Indexed OCR Text

Pages 141-160

القول بأن الله في السماء ، ومقصودم أن السماء لا تحويه ولا تحصره
ولا تحمله ولا تقله، ولا ريب أن هذا المعنى صحيح أيضاً! فإن الله
لا تحصره مخلوقاته ، بل وسع كرسيه السموات والأرض ؛ والكرسي فى
العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وكذلك ليس هو مفتقراً إلى غيره
محتاجا إليه ، بل هو الغنى عن خلقه الحي القيوم الصمد ، فليس بين
المعنيين تضاد ، ولكن هؤلاء أخطأوا فى نفي اللفظ الذي جاء به الكتاب
والسنة وفي توم أن إطلاقه دال على معنى فاسد .
وقد يعذر بعضهم إذا رأى من أطلق هذا اللفظ وأراد به أن
السماء تقله أو تظله ، وإذا أخطأ من عنى هذا المعنى فقد أصاب ، وأما
الأول فقد أصاب فى اللفظ لإطلاقه ما جاء به النص وفى المعنى الذي
تقدم لأنه المعنى الحق الذي دل عليه النص ، لكن قد يخطئ بعضهم فى
تكفير من يطلق اللفظ الثاني إذا كان مقصوده المعنى الصحيح ، فإن
من عنى المعنى الصحيح لم يكفر بإطلاق لفظ وإن كان مسيئاً أو
فاعلا أمراً محرما ، وأما من فسر قوله : إنه ليس في السماء بمعنى أنه
ليس فوق العرش وإنما فوق السموات عدم محض ، فهؤلاء هم الجهمية
الضلال المخالفون لإجماع الأنبياء ولفطرة العقلاء.
١٤١

فصل
ونحن نذكر من ذلك أصولا :
أحدها : تأثير الاعتقادات فى رفع العذاب والحدود، فنقول : إن
الأحكام الشرعية التى نصبت عليها أدلة قطعية معلومة مثل الكتاب
والسنة المتواترة والإجماع الظاهر ؛ كوجوب الصلاة والزكاة والحج
والصيام وتحريم الزنا والخمر والربا: إذا بلغت هذه الأدلة للمكلف
بلاغا يمكنه من اتباعها خالفها تفريطاً في جنب الله وتعديا لحدود الله :
فلا ريب أنه مخطئٍ آثم ، وأن هذا الفعل سبب لعقوبة الله فى الدنيا
والآ خرة ، فإن الله أقام حجته على خلقه بالرسل الذين بعثهم إليهم
(لِلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)،
مبشرين ومنذرين ،
قال تعالى عن أهل النار: (كُلَّمَا أُلْفِى فِيهَا فَوْيٌ سَلَمْ خَُهَا أَمْيَأْتِّكُمْنَذِيْرٌ * قَالُواْ
بَلَى قَدْجَاءَ نَا نَذِيرٌ فَكَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ ) ، وقال
تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوْاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرَا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنُهَا أَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنِدِرُونَكُمْ لِقَآءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْبَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ ).
١٤٢

وأما إذا كان فى الفعل والحادثة والمسألة العملية نص لا يتمكن
المكلف من معرفته ومعرفة دلالته ؛ مثل أن يكون الحديث النبوي
الوارد فيها عند شخص لم يعلم به المجتهد ولم يشعر بما يدله عليه ؛ أو
تكون دلالته خفية لا يقدر المجتهد على فهمها ؛ أو لم يكن فيها نص
بحال ، فهذا مورد نزاع ؛ فذهب فريق من أهل الكلام مثل أبى
علي وأبي هاشم والقاضي أبى بكر والغزالي إلى قول مبتدع بشبه فى
المجتهدات قول الزنادقة الإباحية في المنصوصات ، وهو أنه ليس لهذه
الحادثة حكم عند الله فى نفس الأمر وإنما حكمه فى حق كل مكلف
يتبع اجتهاده واعتقاده ، فمن اعتقد وجوب الفعل فهو واجب عليه ،
ومن اعتقد محرمه فهو حرام عليه ، وبنوا ذلك على مقدمتين :
إحداهما : أن الحكم إنما يكون بالخطاب ، فما لا خطاب فيه لاحكم
الله فيه، فإذا لم يكن للعقل فيه حكم إما لعدم الحكم العقلي مطلقاً
أو فى هذه الصورة على أنه لاحكم فيه يكون من أصابه مصيباً ومن
أخطأ. مخطئاً .
الثانى : أنه قد على أن من اعتقد وجوب شيء فعليه فعله ومن
١٤٣

اعتقد تحريمه فعليه اجتنابه ، فالحكم فيه يتبع الاعتقاد . قالوا :
والأحكام الشرعية تختلف باختلاف أحوال المكلفين فى اجتهاداتهم وغير
اجتهاداتهم ، بدليل اتفاق الفقهاء وأهل السنة على أن الاجتهاد
والاعتقاد يؤثر في رفع الإثم والعقاب كما جاءت به النصوص ، وأن
الوجوب والتحريم يختلف بالإقامة والسفر والطهارة والحيض والعجز
والقدرة وغير ذلك ، فيجوز أن تختلف الأحكام باختلاف الاعتقادات ،
ويكون الحكم فى حق المجتهد عند عدم النص ما اعتقده. هذا
ملخص قولهم .
وأما السلف والفقهاء والصوفية والعامة وجمهور المتكلمين فعلى
إنكار هذا القول ، وأنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف ، بل
هو مخالف للعقل الصريح ، حتى قال أبو إسحاق الإسفرائينى وغيره ،
هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة ، يعنى : أن السفسطة جعل
الحقائق تتبع العقائد كما قدمناه . فمن قال : إن الإيجاب والتحريم
يتبع الاعتقادات فقد سفسط فى الأحكام العملية وإن لم يكن مسفطاً
فى الأحكام العينية ، وقد قدمنا أنه لم تجر العادة بأن عاقلا يسفسط في
كل شىء لا خطأ ولا عمداً لا ضلالا ولا عناداً لا جهلا ولا تجاهلا ،
وأما كون آخره زندقة فلأنه يرفع الأمر والنهي والإيجاب والتحريم
والوعيد فى هذه الأحكام ، ويبقى الإنسان إن شاء أن يوجب وإن شاء
١٤٤

أن يحرم ، ونستوى الاعتقادات والأفعال ، وهذا كفر وزندقة .
وجماع الكلام على هؤلاء فى مقامين :
أحدهما : امتناع هذا القول في نفسه واستحالته ، وذلك
معلوم بالعقل .
والثاني : أنه لو كان جائزاً فى العقل لكن لم يرد به الشرع بل
هو مخالف له ، وتعرف مخالفته للنص والإجماع .
أما الأول فمن وجوه :
أحدها : أنه قد تقدم أن كل علم واعتقاد وحكم لا بد له من
معلوم معتقد محكوم به يكون الاعتقاد مطابقاً له موافقاً ، سواء كان
للاعتقاد تأثير فى وجوده أو لم يكن ، فإن الاعتقادات العملية المؤثرة
في المعتقد مثل : اعتقاد أن أ كل هذا الخبز يشبع واعتقاد أن أكل
هذا السم يقتل ؛ وإن كان هذا الاعتقاد يؤثر فى وجود الأكل مثلا
فلا بد له من معتقد ثابت بدونه ، وهو كون أكل ذلك الخبز موصوفا
بتلك الصفة والأكل ، فإن كان معدوما قبل وجوده فإن محله وهو
الخبز والأكل موجودان ، فإن لم يكن الخبز متصفاً بالإشباع إذا
أكل والأكل متصفاً بأنه يشبع إذا أكله لم يكن الاعتقاد صحيحاً بل
١٤٥

فاسداً . كما لو اعتقد فى شيء أنه رغيف فأكله فإذا هو جص أو
جبصين فإن اعتقاده وإن أقدم به على الأكل فإنه لا يشبعه الفساد
الاعتقاد ، وهكذا من اعتقد فى شىء أنه ينفعه أو يضره فإن الاعتقاد
يدعوه إلى الفعل أو الترك ويبعثه على ذلك ، فإن كان مطابقاً حصلت
المنفعة واندفعت المضرة إذا انتفت الموانع ، وإلا فمجرد الانتفاع بالفعل
أو الضرر به لا يوجب حصول المنفعة والمضرة ، وإنما هذا قول بعض
جهال الكفار : لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه ، فيجعلون الانتفاع
بالشيء تبعاً لظن المنفعة فيه .
وقد اعتقد المشركون الانتفاع بالأصنام التى قال اللّه فيها: (يَدْعُواْ
لَمَنْ ضَرُُّ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) ، فإذا اعتقد المعتقد أن هذا الفعل مأمور
به أمر استحباب يثيب اللّه عليه ثواب الفعل المستحب، أو أمر إيجاب
يعاقب من تركه عقوبة العاصي : أو اعتقد أن اللّه نهى عنه كذلك ،
فهو معتقد إما صفة فى ربه فقط من الأمر والنهي وهي صفة إضافية
للفعل ، كما يقوله طائفة من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرم، وإما
صفة فى الفعل فقط من الحسن أو القبح والأمر أوالنهي كاشفة لذلك ؛
كما يقوله طائفة من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم ؛ وإما ثبوت
الصفتين جميعاً للأمر والمأمور به ؛ كما عليه جمهور الفقهاء . وهو إنما
يعتقد وجود تلك الصفة التى هي الحكم الشرعى لاعتقاده أنها ثابتة فى
١٤٦

نفسها موجودة بدون اعتقاده ، لا أنه يطلب باعتقاده أن يثبت للأمر
والفعل صفة لم تكن له قبل ذلك ؛ إذ ليس لأحد من المجتهدين غرض
في أن يثبت للأفعال أحكاماً باعتقاده ، ولا أن يشرع ديناً لم يأذن به
الله. وإنما مطلوبه أن يعتقد حكم الله ودينه، ولا له مقصود أن يجيء
إلى الأفعال المتساوية فى ذواتها وفي أمر الله فيعتقد في أحدها الوجوب
على نفسه وفى الآخر التحريم من غير سبب تختص به الأفعال .
فهذا موضع ينبغي تدبره . فإن المؤمن الطالب لحكم الله إذا علم
أن تلك الأفعال عند اللّه سواء لم يميز بعضها عن بعض بأمر ولا نهي،
وهي في أنفسها سواء لم يميز بعضها عن بعض بحسن ولا سوء ولا
مصلحة ولا مفسدة ، فإن هذا الاعتقاد منه موجب لاستوائها وتماثلها ،
فاعتقاده بعد هذا أن هذا واجب يذم تاركه ، وهذا حرام يعاقب فاعله
تناقض فى العقل وسفسطة ، وكفر فى الدين وزندقة .
أما الأول فلأن اعتقاد التساوي والتماثل بنافى اعتقاد الرجحان
والتفضيل فضلا عن وجوب هذا وتحريم هذا ، فكيف يجمع العاقل
بين الاعتقادين المتناقضين ؟ إلا أن يكون أخرق كافراً ، فيقول : أنا
أوجب هذا وأحرم هذا بلا أمر من الله ولا مرجح لأحدهما من جهة
العقل، فإذا فعل هذا كان شارعا من الدين لما لم يأذن به الله ، وهو
مع هذا دين معلوم الفساد بالعقل ، حيث جعل الأفعال المستوية
١٤٧

بعضها واجب وبعضها محرم بلا سبب يوجب التخصيص ، إلا محض
التحكم الذي لا يفعله حيوان أصلا لا عاقل ولا مجنون ، إذ لو فرض
اختصاص أحد الفعلين لشهوة أو لذة أمكن أن يقال : تلك جهة
توجب الترجيح ، وهي جهة حسن عند من يقول بالتحسين العقلي
فيجب لذلك ، والغرض انتفاء ذلك جميعه ، وإذا انتفى ذلك كله على أن
اعتقاد حسن الفعل وقبحه ووجوبه وتحريمه يتبع أمرا ثابتاً في نفسه
يكون مطابقاً له أو غير مطابق . وإذا كان كذلك فالاعتقاد
المطابق صواب والاعتقاد المخالف ليس بصواب ، لا أن الحكم يتبع
الاعتقاد من كل وجه .
الثاني : أن الطالب المستدل بالدليل ليستبين له الأحكام هو يطلب
العلم بمدلول الدليل ؛ فإن لم يكن للدليل مدلول وإنما مدلول الدليل
يحصل عقب التأمل لم يكن مطلوبه العلم بالمدلول ، وإنما مطلوبه وجود
المدلول ، وليس هذا شأن الأدلة التى تبين المدلولات وإنما هو شأن
الأسباب والعلل توجد المسببات ، وفرق كثير بين الدليل المقتضى للعلم
القائم بالقلب وبين العلم المقتضى للوجود القائم فى الخارج، فإن مقتضى
الأول الاعتقاد الذهني ومقتضى الثاني الوجود الخارجي ، وأحد النوعين
مباين للآخر .
١٤٨

