Indexed OCR Text
Pages 81-100
ولهذا يكون دعاء الغلام إلى الفجور به أعظم ظلما من دعاء المرأة لأن المرأة لها هوى ، فيكون من باب المعاوضة ، كل منهما نال غرضه الذي هو من جنس غرض الآخر ، فيسقط هذا بهذا ويبقى حق الله عليها ؛ فلهذا : ليس فى الزنا الحض ظلم الغير إلا أن يفسد فراشا أو نسبا أو نحو ذلك . وأما التلوط فإن الغلام لاغرض له فيه إلا برغبة أو برهبة، والرغبة والمال من جنس الحاجات المباحة ، فإذا طلب منه الفجور قد يبذله له فهذا إذا رضى الآن به من جنس ظلم المؤنى لحاجته إلى المال ؛ لكن هذا الظلم في نفسه وحرمته فهو أشد، وكذلك استئجاره على الأفعال المحرمة ، كالكهانة والسحر وغير ذلك كلها ظلم له ؛ وإن كانت برضاه ، وإن كان الآخر قد ظلم الآخر أيضاً بما أفسد عليه من دينه ، حيث وافقه على الذنب ؛ لكن أحد نوعي الظلم من غير جنس الآخر، وهذا باب ينبغي التفطن له فأكثر الذنوب مشتملة على ظلم الغير ، وجميعها مشتملة على ظلم النفس . ٨١ وقال : فصل في العدل القولى والصدق (١) ذكرت فى مواضع شيئا من الصدق والعدل ، وموقعها من الكتاب والسنة ، ومصالح الدنيا والآخرة ، وذكرت أيضا في مواضع أن عامة السيئات يدخل فى الظلم، وأن الحسنات غالبها عدل ، وأن القسط هو المقصود بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، والقسط والعدل هو التسوية بين الشيئين فإن كان بين متماثلين ؛ كان هو العدل الواجب المحمود ، وإن كان بين الشيء وخلافه كان من باب قوله: (ثُمَّالَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ) كما قالوا: (قَالَلَّهِإِن كُنَّا لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُوِّيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ) فهذا العدل، والتسوية، والتمثيل ، والإشراك ، هو الظلم العظيم. وإذا عرف أن مادة العدل والتسوية ، والتمثيل، والقياس، والاعتبار والتشريك ، والتشبيه ، والتنظير ، من جنس واحد ، فيستدل بهذه الأسماء على القياس الصحيح العقلي ، والشرعى ، ويؤخذ من ذلك تعبير الرؤيا ، فإن مداره على القياس ، والاعتبار والمشابهة التى بين الرؤيا (١: بالأصل كلمات غير مقروءة . ٨٢ وتأويلها . ويؤخذ من ذلك ما فى الأسماء واللغات من الاستعارة ، والتشبيه ، إما فى وضع اللفظ ، بحيث بصير حقيقة في الاستعمال ، وإما في الاستعمال فقط مع القرينة إذا كانت الحقيقة أحرى ، فإن مسميات الأسماء المتشابهة متشابهة. ويؤخذ من ذلك ضرب الأمثال للتصور نارة وللتصديق أخرى . وهي نافعة جداً، وذلك أن إدراك النفس لعين الحقائق قليل ، وما لم يدركه فإنما يعرفه بالقياس على ما عرفته ، فإذا كان هذا فى المعرفة ففي التعريف ومخاطبة الناس أولى وأحرى . ثم التمائل والتعادل : يكون بين الوجودين الخارجين ، وبين الوجودين العلميين الذهنيين ، وبين الوجود الخارجي والذهني . فالأول يقال : هذا مثل هذا، والثانى يقال فيه ؛ مثل هذا كمثل هذا ، والثالث يقال فيه : هذا كمثل هذا . فالمثل إما أن يذكر مرة أو مرتين ، أو ثلاث مرات ، إذا كان (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا) التمثيل بالحقيقة الخارجية كما فى قوله : فهذا باب المثل ، وأما باب العدل فقد قال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ (كُونُواْ قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ) كَانَ ذَاقُرْبَى) وقال تعالى: الآية وقال : (كُونُواْ قَوَِّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ) وقال : (شَهِدَةُ بَيْنِكُمْإِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ) ( وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ) فهذا العدل والقسط في هذه المواضع هو الصدق ٨٣ المبين ، وضده الكذب والكتمان . وذلك أن العدل هو الذي يخبر بالأمر على ما هو عليه ، لا يزيد فيكون كاذبا ، ولا ينقص فيكون كاتما، والخبر مطابق للمخبر ، كما تطابق الصورة العلمية ، والذهنية للحقيقة الخارجية ، ويطابق اللفظ للعلم ، ويطابق الرسم للفظ . فإذا كان العلم يعدل المعلوم لا يزيد ولا ينقص ، والقول يعدل العلم لا يزيد ولا ينقص ، والرسم يعدل القول : كان ذلك عدلا ، والقائم به قائم بالقسط وشاهد بالقسط ، وصاحبه ذو عدل . ومن زاد فهو كاذب ، ومن نقص فهو كاتم، ثم قد يكون عمدا وقد يكون خطأ، فتدبر هذا فإنه عظيم نافع جداً . ٨٤ وقال الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه - : قاعدة فى أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهى عنه ، وأن جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهى عنه ، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات ، وأن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات . وقد ذكرت بعض ما يتعلق بهذه القاعدة فيما تقدم ، لما ذكرت أن العلم والقصد يتعلق بالموجود بطريق الأصل ، ويتعلق بالمعدوم بطريق التبع . وبيان هذه القاعدة من وجوه : ٨٥ أحدها أن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله ورسوله ؛ وأعظم السيئات الكفر ، والإيمان أمر وجودي ، فلا يكون الرجل مؤمناً ظاهراً حتى يظهر أصل الإيمان ، وهو : شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله ، ولا يكون مؤمناً باطناً حتى يقر بقلبه بذلك ؛ فينتفي عنه الشك ظاهراً وباطناً ؛ مع وجود العمل الصالح ، وإلا كان كمن قال الله فيه: (قَالَتِ الْأَعْرَابُءَامَتَّأَ قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيمَنُ فِى قُلُوبِكُمْ)، وكمن قال تعالى فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ)، وكمن قال فيه : (إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ) الآية . والكفر : عدم الإيمان ؛ باتفاق المسلمين ، سواء اعتقد نقيضه وتكلم به أو لم يعتقد شيئاً ولم يتكلم ، ولا فرق فى ذلك بين مذهب أهل السنة والجماعة الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا بالباطن والظاهر ؛ وقول من يجعله نفس اعتقاد القلب كقول الجهمية وأكثر الأشعرية ، أو إقرار اللسان كقول الكرامية ؛ أو جميعها كقول فقهاء المرجئة وبعض الأشعرية ، فإن هؤلاء مع أهل الحديث ، وجمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية ؛ وعامة الصوفية ؛ وطوائف من أهل الكلام من متكلمي السنة ؛ وغير متكلمي السنة من المعتزلة والخوارج ؛ ٨٦ وغيرهم متفقون على أن من لم يؤمن بعد قيام الحجة عليه بالرسالة فهو كافر ، سواء كان مكذبا؛ أو مرتابا؛ أو معرضاً؛ أو مستكبراً ؛ أو متردداً ؛ أو غير ذلك . وإذا كان أصل الإيمان الذي هو أعظم القرب والحسنات والطاعات فهو مأمور به ، والكفر الذي هو أعظم الذنوب والسيئات والمعاصي ترك هذا المأمور به ، سواء اقترن به فعل منهى عنه من التكذيب ، أو لم يقترن به شيء بل كان تركا للإيمان فقط على أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهى عنه . واعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض ، فالكافر المكذب أعظم جرما من الكافر غير المكذب ، فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به وبين التكذيب المنهى عنه، ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرماً ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب ، ومن كفر وقتل وزنا وسرق وصد وحارب كان أعظم جرماً . كما أن الإيمان بعضه أفضل من بعض ، والمؤمنون فيه متفاضلون تفاضلا عظيما، وم عند اللّه درجات ، كما أن أولئك دركات فالمقتصدون فى الإيمان أفضل من ظالمي أنفسهم ، والسابقون بالخيرات أفضل من ٨٧ المقتصدين، (لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللّهِ بِأَمّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) الآيات، (أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِلَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ). ج. وإنما ذكرنا أن أصل الإيمان مأمور به وأصل الكفر نقيضه ، وهو ترك هذا الإيمان المأمور به وهذا الوجه قاطع بين . الوجه الثاني أن أول ذنب عصى الله به كان من أبى الجن وأبى الإنس ، أبوي الثقلين المأمورين، وكان ذنب أبي الجن أكبر وأسبق ، وهو ترك المأمور به، وهو السجود إباء واستكباراً ، وذنب أبى الإنس كان ذنباً صغيراً، (فَقَّ ، وهو إنما فعل المنهى عنه ، وهو ءَادَمُ مِنْ زَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ) الأكل من الشجرة ؛ وإن كان كثير من الناس المتكلمين فى العلم يزعم أن هذا ليس بذنب ؛ وأن آدم تأول حيث نهى عن الجنس (وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)، فظن أنه الشخص فأخطأ ؛ أو بقوله : نسي ، والمخطئ والناسي ليسا مذنبين. وهذا القول يقوله طوائف من أهل البدع والكلام والشيعة ، وكثير من المعتزلة ، وبعض الأشعرية ، وغيرهم ممن يوجب عصمة الأنبياء من الصغائر ، وهؤلاء فروا من شيء ووقعوا فيما هو أعظم منه فى ٨٨ تحريف كلام الله عن مواضعه . وأما السلف قاطبة من القرون الثلاثة الذين هم خير قرون الأمة ؛ وأهل الحديث والتفسير ؛ وأهل كتب قصص الأنبياء والمبتدأ ، وجمهور الفقهاء والصوفية؛ وكثير من أهل الكلام جمهور الأشعرية وغيرهم ، وعموم المؤمنين؛ فعلى ما دل عليه الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: (وَعَصَىّ ءَآدَمُ رَبَّهُ. فَغَوَى)، وقوله: (رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)، بعد أن قال لهما : (أَمْأَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّ إِنَّالشَّيْطَنَ لَكُمَاعَدُوٌ ◌ُبِينٌ)، وقوله تعالى: (فَلَقَّقَءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَذَابَ عَلَيْهِإِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ) مع أنه عوقب بإخراجه من الجنة . وهذه نصوص لا ترد إلا بنوع من تحريف الكلم عن مواضعه ، والمخطيء والناسي إذا كانا مكلفين فى تلك الشريعة فلا فرق ، وإن لم يكونا مكلفين امتنعت العقوبة ، ووصف العصيان والإخبار بظلم النفس ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا وطلب المغفرة والرحمة ، وقوله تعالى : عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَّ إِنَّالشَّيْطَنَ لَكُمَاعَدُوٌّمُّبِينٌ)، وإنما ابتلى الله الأنبياء بالذنوب رفعاً لدرجاتهم بالتوبة ، وتبليغاً