Indexed OCR Text

Pages 61-80

الوجوب أو التحريم ، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وان كان واجباً
فى الأصل ، والله أعلم .
ومما يدخل في هذه الأمور الاجتهادية علما وعملا ، أن ما قاله
العالم أو الأمير أو فعله باجتهاد أو تقليد، فإذا لم ير العالم الآخر والأمير
الآخر مثل رأي الأول فإنه لا يأمر به ، أو لا يأمر إلا بما يراه مصلحة
ولا ينهى عنه ، إذ ليس له أن ينهى غيره عن اتباع اجتهاده ، ولا أن
يوجب عليه اتباعه ، فهذه الأمور فى حقه من الأعمال المعفوة ، لا يأمر
بها ولا ينهى عنها بل هي بين الإباحة والعفو .
وهذا باب واسع جداً ، فتدبره !
٦١

وقال :
فصل
قد كتبت فى كراس قبل هذا : أن الحسنات والعبادات ثلاثة
أقسام : عقلية: وهو ما يشترك فيه العقلاء؛ مؤمنهم وكافرهم. وملي:
وهو ما يختص به أهل الملل كعبادة الله وحده لا شريك له، وشرعي :
وهو ما اختص به شرع الإسلام مثلا ، وأن الثلاثة واجبة ؛
فالشرعى باعتبار الثلاثة المشروعة ، وباعتبار يختص بالقدر المميز .
وهكذا العلوم والأقوال ، عقلي وملي وشرعى ؛ فالعقل المحض
مثل ما ينظر فيه الفلاسفة من عموم المنطق ، والطبيعي ، والإلهي ؛
ولهذا كان فيهم المشرك والمؤمن، والملي ، مثل ما ينظر فيه المتكلم من
إثبات الصانع ، وإثبات النبوات والشرائح .
فإن المتكلمين متفقون على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
رسول الله، ولكنهم فى رسائلهم ومسائلهم لا يلتزمون حكم الكتاب
٦٢

والسنة ، ففيهم السني والبدعي ، ويجتمعون هم والفلاسفة فى النظر فى
الأمور الكلية من العلم والدليل والنظر ، والوجود، والعدم ، والمعلومات
لكنهم أخص بالنظر فى العلم الإلهي من الفلاسفة ، وأبسط علماً ولساناً
فيه ؛ وإن شركهم الفلاسفة في بعضه ، كما أن الفلاسفة أخص بالنظر في
الأمور الطبيعية ؛ وإن شركهم المتكلمون فى بعضه .
والشرعى ما ينظر فيه أهل الكتاب والسنة. ثم هم إما قائمون
بظاهر الشرع فقط ، كعموم أهل الحديث والمؤمنين ، الذين فى العلم
بمنزلة العباد الظاهرين فى العبادة . وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به
فهم فى العلوم كالعارفين من الصوفية الشرعية . فهؤلاء م علماء أمة
محمد المحضة، وم أفضل الخلق ، وأكملهم ، وأقومهم طريقة ،
والله أعلم
ويدخل فى العبادات السماع ، فإنه ثلاثة أقسام : سماع عقلي ،
وملى ، وشرعي .
فالأول ما فيه تحريك محبة ، أو مخافة ، أو حزن ، أو رجاء مطلقاً .
والثاني ما فى غيرم كمحبة الله ومخافته ، ورجائه وخشيته، والتوكل
عليه ونحو ذلك .
٦٣

والثالث السماع الشرعي وهو سماع القرآن كما أن الصلاة أيضاً
ثلاثة أقسام .
وهذه الأقسام الثلاثة أصولها صحيحة دل عليها قوله : ( إِنَّالَّذِينَ
ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَّْبِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ
الآية. فالذين آمنوا م أهل شريعة القرآن ؟
صَلِحًا )
وهو الدين الشرعى بما فيه من الملي والعقلي . والذين هادوا والنصارى
أهل دين ملي بشريعة التوراة والإنجيل بما فيه من ملي وعقلي .
والصابئون أهل الدين العقلي بما فيه من ملي أو ملي وشرعيات (١)
(١) بياض بالأصل بمقدار نصف سطر .
٦٤

