Indexed OCR Text
Pages 101-120
النقض ، لم يبق ما يوجب القتل عنده بلا مماثلة إلا الزنا ، وهو من نوع العدوان أيضاً ، ووقوع القتل به نادر ؛ لخفائه وصعوبة الحجة عليه . الثالث : أن العقوبة فى الدنيا لا تدل على كبر الذنب وصغره : فإن الدنيا ليست دار الجزاء وإنما دار الجزاء هي الآخرة ، ولكن شرع من العقوبات فى الدنيا ما يمنح الفساد والعدوان ، كما قال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْفَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ). (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ )، وقالت الملائكة : فهذان السببان اللذان ذكرتها الملائكة هما اللذان كتب الله على بني إسرائيل القتل بهما ، ولهذا يقر كفار أهل الذمة بالجزية . مع أن ذنبهم فى ترك الإيمان أعظم باتفاق المسلمين من ذنب من نقتله من زان وقاتل . فأبو حنيفة رأى أن الكفر مطلقاً إنما يقاتل صاحبه لمحاربته ، فمن لاحراب فيه لا يقاتل ، ولهذا يأخذ الجزية من غير أهل الكتاب العرب وإن كانوا وثنيين . وقد وافقه على ذلك مالك وأحمد فى أحد قوليه ، ومع هذا يجوز القتل تعزيراً وسياسة فى مواضع . ١٠١ وأما الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم ، إلا أن النساء والصبيان تركوا لكونهم مالا للمسلمين ، فيقتل المرتد لوجود الكفر وامتناع سبيها عنده من الكفر بلا منفعة. وأما أحمد فالمسيح عنده أنواع ، أما الكافر الأصلي فالمبيح عنده هو وجود الضرر منه ، أو عدم النفع فيه ، أما الأول فالمحاربة بيد أو لسان ، فلا يقتل من لا محاربة فيه بحال من النساء والصبيان ؛ والرهبان والعميان ؛ والزمنى ونحوم . كما هو مذهب الجمهور . وأما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان ، وهو نوع خاص من الكفر ؛ فإنه لو لم يقتل ذلك لكان الداخل فى الدين يخرج منه ، فقتله حفظ لأهل الدين وللدين ، فإن ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه ، بخلاف من لم يدخل فيه ؛ فإنه إن كان كتابياً أو مشبهاً له فقد وجد إحدى غايتى القتال فى حقه ، وإن كان وثنياً : فإن أخذت منه الجزية فهو كذلك ، وإن لم تؤخذ منه ففي جواز استرقاقه نزاع فمتى جاز استرقاقه كان ذلك كأخذ الجزية منه ، ومتى لم يمكن استرقاقه ولا أخذ الجزية منه بقى كافراً لا منفعة في حياته لنفسه - لأنه يزداد إثماً - ولا للمؤمنين ؛ فيكون قتله خيراً من إبقائه . وأما تارك الصلاة والزكاة : فإذا قتل كان عنده من قسم المرتدين لأنه بالإسلام ملتزم لهذه الأفعال ، فإذا لم يفعلها فقد ترك ما التزمه ، ١٠٢ أو لأنها عنده من الغاية التى يمتد القتال إليها كالشهادتين ، فإنه لو تكلم بإحداهما وترك الأخرى لقتل ، لكن قد يفرق بينهما وأما إذا لم(١) ويفرق فى المرتد بين الردة المجردة فيقتل إلا أن يتوب وبين الردة المغلظة فيقتل بلا استتابة . فهذه مآخذ فقهية نبهنا بها على بعض أسباب القتل ، وقد تبين أنهم لا يتنازعون إن ترك المأمور به فى الآخرة أعظم ، وأما فى الدنيا فقد ذكرنا ما تقدم . الوجه السابع أن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بقتال الخوارج ، ونهى عن قتال أمّة الظلم، وقال فى الذي يشرب الخمر: ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) وقال فى ذى الخويصرة: ((يخرج من ضْفئ هذا أقوام يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين - وفي رواية من الإسلام - كما يمرق السهم من الرمية، يحقر أحدكم صلاته مع (١) بياض بالأصل. ١٠٣ صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم ، أينما لقيتموم فاقتلوم فإن فى قتلهم أجراً عند اللّه لمن قتلهم يوم القيامة)). وقد قررت هذه القاعدة بالدلائل الكثيرة مما تقدم من القواعد، ثم إن أهل المعاصي ذنوبهم فعل بعض مانهوا عنه : من سرقة أو زنا أو شرب خمر ، أو أكل مال بالباطل . وأهل البدع ذنوبهم ترك ما أمروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين ، فإن الخوارج أصل بدعتهم أنهم لا يرون طاعة الرسول واتباعه فيما خالف ظاهر القرآن عنده، وهذا ترك واجب . وكذلك الرافضة لا يرون عدالة الصحابة ومحبتهم ، والاستغفار لهم ، وهذا ترك واجب . وكذلك القدرية ، لا يؤمنون بعلم الله تعالى القديم ومشيئته الشاملة ، وقدرته الكاملة ، وهذا ترك واجب . وكذلك الجبرية ، لا تثبت قدرة العبد ومشيئته ، وقد يدفعون الأمر بالقدر ، وهذا ترك واجب . وكذلك مقتصدة المرجئة ، مع أن بدعتهم من بدع الفقهاء ليس فيها كفر بلا خلاف عند أحد من الأئمة ، ومن أدخلهم من أصحابنا في البدع التى حكى فيها التكفير ونصره فقد غلط في ذلك ، وإنما كان لأنهم لا يرون إدخال الأعمال أو الأقوال فى الإيمان ، وهذا ترك واجب ، وأما غالية المرجئة الذين يكفرون بالعقاب ويزعمون أن النصوص خوفت بما لا حقيقة له ، فهذا القول عظيم، وهو ترك واجب ١٠٤ وكذلك الوعيدية، لا يرون اعتقاد خروج أهل الكبائر من النار، ولا قبول الشفاعة فيهم ، وهذا ترك واجب ، فإن قيل : قد بضمون إلى ذلك اعتقاداً محرماً من تكفير وتفسيق وتخليد قيل: م في ذلك مع أهل السنة بمنزلة الكفار مع المؤمنين ، فنفس ترك الإيمان بما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع ضلالة وإن لم يكن معه اعتقاد وجودي ، فإذا انضم إليه اجتمع الأمران ، ولو كان معهم أصل من السنة لما وقعوا فى البدعة . الوجه الثامن أن ضلال بنى آدم وخطأم في أصول دينهم وفروعه إذا تأملته مجد أكثره من عدم التصديق بالحق ؛ لا من التصديق بالباطل . فما من مسألة تنازع الناس فيها فى الغالب إلا وتجد ما أثبته الفريقان صحيحاً ، وإنما تجد الضلال وقع من جهة النفي والتكذيب . مثال ذلك أن الكفار لم يضلوا من جهة ما أثبتوه من وجود الحق ، وإنما أتوا من جهة ما نفوه من كتابه وسنة رسوله وغير ذلك ، وحينئذ وقعوا في الشرك ، وكل أمة مشركة أصل شركها عدم كتاب منزل من السماء ، وكل أمة مخلصة أصل إخلاصها كتاب منزل من السماء ، فإن بنى آدم ١٠٥ محتاجون إلى شرع يكمل فطرم ، فافتتح الله الجنس بنبوة آدم ، كما قال تعالى: ( وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلُّهَا ) ، وهلم جرا ... فمن خرج عن النبوات وقع فى الشرك وغيره ، وهذا عام فى كل كافر غير كتابى فإنه مشرك ، وشركه لعدم إيمانه بالرسل الذين قال الله فيهم: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) . ولم يكن الشرك أصلا فى الآدميين ، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لاتباعهم النبوة ، قال تعالى: (وَمَا كَانَ النّاسُ إِلَّا أُمَةً وَحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ ) ، قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ، فبتركهم اتباع شريعة الأنبياء وقعوا فى الشرك، لا بوقوعهم في الشرك خرجوا عن شريعة الإسلام ، فإن آدم أمرم بما أمره الله به، حيث قال له: (فَإِمَّا يَأْتِيَتَّكُمْ مِّنِى هُدَى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِكَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ وقال فى الآية الأخرى : النَّارِهُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ )، (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكَا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبٍ لِمَحَشَرْ تَفِى أَعْمَى وَقَذْكُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى ). ١٠٦ فهذا الكلام الذي خاطب الله به آدم وغيره لما أهبطهم قد تضمن أنه أوجب عليهم اتباع هداء المنزل ، وهو الوحي الوارد على أنبيائه ، وتضمن أن من أعرض عنه وإن لم يكذب به فإنه يكون يوم القيامة في العذاب المهين ، وإن معيشته تكون ضنكا فى هذه الحياة ، وفى البرزخ والآخرة ، وهي المضوكة النكدة المحشوة بأنواع الهموم والغموم والأحزان كما أن الحياة الطيبة هي لمن آمن وعمل صالحاً . فمن تمسك به فإنه لا يشرك بربه، فإن الرسل جميعهم أمروا بالتوحيد وأمروا به، قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا فبين أنه لابد أن يوحي نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ ) . بالتوحيد إلى كل رسول ، وقال تعالى: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَ الِهَةً يُعْبَدُونَ )، فبين أنه لم بشرع الشرك قط ، فهذان النصان قد دلا على أنه أمر بالتوحيد لكل رسول ، ولم يأمر بالإشراك قط ، وقد أمر آدم وبنيه من حين أهبط باتباع هداه الذي يوحيه إلى الأنبياء ، فثبت أن علة الشرك كان من ترك اتباع الأنبياء والمرسلين فيما أمروا به من التوحيد والدين ، لا أن الشرك كان علة للكفر بالرسل ، فإن الإشراك والكفر بالرسل متلازمان فى الواقع ، فهذا فى الكفار بالنبوات المشركين . وأما أهل الكتاب ، فإن اليهود لم يؤتوا من جهة ما أقروا به ١٠٧ من نبوة موسى والإيمان بالتوراة ، بل م في ذلك مهتدون ، وهو رأس هدام ، وإنما أتوا من جهة مالم يقروا به من رسالة المسيح ومحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى فيهم: (فَبَاءُ وبِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) غضب بكفرم بالمسيح ، وغضب بكفرم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا من باب ترك المأمور به . وكذلك النصارى لم يؤنوا من جهة ما أقروا به من الإيمان بأنبياء بنى إسرائيل والمسيح وإنما أتوا من جهة كفرم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأماما وقعوا فيه من التثليث والاتحاد الذي كفروا فيه بالتوحيد والرسالة فهو من جهة عدم اتباعهم لنصوص التوراة والإنجيل المحكمة، التى تأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وتبين عبودية المسيح وأنه عبد الله، كما أخبر اللّه عنه بقوله: (مَا قُلْتُ لَهُمْإِلَّمَا أَمَرْتَنِ بِ أَنِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّادُمْتُ فِهِمٌ فَلَمَّاتَوَفَّيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ) ، فلما تركوا اتباع هذه النصوص إيماناً وعملا وعنده رغبة في العبادة والتأله ابتدعوا الرهبانية ، وغلوا في المسيح هوى من عند أنفسهم ، وتمسكوا بمتشابه من الكلمات لظن ظنوه فيها، وهوى اتبعوه خرج بهم عن (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْجَآءَ هُمْ مِن ◌َّتِهِمُ الحق ، فهم ولهذا كان سيمام الضلال ، كما قال تعالى : الْهُدَىّ ). ١٠٨ (وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ ) . والضال ضد المهتدي ، وهو العادل عن طريق الحق بلا علم ، وعدم العلم المأمور به والهدى بالأمور ترك واجب، فأصل كفرم ترك الواجب ، وحينئذ تفرقوا فى التثليث والاتحاد ، ووقعت بينهم العداوة والبغضاء ، وصاروا ملكية ؛ ويعقوبية؛ ونسطورية ؛ وغيرهم ، وهذا المعنى قد بينه