فصل
وأما الأحكام والاعتقادات والأقوال العملية التى يتبعها المحكوم
فهي الأمر والنهي والتحسين والتقبيح واعتقاد الوجوب والتحريم ،
ويسميها كثير من المتفقهة والمتكلمة الأحكام الشرعية ، وتسمى الفروع
والفقه، ونحو ذلك . وهذه تكون فى جميع الملل والأديان، وتكون
فى الأمور الدنيوية من السياسات والصناعات والمعاملات وغير ذلك ،
وهي التى قصدنا الكلام عليها فى هذه القاعدة ، حيث قلنا : إن
الاعتقادات قد تؤثر فى الأحكام الشرعية ، فهذه أيضاً الناس فيها
طرفان ووسط :
الطرف الأول طرف الزنادقة الإباحية الكافرة بالشرائح والوعيد
والعقاب فى الدار الآخرة ، الذين يرون أن هذه الأحكام تتبع الاعتقاد
مطلقاً والاعتقاد هو المؤثر فيها ، فلا يكون الشيء واجباً إلا عند من
اعتقد تحريمه ، ويرون أن الوعيد الذي يلحق هؤلاء هو عذاب نفوسهم
بما اعتقدوه من الأمر والنهي والإيجاب والتحريم ، وما اعتقدوه من
أنهم إذا فعلوا المحرمات وتركوا الواجبات عذبوا وعوقبوا ، فيبقى فى
١٤٩

نفوسهم خوف وتألم وتوم للعذاب وتخيل له ، فيزعمون أن هذا الألم
الناشئ عن هذا الاعتقاد والتخيل هو عقابهم وعذابهم وذاك ناشئ
عما اعتقدوه ، كمن اعتقد أن هنا أسداً أو لصاً أو قاطع طريق من
غير أن يكون له وجود فيتألم ويتضرر بخوفه من هذا المحذور الذي
اعتقده . فاجتمع اعتقاد غير مطابق ومعتقد يؤلم وجوده ، فتألمت النفس
بهذا الاعتقاد والتخيل . وقد يقول حذاق هؤلاء من الإسماعيلية
والقرامطة وقوم يتصوفون أو يتكلمون وم غالية المرجئة : إن الوعيد
الذي جاءت به الكتب الإلهية إنما هو تخويف للناس لتتزجر عما نهيت
عنه من غير أن يكون له حقيقة ، بمنزلة ما يخوف العقلاء الصبيان والبله
بما لا حقيقة له لتأديهم، وبمنزلة مخادعة المحارب لعدوه إذا أوهمه أمراً يخافه
لينزجر عنه أو ليتمكن هو من عدوه ، وغير ذلك .
وهؤلاء هم الكفار برسل الله وكتبه واليوم الآخر، المنكرون
لأمره ونهيه ووعده ووعيده ، وما ضربه الله فى القرآن من الأمثال
وقصه من أخبار الأمم المكذبة للرسل ، فهو متناول لهؤلاء ، ويكفي
ما عاقب اللّه به أهل الكفر والفسوق والعصيان فى الدنيا من أنواع
المثلات ؛ فإنه أمر محسوس مشاهد لا يمكن دفعه ، وما من أحد إلا
قد سمع من ذلك أنواعا أو رأى بعضه .
وأهل الأرض متفقون على أن الصادق البار العادل ليس حاله كمال
١٥٠

