Indexed OCR Text

Pages 1-20

وَكَ فَيَاوَى
شيخ الإسلام أحمد بن يميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمَعْوَتَرتیبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّد بْقَاسْم ◌ُرَحَمَهُاله)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللَّه)»
المجلّ العِرُون
طُبعَ بِأمْر
خَادِ مُ الجَّهَيْ الشَِّفَيْ المَلِكِ فَهَدِرْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُود
أَجْزَل اللَّه مَنُوبِتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَمِعْ لِمَلِ فَهَدِ الطَّاعَةِ المُتَّخِفِ الشَّرِيف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإسْلامِيَّةِ وَالْأَوْقَافَةِ وَالَّعْوَمَ وَالأَرْشَائِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٦١٦ ص : ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة)
.- ٤٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٠)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
.- ٤٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ٢٠)

كتاب
أَصْوَلَ الفِقْلِمَّ
الجزء الثاني
التمذهب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِالرَّحَّةِ
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله
الحمد لله نحمده ونستعينه ؛ ونستغفره ونؤمن به ؛ ونتوكل عليه ؛
وننى عليه الخير بما هو أهله ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ونشهد أن محمداً عبده
ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ؛ وداعياً إلى الله بإذنه
وسراجا منيرا ؛ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى
بالله شهيداً؛ فهدى به من الضلالة ؛ وعلى به من الجهالة ، وبصر به من
العمى ؛ وأرشد به من الغي ؛ وفتح به آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا
غلفا ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً .
وبعد : فإن الله سبحانه دلنا على نفسه الكريمة بما أخبرنا به فى
٥

كتابه العزيز ؛ وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وبذلك أنزل
(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الِدِينِ مَاوَصَّىبِهِ،
الكتب وأرسل الرسل. فقال تعالى:
نُوحًا ) إلى قوله: ( يُنِيبُ). وقال: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَّ يُعْبَدُونَ )
وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنَا
فَاعْبُدُونِ ) .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنا معاشر
الأنبياء ديننا واحد؟ والشرائح مختلفة)) فجميع الرسل متفقون فى الدين
الجامع في الأصول الاعتقادية والعلمية كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر ،
والعملية كالأعمال العامة المذكورة فى سورة الأنعام والأعراف وبني إسرائيل،
وهو قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَاحَزَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْبِهِ.
(قُلْ أَمَرَرَبِى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ
الآيات الثلاث ، وقوله
شَيْئًا )
( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ
الآية ، وقوله :
وُجُوهَكُمْ عِندَكُلّ مَسْجِدٍ)
(وَقَضَى رَبُّكَ
الآية ، وقوله :
اُلْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ )
أَلَّا تَعْبُدُ وَأْإِلَّا إِيَّاهُ) إلى آخر الوصايا، وقوله: (قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِي أَدْعُواْ إِلَى
اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ) الآية .
فالدعوة والعبادة اسم جامع لغاية الحب لله وغاية الذل له ، فمن ذل
له من غير حب لم يكن عابدا، بل يكون هو المحبوب المطلق ؛ فلا يحب
٦

شيئا إلا له ، ومن أشرك غيره فى هذا وهذا لم يجعل له حقيقة الحب،
فهو مشرك ؛ وإشراكه يوجب نقص الحقيقة. كقوله تعالى: (وَمِنَـ
النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِ اللَّهِ ) الآية.
والحب يوجب الذل والطاعة ، والإسلام : أن يستسلم للّه لا لغيره
فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك ، ومن لم يستسلم له فهو متكبر ،
وكلاهما ضد الإسلام .
والقلب لا يصلح إلا بعبادة الله وحده، وتحقيق هذا تحقيق
الدعوة النبوية .
ومن المحبة الدعوة إلى الله؛ وهي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت
به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم بما أمروا به ، فالدعوة إليه
من الدعوة إلى الله تعالى، وما أبغضه الله ورسوله فمن الدعوة إلى الله
النهي عنه ، ومن الدعوة إلى الله أن يفعل العبد ما أحبه الله ورسوله ،
ويترك ما أبغضه الله ورسوله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة بما
أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته ومن سائر
المخلوقات ، كالعرش والكرسي؛ والملائكة والأنبياء، وأن يكون الله
ورسوله أحب إليه مما سواهما .
٧

والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم
وثم أمته، وقد وصفهم الله بذلك؛ كقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِىِّ الْأَقِىَّ) إلى قوله: (الْمُفْلِحُونَ) ، فهذه في حقه صلى الله عليه وسلم
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) الآية ، وقوله :
وفى حقهم قوله :
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ )
الآية .
وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة ؛ وهو فرض كفاية يسقط
عن البعض بالبعض، كقوله: (وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ) الآية،
فجميع الأمة تقوم مقامه فى الدعوة ؛ فبهذا إجماعهم حجة، وإذا تنازعوا
في شيء ردوه إلى الله ورسوله ، فإذا تقرر هذا فالواجب على كل مؤمن
أن يحب ما أحب الله ورسوله، وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله
ما دل عليه فى كتابه ، فلا يجوز لأحد أن يجعل الأصل فى الدين
لشخص إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولا لقول إلا لكتاب الله
عز وجل .
ومن نصب شخصا كائنا من كان فوالى وعادى على موافقته فى
القول والفعل فهو (مِنَ الَّذِينَ فَزَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا ) الآية، وإذا
تفقه الرجل وتأدب بطريقة قوم من المؤمنين مثل : اتباع الأئمة والمشايخ؛
فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه ثم العيار ، فيوالي من وافقهم
٨

ويعادي من خالفهم ، فينبغى للإنسان أن يعود نفسه التفقه الباطن فى
قلبه والعمل به ، فهذا زاجر . وكأن القلوب تظهر عند المحن .
وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه،
ولا يناجز عليها ، بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله ؛ أو أخبر الله
به ورسوله ؛ لكون ذلك طاعة لله ورسوله .
وينبغي للداعي أن يقدم فيما استدلوا به من القرآن ؛ فإنه نور
وهدى؛ ثم يجعل إمام الأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم
كلام الأئمة .
ولا يخلو أمر الداعي من أمرين :
الأول : أن يكون مجتهدا أو مقلدا ، فالمجتهد ينظر فى تصانيف
المتقدمين من القرون الثلاثة ؛ ثم يرجح ما ينبغي ترجيحه .
الثانى : المقلد يقلد السلف ؛ إذ القرون المتقدمة أفضل مما بعدها .
فإذا تبين هذا فنقول كما أمرنا ربنا: (قُولُوَءَامَنَّا بِاللّهِ ) إلى
قوله: ( مُسْلِمُونَ ) ، ونأمر بما أمرنا به ؛ وننهى عما نهانا عنه فى نص
كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: (وَمَآءَانَنَكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ) الآية ، فمبنى أحكام هذا الدين على ثلاثة أقسام :
الكتاب ؛ والسنة ؛ والإجماع .
٩

وسئل رحم الله تعالى
عن معنى إجماع العلماء ؛ وهل يسوغ للمجتهد خلافهم ؟ وما
معناه ؟ وهل قول الصحابى حجة ؟ .
(فأجاب : )
الحمد لله . معنى الإجماع : أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من
الأحكام . وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد
أن يخرج عن إجماعهم ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثير
من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك ، بل
يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة .
وأما أقوال بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم ؛ فليس حجة لازمة
ولا إجماعا باتفاق المسلمين ، بل قد ثبت عنهم - رضي الله عنهم -
أنهم نهوا الناس عن تقليدهم؛ وأمروا إذا رأوا قولا في الكتاب والسنة
أقوى من قولهم : أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا
أقوالهم؛ ولهذا كان الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة لا يزالون إذا
١٠

