Indexed OCR Text

Pages 21-40

ولم يأثم . قال عبادك يخطئون وأنت رب تكفل المنايا والختوم ، وقال
الفراء : الخطأ: الإثم ، الخطا والخطا والخطا ممدود. ثلاث اللغات.
قلت : يقال فى العمد : خطأ ، كما يقال فى غير العمد على قراءة
ابن عامر ، فيقال لغير المتعمد : أخطأت كما يقال له : خطيت ، ولفظ
الخطيئة من هذا. ومنه قوله تعالى: (مِّمَّا خَطِيَِّمْ أُغْرِقُواْ ) وقول
السحرة: ( إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَلَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) .
ومنه قوله فى الحديث الصحيح الإلهي: (( يا عبادي! إنكم
تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم))
وفى الصحيحين عن أبى موسى ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان
يقول فى دعائه: ((اللهم اغفر لي خطيئى وجهلي وإسرافي في أمري ،
وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي هزلي وجدي ؛ وخطئي وعمدي ،
وكل ذلك عندي )) .
وفى الصحيحين عن أبي هريرة ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال :
أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ،
اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم اغساني
من خطاياي بالماء والثلج والبرد)).
٢١

والذين قالوا : كل مجتهد مصيب ، والمجتهد لا يكون على خطأ ،
وكرهوا أن يقال للمجتهد: إنه أخطأ ، م وكثير من العامة يكره أن
يقال عن إمام كبير : إنه أخطأ ، وقوله أخطأ ، لأن هذا اللفظ يستعمل
فى الذنب كقراءة ابن عامر (إن قتلهم كان خطأ كبيراً) ولأنه يقال
فى العامد: أخطأ يخطئء كما قال: ((يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل
والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم ، فصار لفظ
الخطأ وأخطأ قد يتناول النوعين ، كما يخص غير العامل وأما لفظ الخطيئة
فلا يستعمل إلا فى الإثم .
والمشهور أن لفظ الخطأ بفارق العمد ، كما قال تعالى: ( وَمَا
كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًا) الآية، ثم قال بعد ذلك: (وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُ مُجَهَنَّمُ ).
وقد بين الفقهاء أن الخطأ ينقسم إلى خطأ في الفعل ؛ وإلى خطأ
فى القصد .
فالأول : أن يقصد الرمي إلى ما يجوز رميه من صيد وهدف
فيخطئ بها ، وهذا فيه الكفارة والدية .
والثانى : أن يخطئ فى قصده لعدم العلم ؛ كما أخطأ هناك لضعف
٢٢

القوة ، وهو أن يرمي من يعتقده مباح الدم ويكون معصوم الدم ،
كمن قتل رجلا فى صفوف الكفار ثم تبين أنه كان مسلما ، والخطأ فى
العلم هو من هذا النوع ؛ ولهذا قيل في أحد القولين : إنه لادية فيه
لأنه مأمور به ، بخلاف الأول .
وأيضاً فقد قال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِنْ
مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ )، ففرق بين النوعين، وقال تعالى: (رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا)؛ وقد ثبت فى الصحيح أن الله
تعالى قال: ((قد فعلت)).
فلفظ الخطأ وأخطأ عند الإطلاق يتناول غير العامد ، وإذا ذكر
مع النسيان أو ذكر فى مقابلة العامد كان نصاً فيه ، وقد يراد به مع
القرينة العمد ، أو العمد والخطأ جميعاً، كما في قراءة ابن عامر ؛
وفى الحديث الإلهي - إن كان لفظه كما يرويه عامة المحدثين -
((تخطئون)» بالضم.
وأما اسم الخاطئ فلم يجىء فى القرآن إلا للأمم بمعنى الخطيئة ،
كقوله: ( وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) ، وقوله :
(لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُتَّا لَخَطِينَ)، وقوله: ( يَأَبَنَا
اُسْتَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ)، وقوله: ( لََّيَأْكُ إِلَّا الْخَطُِّونَ).
٢٣
:

وإذا تبين هذا ، فكل مجتهد مصيب غير خاطئ ، وغير مخطئ
أيضاً إذا أريد بالخطأ الإثم على قراءة ابن عامر ، ولا يكون من مجتهد
خطأ ، وهذا هو الذي أراده من قال : كل مجتهد مصيب ، وقالوا :
الخطأ والإثم متلازمان ، فعندم لفظ الخطأ كلفظ الخطيئة على قراءة
ابن عامر ، وهم يسلمون أنه يخفى عليه بعض العلم الذي عجز عنه ، لكن
لا يسمونه خطأ؛ لأنه لم يؤمر به ، وقد يسمونه خطأ إضافياً ، بمعنى:
أنه أخطأ شيئا لو علمه لكان عليه أن يتبعه وكان هو حكم الله فى حقه ؛
ولكن الصحابة والأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - وجهور السلف
يطلقون لفظ الخطأ على غير العمد ؛ وإن لم يكن إثماً ، كما نطق بذلك
القرآن والسنة في غير موضع ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الصحيح: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا
اجتهد فأخطأ فله أجر )).
وقال غير واحد من الصحابة كابن مسعود : أقول فيها برأبي
فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان؛ والله
ورسوله بريئان منه . وقال علي فى قصة التى أرسل إليها عمر فأسقطت
- لما قال له عثمان وعبد الرحمن رضي الله عنهما: أنت مؤدب
ولا شيء عليك - إن كانا اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يكونا اجتهدا
فقد غشاك .
٢٤

وأحمد يفرق فى هذا الباب ، فإذا كان فى المسألة حديث صحيح
لا معارض له كان من أخذ بحديث ضعيف أو قول بعض الصحابة
مخطئا ، وإذا كان فيها حديثان صحيحان نظر فى الراجح فأخذ به؛ ولا
يقول لمن أخذ بالآخر إنه مخطىء ، وإذا لم يكن فيها نص اجتهد فيها
برأيه ، قال : ولا أدري أصبت الحق أم أخطأته ؟ ففرق بين أن
يكون فيها نص يجب العمل به وبين أن لا يكون كذلك ، وإذا عمل
الرجل بنص وفيها نص آخر خفي عليه لم يسمه مخطئا ؛ لأنه فعل ما
وجب عليه ؛ لكن هذا التفصيل في تعيين الخطأ ، فإن من الناس من
يقول : لا أقطع بخطأ منازعى في مسائل الاجتهاد . ومنهم من يقول :
أقطع بخطئه. وأحمد فصل ، وهو الصواب . وهو إذا قطع بخطئه
بمعنى عدم العلم لم يقطع بإنمه ، هذا لا يكون إلا في من علم أنه
لم يجتهد.
وحقيقة الأمر أنه إذا كان فيها نص خفي على بعض المجتهدين ونعذر
عليه علمه ولو علم به لوجب عليه اتباعه ؛ لكنه لما خفي عليه اتبع النص
الآخر ، وهو منسوخ أو مخصوص : فقد فعل ما وجب عليه بحسب
قدرته ، كالذين صلوا إلى بيت المقدس بعد أن نسخت وقبل أن يعلموا
بالنسخ ، وهذا لأن حكم الخطاب لا يثبت فى حق المكلفين إلا بعد تمكنهم
من معرفته في أصح الأقوال ، وقيل : يثبت معنى وجوب القضاء لا
٢٥

بمعنى الإثم ، وقيل يثبت فى الخطاب المبتدأ دون الناسخ، والأقوال
الثلاثة فى مذهب أحمد وغيره .
وإذا كان كذلك ، فما لم يسمعه المجتهد من النصوص الناسخة أو
المخصوصة فلي تمكنه معرفته فحكمه ساقط عنه، وهو مطيع لله فى عمله
بالنص المنسوخ والعام ، ولا إثم عليه فيه .
وهنا تنازع الناس على ثلاثة أقوال :
قيل : عليه اتباع الحكم الباطن ؛ وأنه إذا أخطأ كان مخطئا عند
اللّه وفى الحكم تارك لما أمر به، مع قولهم: إنه لا إثم عليه،
وهذا تناقض ، فإن من ترك ما أمر به فهو آثم ؛ فكيف يكون تاركا
المأمور به وهو غير آثم ؟!
وقيل: بل لم يؤمر قط بالحكم الباطن ، ولا هو حكم فى حقه
ولا أخطأ حكم الله، ولا للّ في الباطن حكم فى حقه غير ماحكم به ؛
ولا يقال له : أخطأ ؛ فإن الخطأ عندم ملازم للإثم ، وم يسلمون أنه
لو علمه لوجب عليه العمل به ولكان حكماً فى حقه ، فكان النزاع
لفظياً ، وقد خالفوا فى منع اللفظ فى الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ،
وأيضاً فقولهم: ليس في الباطن حكم خطأ؛ بل حكم الله فى الباطن
٢٦

