Indexed OCR Text
Pages 321-340
أصح من مسلم ، ومن رجح مسلما فإنه رجحه بجمعه ألفاظ الحديث فى مكان واحد ؛ فإن ذلك أيسر على من يريد جمع ألفاظ الحديث ، وأما من زعم أن الأحاديث التى انفرد بها مسلم أو الرجال الذين انفرد بهم أصح من الأحاديث التى انفرد بها البخاري ومن الرجال الذين انفرد بهم ؛ فهذا غلط لا يشك فيه عالم ، كما لا يشك أحد أن البخاري أعلم من مسلم بالحديث والعلل والتاريخ ، وأنه أفقه منه ؛ إذ البخاري وأبو داود أفقه أهل الصحيح والسنن المشهورة ، وإن كان قد يتفق لبعض ما انفرد به مسلم أن يرجح على بعض ما انفرد به البخاري فهذا قليل والغالب بخلاف ذلك ، فإن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم . وإنما كان هذان الكتابان كذلك لأنه جرد فيها الحديث الصحيح المسند، ولم يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين ، ولا سائر الحديث من الحسن والمرسل وشبه ذلك ، ولا ريب أن ما جرد فيه الحديث الصحيح المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أصح الكتب ؛ لأنه أصح منقولا عن المعصوم من الكتب المصنفة . وأما الموطأ ونحوه فإنه صنف على طريقة العلماء المصنفين إذ ذاك فإن الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكتبون القرآن ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهام أن يكتبوا عنه غير ٣٢١ القرآن وقال: ((من كتب عى شيئاً غير القرآن فليمحه))، ثم نسخ ذلك عند جمهور العلماء ؛ حيث أذن فى الكتابة لعبد الله بن عمرو وقال: ((اكتبوا لأبى شاء))، وكتب لعمرو بن حزم كتابا قالوا : وكان النهي أو لا خوفا من اشتباه القرآن بغيره ، ثم أذن لما أمن ذلك فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكتبون ، وكتبوا أيضاً غيره . ولم يكونوا يصفون ذلك فى كتب مصنفة إلى زمن تابع التابعين ، فصنف العلم ، فأول من صنف ابن جريج شيئاً في التفسير ، وشيئاً فى الأموات . وصنف سعيد بن أبى عروبة وحماد بن سلمة ومعمر ، وأمثال هؤلاء يصفون ما في الباب عن النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين . وهذه هي كانت كتب الفقه والعلم والأصول والفروع بعد القرآن ، فصنف مالك الموطأ على هذه الطريقة . وصنف بعد عبد الله بن المبارك؛ وعبد الله بن وهب ؛ ووكيع ابن الجراح ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرزاق ؛ وسعيد بن منصور ، وغير هؤلاء ، فهذه الكتب التى كانوا يعدونها فى ذلك الزمان هي التى أشار إليها الشافعي - رحمه الله - فقال: ليس بعد القرآن كتاب أكثر صوابا من موطأ مالك ، فإن حديثه أصح من حديث نظرائه ، وكذلك الإمام أحمد لما سئل عن حديث مالك ورأيه ٣٢٢ وحديث غيره ورأيهم ؟ رجح حديث مالك ورأيه على حديث أولئك ورأيهم . وهذا يصدق الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة ))، فقد روى عن غير واحد ، كان جريج وابن عيينة وغيرهما أنهم قالوا : هو مالك. والذين نازعوا فى هذا لهم مأخذان : أحدهما : الطعن فى الحديث فزعم بعضهم أن فيه انقطاعا. والثانى : أنه أراد غير مالك كالعمري الزاهد ونحوه . فيقال : ما دل عليه الحديث وأنه مالك أمر متقرر لمن كان موجوداً ، وبالتواتر لمن كان غائباً ؛ فإنه لا ريب أنه لم يكن في عصر مالك أحد ضرب إليه الناس أكباد الإبل أكثر من مالك . وهذا بقرر بوجهين : أحدهما : بطلب تقديمه على مثل الثوري والأوزاعى والليث وأبى حنيفة ، وهذا فيه زاع ولا حاجة إليه فى هذا المقام . والثانى : أن يقال: إن مالكا تأخر موته عن هؤلاء