ظهر لهم دلالة الكتاب أو السنة على ما يخالف قول متبوعهم اتبعوا ذلك،
مثل مسافة القصر ؛ فإن تحديدها بثلاثة أيام أو ستة عشر فرسخاً لما
كان قولا ضعيفاً كان طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم ترى
قصر الصلاة فى السفر الذي هو دون ذلك، كالسفر من مكة إلى عرفة؛
فإنه قد ثبت أن أهل مكة قصروا مع النبى صلى الله عليه وسلم
بمنى وعرفة .
وكذلك طائفة من أصحاب مالك وأبى حنيفة وأحمد قالوا : إن جمع
الطلاق الثلاث محرم وبدعة ؛ لأن الكتاب والسنة عندم إنما يدلان على
ذلك ؛ وخالفوا أمتهم .
وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة رأوا غسل الدهن
النجس ؛ وهو خلاف قول الأئمة الأربعة .
وطائفة من أصحاب أبي حنيفة رأوا تحليف الناس بالطلاق وهو
خلاف الأئمة الأربعة ، بل ذكر ابن عبد البر أن الإجماع منعقد
على خلافه .
وطائفة من أصحاب مالك وغيرم قالوا : من حلف بالطلاق فإنه
يكفر يمينه ؛ وكذلك من حلف بالعتاق ، وكذلك قال طائفة من أصحاب
١١

أبي حنيفة والشافعي ؛ قالوا : إن من قال : الطلاق يلزمني لا يقع به
طلاق ، ومن حلف بذلك لا يقع به طلاق ، وهذا منقول عن أبى
حنيفة نفسه . وطائفة من العلماء قالوا : إن الحالف بالطلاق لا يقع به
طلاق ولا تلزمه كفارة ، وقد ثبت عن الصحابة وأ كبر التابعين فى
الحلف بالعتق أنه لا يلزمه ؛ بل تجزئه كفارة يمين، وأقوال الأئمة
الأربعة بخلافه ، فالحلف بالطلاق بطريق الأولى ؛ ولهذا كان من هو
من أئمة التابعين يقول : الحلف بالطلاق لا يقع به الطلاق ، ويجعله يميناً
فيه الكفارة .
وهذا بخلاف إيقاع الطلاق ؛ فإنه إذا وقع على الوجه الشرعي وقع
باتفاق الأمة ، ولم تكن فيه كفارة باتفاق الأمة ، بل لاكفارة فى الإيقاع
مطلقاً ، وإنما الكفارة خاصة في الخلف .
فإذا تنازع المسلمون فى مسألة وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله
والرسول ، فأي القولين دل عليه الكتاب والسنة وجب اتباعه، كقول
من فرق بين النذر والعتق والطلاق وبين اليمين بذلك ؛ فإن هذا
هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس ؛ فإن
الله ذكر حكم الطلاق فى قوله تعالى: (إِذَاطَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ)، وذكر
حكم اليمين في قوله: (قَدْ فَضَ اَللَّهُ لَكُنْتَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ)، وثبت في
الصحاح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من حلف
١٢

على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ، وليكفر
عن يمينه ،.
فمن جعل اليمين بها لها حكم، والنذر والإعتاقي والتطليق له حكم
آخر ، كان قوله موافقاً للكتاب والسنة .
ومن جعل هذا وهذا سواء فقد خالف الكتاب والسنة .
ومن ظن فى هذا إجماعا كان ظنه بحسب علمه حيث لم يعلم فيه
نزاعا، وكيف تجتمع الأمة على قول ضعيف مرجوح ليس عليه
حجة صحيحة ؟! بل الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والقياس
الصحيح يخالفه .
والصيغ ثلاثة : صيغة إيقاع ، كقوله : أنت طالق ، فهذه ليست
يمينا باتفاق الناس.
وصيغة قسم ، كقوله : الطلاق يلزمني لأفعلن كذا ، فهذه صيغة
يمين باتفاق الناس .
وصيغة تعليق ، كقوله : إن زنيت فأنت طالق، فهذا إن قصد
به الإيقاع عند وجود الصفة: بأن يكون يريد إذا زنت إيقاع الطلاق
١٣