هو ما جاء به النص الناسخ والخاص ، ولكن لا يجب عليه أن يعمل به
حتى يتمكن من معرفته ، فسقط عنه لعجزه .
وقيل : كان حكم الله فى حقه هو الأمر الباطن ، ولكن لما اجتهد
فغلب على ظنه أن هذا هو حكم الله انتقل حكم الله في حقه ؛ فصار
مأموراً بهذا .
والصحيح : ما قاله أحمد وغيره : أن عليه أن يجتهد ، فالواجب
عليه الاجتهاد ؛ ولا يجب عليه إصابته فى الباطن إذا لم يكن قادراً عليه
وإنما عليه أن يجتهد ؛ فإن ترك الاجتهاد أثم ، وإذا اجتهد ولم يكن فى
قدرته أن يعلم الباطن لم يكن مأموراً به مع العجز ، ولكن هو مأمور
به ، وهو حكم الله فى حقه بشرط أن يتمكن منه .
ومن قال : إنه حكم الله في الباطن بهذا الاعتبار فقد صدق ،
وإذا اجتهد فبين اللّه له الحق في الباطن فله أجران، كما قال تعالى:
( فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَ ) ، ولا نقول: إن حكم الله انتقل فى حقه فكان
مأموراً قبل الاجتهاد بالحق للباطن ، ثم صار مأموراً بعد الاجتهاد لما
ظنه، بل ما زال مأموراً بأن يجتهد ويتقي الله ما استطاع، وهو إنما
أمر بالحق لكن بشرط أن يقدر عليه ، فإذا عجز عنه لم يؤمر به، وهو
مأمور بالاجتهاد ، فإذا كان اجتهاده اقتضى قولا آخر فعليه أن يعمل
٢٧

به ؛ لا لأنه أمر بذلك القول ، بل لأن الله أمره أن يعمل بما يقتضيه
اجتهاده وبما يمكنه معرفته ، وهو لم يقدر إلا على ذلك القول ، فهو
مأمور به من جهة أنه مقدوره لا من جهة عينه ، كالمجتهدين فى القبلة
إذا صلوا إلى أربع جهات ، فالمصيب للقبلة واحد والجميع فعلوا ما
أمروا به ، لا إثم عليهم ، وتعيين القبلة سقط عن العاجزين عن معرفتها
وصار الواجب على كل أحد أن يفعل ما يقدر عليه من الاجتهاد ،
وهو ما يعتقد أنه الكعبة بعد اجتهاده ، فهو مأمور بعين الصواب لكن
بشرط القدرة على معرفته ، ومأمور بما يعتقد أنه الصواب ، وأنه الذي
يقدر عليه ، وإذا رآء لم يتعين من جهة الشارع - صلوات الله
وسلامه عليه - بل من جهة قدرته ، لكن إذا كان متبعاً لنص ولم
يبلغه ناسخه فهو مأمور باتباعه إلى أن يعلم الناسخ ، فإن المنسوخ كان
حكم الله فى حقه باطناً وظاهراً ، وذلك لا يقبل إلا بعد بلوغ
الناسخ له .
وأما اللفظ العام إذا كان مخصوصاً فقد يقال: صورة التخصيص لم
يردها الشارع ، لكن هو اعتقد أنه أرادها لكونه لم يعلم التخصيص .
وهكذا يقال فيما نسخ من النصوص قبل أن يجب العمل به على
المجتهد ، كالنصوص التى نسخت في حياة النبى صلى الله عليه وسلم ولم
يعلم بعض الناس بنسخها ؛ وقد بلغه المنسوخ بها ، لا يقال : إن المنسوخ
٢٨

ثبت حكمه فى حقه باطناً وظاهراً ، كما قيل فى أهل القبلة الذين وجب
عليهم استقبالها باطناً وظاهراً قبل النسخ ، ولكن يقال : من لم يبلغه
النص الناسخ وبلغه النص الآخر فعليه اتباعه والعمل به ، وعلى هذا
فتختلف الأحكام فى حق المجتهدين بحسب القدرة على معرفة الدليل ،
فمن كان غير متمكن من معرفة الدليل الراجح كالناسخ والمخصص ؛
فهذا حكم الله من جهة العمل بما قدر عليه من الأدلة، وإن كان فى
نفس الأمر دليل معارض راجح لم يتمكن من معرفته فليس عليه اتباعه
إلا إذا قدر على ذلك .
وعلى هذا فالآية إذا احتملت معنيين ، وكان ظهور أحدهما غير
معلوم لبعض الناس بل لم يعلم إلا ما لا يظهر للآخر ؛ كان الواجب عليه
العمل بما دله على ذلك المعنى ؛ وإن كان غيره عليه العمل بما دله على
المعنى الآخر ؛ وكل منهما فعل ما وجب عليه ، لكن حكم الله فى نفس
الأمر واحد بشرط القدرة . وإذا قيل فما فعله ذاك أمره الله به
أيضاً، قيل : لم يأمر به عينيا ، بل أمره أن يتقي الله ما استطاع ؛
ويعمل بما ظهر له ، ولم يظهر له إلا هذا ؛ فهو مأمور به من جهة
جنس المقدور والمعلوم والظاهر بالنسبة إلى المجتهد ؛ ليس مأمورا به من
جهة عينه نفسه ، فمن قال: لم يؤمر به فقد أصاب. ومن قال: هو مأمور
به من جهة أنه هو الذي قدر عليه وعلمه وظهر له ودل عليه الدليل فقد أصاب
٢٩

كما لو شهد شاهدان عند الحاكم وقد غلطا في الشهادة ، فهو مأمور
أن يحكم بشهادة ما شهدا به مطلقاً، لم يؤمر بغير ما شهدا به فى
هذه القضية .
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((إنكم تختصمون إلي، ولعل
بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضى بنحو مما أسمع ،
فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا بأخذه ؛ فإنما أقطع له قطعة من
النار)). فهو إذا ظهرت له حجة أحدهما فلم يذكر الآخر حجته فقد
عمل بما ظهر له ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وهو مطيع لله،
فى حقه من جهة قدرته وعلمه . لا من جهة كون ذلك المعين أمر الله
به ؛ فإن الله لا يأمر بالباطل والظلم والخطأ، ولكن لا يكلف نفساً إلا
وسعها وهذا يتناول الأحكام النبوية والخبرية .
والمجتهد المخطئ له أجر ؛ لأن قصده الحق وطلبه بحسب وسعه ،
وهو لا يحكم إلا بدليل ، كمكم الحاكم بإقرار الخصم بما عليه ،
ويكون قد سقط بعد ذلك ببراء أو قضاء ، ولم يقم به حجة، وحكمه
بالبراءة مع اليمين ويكون قد اشتغلت الذمة باقتراض أو ابتياع أو غير
ذلك ، لكن لم يقم به حجة ، وحكم لرب اليد مع اليمين ويكون قد
انتقل الملك عنه أو يده يد غاصب ؛ لكن لم يقم به حجة .
٣٠