وقال :
فصل
((قاعدة جامعة)) كل واحد من الدين الجامع بين الواجبات
وسائر العبادات ومن التحريمات كما قال تعالى: ( وَلَا يُحْرِمُونَ مَاحَرَّمَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) وكما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ
أَشْرَكُواْ لَوَّشَآءَ اللَّهُ مَاعَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ فَحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَاحَرَّمْنَامِندُونِهِ،
وكما أخبر عما ذمه من حال المشركين فى
مِنْ شَىْءٍ )
دينهم ويحريمهم حيث قال: (وَجَعَلُوْلِلَّهِ مِمَّا ذَرَآَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ
نَصِيبًا) إلى آخر الكلام ، فإنه ذكر فيه ما كانوا عليه من العبادات
الباطلة من أنواع الشرك ، ومن الإباحة الباطلة فى قتل الأولاد ومن
التحريمات الباطلة ، من السائبة ، والبحيرة ، والوصيلة ، والحامي ،
ونحو ذلك . فذم المشركين فى عباداتهم ، وتحريماتهم ، وإباحتهم . وذم
النصارى فيما تركوه من دين الحق والتحريم ، كما ذمهم على الدين
الباطل فى قوله: ( اٌتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ ) وأصناف ذلك.
٦٥

فكل واحد من العبادات وسائر المأمور به من الواجبات ،
والمستحبات . ومن المكروهات المنهى عنها نهى حظر أو نهى تنزيه
ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عقلي، وملي ، وشرعي. والمراد بالعقلي
ما اتفق عليه أهل العقل من بنى آدم سواء كان لهم صلة كتاب أو لم
يكن . والمراد بالملي : ما اتفق عليه أهل الملل والكتب المنزلة ومن
اتبعهم ، والمراد بالشرعى ما اختص به أهل الشريعة القرآنية ، وهم أمة
محمد صلى الله عليه وسلم ، وأخص من ذلك ما اختص به أهل مذهب
أو أهل طريقة من الفقهاء ، والصوفية ونحو ذلك .
لكن هذا التخصيص والامتياز لا توجبه شريعة الرسول مطلقاً ،
وإنما قد توجبه ما قد توجب بتخصيص بعض العلماء والعباد والأمراء
في استفتاء أو طاعة ، كما يجب على أهل كل غزاة طاعة أميرهم وأهل
كل قرية استفتاء عالمهم الذي لا يجدون غيره ونحو ذلك ، وما من
أهل شريعة غير المسلمين إلا وفي شرعهم هذه الأقسام الثلاثة ، فإن
مأموراتهم ومنهياتهم تنقسم إلى ما يتفق عليه العقلاء ، وما يتفق عليه
الأنبياء . وأما السياسات الملكية التى لا تتمسك بملة وكتاب : فلا بد
فيها من القسم الأول والثالث ، فإن القدر المشترك بين الآدميين لا بد
من الأمر به فى كل سياسة وإمامة .
وكذلك لا بد لكل ملك من خصيصة يتميز بها ولو لم تكن إلا
٦٦

رعاية من يواليه ، ودفع من يعاديه ، فلا بد لهم من الأمر بما يحفظ
الولي ويدفع العدو ، كما فى مملكة جنكزخان ملك الترك ونحوه
من الملوك .
ثم قد يكون لهم ملة صحيحة توحيدية، وقد يكون لهم ملة
كفرية، وقد لا يكون لهم ملة بحال . ثم قد يكون دينهم مما يوجبونه
وقد يكون مما يستحبونه .
ووجه القسمة أن جميع بنى آدم العقلاء لا بد لهم من أمور
يأمرون بها وأمور ينهون منها فإن مصلحتهم لا تتم بدون ذلك ، ولا
يمكن أن يعيشوا في الدنيا بل ولا يعيش الواحد منهم لو انفرد بدون
أمور يفعلونها تجلب لهم المنفعة ، وأمور ينفونها تدفع منهم المضرة ؛
بل سائر الحيوان لا بد فيه من قوتي الاجتلاب والاجتناب ، ومبدأهما
الشهوة والنفرة ، والحب والبغض ، فالقسم المطلوب هو المأمور به ،
والقسم المرهوب هو المنهى عنه .
فإما أن تكون تلك الأمور متفقاً عليها بين العقلاء .... بحيث
لا يلتفت إلى الشواذ منهم ، الذين خرجوا عند الجمهور عن العقل -
وإما أن لا تكون كذلك ، وما ليس كذلك فإما أن يكون متفقاً
عليه بين الأنبياء والمرسلين . وإما أن يختص به أهل شريعة الإسلام.
٦٧

