه كان
محدثاً ، فأعاد ولم يأمر الناس بالإعادة ، فقيل له فى ذلك فقال : ربما
ضاق علينا الشيء فأخذنا بقول إخواننا المدنيين ، مع أن صلاة الجمعة
فيها خلاف كثير ؛ نكون الإمامة شرطا فيها .
وطرد مالك هذا الأصل أيضاً فى سائر خطأ الإمام ، فإذا صلى
الإمام باجتهاده فترك ما يعتقد المأموم وجوبه مثل : أن يكون الإمام
لا يرى وجوب قراءة البسملة ، أو لا يرى الوضوء من الدم ، أو من
القهقهة ؛ أو من مس النساء، والمأموم يرى وجوب ذلك : فمذهب
مالك صحة صلاة المأموم. وهذا أحد القولين عن (١) أحمد والشافعي، والقول
الآخر لا يصح كقول أبى حنيفة .
ومذهب أهل المدينة هو الذي لاريب فى صحته ؛ فقد ثبت فى
(١) نسخة : في مذهب أحمد .
٣٦٤

صحيح البخاري عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يصلون
لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم))، وهذا
صريح فى المسألة ، ولأن الإمام صلى باجتهاد. فلا يحكم ببطلان صلاته ،
ألا ترى أنه ينفذ حكمه إذا حكم باجتهاده ؟ فالاتتمام به أولى .
والمنازع بنى ذلك على أن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام ،
وهذا غلط ؛ فإن الإمام صلى باجتهاده أو تقليده ، وأنه إن كان مصيباً
فله أجران ، وإن كان مخطئاً فله أجر واحد ، وخطؤه مغفور له ،
فكيف يقال : إنه يعتقد بطلان صلاته ؟!
ثم من المعلوم بالتواتر عن سلف الأمة أن بعضهم ما زال يصلى
خلف بعض ، مع وجود مثل ذلك ، فما زال الشافعى وأمثاله يصلون
خلف أهل المدينة ، وم لا يقرأون البسملة سراً ولا جهراً.
ومن المأثور أن الرشيد احتجم فاستفتى مالكا فأفتاه بأنه لا وضوء
عليه ، فصلى خلفه أبو يوسف ، ومذهب أبي حنيفة وأحمد أن خروج
النجاسة من غير السبيلين ينقض الوضوء ، ومذهب مالك والشافعي أنه
لا ينقض الوضوء ، فقيل لأبي يوسف : أتصلي خلفه ؟ ! فقال : سبحان
الله ! أمير المؤمنين ! فإن ترك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من شعائر
أهل البدع كالرافضة والمعتزلة . ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا
٣٦٥

فأفتى بوجوب الوضوء ؛ فقال له السائل : فإن كان الإمام لا يتوضأ
أصلي خلفه ؟ فقال : سبحان الله! ألا تصلى خلف سعيد بن المسيب
ومالك بن أنس ؟!
ومالك يرى أن كلام الناسي والجاهل في الصلاة لا يبطلها ، على
حديث ذي اليدين ؛ وحديث معاوية بن الحكم لما شمت العاطس ؛
وحديث الأعرابي الذي قال في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم
معنا أحداً !
وهذا قول الشافعي وأحمد فى إحدى الروايتين ، والرواية
الأخرى كقول أبى حنيفة ، قالوا : حديث ذي اليدين كان قبل محريم
الكلام ، وليس كذلك ، بل حديث ذي اليدين كان بعد خيبر ؛ إذ
قد شهده أبو هريرة ، وإنما أسلم أبو هريرة عام خيبر ، وتحريم
الكلام كان قبل رجوع ابن مسعود من الحبشة ، وابن مسعود
شهد بدراً .
ومذهب أهل المدينة في الدعاء فى الصلاة والتنبيه بالقرآن والتسبيح
وغير ذلك فيه من التوسع ما يوافق السنة ، بخلاف الكوفيين ؛
فإنهم ضيقوا في هذا الباب تضييقاً كثيراً ، وجعلوا ذلك كله من
الكلام المنهى عنه .
٣٦٦