القرآن، مع أن هذا يصلح أن يكون دليلا مستقلا؛ لما فيه من بيان أن ترك الواجب سبب لفعل المحرم ، قال تعالى : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّا نَصَرَىَ أَخَذُنَا مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْحَظًا مِّمَاذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ ) ، فهذا نص فى أنهم تركوا بعض ما أمروا به ، فكان تركه سبباً لوقوع العداوة والبغضاء المجرمين ، وكان هذا دليلا على أن ترك الواجب يكون سبباً لفعل المحرم، كالعداوة والبغضاء ، والسبب أقوى من المسبب . وكذلك قال فى اليهود: (فَبِمَا نَقْضِهِمِ مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ فَسِيَّةٌ يُحْرِفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِةٌ، وَنَسُواْ حَظّامِّمَّا ذُكِرُواْبِهِ ) ، فنقض الميثاق ترك ما أمروا به فإن الميثاق يتضمن واجبات ، وهي قوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيبًّاً وَقَالَ اللَّهُ إِ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ اْلْضَّلَوةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِيِ ١٠٩ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ * فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً ) الآيات . فقد أخبر تعالى أنه بترك ما أوجبه عليهم من الميثاق وإن كان واجباً بالأمر حصلت لهم هذه العقوبات التى منها فعل هذه المحرمات ، من قسوة القلوب ؛ وتحريف الكلم عن مواضعه ؛ وأنهم نسوا حظاً مما ذكروا به . وأخبر فى أثناء السورة أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء فى قوله: (وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَتْ أَيَدِهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُوَأَ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوَطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ وقد قال يَشَآءُ ) الآية ، المفسرون من السلف مثل قتادة وغيره في فرق النصارى ما أشرنا إليه . وهكذا إذا تأملت أهل الضلال والخطأ من هذه الأمة تجد الأصل ترك الحسنات لافعل السيئات، وأنهم فيما يثبتونه أصل أمرهم صحيح ، وإنما أتوا من جهة ما نفوه ، والإثبات فعل حسنة والنفي ترك سيئة ، فعلم أن ترك الحسنات أضر من فعل السيئات، وهو أصله . مثال ذلك : أن الوعيدية من الخوارج وغيرم فيما يعظمونه من ١١٠ أمر المعاصي والنهي عنها وانباع القرآن وتعظيمه أحسنوا ، لكن إنما أتوا من جهة عدم اتباعهم للسنة ، وإيمانهم بما دلت عليه من الرحمة للمؤمن وإن كان ذا كبيرة. وكذلك المرجئة فيما أثبتوه من إيمان أهل الذنوب والرحمة لهم أحسنوا ، لكن إنما أصل إساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الإيمان وعقوبات أهل الكبائر . فالأولون بالغوا فى النهي عن المنكر ؛ وقصروا في الأمر بالمعروف . وهؤلاء قصروا في النهي عن المنكر وفى الأمر بكثير من المعروف . وكذلك القدرية ثم في تعظيم المعاصي وذم فاعلها وتنزيه الله تعالى عن الظلم وفعل القبيح محسنون، وإنما أساءوا فى نفيهم مشيئة الله الشاملة، وقدرته الكاملة وعلمه القديم أيضا . وكذلك الجهمية ؛ فإن أصل ضلالهم إنما هو التعطيل وجحد ما جاءت به الرسل عن الله عز وجل من أسمائه وصفاته . والأمر فيهم ظاهر جداً. ولهذا قلنا غير مرة أن الرسل جاءوا بالإثبات المفصل والنفى المجمل، والكفار من المتفلسفة الصابئين والمشركين ١١١ جاءوا بالنفي المفصل والإثبات المجمل ، والإثبات فعل حسنات مأمور بها إيجابا واستحبابا ، والنفي