فالقسم الأول : الطاعات العقلية - وليس الغرض بتسميتها عقلية
إثبات كون العقل يحسن ويقبح على الوجه المتنازع فيه ؛ بل الغرض
ما اتفق عليه المسلمون وغيرهم من التحسين والتقبيح العقلي الذي هو
جلب المنافع ودفع المضار ، وإنما الغرض اتفاق العقلاء على مدحها .-
مثل الصدق والعدل وأداء الأمانة ، والإحسان إلى الناس بالمال والمنافع
ومثل العلم والعبادة المطلقة والورع المطلق ، والزهد المطلق، مثل جنس
التأله والعبادة، والتسبيح، والخشوع ، والنسك المطلق بحيث لا يمنع
القدر المشترك أن يكون لأي معبود كان، وبأي عبادة كانت ، فإن
هذا الجنس متفق عليه بين الآدميين مامنهم إلا من يمدح جنس
التآله ، مع كون بعضه فيه ما يكون صالحاً حقاً ، وبعضه فيه
ما يكون فاسداً باطلا .
وكذلك الورع المشترك مثل الكف عن قتل النفس مطلقاً ، وعن
الزنا مطلقاً ، وعن ظلم الخلق . وكذلك الزهد المشترك مثل الإمساك
عن فضول الطعام واللباس ، وهذا القسم إنما عبر أهل العقل باعتقاد
حسنه ووجوبه ؛ لأن مصلحة دنياه لا تتم إلا به ، وكذلك مصلحة
دينهم ، سواء كان ديناً صالحاً أو فاسداً .
ثم هذه الطاعات والعبادات العقلية قسمان :
٦٨

أحدهما : ما هو نوع واحد لا يختلف أصلا، كالعلم والصدق ،
وهما تابعان للحق الموجود، ومنها ما هو جنس تختلف أنواعه كالعدل ،
وأداء الأمانة ، والصلاة والصيام ، والنسك والزهد والورع، ونحو
ذلك فإنه قد يكون العدل فى ملة وسياسة خلاف العدل عند آخرين
كقسمة المواريث مثلا ، وهذه الأمور تابعة للحق المقصود .
لكن قد يقال : الناس وإن انفقوا على أن العلم يجب أن يكون
مطابقاً للمعلوم ، وأن الخبر مطابق للمخبر ؛ لكن هم مختلفون فى المطابقة
اختلافاً كثيراً جداً ، فإن منهم من يعد مطابقاً علماً وصدقا ما يعده
الآخر مخالفاً : جهلا وكذبا ؛ لا سيما في الأمور الإلهية ، فكذلك
العدل م متفقون على أنه يجب فيه التسوية بين المتماثلين ؛ لكن يختلفون
فى الاستواء والموافقة والتماثل ، فكل واحد من العلم والصدق والعدل
لا بد فيه من موافقة ومماثلة واعتبار ومقايسة ، لكن يختلفون فى ذلك
فيقال : هذا صحيح ؛ لكن الموافقة العلمية والصدقية هي بحسب وجود
الشيء في نفسه وهو الحق الموجود ، فلا يقف على أمر وإرادة ،
وأما الموافقة العدلية فبحسب ما يجب قصده ، وفعله ، وهذا يقف على
القصد والأمر الذي قد يتنوع بحسب الأحوال .
ولهذا لم يختلف الشرائع فى جنس العلم والصدق كما اختلفت في جنس
العدل ، وأما جنس العبادات كالصلاة والصيام والنسك ، والورع عن
٦٩

السيئات ، وما يتبع ذلك من زهد ونحو ذلك ، فهذا مختلف اختلافاً
كثيراً ؛ وإن كان يجمع جنس الصلاة التأله بالقلب، والتعبد للمعبود.
ويجمع جنس الصوم الإمساك عن الشهوات ، من الطعام والشراب ،
والنكاح على اختلاف أنواع ذلك، وكذلك أنواع النسك بحسب الأمكنة
التى تقصد ، وما يفعل فيها وفى طريقها ؛ لكن تجتمع هذه الأنواع فى
جنس العبادة ، وهو تأله القلب بالمحبة والتعظيم ، وجنس الزهادة ، وهو
الإعراض عن الشهوات البدنية ، وزينة الحياة الدنيا ، وهما جنس نوعي
الصلاة والصيام.
القسم الثاني : الطاعات الملية من العبادات وسائر المأمور به ،
والتحريمات مثل عبادة الله وحده لا شريك له ، بالإخلاص والتوكل
والدعاء والخوف والرجاء وما يقترن بذلك من الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ، ورسله والبعث بعد الموت . وتحريم الشرك به وعبادة ما سواه
وتحريم الإيمان بالجبت وهو السحر ، والطاغوت وهو الأوثان
ونحو ذلك .
وهذا القسم: هو الذي حضت عليه الرسل ، ووكدت أمره ،
وهو أكبر المقاصد بالدعوة ، فإن القسم الأول : يظهر أمره ومنفعته
بظاهر العقل ، وكأنه فى الأعمال ، مثل العلوم البديهية .
٧٠