لهم إلى محبته وفرحه بهم فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، ويفرح بتوبة التائب أشد فرح فالمقصود كمال الغاية لا نقص البداية ؛ فإن العبد تكون له الدرجة لاينالها إلا بما قدره الله له من العمل أو البلاء. ٨٩ وليس المقصود هنا هذه المسألة ، وإنما الغرض أن ينظر تفاوت ما بين الذنبين اللذين أحدهما ترك المأمور به ، فإنه كبير وكفر ولم يتب منه ، والآخر صغير تيب منه . الوجه الثالث أنه قد تقرر من مذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ، ولا يخرجونه من الإسلام بعمل إذا كان فعلا منهياً عنه ؛ مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ ما لم يتضمن ترك الإيمان، وأما إن تضمن ترك ما أمر الله بالإيمان به مثل : الإيمان بالله وملائكته؛ وكتبه ورسله ؛ والبعث بعد الموت ؛ فإنه يكفر به ، وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة ، وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة . فإن قلت فالذنوب تنقسم إلى ترك مأمور به وفعل منهى عنه . قلت : لكن المأمور به إذا تركه العبد : فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه ؛ أو لا يكون ، فإن كان مؤمناً بوجوبه تاركا لأدائه فلم يترك الواجب كله ، بل أدى بعضه وهو الإيمان به ، وترك بعضه وهو العمل ٩٠ به . وكذلك المحرم إذا فعله ؛ فإما أن يكون مؤمناً بتحريمه، أو لا يكون ، فإن كان مؤمناً بتحريمه فاعلا له فقد جمع بين أداء واجب وفعل محرم ، فصار له حسنة وسيئة ، والكلام إنما هو فيما لا يعذر بترك الإيمان بوجوبه وتحريمه من الأمور المتواترة ، وأما من لم يعتقد ذلك فيما فعله أو تركه ، بتأويل أو جهل يعذر به ؛ فالكلام في تركه هذا الاعتقاد كالكلام فيما فعله أو تركه بتأويل أو جهل يعذر به . وأماكون ترك الإيمان بهذه الشرائح كفراً ، وفعل المحرم المجرد ليس كفراً : فهذا مقرر فى موضعه ، وقد دل على ذلك كتاب الله فى (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ) قوله : إذ الإقرار بها مراد بالاتفاق ؛ وفى ترك الفعل نزاع . وكذلك قوله : ( وَإِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِيُ الْبَيْتِ مَنْ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ )؛ فإن عدم الإيمان بوجوبه وتركه كفر، والإيمان بوجوبه وفعله يجب أن يكون مراداً من هذا النص ، كما قال من قال من السلف : هو من لا يرى حجه برا ولا تركه إنماً ، وأما الترك المجرد ففيه نزاع . وأيضاً حديث أبى بردة بن نيار لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه ، فأمره أن يضرب عنقه ويخمس ماله ؛ فإن ٩١ تخميس المال دل على أنه كان كافراً لا فاسقاً، وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله . وكذلك الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما، لما شرب الخمر قدامة ابن عبد الله وكان بدريا ؛ وتأول أنها تباح للمؤمنين المصلحين ، وأنه منهم بقوله : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْإِذَا مَا آتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ) الآية ، فاتفق الصحابة على أنه إن أصر قتل، وإن تاب جلد ، فتاب فجلد. وأما الذنوب ففي القرآن قطع السارق وجلد الزاني ؛ ولم يحكم بكفرم ، وكذلك فيه اقتتال الطائفتين مع بغي إحداهما على الأخرى ؛ والشهادة لهما بالإيمان والأخوة ، وكذلك فيه قاتل النفس الذي يجب