ولا يقيم مع زانية ؛ فهذا إيقاع وليس بيمين ، وإن قصد منعها وزجرها
ولا يريد طلاقها إذا زنت فهذا يمين باتفاق الناس.
فصل
وأما أقوال الصحابة ؛ فإن انتشرت ولم تنكر فى زمانهم فهي حجة عند
جماهير العلماء، وإن تنازعوا رد ما تنازعوافيه إلى الله والرسول. ولم يكن قول
بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء ، وإن قال بعضهم قولا
ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر ؛ فهذا فيه نزاع ، وجمهور العلماء
يحتجون به ، كأبي حنيفة ؛ ومالك ؛ وأحمد فى المشهور عنه ؛ والشافعي
في أحد قوليه ، وفى كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك فى غير موضع ،
ولكن من الناس من يقول : هذا هو القول القديم .
١٤

وسئل :
عن الاجتهاد ؛ والاستدلال؛ والتقليد ؛ والاتباع ؟ .
( فأحاب : )
أما التقليد الباطل المذموم فهو : قبول قول الغير بلا حجة ، قال
الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَشَِّعُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْبَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ
كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًاوَلَا يَهْتَدُونَ )
فى البقرة وفى المائدة. وفى لقان. ( أَوَلَوْكَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ ) ، وفي
وفی
(قَلَ أَوَلَوْ جِنْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْ تُمْ عَلَيْهِ ءَابَّةَ كُمْ)
الزخرف :
وقال :
(إِنَّهُمْ أَلْفَوْءَابَآءَ هُمْضَآلِّينَ * فَهُمْ عَىّءَاتَِّهِمْيُهْرَعُونَ )
الصافات :
( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُواْرَبَّنَآَ
إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبِرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَأ ) الآيات.
وقال :
( إِذْ تَبَرَّ أَ اُلَّذِينَ أُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوْالْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ )
وقال: (فَيَقُولُ الضُّعَفَوُاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُ وَأ إِنَّاكُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم
مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًّا مِّنَ النَّارِ )، وفى الآية الأخرى: (مِنْ عَذَابٍ
( لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
، وقال :
اُللَّهِ مِنشَئءٍ )
١٥

وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِعِلْمٍ ).
فهذا الاتباع والتقليد الذي ذمه الله هو اتباع الهوى، إما للعادة
والنسب كاتباع الآباء ، وإما للرئاسة كاتباع الا كابر والسادة والمتكبرين،
فهذا مثل تقليد الرجل لأبيه أو سيده أو ذي سلطانه ، وهذا يكون
لمن لم يستقل بنفسه وهو الصغير ؛ فإن دينه دين أمه ، فإن فقدت فدين
ملكه وأبيه ، فإن فقد كاللقيط فدين المتولى عليه ، وهو أهل
البلد الذي هو فيه، فأما إذا بلغ وأعرب لسانه فإما شاكراً
وإما كفوراً .
وقد بين اللّه أن الواجب الإعراض عن هذا التقليد إلى اتباع ما
أنزل الله على رسله؛ فإنهم حجة الله التى أعذر بها إلى خلقه .
والكلام فى التقليد فى شيئين : في كونه حقاً؛ أو باطلا
من جهة الدلالة . وفي كونه مشروعا ؛ أو غير مشروع من
جهة الحكم.
أما الأول فإن التقليد المذكور لا يفيد علماً؛ فإن المقلد يجوز أن
يكون مقلده مصيا ؛ ويجوز أن يكون مخطئاً وهو لا يعلم أمصيب هو
أم مخطئ ؟ فلا تحصل له ثقة ولا طمأنينة ، فإن علم أن مقلده مصيب
١٦