والقسم الثالث: تكملة وتتميم لهذا القسم الثاني . فإن الأول
كالمقدمات ، والثالث كالمعقبات ، وأما الثانى : فهو المقصود بخلق الناس،
كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ ) وذلك لأن
التعبد المطلق والتأله المطلق يدخل فيه الإشراك بجميع أنواعه ، كما عليه
المشركون من سائر الأمم ، وكان التأله المطلق هو دين الصابئة ، ودين
التتار ، ومحوم مثل الترك ، فإنهم كانوا يعبدون الله وحده تارة، ويبنون
له هيكلا يسمونه هيكل العلة الأولى ، ويعبدون ما سواء تارة . من
الكواكب السبعة والثوابت وغيرها ، بخلاف المشركة المحضة فإنهم
لا يعبدون الله وحده قط، فلا يعبدونه إلا بالإشراك بغيره، من
شركائهم ، وشفعاتهم . (١)
والصابئون : منهم [من]يعبده مخلصاً له الدين ، ومنهم من يشرك به،
والحنفاء كلهم يخلص له الدين ؛ فلهذا صار الصابئون فيهم من يؤمن
بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً ؛ بخلاف المشركين والمجوس ، ولهذا
كان رأس دين الإسلام الذي بعث به خاتم المرسلين كمتين : شهادة أن
لا إله إلا الله تثبت التأله الحق الخالص ، وتنفي ما سواه من تأله المشركين
أو تسأله مطلق قد يدخل فيه تأله المشركين ، فأخرجت هذه
الكلمة كل تأله ينافى الملي، من التأله المختص بالكفار ، أو
المطلق المشترك .
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق .
٧١

والكلمة الثانية : شهادة أن محمداً رسول الله ، وهي توجب
التأله الشرعى النبوي ، وتنفي ما كان من العقلي والملي والشرعي
خارجا عنه .
القسم الثالث : الطاعات الشرعية التى تختص بشريعة القرآن، مثل
خصائص الصلوات الخمس ، وخصائص صوم شهر رمضان ، وحج البيت
العتيق ، وفرائض الزكوات ، وأحكام المعاملات والمناكمات ومقادير
العقوبات ، ونحو ذلك من العبادات الشرعية وسائر ما يؤمر به من الشرعية
وسائر ما ينهى عنه
فصل
إذا تبين ذلك فغالب الفقهاء إنما يتكلمون به في الطاعات الشرعية
مع العقلية ، وغالب الصوفية إنما يتبعون الطاعات الملية مع العقلية ،
وغالب المتفلسفة يقفون على الطاعات العقلية .
ولهذا كثر فى المتفقهة من ينحرف عن طاعات القلب وعباداته :
من الإخلاص لله، والتوكل عليه، والمحبة له . والخشية له
ونحو ذلك .
٧٢

وكثر فى المتفقرة والمتصوفة من ينحرف عن الطاعات الشرعية ، فلا
يبالون إذا حصل لهم توحيد القلب وتألمه أن يكون ما أوجبه الله من
الصلوات ، وشرعه من أنواع القراءة والذكر والدعوات أن يتناولوا
ما حرم الله من المطاعم ، وأن يتعبدوا بالعبادات البدعية من الرهبانية
ونحوها ، ويعتاضوا بسماع المكاء والتصدية عن سماع القرآن، وأن يقفوا
مع الحقيقة القدرية معرضين عن الأمر والنهي ؛ فإن كل ما خلقه الله
فهو دال على وحدانيته، وقائم بكلمانه التامات ، التى لايجاوزها بر ولا
فاجر ، وصادر عن مشيئته النافذة، ومدير بقدرته الكاملة . فقد يحصل
لإنسان تأله ملي فقط ولابد فيه من العقلي والملي ، وهو ما جاءت به
الرسل ، بحيث يذيب إلى اللّه ويحبه ، ويتوكل عليه، ويعرض عن الدنيا؛
لكن لايقف عند المشروع من الأفعال الظاهرة فعلا وتركا، وقد يحصل
العكس بحيث يقف عند المشروع من الأفعال الظاهرة ، من غير
أن يحصل لقلبه إنابة ، وتوكل ، ومحبة . وقد يحصل التمسك بالواجبات
العقلية . من الصدق والعدل وأداء الأمانة ونحو ذلك من غير محافظة
على الواجبات الملية والشرعية .
وهؤلاء الأقسام الثلاثة إذا كانوا مؤمنين مسلمين ؛ فقد شابوا
الإسلام إما بيهودية ، وإما بنصرانية ، وإما بصائئية ؛ إذا كان ما انحرفوا
إليه مبدلا منسوخا ، وإن كان أصله مشروعا فموسوية أو عيسوبة .
٧٣