كلهم ، فإنه ٣٢٣ توفى سنة تسع وسبعين ومائة ، وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ذلك . فمعلوم أنه بعد موت هؤلاء لم يكن فى الأمة أعلم من مالك فى ذلك العصر ، وهذا لا ينازع فيه أحد من المسلمين ، ولا رحل إلى أحد من علماء المدينة ما رحل إلى مالك ، لا قبله ولا بعده ، رحل إليه من المشرق والمغرب ، ورحل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم ، من العلماء والزهاد والملوك والعامة، وانتشر موطأ. فى الأرض ، حتى لا يعرف في ذلك العصر كتاب بعد القرآن كان أكثر انتشاراً من الموطأ ، وأخذ الموطأ عنه أهل الحجاز والشام والعراق ، ومن أصغر من أخذ عنه الشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهما، وكان محمد بن الحسن إذا حدث بالعراق عن مالك والحجازيين تمتلئ داره ، وإذا حدث عن أهل العراق يقل الناس ، لعلمهم بأن علم مالك وأهل المدينة أصح وأثبت . وأجل من أخذ عنه الشافعي العلم اثنان مالك ، وابن عيينة . ومعلوم عند كل أحد أن مالكا أجل من ابن عيينة ، حتى إنه كان يقول : إنى ومالكا كما قال القائل : وابن اللبون إذا ما لز فى قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس ومن زعم أن الذي ضربت إليه أكباد الإبل فى طلب العلم هو العمري الزاهد، مع كونه كان رجلا صالحاً زاهداً، آمراً بالمعروف ٣٢٤ ناهياً عن المنكر ، لم يعرف أن الناس احتاجوا إلى شيء من علمه ، ولا رحلوا إليه فيه . وكان إذا أراد أمراً يستشير مالكا ويستفتيه، كما نقل أنه استشاره لما كتب إليه من العراق أن يتولى الخلافة ، فقال : حتى أشاور مالكا ، فلما استشاره أشار عليه أن لا يدخل في ذلك ، وأخبره أن هذا لا يتركه ولد العباس حتى تراق فيه دماء كثيرة وذكر له ما ذكره عمر بن عبد العزيز - لما قيل له: ولّ القاسم ابن محمد ! - إن بني أمية لا يدعون هذا الأمر حتى تراق فيه دماء كثيرة . وهذه علوم التفسير والحديث والفتيا وغيرها من العلوم ؛ لم يعلم أن الناس أخذوا عن العمرى الزاهد منها ما يذكر ، فكيف يقرن هذا بمالك فى العلم ورحلة الناس إليه ؟ . ثم هذه كتب الصحيح التى أجل ما فيها كتاب البخاري ، أول ما يستفتح الباب بحديث مالك ، وإن كان في الباب شيء من حديث مالك لا يقدم على حديثه غيره ، ونحن نعلم أن الناس ضربوا أكباد الإبل فى طلب العلم ، فلم يجدوا عالما أعلم من مالك فى وقته . والناس كلهم مع مالك ، وأهل المدينة: إما موافق ؛ وإما منازع، فالموافق لهم عضد ونصير ، والمنازع لهم معظم ؛ لهم مبجل ؛ لهم ٣٢٥ عارف بمقدارم . وما يجد من يستخف بأقوالهم ومذاهبهم إلا من ليس معدوداً من أئمة العلم ، وذلك لعلمهم أن مالكا هو القائم بمذهب أهل المدينة ، وهو أظهر عند الخاصة والعامة من رجحان مذهب أهل المدينة على سائر الأمصار ؛ فإن موطأ مشحون : إما بحديث أهل المدينة ؛ وإما بما اجتمع عليه أهل المدينة: إما قديما؛ وإما حديثاً . وأما مسألة تنازع فيها أهل المدينة وغيرم فيختار فيها قولا ، ويقول : هذا أحسن ما سمعت . فأما بآثار معروفة عند علماء المدينة ولو قدر أنه كان فى الأزمان المتقدمة من هو أتبع لمذهب أهل المدينة من مالك فقد انقطع ذلك . ولسنا ننكر أن من الناس من أنكر على مالك مخالفته أولا لأحاديثهم فى بعض المسائل ، كما يذكر عن عبد العزيز الدراوردي أنه قال له فى مسألة تقدير المهر بنصاب السرقة : تعرقت يا أبا عبد الله، أي: صرت فيها إلى قول أهل العراق الذين يقدرون أقل المهر بنصاب السرقة ، لكن النصاب عند أبى حنيفة وأصحابه عشرة درام. وأما