ترك سيئات أو حسنات مأمور بها ، فعلم أن ضلالهم من باب ترك الواجب وترك الإثبات . وبالجملة فالأمور نوعان: إخبار ؛ وإنشاء . فالإخبار ينقسم إلى إثبات ونفي : إيجاب وسلب كما يقال فى تقسيم القضايا إلى إيجاب وسلب . والإنشاء فيه الأمر والنهي . فأصل الهدى ودين الحق هو : إثبات الحق الموجود ؛ وفعل الحق المقصود : وترك المحرم ؛ ونفي الباطل تبع . وأصل الضلال ودين الباطل : التكذيب بالحق الموجود ، وترك الحق المقصود ، ثم فعل المحرم وإثبات الباطل تبع لذلك . فتدبر هذا فإنه أمر عظيم تنفتح لك به أبواب من الهدى . الوجه التاسع أن الكلمات الجوامع التى فى القرآن تتضمن امتثال المأمور به والوعيد على المعصية بتركه : مثل قوله تعالى لنبيه (فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ١١٢ وقال: ( فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتٌّ وَلَاَشَِّغْ وَلَا تَطْغَوْ ) ، : (قُلْ إِنْ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّوَلَا تَكُونَنَّ أَهْوَآءَهُمْ )، وقال )، وقال (قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًالَّهُ الَّذِينَ * وَأُمِرْتُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وقال: (قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) ، عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَىَّإِلَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيِّ أَفَلَا تَنَفَكَّرُونَ )، وقال: (وَشَّبِعْ مَايُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمُ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُالْحَكِينَ )، وقال: (وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)، إلى أمثال هذه النصوص التى يوصي فيها باتباع ما أمر ، ويبين أن الاستقامة فى ذلك ، وأنه لم يأمر إلا بذلك ، وأنه إن ترك ذلك كان عليه العذاب ، ونحو ذلك مما يبين أن اتباع الأمر أصل عام ، وأن اجتناب المنهى عنه فرع خاص . الوجه العاشر أن عامة ما ذم اللّه به المشركين فى القرآن من الدين المنهي عنه إنما هو الشرك والتحريم ، وكذلك حكى عنهم في قوله: (وَقَالَ الّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْشَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ شَّحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَاحَرَّمْنَا مِندُونِ،مِن ١١٣ (وَقَالُواْلَوْشَاءَ الرَّحْمَنُمَا شَىْءٍ )، وذلك فى النحل. وفى الزخرف عَبَدْنَهُم ) ، وقال: (أَمْلَهُمْ شُرَكَؤُاْ شَرَعُوْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ )، وقال: (قُلْ أَرَءَ يْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْءَ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَغْتَرُونَ)، وقال: (مَاجَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَكِبَةٍ وَلَ وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ )، وقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِ ) . وأما من ترك المأمور به فقد ذمهم الله ، كما ذمهم على ترك الإيمان به ، وبأسمائه وآياته، وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت والجنة والنار ، وترك الصلاة والزكاة والجهاد ، وغير ذلك من الأعمال . والشرك قد تقدم أن أصله ترك المأمور به من عبادة الله ، واتباع رسله . وتحريم الخلال فيه ترك ما أمروا به من الاستعانة به على عبادته . ولما كان أصل المنهى عنه الذي فعلوه الشرك والتحريم روى فى الحديث: ((بعثت بالحنيفية