عليه القصاص جعله أخا ؛ وقد قال الله فيه (فَمَنْ عُفِىَ لَهُمِنُ أَخِيهِ شَىْءٌ) فسماه أخا وهو قاتل . وقد ثبت فى الصحيحين حديث أبى ذر لما قال له النبى صلى الله عليه وسلم عن جبريل: (( من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؛ وإن زنا، وإن سرق ؛ وإن شرب الخمر ، على رغم أنف أبي ذر )» وثبت في الصحاح حديث أبى سعيد وغيره في الشفاعة في أهل الكبائر، وقوله : (( أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال برة من إيمان ؛ مثقال حبة من (١) الظاهر أن المصنف جمعه من عدة أحاديث حيث لم يعثر على نصه ٩٢ إيمان ، مثقال ذرة من إيمان » فهذه النصوص كما دلت على أن ذا الكبيرة لا يكفر مع الإيمان، وأنه يخرج من النار بالشفاعة خلافاً للمبتدعة من الخوارج فى الأولى ، ولهم وللمعتزلة فى الثانية نزاع: فقد دلت على أن الإيمان الذي خرجوا به من النار هو حسنة مأمور بها، وأنه لا يقاومها شيء من الذنوب وهذا هو . الوجه الرابع وهو : أن الحسنات التى هي فعل المأمور به تذهب بعقوبة الذنوب والسيئات التى هي فعل المنهى عنه، فإن فاعل المنهى يذهب إنمه بالتوبة ، وهي حسنة مأمور بها ، وبالأعمال الصالحة المقاومة وهي حسنات مأمور بها ، وبدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ودعاء المؤمنين وشفاعتهم ، وبالأعمال الصالحة التى تهدى إليه ، وكل ذلك من الحسنات المأمور بها . فما من سيئة هي فعل منهى عنه إلا لها حسنة تذهبها هي فعل مأمور به ، حتى الكفر ، سواء كان وجوديا أو عدمياً ، فإن حسنة (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْإِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ الإيمان تذهبه ، كما قال تعالى: لَهُم مَاقَدْ سَلَفَ)، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام يجب ما كان قبله)) وفى رواية ((يهدم ما كان قبله)) رواه مسلم. وأما الحسنات فلا تذهب ثوابها السيئات مطلقاً، فإن حسنة الإيمان ٩٣ لا تذهب إلا بنقيضها وهو الكفر ؛ لأن الكفر ينافى الإيمان ، فلا يصير الكافر مؤمنا ، فلو زال الإيمان زال ثوابه لا لوجود سيئة ، ولهذا كان كل سيئة لا تذهب بعمل لا يزول ثوابه ، وهذا متفق عليه بين المسلمين حتى المبتدعة من الخوارج والمعتزلة ، فإن الخوارج يرون الكبيرة موجبة للكفر المنافى للإيمان ، والمعتزلة يرونها مخرجة له من الإيمان وإن لم يدخل بها فى الكفر، وأهل السنة والجماعة يرون أصل إيمانه باقيا ، فقد انفقت الطوائف على أنه مع وجود إيمانه لا يزول توابه بشيء من السيئات والكفر ، وإن كانوا متفقين على أن مع وجوده لا يزول عقابه بشيء من الحسنات ، فذلك لأن الكفر يكفى فيه عدم الإيمان ولا يجب أن يكون أمراً موجودا كما تقدم ، فعقوبة الكفر هى ترك الإيمان ، وإن انضم إليها عقوبات على ما فعله من الكفر الوجودي أيضا . وكذلك قد روي في بعض ثواب الطاعات المأمور بها ما يدفع ويرفع عقوبة المعاصي المنهى عنها ، فإذا كان جنس ثواب الحسنات المأمور بها بدفع عقوبة كل معصية ، وليس جنس عقوبات السيئات المنهى عنها يدفع ثواب كل حسنة : ثبت رجحان الحسنات المأمور بها على ترك السيئات المنهى عنها . وفي هذا المعنى ما ورد فى فضل لا إله إلا الله ، وأنها تطفئ نار السيئات ؛ مثل حديث البطاقة وغيره . ٩٤ الوجه الخامس أن تارك المأمور به عليه قضاؤه وإن تركه لعذر ، مثل ترك الصوم لمرض أو السفر ، ومثل النوم عن الصلاة أو نسيانها ، ومثل من ترك شيئاً من نسكه الواجب فعليه دم أو عليه فعل ما ترك إن أمكن ، وأما فاعل المنهى عنه إذا كان نائماً أو ناسياً أو مخطئاً فهو معفو عنه ، ليس عليه جبران إلا إذا اقترن به إتلاف ، كقتل النفس والمال . والكفارة فيه هل وجبت جبراً، أو زجراً ، أو محواً ؟ فيه نزاع بين الفقهاء . فحاصله أن تارك المأمور به وإن عذر فى الترك لخطأ أو نسيان فلا بد له من الإتيان بالمثل أو بالجبران من غير الجنس ، بخلاف فاعل المنهى عنه، فإنه تكفى فيه التوبة إلا في مواضع لمعنى آخر ، فعلم أن اقتضاء الشارع لفعل المأمور به أعظم من اقتضائه لترك المنهى عنه . الوج السادس أن مباني الإسلام الخمس المأمور بها وإن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها فإنه يقتل بتركها فى الجملة عند جماهير العلماء ، ويكفر أيضاً ٩٥ عند كثير منهم أو أكثر السلف ، وأما فعل المنهى عنه الذي لا يتعدى ضرره صاحبه فإنه لا يقتل به عند أحد من الأئمة ، ولا يكفر به إلا إذا ناقض الإيمان ، لفوات الإيمان وكونه مرتداً أو زنديقاً. وذلك أن من الأئمة من يقتله ويكفره بترك كل واحدة من الخمس لأن الإسلام بنى عليها ، وهو قول طائفة من السلف ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه . ومنهم من لا يقتله ولا يكفره إلا بترك الصلاة والزكاة ، وهي رواية أخرى عن أحمد ، كما دل عليه ظاهر القرآن فى براءة ، وحديث ابن عمر وغيره، ولأنهما منتظمان لحق الحق وحق الخلق ، كانتظام الشهادتين للربوبية والرسالة ، ولا بدل لهما من غير جنسهما ، بخلاف الصيام والحج. ٠ ٠- ومنهم من يقتله بها ويكفره بالصلاة وبالزكاة إذا قال الإمام عليها ، كرواية عن أحمد . ومنهم من يقتله بهما ، ولا يكفره إلا بالصلاة ، كرواية عن أحمد . ومنهم من يقتله بها ولا يكفره ، كرواية عن أحمد . ومنهم من ٩٦ لا يقتله إلا بالصلاة ولا يكفره ، كالمشهور من مذهب الشافعى، لإمكان الاستيفاء منه . وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين . ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها . وأما من لم يقر بوجوبها فهو كافر باتفاقهم ، وليس الأمر كما يفهم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرم : أنه إن جحد وجوبها كفر، وإن لم يجحد وجوبها فهو مورد النزاع ، بل هنا ثلاثة أقسام: أحدها : إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق . والثاني : أن لا يجحد وجوبها ، لكنه ممتع من التزام فعلها كبراً أو حسداً ، أو بغضاً لله ورسوله ، فيقول: اعلم أن الله أوجبها على المسلمين ، والرسول صادق فى تبليغ القرآن ، ولكنه ممتع عن التزام الفعل استكباراً أو حسداً للرسول ، أو عصبية لدينه ، أو بغضا لما جاء به الرسول ، فهذا أيضاً كافر بالاتفاق ، فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحداً للإيجاب، فإن الله تعالى باشره بالخطاب، وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين . وكذلك أبو طالب كان ٩٧ مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك اتباعه حمية لدينه ، وخوفا من عار الانقياد ، واستكباراً عن أن تعلو استه رأسه ، فهذا ينبغي أن يتفطن له ! ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولا للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للامتناع عن الإقرار والالتزام كما قال تعالى : (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّالَِّينَ بِشَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ )، وقال تعالى: (وَحَحَدُ واْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )، وإلا متى لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفر بالاتفاق . والثالث: أن يكون مقراً ملتزما؛ لكن تركها كسلا وتهاوناً ؛ أو اشتغالا بأغراض له عنها ، فهذا مورد النزاع ، كمن عليه دين وهو مقر بوجوبه ملتزم لأدائه ، لكنه يمطل بخلا أو تهاوناً . وهنا قسم رابع ، وهو : أن يتركها ولا يقر بوجوبها؛ ولا يجحد وجوبها ؛ لكنه مقر بالإسلام من حيث الجملة ، فهل هذا من موارد النزاع ؛ أو من موارد الإجماع ؟ ولعل كلام كثير من السلف متناول لهذا، وهو المعرض عنها لا مقراً ولا منكراً، وإنما هو متكلم بالإسلام فهذا فيه نظر ، فإن قلنا : يكفر بالاتفاق ؛ فيكون اعتقاد وجوب هذه الواجبات على التعيين من الإيمان لا يكفي فيها الاعتقاد العام ؛ كما فى ٩٨ الخبريات من أحوال الجنة والنار ، والفرق بينهما أن الأفعال المأموربها المطلوب فيها الفعل لا يكفي فيها الاعتقاد العام ، بل لا بد من اعتقاد خاص ؛ بخلاف الأمور الخبرية ؛ فإن الإيمان المجمل بما جاء به الرسول من صفات الرب وأحر المعاد يكفي فيه ما لم ينقض الجملة بالتفصيل ، ولهذا اكتفوا فى هذه العقائد بالجمل وكرهوا فيها التفصيل المفضى إلى القتال والفتنة ، بخلاف الشرائع المأمور بها؛ فإنه لا يكتفى فيها بالجمل ؛ بل لا بد من تفصيلها علماً وعملا . وأما القاتل والزانى والمحارب فهؤلاء إنما يقتلون لعدوانهم على الخلق لما فى ذلك من الفساد المتعدي ، ومن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه حد الله، ولا يكفر أحد منهم. وأيضاً فالمرتد بقتل لكفره بعد إيمانه ؛ وإن لم يكن محارباً . فثبت أن الكفر والقتل لترك المأمور به أعظم منه لفعل المنهى عنه . وهذا الوجه قوى على مذهب الثلاثة : مالك ؛ والشافعى؛ وأحمد وجمهور السلف ، ودلائله من الكتاب والسنة متنوعة ، وأما على مذهب أبى حنيفة فقد يعارض بما قد يقال : إنه لا يوجب قتل ٩٩ أحد على ترك واجب أصلا حتى الإيمان ؛ فإنه لا يقتل إلا المحارب لوجود الحراب منه وهو فعل المنهي عنه ، ويسوى بين الكفر الأصلى والطارئ ، فلا يقتل المرتد لعدم الحراب منه ، ولا يقتل من ترك الصلاة أو الزكاة إلا إذا كان فى طائفة ممتنعة ، فيقاتلهم لوجود الحراب كما يقاتل البغاة ، وأما المنهى عنه فيقتل القاتل والزانى المحصن والمحارب إذا قتل ، فيكون الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الاعتبار عند النزاع بالرد إلى الله وإلى الرسول ، والكتاب والسنة دال على ما ذكرناه ، من أن المرتد يقتل بالاتفاق وإن لم يكن من أهل القتال ، إذا كان أعمى أو زمنا أو راهباً، والأسير يجوز قتله بعد أسره وإن كان حرابه قد انقضى . الثانى : أن ما وجب فيه القتل إنما وجب على سبيل القصاص الذي يعتبر فيه المائلة ؛ فإن النفس بالنفس ؛ كما يجب المقاصة في الأموال ؛ فجزاء سيئة سيئة مثلها فى النفوس والأموال والأعراض والأبشار ، لكن إن لم يضر إلا المقتول كان قتله صائراً إلى أولياء المقتول ؛ لأن الحق لهم كحق المظلوم في المال ، وإن قتله لأخذ المال كان قتله واجباً ؛ لأجل المصلحة العامة التى هي حد الله، كما يجب قطع يد السارق لأجل حفظ الأموال ؛ ورد المال المسروق حق لصاحبه ، إن شاء أخذه وإن شاء تركه ، فخرجت هذه الصور عن ١٠٠