مالك والشافعي وأحمد فالنصاب عندم ثلاثة درام؛ أو ربع دينار ، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحاح . فيقال : أولا: إن مثل هذه الحكاية تدل على ضعف أقاويل أهل العراق عند أهل المدينة ؛ وإنهم كانوا يكرهون للرجل أن يوافقهم ، ٣٢٦ وهذا مشهور عندهم يعيبون الرجل بذلك ، كما قال ابن عمر لما استفتاه عن دم البعوض ، وكما قال ابن المسيب لربيعة لما سأله عن عقل أصابع المرأة . وأما ثانيا : فمثل هذا فى قول مالك قليل جداً ، وما من عالم إلا وله ما يرد عليه ، وما أحسن ماقال ابن خويز منداد فى مسألة بيع كتب الرأي والإجارة عليها : لا فرق عندنا بين رأي صاحبنا مالك وغيره في هذا الحكم ؛ لكنه أقل خطأ من غيره . وأما الحديث فأكثر. نجد مالكا قد قال به في إحدى الروايتين، وإنما تركه طائفة من أصحابه كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه . وأهل المدينة رووا عن مالك الرفع موافقاً للحديث الصحيح الذي رواه ؛ لكن ابن القاسم ونحوه من البصريين م الذين قالوا بالرواية الأولى ، ومعلوم أن مدونة ابن القاسم أصلها مسائل أسد بن الفرات التى فرعها أهل العراق ، ثم سأل عنها أسد ابن القاسم . فأجابه بالنقل عن مالك وتارة بالقياس على قوله ، ثم أصلها فى رواية سحنون ، فلهذا يقع فى كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى أقوال أهل العراق وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة . ثم انفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس وكان يحيى بن يحيى ٣٢٧ عامل الأندلس والولاة يستشيرونه ، فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا بروايته عن مالك ، ثم رواية غيره ، فانتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها وقد تكون مرجوحة فى المذهب وعمل أهل المدينة والسنة ، حتى صاروا يتركون رواية الموطأ الذي هو متواتر عن مالك ، وما زال يحدث به إلى أن مات لرواية ابن القاسم ، وإن كان طائفة من أئمة المالكية أنكروا ذلك ، فمثل هذا إن كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك لا على مالك ، ويمكن المتبح لمذهبه أن يتبع السنة فى عامة الأمور؛ إذ قل من سنة إلا وله قول يوافقها ، بخلاف كثير من مذهب أهل الكوفة ؛ فإنهم كثيراً ما يخالفون السنة وإن لم يتعمدوا ذلك . ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد ، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما ، حتى إن الشافعي لما ناظر محمد بن الحسن حين رجح محمد لصاحبه على صاحب الشافعي ، فقال له الشافعي : بالإنصاف أو بالمكارة؟ قال له: بالإنصاف ، فقال : ناشدتك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم ؟ فقال : بل صاحبكم ، فقال صاحبنا أعلم بسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم صاحبكم ؟ فقال: بل صاحبكم ، فقال : صاحبنا أعلم بأقوال أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم ٣٢٨ صاحبكم ؟ فقال: بل صاحبكم ، فقال : مابقي بيننا وبينكم إلا القياس ؛ ونحن نقول بالقياس ، ولكن من كان بالأصول أعلم كان قياسه أصح . وقالوا للإمام أحمد : من أعلم بسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : مالك أم سفيان ؟ فقال : بل مالك . فقيل له : أيما أعلم بآثار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك أم سفيان؟ فقال: بل مالك . فقيل له : أيما أزهد مالك أم سفيان ؟ فقال : هذه لكم. ومعلوم أن سفيان الثوري أعلم أهل العراق ذلك الوقت بالفقه والحديث ؛ فإن أبا حنيفة؛ والثوري؛ ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ؛ والحسن بن صالح بن جني؛ وشريك بن عبد الله النخعي القاضي: كانوا متقاربين فى العصر ، وم أئمة فقهاء الكوفة فى ذلك العصر ، وكان أبو يوسف يتفقه أولا على محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى القاضي ، ثم إنه اجتمع بأبى حنيفة فرأى أنه أفقه منه فلزمه، وصنف كتاب ((اختلاف أبى حنيفة وابن أبى ليلى))، وأخذه عنه محمد بن الحسن ، ونقله الشافعي عن محمد بن الحسن ، وذكر فيه اختياره ، وهو المسمى بكتاب ((اختلاف العراقيين)). ٣٢٩ ومعلوم أن سفيان الثوري أعلم هذه الطبقة فى الحديث مع تقدمه فى الفقه والزهد ، والذين أنكروا من أهل العراق وغيرهم ما أنكروا من الرأي الحدث بالكوفة لم ينكروا ذلك على سفيان الثوري ، بل سفيان عندهم إمام العراق ، فتفضيل أحمد لمذهب مالك على مذهب سفيان تفضيل له على مذهب أهل العراق ، وقد قال الإمام أحمد فى علمه وعلم مالك بالكتاب والسنة والآثار ما تقدم ، مع أن أحمد يقدم سفيان الثوري على هذه الطبقة كلها وهو يعظم سفيان غاية التعظيم ، ولكنه كان يعلم أن مذهب أهل المدينة وعلمائها أقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب أهل الكوفة وعلمائها . وأحمد كان معتدلا عالما بالأمور يعطي كل ذي حق حقه ؛ ولهذا كان يحب الشافعي ويثنى عليه ويدعو له ويذب عنه عند من يطعن فى الشافعي ؛ أو من ينسبه إلى بدعة ، ويذكر تعظيمه للسنة واتباعه لها، ومعرفته بأصول الفقه ، كالناسخ والمنسوخ ؛ والمجمل والمفسر ، ويثبت خبر الواحد ومناظرته عن مذهب أهل الحديث من خالفه بالرأي وغيره . وكان الشافعي يقول : سمونى ببغداد ناصر الحديث . ومناقب الشافعي واجتهاده في اتباع الكتاب والسنة ؛ واجتهاده فى الرد على من يخالف ذلك كثير جداً، وهو كان على مذهب أهل الحجاز ، وكان قد تفقه على طريقة المكيين أصحاب ابن جريج . ٣٣٠ كمسلم بن خالد الزنجي ؛ وسعيد بن سالم القداح ، ثم رحل إلى مالك وأخذ عنه الموطأ ، وكمل أصول أهل المدينة وم أجل علما وفقها وقدراً من أهل مكة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد مالك، ثم اتفقت له محنة ذهب فيها إلى العراق ، فاجتمع بمحمد بن الحسن وكتب كتبه وناظره ، وعرف أصول أبي حنيفة وأصحابه ، وأخذ من الحديث ما أخذه على أهل العراق ، ثم ذهب إلى الحجاز . ثم قدم إلى العراق مرة ثانية ، وفيها صنف كتابه القديم المعروف بـ ((الحجة)) واجتمع به أحمد بن حنبل فى هذه القدمة بالعراق ، واجتمع به بمكة ، وجمع بينه وبين إسحق بن راهويه ، وتناظرا بحضور أحمد رضي الله عنهم أجمعين. ولم يجتمع بأبى يوسف ولا بالأوزاعي وغيرها ، فمن ذكر ذلك في الرحلة المضافة إليه فهو كاذب ؛ فإن تلك الرحلة فيها من الأ كاذيب عليه وعلى مالك وأبى يوسف ومحمد وغيرهم من أهل العلم مالا يخفى على عالم ، وهي من جنس كذب القصاص ، ولم يكن أبو يوسف ومحمد سعيا فى أذى الشافعي قط، ولا كان حال مالك معه ما ذكر فى تلك الرحلة الكاذبة . ثم رجع الشافعي إلى مصر وصنف كتابه الجديد ، وهو فى خطابه وكتابه ينسب إلى مذهب أهل الحجاز ، فيقول : قال : بعض أصحابنا ، وهو بعنى: أهل المدينة ؛ أو بعض علماء أهل المدينة كمالك ، ويقول فى ٣٣١ أثناء كلامه : وخالفنا بعض المشرقيين ، وكان الشافعى عند أصحاب مالك واحداً منهم ينسب إلى أصحابهم ، واختار سكنى مصر إذ ذاك لأنهم كانوا على مذهب أهل المدينة ومن يشبههم من أهل مصر ، كالليث بن سعد وأمثاله ، وكان أهل