Indexed OCR Text

Pages 301-320

تعالى عليه وسلم . وخرج منها العلم والإيمان خمسة : الحرمان ،
والعراقان، والشام ؛ منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما
يتبع ذلك من أمور الإسلام .
وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية .
فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء ، وانتشر بعد ذلك فى غيرها .
والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد ، وانتشر
بعد ذلك في غيرها .
والشام كان بها النصب والقدر .
وأما التجهم فإنما ظهر من ناحية خراسان ، وهو شر البدع .
وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية ، فلما حدثت
الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية ، وتقدم بعقوبتها الشيعة
من الأصناف الثلاثة الغالية ، حيث حرقهم علي بالنار ، والمفضلة حيث
تقدم بجلدم ثمانين ، والسبائية حيث توعدم وطلب أن يعاقب ابن
سبأ بالقتل أو بغيره فهرب منه .
ثم فى أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية فى آخر عصر ابن عمر،
٣٠١

وابن عباس ؛ وجابر ؛ وأمثالهم من الصحابة .
وحدثت المرجئة قريباً من ذلك .
وأما الجهمية فإنما حدثوا فى أواخر عصر التابعين ، بعد موت عمر
ابن عبد العزيز ، وقد روى أنه أنذر بهم، وكان ظهور جهم بخراسان
فى خلافة هشام بن عبد الملك ، وقد قتل المسلمون شيخهم الجعد بن
درهم قبل ذلك ، ضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال: يا أيها
الناس ! ضحوا تقبل الله ضحاياكم ، فإني مضح بالجعد بن درم ، إنه زعم
أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول
الجعد بن درم علوا كبيراً ، ثم نزل فذبحه . وقد روى أن ذلك بلغ
الحسن البصري وأمثاله من التابعين فشكروا ذلك .
وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان
بها من هو مضمر لذلك فكان عندهم مهانا مذموما ؛ إذ كان بها قوم
من القدرية وغيرهم ، ولكن كانوا مذمومين مقهورين ، بخلاف التشيع
والإرجاء بالكوفة ، والاعتزال وبدع النساك بالبصرة ، والنصب بالشام ؛
فإنه كان ظاهراً .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن
٣٠٢

الدجال لا يدخلها ، وفي الحكاية المعروفة أن عمرو بن عبيد وهو رأس
المعتزلة مر بمن كان يناجي سفيان الثوري ولم يعلم أنه سفيان ، فقال عمرو
لذلك الرجل : من هذا ؟ فقال : هذا سفيان الثوري ، أو قال : من
أهل الكوفة ، قال : لو علمت بذلك لدعوته إلى رأيى، ولكن ظنفته
من هؤلاء المدنيين الذين يجيئونك من فوق ، ولم يزل العلم والإيمان
بها ظاهراً إلى زمن أصحاب مالك وم أهل القرن الرابع ؛ حيث أخذ
ذلك القرن عن مالك وأهل طبقته ، كالثوري ؛ والأوزاعي ؛ والليث
ابن سعد؛ وحماد بن زيد ؛ وحماد بن سلمة ؛ وسفيان بن عيينة ؛
وأمثالهم . وهؤلاء أخذوا عن طوائف من التابعين ، وأولئك أخذوا
عمن أدركوا من الصحابة .
والكلام في إجماع أهل المدينة فى تلك الأعصار .
والتحقيق في (( مسألة إجماع أهل المدينة )» أن منه ما هو متفق عليه
بين المسلمين ؛ ومنه ماهو قول جمهور أئمة المسلمين ؛ ومنه مالا يقول
به إلا بعضهم .
وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب .
((الأولى)) ما يجري مجرى النقل عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم،
٣٠٣

مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد ؛ وكترك صدقة الخضراوات والأحباس ،
فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء . أما الشافعي وأحمد وأصحابها فهذا
حجة عندهم بلا نزاع ، كما هو حجة عند مالك. وذلك مذهب أبي
حنيفة وأصحابه .
قال أبو يوسف - رحمه الله ، وهو أجل أصحاب أبى حنيفة ،
وأول من لقب قاضي القضاة - لما اجتمع بمالك وسأله عن هذه
المسائل ، وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر ، رجع أبو يوسف إلى
قوله ، وقال : لو رأى صاحبى مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت .
فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما
هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل ، كما لم يبلغه ولم
يبلغ غيره من الأئمة كثير من الحديث ، فلا لوم عليهم فى ترك مالم يبلغهم
علمه . وكان رجوع أبى يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث
كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد ، وتركا قول شيخهما ؛ لعلمهما بأن
شيخها كان يقول : إن هذه الأحاديث أيضاً حجة إن صحت لكن
لم تبلغه .
ومن ظن بأبى حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون
مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم ، وتكلم إما
بظن وإما بهوى ، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ فى
٣٠٤

السفر مخالفة للقياس ، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس ؛
لاعتقاده صحتها ، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما .
وقد بينا هذا في رسالة ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام )) ، وبينا
أن أحداً من أئمة الإسلام لا يخالف حديثا صحيحاً بغير عذر ، بل لهم
نحو من عشرين عذراً، مثل أن يكون أحدم لم يبلغه الحديث ؛ أو
بلغه من وجه لم يثق به، أو لم يعتقد دلالته على الحكم؛ أو اعتقد أن
ذلك الدليل قد عارضه ما هو أقوى منه كالناسخ ؛ أو ما يدل على
الناسخ ، وأمثال ذلك . والأعذار يكون العالم فى بعضها مصيبا فيكون له
أجران ، ويكون فى بعضها مخطئاً بعد اجتهاده فيثاب على اجتهاده وخطؤه
مغفور له ؛ لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ) ، وقد
ثبت فى الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء وقال: ((قد فعلت))،
ولأن العلماء ورثة الأنبياء .
وقد ذكر الله عن داود وسليمان أنها حكما فى قضية، وأنه فهمها
أحدهما : ولم يعب الآخر ؛ بل أثنى على كل واحد منها بأنه آتاه حكما
وعلما، فقال: ( وَدَاوُودَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَزَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اَلْقَوْمِ
وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلّ ◌َانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) .
٣٠٥

وهذه الحكومة تتضمن مسألتين تنازع فيهما العلماء : مسألة نفش
الدواب في الحرث بالليل ، وهو مضمون عند جمهور العلماء ؛ كمالك ،
والشافعي، وأحمد . وأبو حنيفة لم يجعله مضمونا. والثانى ضمان بالمثل
والقيمة ، وفى ذلك نزاع فى مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما .
والمأثور عن أكثر السلف فى نحو ذلك يقتضي الضمان بالمثل إذا
أمكن كما قضى به سليمان ، وكثير من الفقهاء لا يضمنون ذلك إلا
بالقيمة ، كالمعروف من مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد .
والمقصود هنا: أن عمل أهل المدينة الذي يجرى مجرى النقل حجة
باتفاق المسلمين ، كما قال مالك لأبي يوسف - لما سأله عن الصاع والمد.
وأمر أهل المدينة بإحضار صيعاتهم، وذكروا له أن إسنادها عن أسلافهم -
أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون ؟ قال : لا والله ما يكذبون ، فأنا
حررت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل
العراق . فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبى
ما رأيت لرجع كما رجعت . وسأله عن صدقة الخضراوات فقال: هذه
مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما ، يعنى : وهي تنبت
فيها الخضراوات . وسأله عن الأحباس فقال : هذا حبس فلان، وهذا
حبس فلان ، يذكر لبيان الصحابة ، فقال أبو يوسف في كل منها :
٣٠٦

قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبى ما رأيت لرجع
كما رجعت .
وأبو يوسف ومحمد وافقا بقية الفقهاء فى أنه ليس في الخضراوات
صدقة ، كمذهب مالك والشافعي وأحمد ، وفى أنه ليس فيما دون
خمسة أوسق صدقة ، كمذهب هؤلاء ، وأن الوقف عنده لازم ،
کمذهب هؤلاء .
وإنما قال مالك: أرطالكم يا أهل العراق ؛ لأنه لما انقرضت الدولة
الأموية وجاءت دولة ولد العباس قريباً . فقام أخوه أبو جعفر الملقب
بالمنصور فنى بغداد فجعلها دار ملكه، وكان أبو جعفر يعلم أن أهل
الحجاز حينئذ كانوا أعنى بدين الإسلام من أهل العراق ، ويروى أنه
قال ذلك لمالك أو غيره من علماء المدينة ، قال : نظرت فى هذا الأمر
فوجدت أهل العراق أهل كذب وتدليس ؛ - أو نحو ذلك -
ووجدت أهل الشام إمام أهل غزو وجهاد ، ووجدت هذا
الأمر فيكم . ويقال: إنه قال لمالك : أنت أعلم أهل الحجاز ؛ أو
كما قال .
فطلب أبو جعفر علماء الحجاز أن يذهبوا إلى العراق ، وينشروا
العلم فيه ، فقدم عليهم هشام بن عروة ؛ ومحمد بن إسحق ؛ ويحيى بن
٣٠٧

سعيد الأنصاري ؛ وربيعة بن أبي عبد الرحمن ؛ وحنظلة بن أبى سفيان
الجمحي ؛ وعبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون ، وغير هؤلاء . وكان
أبو يوسف يختلف فى مجالس هؤلاء ويتعلم منهم الحديث ، وأكثر عمن
قدم من الحجاز ؛ ولهذا يقال فى أصحاب أبى حنيفة : أبو يوسف
أعلمهم بالحديث : وزفر أطردهم للقياس ، والحسن بن زياد اللؤلؤي
أكثرهم تفريعا ، ومحمد أعلمهم بالعربية والحساب ؛ وربما قيل أكثرم
تفريعا ، فلما صارت العراق دار الملك واحتاج الناس إلى تعريف أهلها
بالسنة والشريعة غير المكيال الشرعي برطل أهل العراق ، وكان رطلهم
بالحنطة الثقيلة والعدس إذ ذاك تسعين مثقالا : مائة وثمانية وعشرون
درهما وأربعة أسباع الدرم . فهذا هو المرتبة الأولى لإجماع أهل المدينة ،
وهو حجة باتفاق المسلمين .
((المرتبة الثانية)) العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان ،
فهذا حجة فى مذهب مالك ، وهو المنصوص عن الشافعي ، قال في
رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء
فلا تتوقف في قلبك ريبا أنه الحق . وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما
سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها ، وقال أحمد : كل بيعة
كانت في المدينة فهي خلافة نبوة . ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر
وعثمان كانت بالمدينة ، وكذلك بيعة علي كانت بالمدينة ثم خرج منها ،
وبعد ذلك لم يعقد بالمدينة بيعة .
٣٠٨

وقد ثبت فى الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين
المهديين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات
الأمور ؛ فإن كل بدعة ضلالة)).
وفى السنن من حديث سفينة عن الني صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم بصير ملكا عضوضا)).
فالمحكي عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين حجة وما يعلم
لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة
الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم .
و ((المرتبة الثالثة)) إذا تعارض فى المسألة دليلان حدیثین وقياسين جهل
أيها أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة ؛ ففيه نزاع. فذهب مالك
والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة . ومذهب أبى حنيفة أنه لا يرجح
بعمل أهل المدينة .
ولأصحاب أحمد وجهان : أحدهما - وهو قول القاضي أبى يعلى وابن
عقيل - أنه لا يرجح، والثانى - وهو قول أبى الخطاب وغيره - أنه يرجح
به ، قيل : هذا هو المنصوص عن أحمد . ومن كلامه قال : إذا رأى
أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغابة . وكان يفتى على مذهب أهل
٣٠٩

المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق تقريرا كثيرا ، وكان بدل
المستفتى على مذاهب أهل الحديث ومذهب أهل المدينة ، وبدل
المستفتى على إسحق ، وأبي عبيد وأبى ثور ، ونحوم من فقهاء أهل
الحديث ، وبدله على حلقة المدنيين حلقة أبى مصعب الزهري ونحوه .
وأبو مصعب هو آخر من مات من رواة الموطأ عن مالك ، مات بعد
أحمد بسنة ، سنة اثنتين وأربعين ومائتين ، وكان أحمد يكره أن يرد
على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي ، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار .
فهذه مذاهب جمهور الأمة توافق مذهب مالك فى الترجيح لأقوال
أهل المدينة .
وأما « المرتبة الرابعة)) فهي العمل المتأخر بالمدينة ، فهذا هل هو
حجة شرعية يجب اتباعه أم لا ؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس
بحجة شرعية. هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبى حنيفة وغيرم . وهو
قول المحققين من أصحاب مالك ، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهاب فى
كتابه ((أصول الفقه)) وغيره ، ذكر أن هذا ليس إجماعا ولا حجة
عند المحققين من أصحاب مالك ، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من
أصحابه ، وليس معه للأمة فص ولا دليل ، بل ثم أهل تقليد .
قلت : ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة ، وهو فى
الموطأ إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم ، فهو يحكي مذهبهم ، وتارة
٣١٠