السمحة))، فالحنيفية ضد الشرك، والسماحة ضد الحجر والتضييق ، وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (( إنى خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي مالم أنزل به سلطاناً)). ١١٤ وظهر أثر هذين الذنبين فى المنحرفة من العلماء ، والعباد والملوك، والعامة ، بتحريم ما أحله الله تعالى، والتدين بنوع شرك لم يشرعه الله تعالى، والأول يكثر فى المتفقهة والمتورعة ، والثانى يكثر فى المتصوفة والمتفقرة . فتبين بذلك أن ما ذمه الله تعالى وعاقب عليه من ترك الواجبات أكثر مما ذمه الله وعاقب عليه من فعل المحرمات . الوجه الحادى عشر أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَآلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ). وذلك هو أصل ما أمرهم به على ألسن الرسل، كما قال نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وشعيب: (أُعْبُدُوا اللَّهَ وقال: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّ مَن سَفِهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرُهُ ) . نَفْسَهُ)، إلى قوله: (إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) وقال لموسى: (إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَأَعْبُدُنِى ) وقال المسيح: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلََّ مَا أَمَرْتَنِ بِ أَنِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ رَبِىِ وَرَبَّكُمْ ) . والإسلام: هو الاستسلام لله وحده، وهو أصل عبادته وحده ، وذلك يجمع معرفته ومحبته والخضوع له ، وهذا المعنى الذي ١١٥ خلق الله له الخلق هو: أمر وجودي من باب المأمور به ، ثم الأمر بعد ذلك بما هو كمال ما خلق له . وأما المنهى عنه : فإما مانع من أصل ما خلق له ، وإما من كمال ما خلق له ، نهوا عن الإشراك لأنه مانع من الأصل، وهو ظلم فى الربوبية كما قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومنعوا عن ظلم بعضهم بعضاً في النفوس والأموال والأبضاع والأعراض ، لأنه مانع من كمال ما خلق له . فظهر أن فعل المأمور به أصل ، وهو المقصود ، وأن ترك المنهى عنه فرع، وهو التابع. وقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ). لأن الشرك منح الأصل ، فلم يك في النفس استعداد للفلاح فى الآخرة ، بخلاف مادونه فإن مع المغفور له أصل الإيمان الذي هو سبب السعادة . الوجه الثاني عشر أن مقصود النهي ترك المنهى عنه، والمقصود منه عدم المنهى عنه، والعدم لا خير فيه إلا إذا تضمن حفظ موجود ، وإلا فلا خير في لا شيء ، وهذا معلوم بالعقل والحس ، لكن من الأشياء ما يكون وجوده مضراً بغيره فيطلب عدمه لصلاح الغير ، كما يطلب عدم القتل لبقاء النفس ، ١١٦ وعدم الزنا لصلاح النسل ، وعدم الردة لصلاح الإيمان ، فكل ما نهى عنه إنما طلب عدمه لصلاح أمر موجود . وأما المأمور به فهو أمر موجود ، والموجود يكون خيراً ونافعاً ومطلوبا لنفسه ، بل لابد فى كل موجود من منفعة ما ، أو خير ما ، فلا يكون الموجود شراً محضاً ، فإن الموجود خلقه الله تعالى، والله لم يخلق شيئاً إلا لحكمة، وتلك الحكمة وجه خير ، بخلاف المعدوم فإنه لا شيء؛ ولهذا قال سبحانه: ( الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّشَىْءٍ خَفَهُ)؛ وقال : فالموجود : إما خير محض ، أو (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ). فيه خير ، والمعدوم : إما أنه لا خير فيه بحال ، أو خيره حفظ الموجود وسلامته . والمأمور به قد طلب وجوده، والمنهى عنه قد