ومن ذلك فى الطهارة أن مالكا رأى الوضوء من مس الذكر
ولمس النساء لشهوة ، دون القهقهة فى الصلاة ولمس النساء لغير شهوة ،
ودون الخارج النادر من السبيلين ، والخارج النجس من غيرهما. وأبو
حنيفة رآها من القهقهة والخارج النجس من السبيلين مطلقاً ، ولا يراها
من مس الذكر .
ومعلوم أن أحاديث نقض الوضوء من مس الذكر أثبت وأعرف
من أحاديث القهقهة ؛ فإنه لم يرو أحد منها فى السنن شيئاً، وهي
مراسيل ضعيفة عند أهل الحديث ؛ ولهذا لم يذهب إلى وجوب
الوضوء من القهقهة أحد من علماء الحديث ؛ لعلمهم بأنه لم يثبت
فيها شيء .
والوضوء من مس الذكر فيه طريقان :
منهم من يجعله تعبداً لا يعقل معناه ، فلا يكون بعيداً عن الأصول
كالوضوء من القهقهة في الصلاة .
ومنهم من لا يجعله تعبداً ؛ فهو حينئذ أظهر وأقوى .
وأما لمس النساء ففيه ثلاثة أقوال مشهورة : قول أبي حنيفة :
لا وضوء منه بحال ، وقول مالك وأهل المدينة - وهو المشهور عن
٣٦٧

أحمد - : أنه إن كان بشهوة نقض الوضوء وإلا فلا ، وقول الشافعى
يتوضأ منه بكل حال .
ولا ريب أن قول أبي حنيفة وقول مالك هما القولان المشهوران
في السلف ، وأما إيجاب الوضوء من لمس النساء بغير شهوة فقول
شاذ ليس له أصل في الكتاب ولا فى السنة ، ولا فى أثر عن أحد
من سلف الأمة ، ولا هو موافق لأصل الشريعة ؛ فإن اللمس العاري
عن شهوة لا يؤثر لا في الإحرام ولا فى الاعتكاف كما يؤثر فيها
اللمس مع الشهوة ، ولا يكره لصائم ، ولا يوجب مصاهرة، ولا يؤثر
فى شيء من العبادات وغيرها من الأحكام ، فمن جعله مفسداً للطهارة
فقد خالف الأصول ، وقوله تعالى: (أَوْلَمَسْتُمُ النِّسَآءَ ) إن أريد
به الجماع فقط كما قاله عمر وغيره ، فمعلوم أن قوله أو لامستم في
( وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِى
الوضوء ، کقوله في الاعتكاف :
الْمَسَجِدِ )، والمباشرة بغير شهوة لا تؤثر هناك؛ فكذلك هنا . وكذلك
قوله: ( ثُمَّطَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُرَ ).
هذا مع أنا نعلم أنه ما زال الرجال يمسون النساء بغير شهوة ،
فلو كان الوضوء من ذلك واجباً لأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم
المسلمين ، ولكان ذلك مما ينقل ويؤثر .
٣٦٨

وهذا كما أنه احتج من احتج على مالك في مسألة المنى أن
الناس لا يزالون يحتلمون فى المنام فتصيب الجنابة أبدانهم وثيابهم ، فلو
كان الغسل واجباً لكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به، مع
أنه لم يأمر أحداً من المسلمين بغسل ما أصابه من منى لا فى بدنه ولا فى
ثيابه ، وقد أمر الحائض أن تغسل دم الحيض من ثوبها ، ومعلوم أن
إصابة الجنابة ثياب الناس أكثر من إصابة دم الحيض ثياب النساء ،
فكيف يبين هذا للحائض ويترك بيان ذلك الحكم العام ؟ مع أن
تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وما ثبت عنه فى الصحيح
من أن عائشة كانت تغسل المنى من ثوبه لا يدل على الوجوب ، وثبت
عنها أيضاً في الصحيح أنها كانت تفركه ، فكيف وقد ثبت هذا أيضاً
أن الغسل يكون لقذارته ، كما قال سعد بن أبى وقاص ، وابن عباس :
أمطه عنك ولو بإذخرة ، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق .
فإن كانت هذه الحجة مستقيمة فمثلها يقال فى الوضوء من لمس
النساء لغير شهوة ، ولمسهن لشهوة في التوضي منه اجتهاد وتنازع قديم،
وأما لمسهن بغير شهوة فكما ترى .
وكذلك الاغتسال من الجنابة ؛ فمذهب مالك وأحد القولين من
مذهب أحمد بل هو المأثور عنه : اتباع السنة فيه ؛ فإن من نقل غسل
النبى صلى الله عليه وآله وسلم كعائشة وميمونة لم ينقل أنه غسل بدنه
٣٦٩