يقول : الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا بصير إلى الإجماع القديم ،
وتارة لا يذكر .
ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة
اتباعها وإن خالفت النصوص لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك حد
الإمكان ، كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة التى
لا تعارض فيها وبالإجماع . وقد عرض عليه الرشيد أو غيره أن يحمل
الناس على موطئه فامتنع من ذلك ، وقال إن أصحاب رسول الله على
الله تعالى عليه وسلم تفرقوا فى الأمصار، وإنما جمعت علم أهل بلدي ،
أو كما قال .
وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تفاوت فيه مذاهب جمهور الأمة ،
علم بذلك أن قولهم : أصح أقوال أهل الأمصار رواية ورأيا ، وأنه
تارة يكون حجة قاطعة ، وتارة حجة قوية ، وتارة مرجعاً للدليل ، إذ
ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين .
ومعلوم أن من كان بالمدينة من الصحابة م خيار الصحابة ، إذ لم
يخرج منها أحد قبل الفتنة إلا وأقام بها من هو أفضل منه ، فإنه لما
فتح الشام والعراق وغيرهما أرسل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
إلى الأمصار من يعلمهم الكتاب والسنة ، فذهب إلى العراق عبد الله
٣١١

ابن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وعمار بن ياسر ، وعمران بن حصين
وسلمان الفارسي ، وغيرهم . وذهب إلى الشام معاذ بن جبل ، وعبادة
ابن الصامت ، وأبو الدرداء ، وبلال بن رباح ، وأمثالهم . وبقي عنده
مثل عثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومثل أبى بن كعب ،
ومحمد بن مسلمة ، وزيد بن ثابت ، وغيرهم .
وكان ابن مسعود - وهو أعلم من كان بالعراق من الصحابة إذ
ذاك - يفتى بالفتيا ، ثم يأتى المدينة فيسأل علماء أهل المدينة، فيردونه
من قوله فيرجع إليهم ، كما جرى فى مسألة أمهات النساء ، لما ظن ابن
مسعود أن الشرط فيها وفي الربيبة ، وأنه إذا طلق امرأته قبل الدخول
حلت أمها كما تحل ابنتها ، فلما جاء إلى المدينة وسأل عن ذلك أخبره
علماء الصحابة أن الشرط فى الربيبة دون الأمهات . فرجع إلى قولهم ،
وأمر الرجل بفراق امرأته بعد ما حملت .
وكان أهل المدينة فيما يعملون : إما أن يكون سنة عن رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم؛ وإما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن الخطاب
ويقال : إن مالكا أخذ جل الموطأ عن ربيعة ، وربيعة عن سعيد بن
المسيب ؛ وسعيد بن المسيب عن عمر ؛ وعمر محدث . وفى الترمذي
عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ((لو لم أبعث فيكم
لبعث فيكم عمر !))، وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه
٣١٢