وقال :
فصل
الصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها ،
ويظهر ذلك من وجوه :
أحدها : أن الإنسان هو حي ناطق ، فالوصف المقوم له الفاصل
له عن غيره من الدواب هو المنطق ، والمنطق قسمان : خبر ، وإنشاء ،
والخبر محته بالصدق ، وفساده بالكذب ، فالكاذب أسوأ حالا من البهيمة
العجماء ، والكلام الخبري هو المميز للإنسان ، وهو أصل الكلام
الإنشائى، فإنه مظهر العلم، والإنشاء مظهر العمل، والعلم متقدم على
العمل ، وموجب له، فالكاذب لم يكفه أنه سلب حقيقة الإنسان حتى
قلبها إلى ضدها ، ولهذا قيل : لامروءة لكذوب ، ولا راحة لحسود،
ولا إخاء لملوك ولا سؤدد لبخيل ، فإن المروءة مصدر المره كما أن
الإنسانية مصدر الإنسان .
الثانى : أن الصفة المميزة بين النبى والمتنئ هو الصدق والكذب
٧٤

فإن محمداً رسول الله الصادق الأمين، ومسيلمة الكذاب قال الله تعالى: (فَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْجَاءَهُ( أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى
لِلْكَفِرِينَ * وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهٌِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ)
الثالث : أن الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق هو الصدق ، فإن
أساس النفاق الذى بنى عليه الكذب ، وعلى كل خلق يطبع المؤمن
ليس الخيانة والكذب . وفى الصحيحين عن أنس بن مالك قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث من كن فيه كان منافقاً، إذا
حدث كذب ، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)).
الرابع: أن الصدق هو أصل البر ، والكذب أصل الفجور ، كما
فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((عليكم بالصدق
فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل
يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب ،
فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، ولا
يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)).
الخامس : أن الصادق تنزل عليه الملائكة ، والكاذب تنزل عليه
الشياطين، كما قال تعالى: (هَلْ أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَلُ عَلَى
كُلِ أَفَّاٍ أَشِمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْتَرُهُمْ كَذِبُونَ).
٧٥

السادس: أن الفارق بين الصديقين ، والشهداء ، والصالحين
وبين المتشبه بهم من المرائين ، والمسمعين والملبسين هو
الصدق ، والكذب .
السابع : أنه مقرون بالإخلاص الذي هو أصل الدين فى
الكتاب (١) وكلام العلماء والمشايخ قال الله تعالى (وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ *
؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((عدلت
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ)
شهادة الزور الإشراك بالله مرتين)) وقرأ هذه الآية وقال: ((ألا أنبئكم
بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) وكان متكئاً فجلس
فقال: ((ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور)) فما زال يكررها حتى
قلنا ليته سكت .
الثامن : أنه ركن الشهادة الخاصة عند الحكام ، التى هي قوام
الحكم والقضاء ، والشهادة العامة فى جميع الأمور ، والشهادة خاصة
هذه الأمة التى ميزت بها في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا
لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ ) وركن الإقرار الذي هو شهادة المرء على
نفسه، وركز الأحاديث والأخبار التى بها يقوم الإسلام؛ بل هي ركن
النبوة والرسالة ، التى هي واسطة بين الله وبين خلقه وركن الفتيا التى
(١) بياض قدر كلمة ولعلها والسنة.
٧٦

