Indexed OCR Text
Pages 161-180
الجمعة وهو بعيد الدار عن الجامع؛ فقد ترك أكثر مما ترك قريب الدار ومع هذا فلا يقال : إن عقوبة هذا أعظم من عقوبة قريب الدار . والواجب : ما يكون تركه سبباً للذم والعقاب ، فلو كان هذا الذي لزمه فعله بطريق التبع مقصودا بالوجوب لكان النم والعقاب لتاركه أعظم ، فيكون من ترك الحج من أهل الهند والأندلس أعظم عقابا ممن تركه من أهل مكة والطائف ، ومن ترك الجمة من أقصى المدينة أعظم عقابا ممن تركها من جيران المسجد الجامع ، فلما كان من المعلوم أن ثواب البعيد أعظم ، وعقابه إذا ترك ليس أعظم من عقاب القريب نشأت من ههنا الشبهة : هل هو واجب أو ليس بواجب ؟ والتحقيق : أن وجوبه بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الأمر؛ بل الأمر بالفعل قد لا يقصد طلب لوازمه وإن كان علما بأنه لا بد من وجودها ؛ وإن كان ممن يجوز عليه الغفلة ، فقد لا تخطر بقلبه اللوازم . ومن فهم هذا انحلت عنه شبه الكعبى: هل في الشريعة مباح أم لا ؟ فإن الكعبى زعم أنه لا مباح فى الشريعة إلخ ... فلا تجد قط مبتدعا إلا وهو يحب كتمان النصوص التى تخالفه ويبغضها ، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها ، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف : ١٦١ ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه . ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لا بد أن يلبس فيه حقاً بباطل ، بحسب ما يقول من الألفاظ المجملة المتشابهة ؛ ولهذا قال الإمام أحمد فى أول ما كتبه في ((الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله)، مما كتبه فى حبسه ، - وقد ذكره الخلال في (( كتاب السنة)) والقاضي أبو يعلى؛ وأبو الفضل التميمي؛ وأبو الوفاء ابن عقيل؛ وغير واحد من أصحاب أحمد، ولم ينفه أحد منهم عنه ، والحمد لله . والمقصود قوله : - يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم . فإن كانوا في مقام دعوة الناس إلى قولهم والتزامهم به أمكن أن يقال لهم : لا يجب على أحد أن يجيب داعيا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق؛ وهذه الطريق تكون أصلح، إذا لبس ملبس منهم على ولاة الأمور وأدخلوه فى بدعهم . كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء ، حتى أدخلوه فى بدعهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك ، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال : اثتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك ، وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة . ١٦٢ وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل . ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقا أو اعتقادا زعم أن الإيمان لا يتم إلا به ، مع العلم بأن الرسول لم يذكره، وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين ، وما لم يعلم أنه خالفها فقد لا يسمى بدعة ، قال الشافعي - رحمه الله -: البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتابا وسنة وإجماعا وأثراً عن بعض [ أصحاب] رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه بدعة ضلالة. وبدعة لم يخالف شيئا من ذلك ، فهذه قد تكون حسنة لقول عمر : نعمت البدعة هذه ! هذا الكلام أو نحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح فى المدخل ، ويروى عن مالك رحمه الله أنه قال: إذا قل العلم ظهر الجفا ، وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء . ولهذا تجد قوما كثيرين يحبون قوما ويبغضون قوما لأجل أهواء لا يعرفون معناها ولا دليلها ، بل يوالون على إطلاقها، أو يعادون من غير أن تكون منقولة نقلا صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة ، ومن غير أن يكونوا م يعقلون معناها ، ولا يعرفون لازمها ومقتضاها . وسبب هذا إطلاق أقوال ليست منصوصة، وجعلها مذاهب يدعى ١٦٣ إليها ، ويوالى ويعادى عليها ، وقد ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول فى خطبته: ((إن أصدق الكلام كلام الله، إلخ .. )) فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه ، وما اتفقت عليه الأمة ، فهذه الثلاثة هى أصول معصومة ، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول . وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ، ويوالي ويعادي عليها ، غير النبى صلى الله عليه وسلم ، ولا ينصب لهم كلاما بوالي عليه ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما يفرقون به بين الأمة ، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون . والخوارج إنما تأولوا آيات من القرآن على ما اعتقدوه ، وجعلوا من خالف ذلك كافراً : لاعتقادهم أنه خالف القرآن ، فمن ابتدع أقوالا ليس لها أصل فى القرآن وجعل من خالفها كافراً كان قوله شراً من قول الخوارج . ويجب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جواباً قاطعاً لا شبهة فيه ؛ بخلاف ما يسلكه من يسلكه من أهل الكلام ، فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع ١٦٤ مناظرة تقطع دارهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين . وقد أوجب الله على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه ، ومن الإيمان به تصديقه فى كل ما أخبر به ، ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء به والحد فى أسماء الله وآياته . ومن المعلوم أنه لا بد فى كل مسألة دائرة بين النفي والإثبات من حق ثابت فى نفس الأمر ؛ أو تفصيل ، لكن من لم يكن عارفاً بآثار السلف وحقائق أقوالهم ، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة ، وحقيقة المعقول الصريح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك ، لم يمكنه أن يقول بمبلغ علمه ؛ ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها . ولا ريب أن الخطأ فى دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك فى المسائل العلمية ، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. وإذا كان اللّه يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل ؛ مع كونه لم يطلب العلم ، فالفاضل المجتهد فى طلب العلم بحسب ما أدركه فى زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ، وينيبه على اجتهاداته ، ولا يؤاخذه بما أخطأ ، تحقيقاً لقوله : ١٦٥ ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا ). وأهل السنة جزموا بالنجاة لكل من اتقى الله تعالى ؛ كما نطق به القرآن ، وإنما توقفوا في شخص معين ؛ لعدم العلم بدخوله فى المتقين . وحال سائر أهل الأقوال الضعيفة الذين يحتجون بظاهر القرآن على ما يخالف السنة إذا خفي الأمر عليهم ، مع أنه لم يوجد فى ظاهر القرآن ما يخالف السنة ، كمن قال من الخوارج : لا يصلى في السفر إلا أربعاً . ومن قال إن الأربع أفضل . ومن قال : لا تحكم بشاهد ويمين . وما دل عليه ظاهر القرآن حق ، وأنه ليس بعام مخصوص فإنه ليس هناك عموم لفظي، وإنما هو مطلق ، كقوله : (فَاقْتُلُواْ اَلْمُشْرِكِينَ ) ؛ فإنه عام فى الأعيان مطلق فى الأحوال ، وقوله : ( يُوصِيكُاللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ)، عام فى الأولاد مطلق فى الأحوال. ولفظ الظاهر يراد به ما يظهر للإنسان ، وقد يراد به ما يدل عليه الفظ . فالأول يكون بحسب مفهوم الناس ، وفي القرآن مما يخالف الفهم الفاسد شيء كثير . ١٦٦ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل فى تعليل الحكم الواحد بعلتين ؛ وما يشبه ذلك من وجود مقدر واحد بين قادرين ، ووجود الفعل الواحد من فاعلين ، فنقول : النزاع وإن كان مشهوراً فى ذلك فأكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرم يجوز تعليل الحكم بعلتين ، وكثير من الفقهاء والمتكلمين يمنع ذلك . فالنزاع فى ذلك يعود إلى نزاع تنوعي ؛ وزاع فى العبارة ؛ وليس بنزاع تناقض ، ونظير ذلك النزاع فى تخصيص العلة ؛ فإن هذا فيه خلاف مشهور بين الطوائف كلها من أصحابنا وغيرهم ، حتى يذكر ذلك روايتان عن أحمد . وأصل ذلك أن مسمى العلة قد يغنى به العلة الموجبة ، وهي التامة التى يمتنع تخلف الحكم منها ، فهذه لا يتصور تخصيصها ، ومتى انتقضت فسدت ، ويدخل فيها ما يسمى جزء العلة ؛ وشرط الحكم؛ ١٦٧ وعدم المانع ، فسائر ما يتوقف الحكم عليه يدخل فيها . وقد يعنى بالعلة : ما كان مقتضياً للحكم يعنى : أن فيه معنى يقتضي الحكم ويطلبه وإن لم يكن موجباً، فيمتنع تخلف الحكم عنه ، فهذه قد يقف حكمها على ثبوت شروط وانتفاء موانع ، فإذا تخصصت فكان تخلف الحكم عنها لفقدان شرط أو وجود مانع لم يقدح فيها ، وعلى هذا فينجبر النقص بالفرق . وإن كان التخلف عنها لا لفوات شرط ولا وجود مانع كان ذلك دليلا على أنها ليست بعلة ؛ إذ هي بهذا التقدير علة تامة إذا قدر أنها جميعها بشروطها وعدم موانعها موجودة حكما ، والعلة التامة يمتنع تخلف الحكم منها ، فتخلفه يدل على أنها ليست علة تامة ، والمقصود من التنظير : أن سؤال النقض الوارد على العلة مبنى على تخصيص العلة ، وهو ثبوت الوصف بدون الحكم . وسؤال عدم التأثير عكسه ، وهو ثبوت الحكم بدون الوصف ، وهو ينافى عكس العلمة ، كما أن الأول ينافى طردها . والعكس مبني على تعليل الحكم بعلتين. وجمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرم وإن كانوا لا يشترطون الانعكاس فى العلل الشرعية ويجوزون تعليل الحكم الواحد بعلتين ؛ فهم مع ذلك يقولون : العلة نفسد بعدم التأثير ؛ لأن ثبوت الحكم بدون هذا الوصف يبين أن هذا الوصف ليس علة ؛ إذا لم يخلف هذا ١٦٨ الوصف وصفا آخر يكون علة له ، فهم يوردون هذا السؤال فى الموضع الذي ليست العلة فيه إلا علة واحدة ، إما لقيام الدليل على ذلك : وإما لتسليم المستدل لذلك . والمقصود هنا أن نبين أن النزاع فى تعليل الحكم بعلتين يرجع إلى نزاع تنوع ونزاع في العبارة ، لا إلى نزاع تناقض معنوي ؛ وذلك أن الحكم الواحد بالجنس والنوع لا خلاف فى جواز تعليله بعلتين ، يعنى أن بعض أنواعه أو أفراده يثبت بعلة ؛ وبعض أنواعه أو أفراده يثبت بعلة أخرى ، كالإرث الذي يثبت بالرحم وبالنكاح وبالولاء ، والملك الذي يثبت بالبيع والهبة والإرث ، وحل الدم الذي يثبت بالردة والقتل والزنا ، ونواقض الوضوء وموجبات الغسل ، وغير ذلك . وأما التنازع بينهم فى الحكم المعين الواحد بالشخص ؛ مثل من لمس النساء ومس ذكره وبال : هل يقال : انتقاض وضوئه ثبت بعلل متعددة ؟ فيكون الحكم الواحد معللا بعلتين . ومثل من قتل وارتد وزنا ؛ ومثل الربيبة إذا كانت محرمة بالرضاع ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في درة بنت أم سلمة لما قالت له أم حبيبة : إنا نتحدث أنك ناكح درة بنت أم سلمة، فقال: ((بنت أبي سلمة؟)) فقالت : نعم! فقال: ((إنها لو لم تكن ربيبتى فى حجري لما حلت لي؛ لأنها بنت أخي من الرضاعة، أرضعتنى وأبا سلمة ثويبة مولاة أبي لهب))، وكما قال أحمد ١٦٩ فى بعض ما يذكره : هذا كلحم خنزير ميت، حرام من وجهين. وأمثال ذلك. فنقول : لا نزاع بين الطائفتين في أمثال هذه الأمور أن كل واحدة من العلتين مستقلة بالحكم في حال الانفراد ، وأنه يجوز أن يقال: إنه اجتمع لهذا الحكم علتان ، كل واحدة منها مستقلة به إذا انفردت ، فهذا أيضاً مما لا نزاع فيه ، وهو معنى قولهم : يجوز تعليله بعلتين على البدل بلا نزاع . ولا يتنازع العقلاء أن العلتين إذا اجتمعتا لم يجز أن يقال : إن الحكم الواحد ثبت بكل منها حال الاجتماع على سبيل الاستقلال ؛ فإن استقلال العلة بالحكم هو ثبوته بها دون غيرها . فإذا قيل : ثبت بهذه دون غيرها ؛ وثبت بهذه دون غيرها : كان ذلك جمعاً بين النقيضين، وكان التقدير : ثبت بهذه ولم يثبت بها ؛ وثبت بهذه ولم يثبت بها! فكان ذلك جمعاً بين إثبات التعليل بكل منهما وبين نفي التعليل عن كل منهما ، وهذا معنى ما يقال : إن تعليله بكل منها على سبيل الاستقلال ينفى ثبوته بواحدة منها ، وما أفضى إثباته إلى نفيه كان باطلا . وهنا يتقابل النفاة والمثبتة ؛ والنزاع لفظي : فتقول النفاة: إثبات الحكم بهذه العلة على سبيل الاستقلال ينافى إثباته بالأخرى على سبيل الاستقلال . وتقول المثبتة: نحن لا نعنى بالاستقلال : الاستقلال في حال ١٧٠ الاجتماع ، وإنما نعنى : أن الحكم ثبت بكل منها ؛ وهي مستقلة به إذا انفردت . فهؤلاء لم ينازعوا الأولين فى أنهما حال الاجتماع لم تستقل واحدة منهما به ، وأولئك لم ينازعوا هؤلاء في أن كل واحدة من العلتين مستقلة حال انفرادها . فهذا هو الكلام في العلتين المجتمعتين . وأما الحكم الثابت حين اجتماعها فقد يكون مختلفاً كمل القتل الثابت بالردة وبالزنا وبالقصاص ؛ فإن هذه الأحكام مختلفة غير متماثلة ، لا يسد كل واحد منها مسد الآخر ، وقد تكون الأحكام متماثلة كانتقاض الوضوء ، فالذين يمنعون تعليل الحكم بعلتين يقولون : الثابت بالعلل أحكام متعددة لا حكم واحد ، لا سيما عند من سلم لهم على أحد قولي الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه إذا نوى التوضؤ أو الاغتسال من حدث بعض الأسباب لم يرتفع الحدث الآخر . والخلاف معروف فى اجتماع ذلك فى الحدث الأصغر والأكبر ، وهو ينزع إلى اجتماع الأمثال فى المحل الواحد ، وأن الأمثال هل هي متضادة أم لا ؟ وفيه نزاع معروف . ومن يقول بتعليل الحكم الواحد بعلتين لا ينازع فى أنه إذا اجتمع ١٧١ علتان كان الحكم أقوى وأوكد مما إذا انفردت إحداهما ؛ ولهذا إذا جاء تعليل الحكم الواحد بعلتين فى كلام الشارع أو الأئمة كان ذلك مذكوراً لبيان توكيد ثبوت الحكم وقوته ، كقول أحمد في بعض ما يغلظ تحريمه: هذا كلحم خنزير ميت ! فإنه ذكر ذلك لتغليظ التحريم وتقويته ، وهذا أيضاً يرجع إلى أن الإيجاب والتحريم والإباحة هل يتفاوت فى نفسه ؟ فيكون إيجاب أعظم من إيجاب : وتحريم أعظم من تحريم ؟ وهذا فيه أيضاً نزاع ، والمشهور عند أكثر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم : تجويز تفاوت ذلك ، ومنع منه طائفة منهم ابن عقيل وغيرهم . وكذلك النزاع فى أنه هل يكون عقل أكمل من عقل؟ وهو يشبه النزاع في أن التصديق والمعرفة التى فى القلب هل تتفاوت ؟ وقد ذكر فى ذلك روايتان عن أحمد ، والذي عليه أئمة السنة المخالفون المرجئة : أن جميع ذلك بتفاوت ويتفاضل ، وكذلك سائر صفات الحى من الحب والبغض ؛ والإرادة والكراهة؛ والسمع والبصر ؛ والشم والذوق ، واللمس ، والشبع والري ، والقدرة والعجز ، وغير ذلك ، فالنزاع فى هذا كالنزاع في جواز اجتماع المثلين ، مثل سوادين وحلاوتين ، فإنه لا نزاع أنه قد يكون أحد السوادين أقوى ، وإحدى الحلاوتين أقوى لكن هل يقال : إنه اجتمع فى المحل سوادان وحلاوتان ؟ أو هو سواد واحد قوي ؟ وهذا أيضاً نزاع لفظي . ١٧٢ فقول من يقول : إنه اجتمع في المحل حكان كإيجابين ويحريمين وإباحتين ، وهو شبيه بقول من يقول : اجتمع سوادان ، وقول من يقول : هو حكم واحد مؤكد كقول من يقول : سواد واحد قوي ، وكلا القولين مقصودهما واحد ، فإن التوكيد لا ينافى تعدد الأمثال ، إذ التوكيد قد يكون بتكرير الأمثال ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً)) وقول القائل: ثم ، ثم . وجاء زيد، جاء زيد، وأمثال ذلك . فالقول بثبوت أحكام والقول بثبوت حكم قوي مؤكد هما سواء فى المعنى . ومن المعلوم أنه سواء قال القائل : ثبت أحكام متعددة أو حكم قوي مؤكد ، فذلك المجموع لم يحصل إلا بمجموع العلتين ، لم تستقل به إحداهما ، ولا تستقل به إحداهما لا في حال الاجتماع ولا فى حال الانفراد، فكل منهما جزء من العلة التى لهذا المجموع لا علة له ، كما أنه من المعلوم أن كل واحدة من العلتين مستقلة بأصل الحكم الواحد حال انفرادها ، ولكن لفظ الواحد فيه إجمال ، كما أن فى لفظ الاستقلال إجمالا ، فكما أن من أثبت استقلال العلة حال الانفراد لا يعارض من نفى استقلالها حال الاجتماع ، فكذلك من قال : يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين ، إذا أراد به أن كلا منهما تستقل به حال الانفراد ، فهذا لا نزاع فيه . ١٧٣ ومن قال : إن المجموع الواحد الحاصل بمجموعها لا يحصل بأحدهما فهذا لا نزاع فيه . ومن جعل هذا المجموع أحكاماً متعددة لم يعارض قول من جعله واحداً ، إذا عنى به وحدة النوع في المحل الواحد ، فيكون المقصود أن الحكم الواحد بالنوع تارة يكون شخصان منه فى محلين ، فهذا ظاهر . وتارة يجتمع منه شخصان في محل واحد ، فهما نوعان باعتبار أنفسهما ، وهما شخص واحد باعتبار محلها . فمن قال : إن الحكم الحاصل بالعلتين حكم واحد فإن أراد به نوعا واحداً فى عين واحدة فقد صدق ، ومن أراد به شخصين من نوع في عين واحدة فقد صدق . فصل وقد تبين بذلك أن العلتين لا تكونان مستقلتين بحكم واحد حال الاجتماع ، وهذا معلوم بالضرورة البديهية بعد التصور ؛ فإن الاستقلال ينافي الاشتراك ؛ إذ المستقل لا شريك له ، فالمجتمعان على أمر واحد لا يكون أحدهما مستقلا به . وأن الحكم الثابت بعلتين - سواء قيل: هو أحكام؛ أو حكم واحد مؤكد - لا تستقل به إحداها، بل كل منها جزء من علته ؛ لا علة له . ١٧٤ وهكذا يقال في اجتماع الأدلة على المدلول الواحد : أنها توجب علما مؤكداً؛ أو علوما متماثلة . ومن هنا يحصل بها من الإيضاح والقوة مالا يحصل بالواحد ، وهذا داخل فى القاعدة الكلية ، وهو : أن المؤثر الواحد - سواء كان فاعلا بإرادة واختيار ، أو بطبح ؛ أو كان داعياً إلى الفعل وباعثا عليه . متى كان له شريك فى فعله وتأثيره كان معاوناً ومظاهراً له ، ومنعه أن يكون مستقلا بالحكم منفرداً به ، ولزم من ذلك حاجة كل منها إلى الآخر ، وعدم استغنائه بنفسه فى فعله، وأن الاشتراك موجب للافتقار مزيل للغنى ؛ فإن المشتركين فى الفعل متعاونان عليه، وأحدهما لا يحوز - إذا لم يتغير