قال: ((كان فى الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن فى أمتى أحد فعمر))
وفي السنن عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال: ((اقتدوا باللذين
من بعدي : أبى بكر وعمر )).
وكان عمر يشاور أكابر الصحابة : كعثمان ، وعلي ، وطلحة ،
والزبير ؛ وسعد ، وعبد الرحمن ؛ وثم أهل الشورى ؛ ولهذا قال
الشعبى انظروا ما قضى به عمر ؛ فإنه كان يشاور . ومعلوم أن ما كان
يقضي أو يفتى به عمر ويشاور فيه هؤلاء أرجح مما يقضي أو يفتى به ابن
مسعود أو نحوه ؛ رضي الله عنهم أجمعين.
وكان عمر فى مسائل الدين والأصول والفروع إنما يتبع ما قضى
به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يشاور علياً وغيره من أهل
الشورى ، كما شاوره في المطلقة المعتدة الرجعية فى المرض إذا مات
زوجها : هل ترث ؟ وأمثال ذلك .
فلما قتل عثمان وحصلت الفتنة والفرقة ، وانتقل علي إلى العراق ،
هو وطلحة والزبير ، لم يكن بالمدينة من هو مثل هؤلاء ، ولكن كان
بها من الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص ، وأبي أيوب؛ ومحمد بن
مسلمة ؛ وأمثالهم من هو أجل ممن مع علي من الصحابة .
فأعلم من كان بالكوفة من الصحابة علي وابن مسعود ، وعلي كان
٣١٣

بالمدينة إذ كان بها عمر وعثمان وابن مسعود ، وهو نائب عمر وعثمان ،
ومعلوم أن عليا مع هؤلاء أعظم علما وفضلا من جميع من معه من
أهل العراق ، ولهذا كان الشافعي يناظر بعض أهل العراق فى الفقه
محتجا على المناظر بقول علي وابن مسعود، فصنف الشافعي ((كتاب اختلاف
علي وعبد الله)) يبين فيه ما تركه المناظر وغيره من أهل العلم من قولها.
وجاء بعده محمد بن نصر المروزي فصف فى ذلك أكثر مما صنف
الشافعي ، قال: إنكم وسائر المسلمين تتركون قوليها لما هو راجح من
قوليها ، وكذلك غيركم يترك ذلك لما هو راجح منه .
ومما يوضح الأمر في ذلك : أن سائر أمصار المسلمين غير الكوفة
كانوا منقادين لعلم أهل المدينة ، لا يعدون أنفسهم أكفاءهم في العلم،
كأهل الشام ومصر ، مثل الأوزاعي ومن قبله وبعده من الشاميين ،
ومثل الليث بن سعد ومن قبل ومن بعد من المصريين ، وأن تعظيمهم
لعمل أهل المدينة واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بين. وكذلك علماء أهل
البصرة ، كأيوب ، وحماد بن زيد؛ وعبد الرحمن بن مهدي ؛ وأمثالهم.
ولهذا ظهر مذهب أهل المدينة في هذه الأمصار ، فإن أهل مصر
صاروا نصرة لقول أهل المدينة ، وم أجلاء أصحاب مالك المصريين ،
كابن وهب ؛ وابن القاسم ؛ وأشهب؛ وعبد الله بن الحكم. والشاميون
٣١٤

مثل الوليد بن مسلم ؛ ومروان بن محمد، وأمثالهم؛ لهم روايات معروفة
عن مالك .
وأما أهل العراق كعبد الرحمن بن مهدي ، وحماد بن زيد ؛ ومثل
إسماعيل بن إسحق القاضي ، وأمثالهم ؛ كانوا على مذهب مالك ؛ وكانوا
قضاة القضاة ، وإسماعيل ونحوه كانوا من أجل علماء الإسلام .
وأما الكوفيون بعد الفتنة والفرقة يدعون مكافاة أهل المدينة ،
وأما قبل الفتنة والفرقة فقد كانوا متبعين لأهل المدينة ومنقادين لهم،
لا يعرف قبل مقتل عثمان أن أحدا من أهل الكوفة أو غيرها يدعى
أن أهل مدينته أعلم من أهل المدينة ، فلما قتل عثمان وتفرقت الأمة
وصاروا شيعا ظهر من أهل الكوفة من يساوى بعلماء أهل الكوفة
علماء أهل المدينة .
ووجه الشبهة في ذلك أنه ضعف أمر المدينة لخروج خلافة النبوة
منها ، وقوي أمر أهل العراق الحصول علي فيها ، لكن ما فيه الكلام
من مسائل الفروع والأصول قد استقر فى خلافة عمر . ومعلوم أن
قول أهل الكوفة مع سائر الأمصار قبل الفرقة أولى من قولهم
وحديثهم بعد الفرقة، قال عبيدة السلماني قاضى على - رضى الله عنه -
رأيك مع عمر فى الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة .
٣١٥