هي إخبار المفتى بحكم الله . وركز المعاملات التى تتضمن إخبار كل
واحد من المتعاملين للآخر بما فى سلعته ، وركن الرؤيا التى قيل
فيها : أصدقهم رؤيا أصدقهم كلاماً ، والتى يؤتمن فيها الرجل
على ما رأى .
التاسع : أن الصدق والكذب هو المميز بين المؤمن والمنافق كما
جاء في الأثر : أساس النفاق الذي بني عليه الكذب . وفى الصحيحين
عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((آية المنافق ثلاث
إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان )) وفى حديث
آخر: «على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة والكذب )» ووصف
الله المنافقين فى القرآن بالكذب فى مواضع متعددة ومعلوم أن المؤمنين
هم أهل الجنة ، وأن المنافقين م أهل النار في الدرك الأسفل
من النار .
العاشر : أن المشايخ العارفين اتفقوا على أن أساس الطريق إلى
الله هو الصدق والإخلاص، كما جمع الله بينها فى قوله: (وَاجْتَنِبُواْ
قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) ونصوص الكتاب، والسنة،
وإجماع الأمة دال على ذلك فى مواضع كقوله تعالى (يَأَيُهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْاللَّهَ وَكُونُواْمَعَ الصَّدِقِينَ) وقوله تعالى: ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن
كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْجَآءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِّلْكَفِرِينَ *
٧٧

وقال
وَالَّذِى جَآء ◌ِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ: أُوْلَبِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ)
تعالى لما بين الفرق بين النبى، والكاهن، والساحر: ( وَإِنَّهُ،لَنَِيلُرَبِّ
اُلْعَلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِيْنُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ *
وَإِنَّهُ لَفِىِ زُيُرِ الْأَوَّلِينَ ) إلى قوله: (هَلْ أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ
تَزَّلُ عَلَى كُلِ أَفَالِكٍ أَشِمِ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ)
وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْقَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِشَىْءٌ
وقال تعالى: (يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزَّلَ اللَّهُ )
كُونُوا قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَلِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَاُلْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا
أَوْفَقِيرًا ).
٧٨

وقال:
فصل
قد كتبت في غير موضع أن الحسنات كلها عدل ، والسيئات كلها
ظلم وأن الله إنما أنزل الكتب ، وأرسل الرسل؛ ليقوم الناس
بالقسط . وقد ذكرت أن القسط والظلم نوعان : نوع فى حق الله
تعالى كالتوحيد ، فإنه رأس العدل، والشرك رأس الظلم ، ونوع في
حق العباد؛ إما مع حق الله كقتل النفس أو مفرداً كالدين الذي
ثبت برضا صاحبه .
ثم إن الظلم فى حق العباد نوعان : نوع يحصل بغير رضا صاحبه،
كقتل نفسه وأخذ ماله ، وانتهاك عرضه ، ونوع يكون برضا صاحبه
وهو ظلم . كمعاملة الربا والميسر، فإن ذلك حرام لما فيه من أكل مال غيره
بالباطل، وأكل المال بالباطل ظلم؛ ولو رضي به صاحبه لم يبح، ولم يخرج
عن أن يكون ظلما ، فليس كل ما طابت به نفس صاحبه يخرج عن
الظلم ، وليس كل ماكرهه باذله يكون ظلما ، بل القسمة رباعية :
٧٩

أحدها : ما نهى عنه الشارع وكرهه المظلوم .
الثاني : ما نهى عنه الشارع وإن لم يكرهه المظلوم
كالزنا ، والميسر .
،
والثالث : ماكرهه صاحبه ولكن الشارع رخص فيه ، فهذا
ليس بظلم .
والرابع : مالم يكرهه صاحبه ولا الشارع ؛ وإنما نهى الشارع عن
ما يرضى به صاحبه إذا كان ظلما ؛ لأن الإنسان جاهل بمصلحته ، فقد
يرضى مالا يعرف أن عليه فيه ضررا ، ويكون عليه فيه ضرر غير
مستحق ؛ ولهذا إذا انكشف له حقيقة الحال لم يرض ؛ ولهذا قال
طاوس ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلا تفرقا عن تقال ،
فالزاني بامرأة ، أو غلام، إن كان استكرهها فهذا ظلم وفاحشة ،
وإن كانت طاوعته ، فهذا فاحشة ، وفيه ظلم أيضاً للآخر ؛ لأنه بموافقته
أعان الآخر على مضرة نفسه ، لا سيما إن كان أحدهما هو الذي دعا
الآخر إلى الفاحشة فإنه قد سعى فى ظلمه وإضراره ، بل لو أمره
بالمعصية التى لاحظ له فيها لكان ظالما له ؛ ولهذا يحمل من أوزار
الذي يضله بغير على، فكيف إذا سعى فى أن ينال غرضه منه
مع إضراره .
٨٠