Indexed OCR Text
Pages 201-220
بلام بفسقهم حيث أتى بالحيتان يوم التحريم ومنعها يوم الإباحة . كما يؤنى المحرم المبتلى بالصيد يوم إحرامه . ولا يؤتى به يوم حله ؛ أو يؤنى بمن يعامله رباً ولا يؤتى بمن يعامله بيعاً . ومن ذلك مجيء الإباحة والإسقاط نعمة، وهذا كثير ، كقوله : ( اُلْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ ) ، وقد تقدم نظائرها . ۔ ٢٠١ وقال رحم الله: أما فى المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء ، حتى يوجبوه فى المسائل التى تنازع فيها فضلاء الأمة ، قالوا : لأن العلم بها واجب ، ولا يحصل العلم إلا بالنظر الخاص . وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك ؛ فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على محصيل العلم ، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق ، فكيف يكلف العلم بها ؟ وأيضاً فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص ، بل بطرق أخر : من اضطرار وكشف وتقليد من يعلم أنه مصيب وغير ذلك . وبإزاء هؤلاء قوم من المحدثة والفقهاء والعامة قد يحرمون النظر في دقيق العلم والاستدلال والكلام فيه ، حتى ذوى المعرفة به وأهل الحاجة إليه من أهله ، ويوجبون التقليد فى هذه المسائل أو الإعراض عن تفصيلها . ٢٠٢ وهذا ليس بجيد أيضاً ؛ فإن العلم النافع مستحب ، وإنما يكره إذا كان كلاماً بغير علم ، أو حيث يضر ، فإذا كان كلاما بعلم ولا مضرة فيه فلا بأس به ، وإن كان نافعاً فهو مستحب ، فلا إطلاق القول بالوجوب صحيحاً ، ولا إطلاق القول بالتحريم صحيحاً . وكذلك المسائل الفروعية : من غالية المتكلمة والمتفقهة من يوجب النظر والاجتهاد فيها على كل أحد ، حتى على العامة ! وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان طلب عليها واجباً على الأعيان فإنما يجب مع القدرة ، والقدرة على معرفتها من الأدلة المفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة . وبإزائهم من أتباع المذاهب من يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة : علمائهم ، وعوامهم . ومن هؤلاء من يوجب التقليد بعد عصر أبى حنيفة ومالك مطلقاً ثم هل يجب على كل واحد اتباع شخص معين من الأئمة يقلده فى عزاءمه ورخصه ؟ على وجهين . وهذان الوجهان ذكرهما أصحاب أحمد والشافعي ، لكن هل يجب على العامي ذلك ؟ والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد حائز فى الجملة ؛ والتقليد ٢٠٣ جائز فى الجملة ، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد . ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد ، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد ، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد . فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد ؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد : إما لتكافؤ الأدلة ، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد ، وإما لعدم ظهور دليل له ؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد ، كما لو عجز عن الطهارة بالماء . وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزى والانقسام ، فالعبرة بالقدرة والعجز ، وقد يكون الرجل قادراً فى بعض عاجزاً فى بعض ، لكن القدرة على الاجتهاد لا تكون إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب ، فأما مسألة واحدة من فن فيبعد الاجتهاد فيها ، والله سبحانه أعلم. ٢٠٤ وقال شيخ الإسلام فصل وأما حلف كل واحد : أن أفضل المذاهب مذهب فلان : فهذا إن كان كل منهم يعتقد أن الأمر كما حلف عليه ففيها قولان : أظهرهما : لا يحنث واحد منهم . والثانى : يحنثون ، إلا واحداً منهم؛ فإن حثه مشكوك فيه ؛ يجوز أن يكون صادقا ، ويجوز كونهم سواء فيحنون كلهم ، وإذا حنثوا إلا واحداً منهم وقد وقع الشك فى عينه فهي كما لو قال أحد الزوجين : إن كان غراباً فزوجته طالق ، وقال الآخر : إن لم يكن غراباً فزوجته طالق ، وهذه فيها قولان فى مذهب أحمد وغيره : أحدهما : لا يقع بواحد منها طلاق ، وهو مذهب الشافعي وغيره ، لكن يكف كل منها عن وطء زوجته قيل : حتماً ، وقيل : ردعا . والقول الثانى: أنه يقع بأحدهما كما لو كان الحالف واحداً وأوقعه ٢٠٥ بإحدى زوجتيه، وعلى هذا فهل تخرج المطلقة بالقرعة ؛ أو يوقف الأمر ؟ على قولين أيضاً في مذهب أحمد ، والوقف قول الشافعي . والصحيح أن من حلف على شيء يعتقده كما لو حلف عليه فتبين بخلافه فلا طلاق عليه، وأما مالك فإنه يحنث الجميع ولو تبين صدق الحالف ؛ بناء على أصله فيمن حلف على ما لا يعلم صحته، كما لو حلف أنه يدخل الجنة ، والنزاع فيها كالنزاع فى أصل تلك المسألة. وجمهور العلماء لا يوقعون الطلاق لأجل الشك ، ومالك يوقعه لعدم على الحالف بما حلف عليه ، فهذه كما لو حلف واحد على ما لا يعلمه ولم يناقضه غيره ، مثل أن يحلف أن مذهب فلان أفضل وهو غير عالم بذلك . ٢٠٦ وسئل : عمن يقلد بعض العلماء فى مسائل الاجتهاد : فهل ينكر عليه أم يهجر ؟ وكذلك من يعمل بأحد القولين؟ فأجاب: الحمد لله . مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر، ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه، وإذا كان فى المسألة قولان : فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم فى بيان أرجح القولين ، والله أعلم . ٢٠٧ ومثل رضي اللّه عنه ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - فى رجل سئل إيش مذهبك ؟ فقال : محمدي ، أتبع كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ينبغي لكل مؤمن أن يتبع مذهباً ومن لا مذهب له فهو شيطان ! فقال : إيش كان مذهب أبى بكر الصديق والخلفاء بعده - رضي الله عنهم -؟ فقيل له : لا ينبغي لك إلا أن تتبع مذهباً من هذه المذاهب ، فأيهما المصيب ؟ أفتونا مأجورين ! فأحاب : الحمد لله. إنما يجب على الناس طاعة الله والرسول، وهؤلاء أولوا (أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الأمر الذين أمر الله بطاعتهم فى قوله : إنما يجب طاعتهم تبعاً لطاعة الله ورسوله لا استقلالا، اُلْأَمْيِ مِنْكُمْ ) ثم قال: (فَإِن تَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللَّهِ وَالَرَّسُولِ إِنَ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاُلْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتى من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ٢٠٨ ورسوله من أي مذهب كان ، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء فى كل ما يقول ، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به ، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يسوغ له ، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق ، بل كل أحد عليه أن يتقى الله ما استطاع ، ويطلب على ما أمر الله به ورسوله ، فيفعل المأمور، ويترك المحظور . والله أعلم. ٢٠٩ وسئل شيخ الإسلام رحمه الله: عن رجل تفقه فى مذهب من المذاهب الأربعة وتبصر فيه ، واشتغل بعده بالحديث ، فرأى أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخاً ولا مخصصاً ولا معارضاً ، وذلك المذهب مخالف لها : فهل يجوز له العمل بذلك المذهب ؟ أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالأحاديث ويخالف مذهبه ؟ فأجاب : الحمد لله . قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن الله سبحانه وتعالى فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها يقول : أطيعونى ما أطعت الله ، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم . واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً فى كل ما يأمر به وينهى ٢١٠ عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال غير واحد من الأئمّة : كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهؤلاء الأئمة الأربعة رضى الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم فى كل ما يقولونه ، وذلك هو الواجب عليهم ؛ فقال أبو حنيفة : هذا رأيى وهذا أحسن ما رأيت ؛ فمن جاء برأي خير منه قبلناه ، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بمالك فسأله عن مسألة الصاع ؛ وصدقة الخضراوات ؛ ومسألة الأجناس ؛ فأخبره مالك بما تدل عليه السنة في ذلك ، فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبى ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت . ومالك كان يقول : إنما أنا بشر أصيب وأخطئ ، فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة ، أو كلاما هذا معناه . والشافعي كان يقول : إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط ، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي . وفى مختصر المزنى لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه قال : مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء . والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدونى ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ٢١١ ولا الثوري ، وتعلموا كما تعلمنا . وكان يقول : من قلة على الرجل أن يقلد دينه الرجال ، وقال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين))، ولازم ذلك أن من لم يفقهه اللّه في الدين لم يرد به خيراً، فيكون التفقه في الدين فرضا . والتفقه في الدين : معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية . فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين ، لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية فى جميع أموره ، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته لا كل ما يعجز عنه من التفقه، ويلزمه ما يقدر عليه . وأما القادر على الاستدلال ؛ فقيل : يحرم عليه التقليد مطلقاً ، وقيل : يجوز مطلقاً ، وقيل : يجوز عند الحاجة ؛ كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال ، وهذا القول أعدل الأقوال . والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزي والانقسام ، بل قد يكون الرجل مجتهداً فى فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة ، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه، فمن نظر فى مسألة تنازع العلماء فيها ورأى مع أحد القولين نصوصاً لم يعلم لها معارضاً بعد نظر مثله فهو بين أمرين : ٢١٢ إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه ؛ ومثل هذا ليس بحجة شرعية ، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره، واشتغال على مذهب إمام آخر . وإما أن يتبع القول الذي ترجح فى نظره بالنصوص الدالة عليه ، وحينئذ فتكون موافقته لإمام يقاوم ذلك الإمام ، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل ، فهذا هو الذي يصلح . وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال : إن نظر هذا قاصر ، وليس اجتهاده قائماً فى هذه المسألة ؛ لضعف آلة الاجتهاد فى حقه . أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النص فهذا يجب عليه اتباع النصوص ، وإن لم يفعل كان متبعاً الظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله ، بخلاف من يقول : قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَمَاأَسْتَطَعْتُمْ ) ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))، والذي تستطيعه من العلم والفقه فى هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح ، فعليك أن تتبع ذلك ، ثم إن تبين لك فيما بعد أن النص معارضاً راجحاً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى ٢١٣ قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه ، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه وترك القول الذي وضحت حجته ، أو الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة واتباع هوى ، فهذا مذموم . وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه - لاسيما إذا كان قد رواه أيضاً - فمثل هذا وحده لا يكون عذراً فى ترك النص ، فقد بينا فيما كتبناه فى ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) نحو عشرين عذراً للأئمة فى ترك العمل ببعض الحديث ، وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار ، وأما نحن فمعذورون فى تركها لهذا القول . فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح ؛ أو أن راويه مجهول ونحو ذلك؛ ويكون غيره قد على صحته وثقة راويه : فقد زال عذر ذلك فی حق هذا ، ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه ؛ أو القياس؛ أو عمل لبعض الأمصار ؛ وقد تبين للآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه ؛ وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ؛ ومقدم على القياس والعمل : لم يكن عذر ذلك الرجل عذراً في حقه ؛ فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه ، لاسيما إذا كان التارك للحديث معتقداً أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار ، أهل المدينة النبوية وغيرها ، الذين يقال : إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ أو معارض براجح ، وقد بلغ من بعده أن المهاجرين ٢١٤ والأنصار لم يتركوه ، بل عمل به طائفة منهم ؛ أو من سمعه منهم ؛ ونحو ذلك مما يقدح فى هذا المعارض للنص . وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد : أنت أعلى أم الإمام الفلانى؟ كانت هذه معارضة فاسدة ؛ لأن الإمام الفلاني قد خالفه فى هذه المسألة من هو نظيره من الأئمّة ، ولست أعلم من هذا ولا هذا ، ولكن نسبة هؤلاء إلى الأئمة [ كنسبة] أبى بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم إلى الأئمة وغيرم ، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء فى موارد النزاع ؛ وإذا تنازعوا فى شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر: فكذلك موارد النزاع بين الأئمة ، وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود في مسألة تيمم الجنب ، وأخذوا بقول من هو دونها كأبى موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة ، وتركوا قول عمر في دية الأصابع ، وأخذوا بقول معاوية لما كان معه من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( هذه وهذه سواء)). وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس فى المتعة فقال له : قال أبو بكر وعمر ، فقال ابن عباس : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ! أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر ؟. ٢١٥ وكذلك ابن عمر لما سألوه فنها فأمر بها فعارضوا بقول عمر ، فتبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه ، فألحوا عليه فقال لهم: أمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع أم أمر عمر ؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر وابن عباس . ولو فتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله ، ويبقى كل إمام فى أتباعه بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم فى أمته ، وهذا تبديل للدين يشبه ماعاب الله به النصارى فى قوله: ( أَتَّخَذُواْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهُبَنَهُمْ أَرْبَابَامِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًاً لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله وحده. ٢١٦ وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه هل لازم المذهب مذهب أم لا ؟ . فأجاب : وأما قول السائل : هل لازم المذهب مذهب أم ليس بمذهب ؟ فالصواب : أن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه ؛ فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبا عليه ، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال ، غير التزامه اللوازم التى يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو أكثر ، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها ، لكن لم يعلم أنها تلزمه ، ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة ؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة ، وكل من لم يثبت بين الاسمين قدراً مشتركا لزم أن لا يكون شيء من الإيمان بالله ومعرفته والإقرار به إيماناً؛ فإنه ما من شيء يثبته القلب إلا وبقال فيه نظير ما يقال فى الآخر ، ولازم قول هؤلاء يستلزم قول غلاة الملاحدة المعطلين ، الذين ثم أكفر من اليهود والنصارى . ٢١٧ لكن نعلم أن كثيراً ممن ينفي ذلك لا يعلم لوازم قوله ، بل كثير منهم يتوهم أن الحقيقة ليست إلا محض حقائق المخلوقين ، وهؤلاء جهال بمسمى الحقيقة والمجاز ، وقولهم افتراء على اللغة والشرع ، وإلا فقد يكون المعنى الذي يقصد به نفي الحقيقة نفي مماثلة صفات الرب سبحانه لصفات المخلوقين ، قيل له : أحسنت فى نفى هذا المعنى الفاسد ، ولكن أخطأت فى ظنك أن هذا هو حقيقة ما وصف الله به نفسه ، فصار هذا بمنزلة من قال : إن الله ليس بسميع حقيقة ؛ ولا بصير حقيقة ؛ ولا متكلم حقيقة؛ لأن الحقيقة فى ذلك هو ما يعهده من سمع المخلوقين وبصرم وكلامهم ، واللّه تعالى منزه عن ذلك . فيقال له : أصبت فى تنزيه الله عن مماثلته خلقه؛ لكن أخطأت فى ظنك أنه إذا كان الله سميعاً حقيقة بصيراً حقيقة متكلما حقيقة كان هذا متضمناً لمائلته خلقه . فَكذلك لو قال القائل : إذا قلنا : إنه مستو على عرشه حقيقة لزم التجسيم واللّه منزه عنه ، فيقال له : هذا المعنى الذي سميته بجسيما ونفيته هو لازم لك إذا قلت : إن له علما حقيقة ؛ وقدرة حقيقة ، وسمعاً حقيقة ؛ وبصراً حقيقة ؛ وكلاماً حقيقة؛ وكذلك سائر ما أثبته من الصفات ؛ فإن هذه الصفات هي فى حقنا أعراض قائمة بجسم ، فإذا كنت تثبتها لله تعالى مع تنزيهك له عن مماثلة المخلوقات وما يدخل فى ذلك من التجسيم : فكذلك القول فى الاستواء ؛ ولا فرق . ٢١٨ فإن قلت : أهل اللغة إنما وضعوا هذه الألفاظ لما يختص به المخلوق فلا يكون حقيقة فى غير ذلك . قلت : ولكن هذا خطأ بإجماع الأمم: مسلمهم وكافرهم ، وبإجماع أهل اللغات ، فضلا عن أهل الشرائح والديانات ، وهذا نظير قول من يقول : إن لفظ الوجه إنما يستعمل حقيقة فى وجه الإنسان دون وجه الحيوان والملك والجبي، أو لفظ العلم إنما استعمل حقيقة فى علم الإنسان دون على الملك والجنى ونحو ذلك ، بل قد بينا أن أسماء الصفات عند أهل اللغة بحسب ما تضاف إليه ؛ فالقدر المشترك أن نسبة كل صفة إلى موصوفها كنسبة تلك الصفة إلى موصوفها، فالقدر المشترك هو النسبة ، فنسبة على الملك والجني ووجوهها إليه كنسبة علم الإنسان ووجهه إليه ، وهكذا فى سائر الصفات ، والله أعلم. ٢١٩ وسئل شيخ الإسلام أن يشرح ما ذكره نجم الدين ابن حمدان : من التزم مذهباً أنكر عليه مخالفته بغير دليل ولا تقليد أو عذر آخر ؟ . فأجاب : هذا يراد به شيئان : أحدهما : أن من التزم مذهباً معينا ثم فعل خلافه من غير تقليد العالم آخر أفتاء ؛ ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك ، ومن غير عذر شرعى يبيح له ما فعله ؛ فإنه يكون متبعاً لهواه ، وعاملا بغير اجتهاد ولا تقليد ، فاعلا للمحرم بغير عذر شرعى ، فهذا منكر . وهذا المعنى هو الذي أورده الشيخ نجم الدين ، وقد نص الإمام أحمد وغيره على أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً أو حراماً ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه ، مثل أن يكون طالباً لشفعة الجوار فيعتقدها أنها حق له ، ثم إذا طلبت منه شفعة الجوار اعتقدها أنها ليست ثابتة ، أو مثل من يعتقد إذا كان أخا مع جد أن الإخوة تقاسم الجد ، فإذا صار جداً مع أخ اعتقد أن الجد لا يقاسم الإخوة ، أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلف فيها كشرب النبيذ المختلف فيه ولعب الشطرنج ٢٢٠