الكاذب الفاجر الظالم ، بل يرون من ثواب الحسنات وعقوبة السيئات
ما فيه عبرة ومزدجر ، كما كانوا عليه فى الجاهلية قبل الرسل ، فلما
جاءت الرسالة بوعيد الآخرة بين ذلك ما كان الناس عنه غافلين .
الطرف الثاني: طرف الغالية المتشددين الذين لا يرون للاعتقاد أثراً
فى الأفعال، بل يقول غاليتهم كقوم من متكلمة المعتزلة: إن لله حكما في
كل فعل من أخطأ كان آئماً معاقباً ، فيرون المسلم العالم المجتهد متى
خفي عليه دليل شرعى وقد اجتهد واستفرغ وسعه فى طلب حكم الله أنه
آثم معاقب على خطئه ، فهذا قولهم فى الاجتهاد والاعتقاد ، ثم إذا ترك
واجباً أو فعل محرماً قالوا بنفوذ الوعيد فيه ، فيوجبون تخليد فساق
أهل الملة فى النار ، وهذا قول جمهور المعتزلة والخوارج، ولكن الخوارج
يكفرون بالذنب الكبير أو الصغير عند بعضهم . وأما المعتزلة فيقولون :
هو في منزلة بين منزلتين ، لا مؤمن ولا كافر .
وأما الأمة الوسط فعلى أن الاعتقاد قد يؤثر فى الأحكام وقد
لا يؤثر بحسب الأدلة والأسباب ، كما أن ذلك هو الواقع فى الأمور
الطبيعية ، فالأغذية والأدوية قد يختلف حكمها بحسب اعتقاد الطبيب
والمتداوي وقد لا يختلف ، وقد يعتقد الإنسان فى الشيء صفة نافعة
أو ضارة فينتفع به أو يتضرر وإن لم يكن كذلك ، وقد يعتقد ذلك
١٥١

فلا يؤثر ، فلو اعتقد في الخبز واللحم أنه غير مشبع لم يؤثر ذلك ،
بل هو مشبع ولو اعتقد ضد ذلك .
فصل
مذاهب الأئمّة تؤخذ من أقوالهم . وأما أفعالهم فقد اختلف أصحابنا
فى فعل الإمام أحمد : هل يؤخذ منه مذهبه ؟ على وجهين :
أحدهما : لا . لجواز الذنب عليه ؛ أو أن يعمل بخلاف معتقده ،
أو يكون عمله سهواً أو عادة أو تقليداً؛ أو لسبب ما غير الاعتقاد
الذي يفتى به ، فإن عمل المرء بعلمه في كل حادثة وألا يعمل إلا بعلم
يفتى به فى كل حادثة يفتقر إلى أن يكون له فى ذلك رأي وأن يذكره
وأن يكون مريداً له من غير صارف ؛ إذ الفعل مع القدرة يقف على
الداعى ، والداعى هو الشعور وميل القلب .
والثاني : بل يؤخذ منه مذهبه ؛ لما عرف من تقوى أبي عبد الله
وورعه وزهده ، فإنه كان من أبعد الناس عن تعمد الذنب وإن لم ندع
فيه العصمة ، لكن الظاهر والغالب أن عمله موافق لعلمه ، فيكون
الظاهر فيما عمله أنه مذهبه . وهكذا القول فيمن يغلب عليه التقوى
١٥٢

والورع ، وبعضهم أشد من بعض ، فكل ما كان الرجل أتقى الله
وأخشى له كان ذلك أقوى فيه . وأبو عبد الله من أنقى الأمة وأعظمهم
زهداً وورعا ، بل هو فى ذلك سابق ومقدم كما تشهد به سيرته وسيرة
غيره المعروفة عند الخاص والعام .
وكذلك أصحاب الشافعى لما رأوا نصه أنه لا يجوز بيع الباقلاء
الخضراء، ثم إنه اشتراها في مرضه، فاختلف أصحابه : هل يخرج له في
ذلك مذهب ؟ على وجهين ، وقد ذكروا مثل هذا في إقامة جمعتين فى
مكان واحد لما دخل بغداد ، فإذا قلنا : هو مذهب الإمام أحمد فهل
يقال فيما فعله : إنه كان أفضل عنده من غيره ؟ هذا أضعف من الأول
فإن فعله يدل على جوازه فيما ليس من تعبداته ، وإذا كان متعبداً به
دل على أنه مستحب عنده أو واجب . أما كونه أفضل من غيره عنده
فيفتقر إلى دليل منفصل ، وكثيراً ما يعدل الرجل عن الأفضل إلى الفاضل
لما في الأفضل من الموانع ، وما يفتقر إليه من الشروط ؛ أو لعدم
الباعث ، وإذا كان فعله جائزاً أو مستحباً أو أفضل فإنه لا عموم له فى
جميع الصور ، بل لا يتعدى حكمه إلا إلى ما هو مثله ، فإن هذا
شأن جميع الأفعال لا عموم لها ، حتى فعل النبي صلى الله عليه وسلم
لا عموم له .
ثم يقال : فعل الأئمة وتركهم ينقسم كما تنقسم أفعال النبى صلى
١٥٣