بالاشتراك والانفراد - أن يفعل وحده مافعله هو والآخر ، فإنه إذا فعل شيئاً حال الانفراد - وقدر أنه لم يتغير ؛ وأنه اجتمع بنظيره - امتنع أن يكون مفعولهما حال الاشتراك هو مثل مفعول كل منهما حال الانفراد ؛ فإن المفعول إذا لم يكن له وجود إلا من الفاعل ؛ والفاعل حال انفراده له مفعول ؛ فإذا اجتمعا كان مفعولها جميعاً أكثر أو أكبر من مفعول أحدهما ، وإلا كان الزائد كالناقص ، بخلاف ما إذا تغير الفاعل ، كالإنسان الذي يرفع هو وآخر خشبة أو يصنع طعاما ثم هو وحده مثل ذلك ؛ فإن ذلك لابد أن يكون بتغيير منه فى إرادته وحركته وآلاته ونحو ذلك ، وإلا فإذا استوى حالاه امتنع تساوي المفعولين حال الانفراد والاشتراك . ١٧٥ وفي الجملة فكل من المشتركين فى مفعول فأحدهما مفتقر إلى الآخر في وجود ذلك المفعول ؛ محتاج إليه فيه ، وإلا لم يكونا مشتركين ؛ لأن كلا منهما إما أن يكون مستقلا بالفعل منفرداً به ؛ أو لا يكون ، فإن كان مستقلا به منفرداً به امتنع أن يكون له فيه شريك أو معاون، وإن لم يكن مستقلا منفرداً به لم يكن المفعول به وحده ، بل به وبالآخر، ولم يكن هو وحده كافياً فى وجود ذلك المفعول ، بل كان محتاجا إلى الآخر فى وجود ذلك المفعول ، مفتقراً إليه فيه . وهذا يقتضى أنه ليس رب ذلك المفعول ولا مالكه ولا خالقه ، بل هو شريك فيه . ويقتضى أنه لم يكن غنيا عن الشريك فى ذلك المفعول ، بل كان مفتقرا إليه فيه ، محتاجا إليه فيه . وذلك يقتضي عجزه وعدم قدرته عليه حال الانفراد أيضاً ، كما نبهنا عليه من أن الإنسان لاينفرد بما شاركه فيه غيره وإن لم يتغير تغيراً يوجب تمام قدرته على ما شاركه فيه الغير ، وذلك أن الفاعل إذا كان حال الانفراد قادراً تام القدرة ؛ والتقدير أنه مريد للمفعول إرادة جازمة ؛ إذ لو لم يرده إرادة جازمة لما وجد حال الانفراد ولا حال الاجتماع والاشتراك ؛ إذ الإرادة التى ليست بجازمة لا يوجد مرادها الذي يفعله ١٧٦ المريد بحال ، والإرادة الجازمة بلا قدرة لا يوجد مرادها ، والإرادة الجازمة مع القدرة التامة تستلزم وجود المراد ، فلو كان أحد المشتركين تام القدرة تام الإرادة لوجب وجود المفعول به وحده ، ووجوده به وحده يمنع وجوده بالآخر ، فيلزم اجتماع النقيضين ، وهو : وجود المفعول به وحده ؛ وعدم وجود المفعول به وحده ، وأن يكون فاعلا غير فاعل ، وذلك ظاهر البطلان . وهذا التمانع ليس هو أن كل واحد من الفاعلين يمنع الآخر ، كما يقال إذا أراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه ؛ أو إماتة شخص والآخر إحياءه، وإنما هو تمانع ذاتي، وهو: أنه تمانع اشتراك شريكين تامي القدرة والإرادة في مفعول هما عليه تاما القدرة والإرادة ، فإن من كان على الشىء تام القدرة وهو له تام الإرادة وجب وجود المفعول به وحده ، وإذا كان الآخر كذلك وجب وجود المفعول به . وهذان يتابعان ويتمانعان ، إذ الإثبات يمنع النفي ، والنفي يمنع الإثبات تمانعاً وتناقضاً ذاتياً . فتبين أن الاشتراك موجب لنقص الشريك في نفس القدرة ، وإذا قدر اثنان مريدان لأمر من الأمور فلا بد من أمرين : إما أن يكون المفعول الذي يفعله هذا ليس هو المفعول الذي يفعله الآخر ، ولكن كل منها مستقل ببعض المفعول . ١٧٧ وإما أن يكون المفعول الذي اشتركا فيه لا يقدر أحدهما على أن يفعله إذا انفرد إلا أن يتجدد له قدرة أكمل من القدرة التى كانت موجودة حال الاشتراك ، فإذا كان المفعول واحداً قد اختلط بعضه ببعض على وجه لا يمكن انفراد فاعل ببعضه وفاعل آخر ببعضه : امتنع فيه اشتراك الامتياز ، كاشتراك بنى آدم فى مفعولاتهم التى يفعل هذا بعضها وهذا بعضها ، وامتنع فيه اشتراك الاختلاط إلا مع عجز أحدهما ونقص قدرته ، وأنه ليس على شيء قدير ، وهذا الذي ذكرناه بقولنا : إن الاشتراك موجب لنقص القدرة . فصل ثم يقال : هذا أيضاً يقتضي أن كلا منهما ليس واجباً بنفسه غنياً قوياً ، بل مفتقراً إلى غيره فى ذاته وصفاته ، كما كان مفتقراً إليه في مفعولاته ، وذلك أنه إذا كان كل منها مفتقراً إلى الآخر فى مفعولاته، عاجزاً عن الانفراد بها - إذ الاشتراك مستلزم لذلك كما تقدم - فإما أن يكون قابلا للقدرة على الاستقلال بحيث يمكن ذلك فيه . أولا يمكن. والثانى ممتنع ، لأنه إذا امتنع أن يكون الشيء مقدوراً ممكناً لواحد ١٧٨ امتنع أن يكون مقدوراً ممكناً لاثنين ، فإن حال الشيء في كونه مقدوراً ممكناً لا يختلف بتعدد القادر عليه وتوحده ، فإذا امتنع أن يكون مفعولا مقدوراً لواحد امتنع أن يكون مفعولا مقدوراً لاثنين ، وإذا جاز أن يكون مفعولا مقدوراً عليه لاثنين هو ممكن جاز أن يكون أيضاً لواحد . وهذا بين إذا كان الإمكان والامتناع لمعنى في الممكن المفعول المقدور عليه ، إذ صفات ذاته لا يختلف في الحال ، وكذلك إذا كان لمعنى فى القادر ، فإن القدرة القائمة باتنين لا يمتنع أن تقوم بواحد ؛ بل إمكان ذلك معلوم بيديهة العقل ، فإن من المعلوم بيديهة العقل أن الصفات بأسرها من القدرة وغيرها: كل ما كان محلها متحداً مجتمعاً كان أكمل لها في أن يكون متعدداً متفرقا ، ولهذا كان الاجتماع والاشتراك فى المخلوقات يوجب لها من القوة والقدرة مالا يحصل لها إذا تفرقت وانفردت ، وإن كانت أحوالها باقية ، بل الأشخاص والأعضاء وغيرها من الأجسام المفترقة قد قام بكل منها قدرة ، فإذا قدر اتحادها واجتماعها كانت تلك القدرة أقوى وأكمل ؛ لأنه حصل لها من الاتحاد والاجتماع بحسب الإمكان مالم يكن حين الافتراق والتعداد . وهذا يبين أن القدرة القائمة باتنين إذا قدر أن ذينك الاثنين كانا شيئاً واحداً تكون القدرة أكمل ، فكيف لا تكون مساوية للقدرة ١٧٩ القائمة بمحلين ؟ وإذا كان من المعلوم أن المحلين المتباينين اللذين قام بهما قدرتان إذا قدر أنهما محل واحد، وأن القدرتين قامتا به ، لم تنقص القدرة بذلك ، بل تزيد على أن المفعول الممكن المقدور عليه القادرين منفصلين إذا قدر أنهما بعينها قادر واحد قد قام به ما قام بهما لم ينقص بذلك بل يزيد ، فعلم أنه يمكن أن يكون كل منهما قابلا للقدرة على الاستقلال فإن ذلك ممكن فيه . فتبين أنه ليس يمكن فى المشتركين على المفعول الواحد أن يكون كل منهما قادراً عليه ، بل من الممكن أن يكونا شيئاً واحداً قادراً عليه ، فتبين أن كلا منها يمكن أن يكون أكمل مما هو عليه وأن يكون بصفة أخرى ، وإذا كان يمكن فى كل منها أن تتغير ذاته وصفاته ، ومعلوم أنه هو لا يمكن أن يكمل نفسه وحده ويغيرها ، إذ التقدير أنه عاجز عن الانفراد بمفعول منفصل عنه ، فإن يكون عاجزاً عن تكميل نفسه وتغييرها أولى وإذا كان هذا يمكن أن يتغير ويكمل وهو لا يمكنه ذلك بنفسه لم يكن واجب الوجود بنفسه؛ بل يكون فيه إمكان وافتقار إلى غيره . والتقدير : أنه واجب الوجود بنفسه، [غير واجب الوجود بنفسه]، فيكون واجباً ممكناً ، وهذا تناقض ، إذ ما كان واجب الوجود بنفسه تكون نفسه كافية فى حقيقة ذاته وصفاته، لا يكون فى شىء من ذاته وأفعاله وصفاته مفتقراً إلى غيره؛ إذ ذلك كله داخل فى مسمى ذاته ، بل ويجب أن لا يكون مفتقراً إلى غيره فى شيء من أفعاله ومفعولاته ، فإن أفعاله القائمة به داخلة فى ١٨٠