كله ثلاثاً ، بل ذكر أنه بعد الوضوء وتخليل أصول الشعر حثاحثية على
شق رأسه ، وأنه أفاض الماء بعد ذلك على سائر بدنه .
والذين استحبوا الثلاث إنما ذكروه قياساً على الوضوء ، والسنة قد
فرقت بيها .
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل
بالصاع ، وهو أربعة أمداد ؛ ومعلوم أنه لو كان السنة في الغسل التثليث
لم يكفه ذلك ؛ فإن سائر الأعضاء فوق أعضاء الوضوء أكثر من
أربع مرات .
ومن ذلك التيمم ؛ منهم من يقول : لا يجب أن يتيمم لكل
صلاة ؛ كقول أبي حنيفة . ومنهم من يقول : بل يتيمم لكل صلاة ،
كقول الشافعي ، ومذهب مالك يتيمم لوقت كل صلاة . وهذا أعدل
الأقوال ، وهو يشبه الآثار المأثورة عن الصحابة والمأثورة فى المستحاضة
ولهذا كان ذلك هو المشهور فيها عند فقهاء الحديث .
ومن ذلك أهل المدينة يوجبون الزكاة فى مال الخليطين ؛ كمال
المالك الواحد ، ويجعلون في الإبل إذا زادت على عشرين ومائة في كل
أربعين بنت لبون ؛ وفي كل خمسين حقة ، وهذا موافق لكتاب النبى
٣٧٠

صلى الله عليه وسلم فى الصدقة ، الذي أخرجه البخاري من حديث
أبي بكر الصديق ، وعامة كتب النبى صلى الله عليه وسلم كالتى كانت
عند آل عمر بن الخطاب وآل علي بن أبي طالب وغيرهما توافق هذا.
ومن خالفهم من الكوفيين يستأنف الفريضة بعد ذلك ولا يحصل
للخلطة تأثير ، ومعهم آثار الاستئناف ؛ لكن لا تقاوم هذا، وإن كان
ثابتاً فهو منسوخ كما نسخ ما روى فى البقر أنها تزكى بالغنم .
ومذهب أهل المدينة أن لا وقص إلا فى الماشية ، ففي النقدين
ما زاد فبحسبه كما روى ذلك فى الآثار ، وأبو حنيفة يجعل الوقص
تابعاً للنصاب ، ففى النقدين عنده لا زكاة فى الوقص كما فى الماشية .
وأما المعشرات فعنده لا وقص فيها ولا نصاب ، بل يجب العشر فى
كل قليل وكثير في الخضراوات ، لكن صاحباه وافقا أهل المدينة ؛ لما
ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس فيما دون خمسة أوسق
صدقة. وليس فيما دون خمس ذود صدقة))، وبما ثبت عنه من
ترك أخذ الصدقة من الخضراوات ، مع ما روى عنه: ((ليس في
الخضراوات صدقة)) .
ومذهب أهل المدينة أن الركاز الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم
((وفى الركاز الخمس)) لا يدخل المعدن، بل المعدن تجب فيه الزكاة
٣٧١

كما أخذت من معادن بلال بن الحارث، كما ذكر ذلك مالك في موطأ.
فإن الموطأ لمن تدبره وتدبر تراجمه وما فيه من الآثار وترتيبه ، علم
قول من خالفها من أهل العراق ، فقصد بذلك الترتيب والآثار بيان
السنة والرد على من خالفها ، ومن كان بمذهب أهل المدينة والعراق
أعلم كان أعلم بمقدار الموطأ ؛ ولهذا كان يقول : كتاب جمعته في كذا
وكذا سنة تأخذونه في كذا وكذا يوماً ، كيف تفقهون ما فيه ؟ أو كلاماً
يشبه هذا .
ومن خالف ذلك من أهل العراق يجعلون الركاز اسماً يتناول
المعادن ودفن الجاهلية .
وكذلك أمور المناسك ، فإن أهل المدينة لايرون للقارن أن يطوف
إلا طوافاً واحداً ، ولا يسعى إلا سعياً واحداً. ومعلوم أن الأحاديث
الصحيحة عن النبى صلى الله عليه وسلم كلها توافق هذا القول.
ومن صار من الكوفيين إلى أن يطوف أولاً ، ثم يسعى للعمرة ،
ثم يطوف ثانياً ويسعى للحج فمتمسك بآثار منقولة عن علي وابن مسعود
وهذا إن صح لا يعارض السنة الصحيحة .
فإن قيل : فأبو حنيفة يرى القران أفضل ؛ ومالك يرى الإفراد
٣٧٢