ومعلوم أنه كان بالكوفة من الفتنة والتفرق مادل عليه النص
والإجماع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الفتنة من ههنا؛ الفتنة
من ههنا ؛ الفتنة من ههنا؛ من حيث يطلع قرن الشيطان)) ، وهذا
الحديث قد ثبت عنه في الصحيح من غير وجه .
ومما يوضح الأمر فى ذلك أن العلم: إما رواية، وإما رأى، وأهل
المدينة أصح أهل المدن رواية ورأيا . وأما حديثهم فأصح الأحاديث ،
وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل
المدينة ، ثم أحاديث أهل البصرة ، وأما أحاديث أهل الشام فهي دون
ذلك ؛ فإنه لم يكن لهم من الإسناد المتصل وضبط الألفاظ ما لهؤلاء ،
ولم يكن فيهم - يعنى أهل المدينة ، ومكة، والبصرة ؛ والشام - من
يعرف بالكذب ، لكن منهم من يضبط ومنهم من لا يضبط .
وأما أهل الكوفة فلم يكن الكذب فى أهل بلد أكثر منه فيهم
ففي زمن التابعين كان بها خلق كثيرون منهم معروفون بالكذب،
لا سيما الشيعة، فإنهم أكثر الطوائف كذباً باتفاق أهل العلم ؛ ولأجل
هذا يذكر عن مالك وغيره من أهل المدينة أنهم لم يكونوا يحتجون
بعامة أحاديث أهل العراق ؛ لأنهم قد علموا أن فيهم كذابين ، ولم
يكونوا يميزون بين الصادق والكاذب ، فأما إذا علموا صدق الحديث
فإنهم يحتجون به ، كما روى مالك عن أيوب السختيانى وهو عراقي ، فقيل
٣١٦

له [فى] ذلك فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، أو نحو هذا.
وهذا القول هو القول القديم للشافعي ، حتى روى أنه قيل له:
إذا روى سفيان ، عن منصور عن علقمة، عن عبد الله حديثا لا يحتج
به ، فقال: إن لم يكن له أصل بالحجاز وإلا فلا ، ثم إن الشافعي
رجع عن ذلك ، وقال لأحمد بن حنبل : أنتم أعلم بالحديث منا ، فإذا
صح الحديث فأخبرنى به حتى أذهب إليه، شامياً كان أو بصريا أو كوفياً
ولم يقل مكياً أو مدنياً لأنه كان يحتج بهذا قبل .
وأما علماء أهل الحديث كشعبة ويحيى بن سعيد وأصحاب الصحيح
والسنن فكانوا يميزون بين الثقات الحفاظ وغيرم فيعلمون من بالكوفة
والبصرة من الثقات الذين لا ريب فيهم ، وأن فيهم من هو أفضل
من كثير من أهل الحجاز ، ولا يستريب عالم فى مثل أصحاب عبد الله
ابن مسعود ، كعلقمة ؛ والأسود ؛ وعبيدة السلمانى ؛ والحارث التيمي،
وشريح القاضي ، ثم مثل إبراهيم النخعي ؛ والحكم بن عتيبة، وأمثالهم
من أوثق الناس وأحفظهم ، فلهذا صار علماء أهل الإسلام متفقين على
الاحتجاج بما صححه أهل العلم بالحديث من أي مصر كان ، وصنف أبو
داود السجستانى مفاريد أهل الأمصار يذكر فيه ما انفرد أهل كل
مصر من المسلمين من أهل العلم بالسنة .
٣١٧