الغرب بعضهم على مذهب هؤلاء وبعضهم على مذهب الأوزاعى وأهل الشام ، ومذهب أهل الشام ومصر والمدينة متقارب ، لكن أهل المدينة أجل عند الجميع . ثم إن الشافعي - رضي الله عنه - لما كان مجتهداً فى العلم ورأى من الأحاديث الصحيحة وغيرها من الأدلة ما يجب عليه اتباعه وإن خالف قول أصحاب المدنيين: قام بما رآء واجباً عليه ، وصنف الإملاء على مسائل ابن القاسم ، وأظهر خلاف مالك فيما خالفه فيه ، وقد أحسن الشافعي فيما فعل ، وقام بما يجب عليه، وإن كان قدكره ذلك من كرهه وآذوه ، وجرت محنة مصرية معروفة ، والله يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات . وأبو يوسف ومحمدهما صاحبا أبي حنيفة ، وهما مختصان به كاختصاص الشافعي بمالك ، ولعل خلافهما له يقارب خلاف الشافعى لمالك ، وكل ذلك اتباعا للدليل وقياما بالواجب . والشافعي - رضي الله عنه - قرر أصول أصحابه والكتاب ٣٣٢ والسنة ، وكان كثير الاتباع لما صح عنده من الحديث ، ولهذا كان عبد الله بن الحكم يقول لابنه محمد: يا بني! الزم هذا الرجل فإنه صاحب حجج ، فما بينك وبين أن تقول : قال ابن القاسم فيضحك منك إلا أن تخرج من مصر. قال محمد: فلما صرت إلى العراق جلست إلى حلقة فيها ابن أبى داود، فقلت : قال ابن القاسم، فقال : ومن ابن القاسم؟ فقلت : رجل مفت يقول من مصر إلى أقصى الغرب، وأظنه قال : قلت : رحم الله أبى . وكان مقصود أبيه : اطلب الحجة لقول أصحابك ولا تتبع ، فالتقليد إنما يقبل حيث يعظم المقلد ، بخلاف الحجة فإنها تقبل في كل مكان ؛ فإن الله أوجب على كل مجتهد أن يقول بموجب ما عنده من العلم ، والله يخص هذا من العلم والفهم ما لا يخص به هذا ، وقد يكون هذا هو المخصوص بمزيد العلم والفهم فى نوع من العلم أو باب منه أو مسألة ، وهذا هو مخصوص بذلك فى نوع آخر . لكن جملة مذاهب أهل المدينة النبوية راجحة فى الجملة على مذاهب أهل المغرب والمشرق ، وذلك يظهر بقواعد جامعة : منها : قاعدة الحلال والحرام المتعلقة بالنجاسات فى المياه ، فإنه من المعلوم أن اللّه قال فى كتابه: ( وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا ٣٣٣ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ * لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم بِئَايَِنَايُؤْمِنُونَ الرَّسُولَ النَِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبَ عِندَهُمْ فِ التَّوْرَنَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ اَلَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ )، فالله تعالى أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث ، والخبائث نوعان : ما خبثه لعينه لمعنى قام به ، كالدم والميتة ولحم الخنزير . وما خبثه لكسبه، كالمأخوذ ظلماً ؛ أو بعقد محرم كالربا والميسر. فأما الأول فكل ما حرم ملابسته كالنجاسات حرم أكله ، وليس كل ما حرم أكله حرمت ملابسته كالسموم ، والله قد حرم علينا أشياء من المطاعم والمشارب ، وحرم أشياء من الملابس . ومعلوم أن مذهب أهل المدينة فى الأشربة أشد من مذهب الكوفيين ؛ فإن أهل المدينة وسائر الأمصار وفقهاء الحديث محرمون كل مسكر ، وإن كل مسكر خمر وحرام ، وإن ما أسكر كثيره فقليله حرام ، ولم يتنازع فى ذلك أهل المدينة لا أولهم ولا آخرم ، سواء كان من الثمار أو الحبوب ؛ أو العسل أو لبن الخيل ، أو غير ذلك. والكوفيون لا خمر عنده إلا ما اشتد من عصير العنب ، فإن طبخ قبل الاشتداد حتى ذهب ثلناه حل ، ونبيذ التمر والزبيب محرم إذا كان