وكذلك الأدلة العامة ؛ يحكم المجتهد بعمومه وما يخصه ولم يبلغه ؛
أو بنص وقد نسخ ولم يبلغه : أو يقول بقياس ظهر وفيه التسوية ؛
وتكون تلك الصورة امتازت بفرق مؤثر ؛ وتعذرت عليه معرفته؛ فإن
تأثير الفرق قد يكون بنص لم يبلغه ، وقد يكون وصفا خفيا .
ففى الجملة الأجر هو على اتباعه الحق بحسب اجتهاده ؛ و [ لو ]
كان فى الباطن حق يناقضه هو أولى بالاتباع لو قدر على معرفته ؛
لكن لم يقدر ، فهذا كالمجتهدين في جهات الكعبة ، وكذلك كل من عبد
عبادة فهي منها ولم يعلم بالنهي - لكن هي من جنس المأمور به -
مثل من صلى فى أوقات النهي ، وبلغه الأمر العام بالصلاة ولم يبلغه
النهي ، أو تمسك بدليل خاص مرجوح ، مثل صلاة جماعة من السلف
ركعتين بعد العصر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما، ومثل صلاة
رويت فيها أحاديث ضعيفة أو موضوعة ، كألفية نصف شعبان وأول
رجب وصلاة التسبيح ، كما جوزها ابن المبارك وغير ذلك ؛ فإنها إذا
دخلت فى عموم استحباب الصلاة ولم يبلغه ما يوجب النهي أثيب على
ذلك ، وإن كان فيها نهي من وجه لم يعلم بكونها بدعة تتخذ شعاراً ،
ويجتمع عليها كل عام ، فهو مثل أن يحدث صلاة سادسة ؛
ولهذا لو أراد أن يصلي مثل هذه الصلاة بلا حديث لم يكن له ذلك،
لكن لما روى الحديث اعتقد أنه صحيح فغلط في ذلك ، فهذا يغفر له
٣١

خطؤه ويثاب على جنس المشروع . وكذلك من صام يوم العيد ولم
يعلم بالنهي .
بخلاف ما لم يشرع جنسه مثل الشرك ، فإن هذا لا ثواب فيه
وإن كان اللّه لا يعاقب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة ، كما قال تعالى:
) ، لكنه وإن كان لا يعذب فإن
وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا
)
(وَقَدِ مْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ
هذا لا يثاب ، بل هذا كما قال تعالى :
فَجَعَلْنَهُ هَبَةَ مَّنثُورًا ) ، قال ابن المبارك: هي الأعمال التى عملت لغير
الله. وقال مجاهد : هي الأعمال التى لم تقبل . وقال تعالى: (مَّثَلُ
الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَيِّهِمٌ أَعْمَلُهُمْكَرَمَا دٍ أَشْتَدَّتْ بِهِ الْرِيحُ) الآية، فهؤلاء
أعمالهم باطلة لا ثواب فيها .
وإذا نهام الرسول عنها فلم ينتهوا عوقبوا ، فالعقاب عليها مشروط
بتبليغ الرسول ، وأما بطلانها فى نفسها فلأنها غير مأمور بها ، فكل
عبادة غير مأمور بها فلا بد أن ينهى منها . ثم إن علم أنها منهي عنها
وفعلها استحق العقاب ، فإن لم يعلم لم يستحق العقاب ، وإن اعتقد أنها
مأمور بها وكانت من جنس المشروع فإنه يثاب عليها ، وإن كانت من
جنس الشرك فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به ، لكن قد يحسب
بعض الناس فى بعض أنواعه أنه مأمور به .
٣٢

وهذا لا يكون مجتهداً ؛ لأن المجتهد لا بد أن يتبع دليلا شرعيا،
وهذه لا يكون عليها دليل شرعي ، لكن قد يفعلها باجتهاد مثله : وهو
تقليده لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء ، والذين فعلوا ذلك قد
فعلوه لأنهم رأوه ينفع ؛ أو لحديث كذب سمعوه. فهؤلاء إذا لم نقم
عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون ، وأما الثواب فإنه قد يكون توابهم أنهم
أرجح من أهل جنسهم ، وأما الثواب بالتقرب إلى الله فلا يكون بمثل
هذه الأعمال .
فصل
والخطأ المغفور في الاجتهاد هو فى نوعي المسائل الخبرية والعلمية
كما قد بسط فى غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو
حديث ، وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه ، مثل من اعتقد
أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته ، أو اعتقد أن الله لا يرى ؛
لقوله: (لَا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ)، ولقوله: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين
إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ )،
على انتفاء الرؤية فى حق النى صلى الله عليه وسلم ، وإنما يدلان
بطريق العموم .
٣٣

وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى، وفسروا قوله:
وُجُوهٌ يُؤَمَيِذٍ نَاضِرَةُ * إِلَى رَبِهَ نَاظِرَةٌ ) بأنها تنتظر ثواب ربها ، كما نقل
)
عن مجاهد وأبي صالح .
أو من اعتقد أن الميت لا يعذب ببكاء الحي ؛ لاعتقاده أن قوله :
يدل على ذلك ؛ وأن ذلك يقدم
وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )
)
على رواية الراوي لأن السمع يغلط ، كما اعتقد ذلك طائفة من
السلف والخلف .
أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي ؛ لاعتقاده أن قوله :
( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَ ) يدل على ذلك.
أو اعتقد أن الله لا يعجب ، كما اعتقد ذلك شريح؛ لاعتقاده أن
العجب إنما يكون من جهل السبب والله منزه عن الجهل .
أو اعتقد أن علياً أفضل الصحابة ؛ لاعتقاده صحة حديث الطير ؛
وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم ائتني بأحب الخلق
إليك ؛ يأكل معي من هذا الطائر )).
أو اعتقد أن من جس للعدو وعلمهم بغزو النبي صلى الله عليه
٣٤

وسلم فهو منافق ؛ كما اعتقد ذلك عمر فى حاطب وقال : دعني أضرب
عنق هذا المنافق .
أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق ؛ كما
اعتقد ذلك أسيد بن حضير فى سعد بن عبادة وقال : إنك منافق !
تجادل عن المنافقين .
أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن؛
لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت ، كما نقل عن غير واحد من
السلف أنهم أنكروا ألفاظاً من القرآن، كإنكار بعضهم: (وَقَضَى
رَبُّكَ ) ، وقال: إنما هي ووصى ربك. وإنكار بعضهم قوله: ( وَإِذْ
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ )، وقال: إنما هو ميثاق بنى إسرائيل، وكذلك
هي فى قراءة عبد الله. وإنكار بعضهم ( أو لم بيئس الذين آمنوا)
إنما هي أو لم يتبين الذين آمنوا. وكما أنكر عمر على هشام بن
الحكم ، لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها. وكما أنكر
طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها ، حتى جمعهم
عثمان على المصحف الإمام .
وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن اللّه يريد المعاصي؛
لاعتقاده أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به. وأنكر طائفة
٣٥

من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي ؛ لكونهم ظنوا أن الإرادة
لا تكون إلا بمعنى المشيئة لخلقها ، وقد علموا أن الله خالق كل شيء؛
وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، والقرآن قد جاء بلفظ الإرادة
بهذا المعنى وبهذا المعنى ، لكن كل طائفة عرفت أحد المعنيين
وأنكرت الآخر .
وكالذي قال لأهله : إذا أنامت فأحرقوني ؛ ثم ذروني في اليم
فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين .
وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله: ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَّن يَقْدِرَ
عَلَيْهِ أَحَدٌ )، وفي قول الحواريين: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ
عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ) ، وكالصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه
وسلم : هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه ؛
وكثير من الناس لا يعلم ذلك؛ إما لأنه لم تبلغه الأحاديث ، وإما لأنه
ظن أنه كذب وغلط .
٣٦

فصل
وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها فى أسماء وأحكام،
وجمع بينهما في أسماء وأحكام ، وذلك حجة على الطائفتين : على من
قال : إن الأفعال ليس فيها حسن وقبيح . ومن قال : إنهم يستحقون
العذاب على القولين .
أما الأول فإنه سماع ظالمين وطاغين ومفسدين ؛ لقوله : ( أُذْهَبْ
إِلَى فِرْهَوْنَ إِنَّهُ لَغَى)، وقوله: (وَإِذْنَادَى رَبُكَ مُوسَىَ أَنِ أَنْتِ اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا
ج
يَتَّقُونَ ) . وقوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَاِفَةً
مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءِنِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، فأخبر أنه ظالم
وطاغ ومفسد هو وقومه ، وهذه أسماء ذم الأفعال ؛ والنم إنما
يكون فى الأفعال السيئة القبيحة ، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة
مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم ، لا يستحقون العذاب إلا بعد إتيان
الرسول إليهم ؛ لقوله: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّ ◌َبْعَثَ رَسُولًا ).
وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: ( أُعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُم
٣٧

مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلََّ مُفْتَرُونَ )، فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم
صلـ
يخالفونه ؛ لكونهم جعلوا مع اللّه إلهاً آخر، فاسم المشرك ثبت قبل
الرسالة ؛ فإنه يشرك بربه ويعدل به ، ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل
له أنداداً قبل الرسول ، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها ، وكذلك
اسم الجهل والجاهلية ، يقال : جاهلية وجاهلا قبل مجيء الرسول ، وأما
التعذيب فلا .
( فَ صَدَقَ وَلَا صَلَى * وَلَكِنَ كَذَّبَ
والتولي عن الطاعة ، كقوله :
وَتَوَلَى ) ، فهذا لا يكون إلا بعد الرسول ، مثل قوله عن فرعون:
( فَكَذَبَ وَعَصَى ) كان هذا بعد مجيء الرسول إليه ، كما قال تعالى:
(فَرَنُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى )، وقال: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ).
هذا آخر ما وجد .
٣٨

وسئل أيضاً رضي اللّ عن
هل البخاري، ومسلم؛ وأبو داود، والترمذي، والنسائي ؛ وابن
ماجه ؛ وأبو داود الطيالسي : والدارمى ؛ والبزار ؛ والدار قطنى؛
والبيهقي ؛ وابن خزيمة؛ وأبو يعلى الموصلي، هل كان هؤلاء مجتهدين لم
يقلدوا أحداً من الأئمة ؛ أم كانوا مقلدين ؟
وهل كان من هؤلاء أحد ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة ؟
وهل إذا وجد فى موطأ مالك : عن يحيى بن سعيد ؛ عن إبراهيم
ابن محمد بن الحارث التيمي ؛ عن عائشة . ووجد فى البخاري : حدثنى
معاذ بن فضالة ؛ قال : حدثنا هشام ، عن يحي هو ابن أبي كثير ، عن
أبي سلمة ، عن أبي هريرة . فهل يقال إن هذا أصح من الذي فى
الموطأ ؟ وهل إذا كان الحديث فى البخاري بسند وفي الموطأ بسند ،
فهل يقال : إن الذي في البخاري أصح ؟
وإذا روينا عن رجال البخارى حديثاً ولم يروه البخاري فى صحيحه
فهل يقال : هو مثل الذي فى الصحيح ؟
٣٩

فأجاب :
الحمد لله رب العالمين. أما البخاري؛ وأبو داود فإمامان في الفقه
من أهل الاجتهاد .
وأما مسلم والترمذي ، والنسائى ؛ وابن ماجه ؛ وابن خزيمة ؛
وأبو يعلى ، والبزار ؛ ونحوهم ؛ فهم على مذهب أهل الحديث ، ليسوا
مقلدين لواحد بعينه من العلماء ، ولا م من الأئمة المجتهدين على الإطلاق
بل م لا يميلون إلى قول أئمة الحديث ، كالشافعي ؛ وأحمد ؛ وإسحاق
وأبى عبيد ؛ وأمثالهم . ومنهم من له اختصاص ببعض الأئمة ، كاختصاص
أبى داود ونحوه بأحمد بن حنبل ، وم إلى مذاهب أهل الحجاز
- كمالك وأمثاله - أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق - كأبى
حنيفة والثوري -- .
وأما أبو داود الطيالسي فأقدم من هؤلاء كلهم ، من طبقة يحيى
ابن سعيد القطان ؛ ويزيد بن هارون الواسطي ؛ وعبد الله بن داود ؛
ووكيع بن الجراح ؛ وعبد الله بن إدريس ؛ ومعاذ بن معاذ ؛ وحفص
ابن غياث ؛ وعبد الرحمن بن مهدي ؛ وأمثال هؤلاء من طبقة شيوخ
الإمام أحمد .
وهؤلاء كلهم يعظمون السنة والحديث ، ومنهم من يميل إلى مذهب
٤٠