وأما الفقه والرأي فقد على أن أهل المدينة لم يكن فيهم من ابتدع
بدعة في أصول الدين ، ولما حدث الكلام في الرأي فى أوائل الدولة
العباسية ، وفرع لهم ربيعة بن هرمز فروعا ، كما فرع عثمان البستى
وأمثاله بالبصرة ، وأبو حنيفة وأمثاله بالكوفة ، وصار فى الناس من يقبل
ذلك ، وفيهم من يرد ، وصار الرادون لذلك مثل هشام بن عروة ،
وأبي الزناد ، والزهري ، وابن عيينة وأمثالهم ؛ فإن ردوا ما ردوا من
الرأي المحدث بالمدينة فهم للرأي المحدث بالعراق أشد رداً ، فلم يكن أهل
المدينة أكثر من أهل العراق فيمالا يحمد وم فوقهم فيما يحمدونه وبهذا
يظهر الرجحان .
وأما ما قال هشام بن عروة : لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا
حتى فشى فيهم المولدون : أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي ، فضلوا
وأضلوا . قال ابن عيينة : فنظرنا فى ذلك فوجدنا ما حدث من الرأي
إنما هو من المولدين أبناء سبايا الأمم، وذكر بعض من كان بالمدينة
وبالبصرة وبالكوفة ، والذين بالمدينة أحمد عند هذا ممن بالعراق من
أهل المدينة .
ولما قال مالك - رضي الله عنه - عن إحدى الدولتين إنهم
كانوا أتبع للسنن من الدولة الأخرى ، قال ذلك لأجل ما ظهر بمقاربتها
من الحدثان ، لأن أولئك أولى بالخلافة نسبا وقرناً .
٣١٨

وقد كان المنصور والمهدي والرشيد - وهم سادات خلفاء بنى
العباس - يرجحون علماء الحجاز وقولهم على علماء أهل العراق ، كما
كان خلفاء بني أمية يرجحون أهل الحجاز على علماء أهل الشام ، ولما
كان فيهم من لم يسلك هذا السبيل بل عدل إلى الآراء المشرقية كثرت
الأحداث فيهم وضعفت الخلافة .
ثم إن بغداد إنما صار فيها من العلم والإيمان ما صار وترجحت
على غيرها بعد موت مالك وأمثاله من علماء أهل الحجاز ؛ وسكنها
من أفشى السنة بها وأظهر حقائق الإسلام ، مثل أحمد بن حنبل ،
وأبى عبيد. وأمثالهما من فقهاء أهل الحديث ، ومن ذلك الزمان ظهرت
بها السنة فى الأصول والفروع ، وكثر ذلك فيها وانتشر منها إلى
الأمصار ، وانتشر أيضاً من ذلك الوقت في المشرق والمغرب ، فصار
في المشرق مثل إسحاق بن إبراهيم بن راهويه وأصحابه وأصحاب عبد
الله بن المبارك ، وصار إلى المغرب من علم أهل المدينة ما نقل إليهم من
علماء الحديث ، فصار فى بغداد وخراسان والمغرب من العلم مالا يكون
مثله إذ ذاك بالحجاز والبصرة .
أما أحوال الحجاز فلم يكن بعد عصر مالك وأصحابه من علماء الحجاز
من يفضل على علماء المشرق والعراق والمغرب .
٣١٩

وهذا باب يطول تتبعه ، ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة
وصحة أصولهم لطال الكلام .
إذا تبين ذلك ؛ فلا ريب عند أحد أن مالكا - رضي الله
عنه - أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا؛ فإنه لم يكن فى
عصره ولا بعده أقوم بذلك منه ، كان له من المكانة عند أهل الإسلام
- الخاص منهم والعام - ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام ،
وقد جمع الحافظ أبو بكر الخطيب أخبار الرواة عن مالك فبلغوا ألفاً
وسبعمائة أو نحوها ، وهؤلاء الذين اتصل إلى الخطيب حديثهم بعد قريب
من ثلاثمائة سنة ، فكيف بمن انقطعت أخبارهم أو لم يتصل إليه خبرم
فإن الخطيب توفى سنة اثنتين وستين وأربعمائة ، وعصره وعصر ابن عبد
البر والبيهقي والقاضي أبي يعلى وأمثال هؤلاء واحد ، ومالك توفي سنة
تسع وسبعين ومائة ، وتوفى أبو حنيفة سنة خمسين ومائة ، وتوفي
الشافعي سنة أربع وماتتين ، وتوفى أحمد بن حنبل سنة إحدى
وأربعين وماتتين ، ولهذا قال الشافعي - رحمه الله - ما تحت أديم
السماء كتاب أكثر صوابا بعد كتاب الله من موطأ مالك . وهو كما قال
الشافعي رضي الله عنه .
وهذا لا يعارض ما عليه أئمة الإسلام من أنه ليس بعد القرآن
كتاب أصح من صحيح البخاري ومسلم ، مع أن الأئمة على أن البخاري
٣٢٠