اللّه عليه وسلم : تارة يفعله على وجه العبادة والتدين فيدل على استحبابه
عنده ، وأما رجحانه ففيه نظر. وأما على غير وجه التعبد ففي دلالته
الوجهان ، فعلى هذا ما يذكر عن الأئمة من أنواع التعبدات والتزهدات
والتورعات يقف على مقدمات :
إحداها : هل يعتقد حسنها بحيث يقوله ويفتى به ؛ أو فعله بلا
اعتقاد لذلك ، بل تأسياً بغيره أو ناسياً ؟ على الوجهين ، كالوجهين
فى المباح .
والثانية : هل فيه إرادة لها توافق اعتقاده ؟ فكثيراً ما يكون
طبع الرجل يخالف اعتقاده .
والثالثة : هل يرى ذلك أفضل من غيره ؛ أو يفعل المفضول
لأغراض أخرى مباحة ؟ والأول أرجح .
والرابعة : أن ذلك الرجحان هل هو مطلق ؛ أو فى بعض
الأحوال ؟ والله أعلم.
١٥٤

بِسْمِاللَِّلَّمِ الرَّحَمِ
قال الشيخ الإمام العالم
تقي الدين أوحد المجتهدين أحمد بن تيمية - قدس الله روحه ونور ضريحه (١)
الحمد لله نحمده ونستعينه؛ ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ،
ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له؛ ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما.
فصل
فى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين أصوله
وفروعه؛ باطنه وظاهره، علمه وعمله ، فإن هذا الأصل هو أصل
(١) تسمى ((معارج الوصول)).
١٥٥

أصول العلم والإيمان ، وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان
أولى بالحق علما وعملا ، ومن كان أبعد عن الحق علما وعملا : كالقرامطة
والمتفلسفة الذين يظنون : أن الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم
الإلهية والكلية ، وإنما يعرف ذلك بزعمهم من يعرفه من المتفلسفة، ويقولون :
خاصة النبوة هي التخييل ، ويجعلون النبوة أفضل من غيرها عند الجمهور
لا عند أهل المعرفة ، كما يقول هذا ونحوه الفارابى وأمثاله ، مثل مبشر
ابن فاتك وأمثاله من الإسماعيلية .
وآخرون يعترفون بأن الرسول على الحقائق ، لكن يقولون : لم
يبينها ، بل خاطب الجمهور بالتخييل ، فيجعلون التخييل في خطابه لا في
علمه ، كما يقول ذلك ابن سينا وأمثاله .
وآخرون يعترفون بأن الرسل علموا الحق وبينوه ، لكن يقولون :
لا يمكن معرفته من كلامهم بل يعرف بطريق آخر : إما المعقول عند
طائفة ؛ وإما المكاشفة عند طائفة ؛ إما قياس فلسفي ، وإما خيال
صوفى . ثم بعد ذلك ينظر فى كلام الرسول فما وافق ذلك قبل ، وما
خالفه ؛ إما أن يفوض ؛ وإما أن يؤول . وهذه طريقة كثير من أهل
الكلام الجهمية والمعتزلة ؛ وهي طريقة خيار الباطنية والفلاسفة الذين
يعظمون الرسول وينزهونه عن الجهل والكذب ، لكن يدخلون
فى التأويل .
١٥٦