أفضل ، وعلماء الحديث لا يرتابون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
قارنا ، كما هو مبسوط فى غير هذا الموضع. قيل : هذه المسائل كثر
نزاع الناس فيها ، واضطرب عليهم ما نقل فيها ، وما من طائفة إلا وقد
قالت فيها قولا مرجوحا ، والتحقيق الثابت بالأحاديث الصحيحة : أن
النبى صلى الله عليه وسلم لما حيج بأصحابه أمرم أن يحلوا من إحرامهم
ويجعلوها عمرة ، إلا من ساق الهدى ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم
قد ساق الهدى، فلما لم يحلل توقفوا ، فقال: ((لو استقبلت من
أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ، ولجعلتها عمرة ))، وكان النبى صلى
الله عليه وسلم قد جمع بين العمرة والحج .
فالذي تدل عليه السنة أن من لم يسق الهدى فالتمتع أفضل له ،
وإن من ساق الهدى فالقران أفضل له ، هذا إذا جمع بينهما فى سفرة
واحدة . وأما إذا سافر للحج سفرة وللعمرة سفرة فالإفراد أفضل له .
وهذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة ، اتفقوا على أن الإفراد أفضل إذا
سافر لكل منهما سفرة ، والقران الذي فعله رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان بطواف واحد وبسعي واحد ، لم يقرن بطوافين وسعيين كما
يظنه من يظنه من أصحاب أبي حنيفة ، كما أنه لم يفرد الحج كما يظنه من
ظنه من أصحاب الشافعي ومالك ، ولا اعتمر بعد الحج لا هو ولا أحد
من أصحابه ، إلا عائشة لأجل عمرتها التى حاضت فيها ، مع أنه قد
٣٧٣

صح أنه اعتمر أربع عمر : إحداهن فى حجة الوداع ، ولم يحل النبي صلى
الله عليه وسلم من إحرامه كما ظنه بعض أصحاب أحمد .
ومذهبهم أن المحصر لاقضاء عليه .
وهذا أصح من قول الكوفيين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
صدوا عن العمرة عام الحديبية ، ثم من العام القابل اعتمر النبى صلى
الله عليه وسلم، وطائفة ممن معه لم يعتمروا ، وجميع أهل الحديبية كانوا
أكثر من ألف وأربعمائة ، وهم الذين بايعوا تحت الشجرة ، ومنهم من
مات قبل عمرة القضية .
ومذهبهم أنه لا يستحب لأحد بل يكره أن يحرم قبل الميقات
المكانى ، والكوفيون يستحبون الإحرام قبله .
وقول أهل المدينة الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسنة خلفائه الراشدين ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر
قبل حجة الوداع : عمرة الحديبية ، وعمرة القضية ، وكلاهما أحرم فيها
من ذي الحليفة ، واعتمر عام حنين من الجعرانة ، ثم حجة الوداع
وأحرم فيها من ذي الحليفة ، ولم يحرم من المدينة قط ، ولم يكن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليداوم على ترك الأفضل، وخلفاؤه
٣٧٤