مسكراً نيئاً، فإن طبخ أدنى طبخ حل وإن أسكر ؛ وسائر الأنبذة ٣٣٤ تحل وإن أسكرت! لكن يحرمون المسكر منها. وأما الأطعمة فأهل الكوفة أشد فيها من أهل المدينة ؛ فإنهم مع تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ؛ وتحريم اللحم حتى يحرمون الضب والضبع ، والخيل تحرم عندم فى أحد القولين ومالك يحرم تحريماً جازما ما جاء في القرآن ، فذوات الأنياب إما أن يحرمها تحريماً دون ذلك ، وإما أن يكرهها فى المشهور ، وروي عنه كراهة ذوات المخالب ، والطير لا يحرم منها شيئاً ولا يكرهه ، وإن كان التحريم على مراتب، والخيل يكرهها ، ورويت الإباحة والتحريم أيضاً . ومن تدبر الأحاديث الصحيحة في هذا الباب علم أن أهل المدينة أتبع للسنة ، فإن باب الأشربة قد ثبت فيه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من الأحاديث ما يعلم من علمها أنها من أبلغ المتواترات ، بل قد صح عنه في النهي عن الخليطين والأوعية ما لا يخفى على عالم بالسنة وأما الأطعمة فإنه وإن قيل : إن مالكا خالف أحاديث صحيحة فى التحريم ، ففي ذلك خلاف . والأحاديث الصحيحة التى خالفها من حرم الضب وغيره تقاوم ذلك أو تربو عليه ، ثم إن هذه الأحاديث قليلة جداً بالنسبة إلى أحاديث الأشربة . ٣٣٥ وأيضاً فمالك معه فى ذلك آثار عن السلف ، كابن عباس ؛ وعائشة؛ وعبد الله بن عمر وغيرم مع ما تأوله من ظاهر القرآن ، ومبيح الأشربة ليس معه لا نص ولا قياس ، بل قوله مخالف للنص والقياس . وأيضاً فتحريم جنس الخمر أشد من تحريم اللحوم الخبيثة ، فإنها يجب اجتنابها مطلقاً، ويجب على من شربها الحد، ولا يجوز اقتناؤها. وأيضاً فمالك جوز إتلاف عينها اتباعا لما جاء من السنة فى ذلك ، ومنع من تخليلها ، وهذا كله فيه من اتباع السنة ما ليس فى قول من خالفه من أهل الكوفة ، فلما كان تحريم الشارع للأشربة المسكرة أشد من تحريمه للأطعمة : كان القول الذي يتضمن موافقة الشارع أصح . ومما يوضح هذا أن طائفة من أهل المدينة استحلت الغناء حتى صار يحكى ذلك عن أهل المدينة ! وقد قال عيسى بن إسحاق الطباع : سئل مالك عما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء ؟ فقال : إنما يفعله عندنا الفساق . ومعلوم أن هذا أخف مما استحله من استحل الأشربة ، فإنه ليس في تحريم الغناء من النصوص المستفيضة عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما فى تحريم الأشربة المسكرة ، فعلم أن أهل المدينة أتبع للسنة . ٣٣٦ ثم إن من أعظم المسائل مسألة اختلاط الحلال بالحرام لعينه. كاختلاط النجاسات بالماء وسائر المائعات ، فأهل الكوفة يحرمون كل ماء أو مائع وقعت فيه نجاسة ، قليلا كان أو كثيراً ، ثم يقدرون ما لا تصل إليه النجاسة بما لا تصل إليه الحركة ، ويقدرونه بعشرة أذرع في عشرة أذرع . ثم منهم من يقول : إن البثر إذا وقعت فيها النجاسة لم تطهر؛ بل تطم . والفقهاء منهم من يقول: تنزح ، إما دلاء مقدرة منها ؛ وإما جميعها على ما قد عرف ، لأجل قولهم ينجس الماء والمائع بوقوع النجاسة فيه . وأهل المدينة بعكس ذلك ، فلا ينجس الماء عندم إلا إذا تغير ، لكن لهم فى قليل الماء هل يتنجس بقليل النجاسة ؟ قولان . ومذهب أحمد قريب من ذلك ، وكذلك الشافعى ، لكن هذان بقدران القليل بما دون القلتين ، دون مالك . وعن مالك فى الأطعمة خلاف ؛ وكذلك فى مذهب أحمد نزاع فى سائر المائعات . ومعلوم أن هذا أشبه بالكتاب والسنة ؛ فإن اسم الماء باق ، والاسم الذي به أبيح قبل الوقوع باق ، وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بئر بضاعة وغيره على أنه لا يتنجس ، ولم يعارض ذلك إلا حديث ليس بصريح فى محل النزاع فيه ، وهو حديث النهي عن البول فى الماء الدائم ؛ فإنه قد يخص البول بالحكم. ٣٣٧ وخص بعضهم أن يبال فيه دون أن يجري إليه البول . وقد يخص ذلك بالماء القليل . وقد يقال : النهي عن البول لا يستلزم التنجيس ؛ بل قد ينهى عنه لأن ذلك يفضى إلى التنجيس إذا كثر . يقرر ذلك أنه لا تنازع بين المسلمين أن النهي عن البول فى الماء الدائم لا يعم جميع المياه ، بل ماء البحر مستثنى بالنص والإجماع ، وكذلك المصانع الكبار التى لا يمكن نزحها ، ولا يتحرك أحد طرفيها بتحرك الطرف الآخر لا ينجسه البول بالاتفاق . والحديث الصحيح الصريح لا يعارضه حديث في هذا الإجمال والاحتمال . وكذلك تنجس الماء المستعمل ونحوه : مذهب أهل المدينة ومن وافقهم فى طهارته ثابت بالأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم كحديث صب وضوئه على جابر، وقوله: ((المؤمن لا ينجس))، وأمثال ذلك . وكذلك بول الصى الذي لم يطعم ، مذهب بعض أهل المدينة ومن وافقهم لهم فيه أحاديث صحيحة عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يعارضها شيء . ٣٣٨ وكذلك مذهب مالك وأهل المدينة في أعيان النجاسات الظاهرة في العبادات أشبه شيء بالأحاديث الصحيحة وسيرة الصحابة ، ثم إنهم لا يقولون بنجاسة البول والروث مما يؤكل لحمه ، وعلى ذلك بضع عشرة حجة من النص والإجماع القديم والاعتبار ، ذكرناها في غير هذا الموضع ، وليس مع المنجس إلا لفظ يظن عمومه وليس بعام ، أو قياس يظن مساواة الفرع فيه للأصل وليس كذلك . ولما كانت النجاسات من الخبائث المحرمة لأعيانها، ومذهبهم في ذلك أخذ من مذهب الكوفيين كما فى الأطعمة : كان ما ينجسونه أولئك أعظم ، وإذا قيل له : خالف حديث الولوغ ونحوه فى النجاسات فهو كما يقال : إنه خالف حديث سباع الطير ونحوه ، ولا ريب أن هذا أقل مخالفة للنصوص ممن ينجس روث ما يؤكل لحمه وبوله ؛ أو بعض ذلك ، أو يكره سؤر الهرة . وقد ذهب بعض الناس إلى أن جميع الأدوات والأبوال طاهرة إلا بول الإنسى وعذرته ، وليس هذا القول بأبعد فى الحجة من قول من ينجس الذي يذهب إليه أهل المدينة ، من أهل الكوفة ومن وافقهم . ومن تدبر مذهب أهل المدينة وكان عالماً بسنة رسول الله صلى الله ٣٣٩ عليه وسلم تبين له قطعاً أن مذهب أهل المدينة المنتظم للتيسير في هذا الباب أشبه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المذهب المنتظم للتعسير ، وقد قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح لما بال الأعرابى فى المسجد وأمرهم بالصب على بوله، قال: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)). وهذا مذهب أهل المدينة وأهل الحديث، ومن خالفهم يقول : إنه يغسل ولا يجزىء الصب، وروى في ذلك حديثاً مرسلا لا يصح. فصل وأما النوع الثاني من المحرمات وهو المحرم لكسبه ؛ كالمأخوذ ظلماً بأنواع الغصب من السرقة والخيانة والقهر ؛ وكالمأخوذ بالربا والميسر ؛ وكالمأخوذ عوضاً عن عين أو نفع محرم؛ كثمن الخمر والدم ؛ والخنزير والأصنام ، ومهر البغي وحلوان الكاهن ؛ وأمثال ذلك : فمذهب أهل المدينة فى ذلك من أعدل المذاهب ، فإن تحريم الظلم وما يستلزم الظلم أشد من تحريم النوع الأول ؛ فإن الله حرم الخبائث من المطاعم إذ هي تغذى تغذية خبيثة توجب للإنسان الظلم ، كما إذا اغتذى من الخنزير والدم والسباع ؛ فإن المغذى شبيه بالمغتذى به ، فيصير فى نفسه من البغي والعدوان بحسب ما اغتذى منه . ٣٤٠