كتقليد الرسول أو أهل الإجماع فقد قلده بحجة، وهو العلم بأنه عالم، وليس
هو التقليد المذكور ، وهذا التقليد واجب؛ للعلم بأن الرسول معصوم؛
وأهل الإجماع معصومون .
وأما تقليد العالم حيث يجوز فهو بمنزلة اتباع الأدلة المتغلبة على
الظن ، كبر الواحد والقياس ؛ لأن المقلد يغلب على ظنه إصابة العالم
المجتهد كما يغلب على ظنه صدق الخبر، لكن بين انباع الراوي والرأي
فرق يذكر إن شاء الله فى موضع آخر .
فإن اتباع الراوي واجب لأنه انفرد بعلم ما أخبر به ؛ بخلاف
الرأي فانه يمكن أن يعلم من حيث علم ، ولأن غلط الرواية بعيد ؛ فإن
ضبطها سهل ؛ ولهذا نقل عن النساء والعامة ، بخلاف غلط الرأي
فإنه كثير ؛ لدقة طرقه وكثرتها ، وهذا هو العرف لمن يجوز قبول
الخبر مع إمكان مراجعة المخبر عنه ، ولا يجوز قبول المعنى مع إمكان
معرفة الدليل .
وأما العرف الأول فمتفق عليه بين أهل العلم ؛ ولهذا يوجبون
اتباع الخبر ولا يوجب أحد تقليد العالم على من أمكنه الاستدلال ،
وإنما يختلفون في جوازه؛ لأنه يمكنه أن يعلم من حيث على، فهذه جملة .
١٧

وأما تفصيلها فنقول :
الناس فى الاستدلال والتقليد على طرفى نقيض ، منهم من يوجب
الاستدلال حتى فى المسائل الدقيقة : أصولها وفروعها على كل أحد .
ومنهم من يحرم الاستدلال فى الدقيق على كل أحد وهذا في الأصول
والفروع ، وخيار الأمور أوساطها .
١٨

وسئل :
هل كل مجتهد مصيب ؟ أو المصيب واحد والباقي مخطئون ؟.
( فأجاب : )
قد بسط الكلام فى هذه المسألة في غير موضع ، وذكر نزاع
الناس فيها ، وذكر أن لفظ الخطأ قد يراد به الإثم ؛ وقد يراد به
عدم العلم.
فإن أريد الأول فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع فهو مصيب؛
فإنه مطيح للّه ليس بآثم ولا مذموم .
وإن أريد الثانى فقد يخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره؛
ويكون ذلك علماً بحقيقة الأمر لو اطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه ؛ لكن
سقط عنه وجوب اتباعه لعجزه عنه ، وله أجر على اجتهاده ، ولكن
الواصل إلى الصواب له أجران ، كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم في الحديث المتفق على صحته: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله
أجران ، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر)) .
١٩

ولفظ «الخطأ)) يستعمل في العمد وفى غير العمد ، قال تعالى :
(وَلَنَّعْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشَْةَ إِمْلَقِّ نَّْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِنَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ
والأكثرون يقرؤون (خطأ ) على وزن رداً
خِطْفًا كَبِيرًا).
وعلماً. وقرأ ابن عامر ( خطأ ) على وزن عملا، كلفظ الخطأ
فى قوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا ). وقرأ ابن كثير
( خطاء ) على وزن هجاء . وقرأ ابن رزين ( خطاء) على وزن شرابا .
وقرأ الحسن وقتادة ( خطاً ) على وزن قتلا . وقرأ الزهري ( خطا )
بلا همز على وزن عدى . قال الأخفش : خطى يخطأ بمعنى : أذنب ،
وليس معنى أخطأ ؛ لأن أخطأ في ما لم يصنعه عمداً يقول فيما أتيته عمداً
خطيت ؛ وفيما لم يتعمده : أخطأت .
وكذلك قال أبو بكر ابن الأنباري : الخطأ : الإثم ، يقال : قد
خطا يخطا إذا أثم ، وأخطأ يخطىء إذا فارق الصواب .
وكذلك قال ابن الأنباري فى قوله: (تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا
وَإِن كُتَّا لَخَطِين )، فإن المفسرين كابن عباس وغيره: [قالوا] المذنبين
آثمين فى أمرك وهو كما قالوا فإنهم قالوا: (يَأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّاكُنَا
خَطِينَ )، وكذلك قال العزيز لامرأته: (وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ
مِنَ الْخَاطِئِينَ ) قال ابن الأنباري : ولهذا اختير خاطئين على مخطئين،
وإن كان أخطأ على ألسن الناس أكثر من خطا يخطى ؛ لأن معنى
خطا يخطى فهو خاطىء : آثم ، ومعنى أخطأ يخطىء : ترك الصواب
٢٠