كعمر وعثمان نهوا عن الإحرام قبل الميقات .
وقد سئل مالك عن رجل أحرم قبل الميقات ؟ فقال : أخاف عليه
من الفتنة، فقال: قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةُ )
فقال السائل : وأي فتنة في ذلك ؟ وإنما هي زيادة
امتثال فى طاعة الله تعالى ، قال : وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك
خصصت بفعل لم يفعله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ أو كما قال.
وكان يقول: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، أو كما
جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد مجدل هذا ؟
ومذهب أهل المدينة إن وطئ بعد التعريف قبل التحلل فسد
حجه ، ومن وطئ بعد التحلل الأول فعليه عمرة ، وهذا هو المأثور
عن الصحابة ، دون قول من قال : إن الوطء بعد التعريف لا يفسد،
وقول من قال : إن الوطء بعد التحلل الأول لا يوجب إحراما ثانياً .
واتبع مالك في ذلك قول ابن عباس ، وذكره فى موطأه ؛ لكن لم يسم
من نقله فيه عن ابن عباس ؛ إذ الراوي له عكرمة لما بلغه فيه عن
ابن عمر وسعد وإن كان الذي أتمه توثيق عكرمة ، ولهذا روى
له البخاري .
فإن قيل : قد خالف حديث ضباعة بنت الزبير فى اشتراطها
٣٧٥

التحلل إذا حبسها حابس ، وحديث عائشة فى تطييب رسول الله صلى
الله عليه وسلم قبل إحرامه وقبل طوافه بالبيت ، وحديث ابن عباس في
أنه ما زال يلى حتى رمى جمرة العقبة ، وغير ذلك ؟
قيل : إذا قيس هذا بما خالفه غيره من الكوفيين ونحوه كان
ذلك أكثر، مع أنه فى مثل هذه المسائل اتبع فيها آثاراً عن عمر
ابن الخطاب وابن عمر وغيرهما ، وإن كان الصواب عند تنازع الصحابة
الرد إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن من لم تبلغه بعض
السنة فاتبع عمر وابن عمر ونحوهما كان أرجح مما خفي عنه أكثر
مما خفي عن أهل المدينة النبوية ، ولم يكن له سلف مثل سلف
أهل المدينة .
ومن ذلك حرم المدينة النبوية ؛ فإن الأحاديث قد نواترت عن
النبى صلى الله عليه وسلم من غير وجه بإثبات حرمها ، بل صح عنه
أيضاً أنه جعل جزاء من عضد بها شجراً أن سلبه لواجده ، ومذهب
أهل المدينة ومن وافقهم كالشافعي وأحمد أنها حرام أيضاً ، وإن كان
لهم فى جزاء الصيد نزاع ، ومن خالف فى ذلك من الكوفيين لم تبلغه
هذه السنن ؛ ولكن بعض أتباعهم أخذ يعارض ذلك بمثل حديث أبى
عمير ؛ وحديث الوحش ؛ وهذه لو كانت تقاوم ذلك فى الصحة لم يجز
أن تعارض بها ، لكن تلك متواترات وحديث أبى عمير محمول على أن
٣٧٦

الصيد صيد خارج المدينة ثم أدخل إليها ، وكذلك حديث الوحش
إن صح .
وإن قدر أنهما متعارضان فكان مثل تحريم المدينة ، لأن أحاديث
الحرم رواها أبو هريرة ونحوه ممن صحبته متأخرة ؛ وأما دخول النبى
صلى الله عليه وسلم عند أبى طلحة فكان من أوائل الهجرة ، أو أنه
إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل والآخر ناف مبق لحكم
الأصل كان الناقل أولى؛ لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين الحكم إلا
مرة واحدة ، وإذا قدم المبقى تغير الحكم مرتين . فلو قيل : إن
حديث أبى عمير بعد أحاديث تحريم المدينة لكان قد حرمه ثم أحله ،
وإذا قدر أنه كان قبل ذلك لم يلزم إلا كونه قد حرمه بعد التحليل ،
وهذا لا ريب فيه ، والله أعلم .
فصل
وأما المناكح فلا ريب أن مذهب أهل المدينة فى بطلان نكاح
المحلل ونكاح الشغار أتبع للسنة ممن لم يبطل ذلك من أهل العراق ؛
فإنه قد ثبت عن النى صلى الله عليه وسلم أنه لعن المحلل والمحلل له ،
٣٧٧