طلب عدمه، فعلم أن المطلوب بالأمر أكمل وأشرف من المطلوب بالنهي ، وأنه هو الأصل المقصود المراد لذاته ، وأنه هو الذي يكون عدمه شراً محضا . الوجه الثالث عشر أن المأمور به هو الأمور التى يصلح بها العبد ويكمل ، والمنهى عنه هو ما يفسد به وينقص ؛ فإن المأمور به من العلم والإيمان ؛ وإرادة ١١٧ وجه اللّه تعالى وحده: ومحبته والإنابة إليه؛ ورحمة الخلق والإحسان إليهم ؛ والشجاعة التى هي القوة والقدرة ، والصبر الذي يعود إلى القوة والإمساك والحبس ، إلى غير ذلك ، كل هذه من الصفات والأخلاق والأعمال التى يصلح بها العبد ويكمل ، ولا يكون صلاح الشيء وكماله إلا فى أمور وجودية قائمة به ، لكن قد يحتاج إلى عدم ما ينافيها ، فيحتاج إلى العدم بالعرض ، فعلم أن المأمور به أصل والمنهى عنه تبع فرع . الوجه الرابع عشر أن الناس اتفقوا على أن المطلوب بالأمر وجود المأمور به وإن لزم من ذلك عدم ضده ، ويقول الفقهاء : الأمر بالشيء نهى عن ضده فإن ذلك متنازع فيه . والتحقيق أنه منهى عنه بطريق اللازم ، وقد يقصده الآمر وقد لا يقصده ، وأما المطلوب بالنهي فقد قيل : إنه نفس عدم المنهى عنه . وقيل : ليس كذلك ؛ لأن العدم ليس مقدورا ولا مقصودا ، بل المطلوب فعل ضد المنهى عنه وهو الامتناع ، وهو أمر وجودي . والتحقيق : أن مقصود الناهي قد يكون نفس عدم المنهى عنه ؛ وقد يكون فعل ضده ؛ وذلك العدم عدم خاص مقيد ، يمكن أن يكون ١١٨ مقدورا بفعل ضده فيكون فعل الضد طريقا إلى مطلوب الناهي وإن لم يكن نفس المقصود ، وذلك أن الناهي إنما نهى عن الشيء لما فيه من الفساد ، فالمقصود عدمه ، كما ينهى عن قتل النفس وشرب الخمر وإنما نهى الابتلاء المكلف وامتحانه ، كما نهى قوم طالوت عن الشرب إلا بملء الكف ، فالمقصود هنا طاعتهم وانقيادهم ، وهو أمر وجودي ، وإذا كان وجودياً فهو الطاعة التى هي من جنس فعل المأمور به ، فصار المنهى عنه إنما هو تابع للمأمور به ؛ فإن مقصوده إما عدم ما يضر المأمور به ، أو جزء من أجزاء المأمور به ، وإذا كان إما حاويا للمأمور به ؛ أو فرعا منه : ثبت أن المأمور به أكمل وأشرف، وهو المقصود الأول. الوجه الخامس عشر أن الأمر أصل والنهي فرع ؛ فإن النهي نوع من الأمر ؛ إذ الأمر هو الطلب والاستدعاء والاقتضاء وهذا يدخل فيه طلب الفعل وطلب الترك ، لكن خص النهي باسم خاص ، كما جرت عادة العرب أن الجنس إذا كان له نوعان أحدهما يتميز بصفة كمال أو نقص أفردوه باسم ، وأبقوا الاسم العام على النوع الآخر ، كما يقال : مسلم ؛ ومنافق . ويقال ني ، ورسول . ١١٩ ولهذا تنازع الفقهاء : لو قال لها : إذا خالفت أمرى فأنت طالق فعصت نهيه ، هل يحنث ؟ على ثلاثة أوجه لأصحابنا وغيرهم : أحدها : يحنث ، لأن ذلك مخالفة لأمره فى العرف ، ولأن النهي نوع من الأمر . والثانى : لا يحنث ، لعدم الدخول فيه فى اللغة كما زعموا . والثالث: يفرق بين العالم بحقيقة الأمر والنهي وغير العالم . والأول هو الصواب . فكل من عصى النهي فقد عصى الأمر ، لأن الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، والناهي مستدع من النهى فعلا : إما بطريق القصد ، أو بطريق اللزوم ، فإن كان نوعا منه فالأمر أعم ، والأعم أفضل ، وإن لم يكن نوعا منه فهو أشرف القسمين؛ ولهذا اتفق العلماء على تقديمه على النهي ، وبذلك جاء الكتاب والسنة ، قال تعالى: ( يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ)، وقال: (إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَآلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِي ) . ١٢٠