وثبت عن أصحابه ، كعمر ؛ وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود، وابن عمر
وابن عباس : أنهم نهوا عن التحليل ، لم يعرف عن أحد منهم الرخصة
فى ذلك ، وهذا موافق لأصول أهل المدينة .
فإن من أصولهم أن القصود فى العقود معتبرة ، كما يجعلون الشرط
المتقدم كالشرط المقارن ، ويجعلون الشرط العرفى كالشرط اللفظي .
ولأجل هذه الأصول أبطلوا نكاح المحلل ، وخلع اليمين الذي يفعل
حيلة لفعل المحلوف عليه ، وأبطلوا الحيل التى يستحل بها الربا ،
وأمثال ذلك .
ومن نازعهم فى ذلك من الكوفيين . ومن وافقهم ألغى النيات فى
هذه الأعمال ، وجعل القصد الحسن كالقصد السيء ، وسوغ إظهار
أعمال لا حقيقة لها ولا قصد ، بل هي نوع من النفاق والمكر ، كما
قال أيوب السختيانى يخادعون الله كما يخادعون الصبيان ، لو أتوا الأمر
على وجهه لكان أهون عليهم .
والبخاري قد أورد فى صحيحه كتابا فى الرد على أهل الحيل ،
وما زال سلف الأمة وأمتها ينكرون على من فعل ذلك ، كما بسطناه
فى الكتاب المفرد .
ونكاح الشغار قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير
٣٧٨

وجه النهى عنه ، ولكن من صححه من الكوفيين رأي أنه لا محذور
فيه إلا عدم إعلام المهر ، والنكاح بصح بدون تسمية المهر ، ولهذا
كان المبطلون له لهم مأخذان :
أحدهما : أن مأخذه جعل بضع كل واحدة مهر الأخرى ، فيلزم
التشريك فى البضع ، كما يقول ذلك الشافعي وكثير من أصحاب أحمد .
وهؤلاء منهم طائفة يبطلونه إلا أن يسمى مهراً ؛ لأنه مع تسميته انتفى
التشريك في البضع . ومنهم من لا يبطله إلا بقول: وبضع كل واحدة
مهر للأخرى ؛ لكونه إذا لم يقل ذلك لم يتعين جعل البضع مهراً.
ومنهم من يبطله مطلقاً، كما جاء عنه بذلك حديث مصرح به في السنن
وهذه الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد وغيره .
والمأخذ الثاني : أن بطلانه لاشتراط عدم المهر ، وفرق بين
السكوت عن تسمية المهر وبين اشتراط المهر ؛ فإن هذا النكاح من
خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلو سمى المهر بما يعلمان
محرمه كخمر وخنزير بطل النكاح ، كما يقول ذلك من يقوله من
أصحاب مالك ، وهو أحد القولين فى مذهب أحمد ، وهو أشبه بظاهر
القرآن وأشبه بقياس الأصول .
وكذلك نكاح الحامل أو المعتدة من الزنا باطل في مذهب مالك
٣٧٩

وهو أشبه بالآثار والقياس ، لئلا يختلط الماء الحلال بالحرام . وقد
خالفه أبو حنيفة ، فجوز العقد دون الوطء ، والشافعي جوزهما .
وأحمد وافقه وزاد عليه ؛ فلم يجوز نكاح الزانية حتى تتوب ،
لدلالة القرآن والأحاديث على تحريم نكاح الزانية . وأما من ادعى
أن ذلك منسوخ وأن المراد به الوطء ففساد قوله ظاهر من
وجوه متعددة .
وكذلك مسألة تداخل العدتين من رجلين ، كالتى تزوجت في
عدتها؛ أو التى وطئت بشبهة، فإن مذهب مالك أن العدتين لا يتداخلان:
بل تعتد لكل واحد منهما . وهذا هو المأثور عن عمر وعلي رضي الله
عنها ، وهو مذهب الشافعي وأحمد . وأبو حنيفة قال بتداخلها .
وكذلك مسألة إصابة الزوج الثاني: هل تهدم مادون الثلاث ؟
وهو الذى يطلق امرأته طلقة أو طلقتين ثم تزوج من يصليها ، ثم تعود
إلى الأول ؛ فإنها تعود على ما بقى عند مالك ، وهو قول الأكابر من
الصحابة كعمر بن الخطاب وأمثاله ، وهو مذهب الشافعي وأحمد فى
المشهور عنه ، وإنما قال لا تعود على ما بقى ابن عمر وابن عباس وهو
قول أبي حنيفة .
٣٨٠