وأبو حامد الغزالي لما ذكر فى كتابه طرق الناس فى التأويل ؛
وأن الفلاسفة زادوا فيه حتى انحلوا ؛ وأن الحق بين جمود الحنابلة
وبين انحلال الفلاسفة ؛ وأن ذلك لا يعرف من جهة السمع بل
تعرف الحق بنور يقذف في قلبك؛ ثم ينظر في السمع : فما وافق ذلك
قبلته وإلا فلا . وكان مقصوده بالفلاسفة المتأولين خيار الفلاسفة ، وم
الذين يعظمون الرسول عن أن يكذب للمصلحة ، ولكن هؤلاء وقعوا
فى نظير مافروا منه ، نسبوه إلى التلبيس والتعمية وإضلال الخلق ، بل
إلى أن يظهر الباطل ويكتم الحق .
وابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه
التأويلات الفلسفية ؛ بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب : سلك
مسلك التخييل ، وقال : إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم ؛ مع علمه
أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك . فهؤلاء يقولون : إن الرسل
كذبوا للمصلحة .
وهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية ، فالذين عظموا
الرسل من هؤلاء عن الكذب نسبوم إلى التلبيس والإضلال ، والذين
أقروا بأنهم بينوا الحق قالوا: إنهم كذبوا للمصلحة .
وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا
١٥٧

الحق ، وأنهم بينوه ، مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق ، فهم الصادقون
المصدوقون علموا الحق وبينوه ، فمن قال : انهم كذبوا للمصلحة فهو
من إخوان المكذبين للرسل ، لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير
والعدل فى العالم لم يمكنه أن يقول : كذبوا لطلب العلو والفساد ، بل
قال : كذبوا لمصلحة الخلق . كما يحكى عن ابن التومرت وأمثاله.
ولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبى والساحر إلا من جهة حسن
القصد، فإن النبى يقصد الخير والساحر يقصد الشر ، وإلا فلكل منهما
خوارق هي عندم قوى نفسانية ، وكلاهما عندهم يكذب ؛ لكن الساحر
يكذب للعلو والفساد والنى عندم يكذب للمصلحة ؛ إذ لم يمكنه إقامة
العدل فيهم إلا بنوع من الكذب .
والذين علموا أن النبوة تناقض الكذب على الله وأن النبى لا
يكون إلا صادقا من هؤلاء قالوا: إنهم لم يبينوا الحق ، ولو أنهم قالوا:
سكتوا عن بيانه لكان أقل إلحاداً ، لكن قالوا : إنهم أخبروا بما يظهر
منه للناس الباطل ولم يبينوا لهم الحق ، فعندم أنهم جمعوا بين شيئين:
بين كتمان حق لم يبينوه ؛ وبين إظهار ما يدل على الباطل وإن كانوا لم
يقصدوا الباطل ، فجعلوا كلامهم من جنس المعاريض التى يعنى بها المتكلم
معنى صحيحاً لكن لا يفهم المستمع منها إلا الباطل . وإذا قالوا : قصدوا
التعريض كان أقل إلحاداً ممن قال: إنهم قصدوا الكذب .
١٥٨

والتعريض نوع من الكذب ؛ إذ كان كذبا فى الأفهام ؛ ولهذا قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات
كلهن فى ذات الله))، وهي معاريض ، كقوله عن سارة: إنها أختى :
إذ كان ليس هناك مؤمن إلا هو وهي .
وهؤلاء يقولون : إن كلام إبراهيم وعامة الأنبياء مما أخبروا به
عن الغيب كذب من المعاريض ! !.
وأما جمهور المتكلمين فلا يقولون بهذا ، بل يقولون : قصدوا
البيان دون التعريض . لكن مع هذا يقول الجهمية ونحوم : إن بيان
الحق ليس في خطابهم بل إنما في خطابهم ما يدل على الباطل . والمتكلمون
من الجهمية والمعتزلة والأشعرية ونحوهم ممن سلك في إثبات الصانع طريق
الأعراض يقولون : إن الصحابة لم يبينوا أصول الدين بل ولا الرسول :
إما لشغلهم بالجهاد ؛ أو لغير ذلك.
وقد بسطنا الكلام على هؤلاء فى غير هذا الموضع ، وبينا أن
أصول الدين الحق الذي أنزل الله به كتابه وأرسل به رسوله وهي الأدلة
والبراهين والآيات الدالة على ذلك : قد بينها الرسول أحسن بيان ،
وأنه دل الناس وهداه إلى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية التى بها
يعلمون المطالب الإلهية ، وبها يعلمون إثبات ربوبية الله ووحدانيته
١٥٩

وصفاته وصدق رسوله والمعاد ، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة
العقلية ، بل وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية وإن كان لا يحتاج إليها ؛ فإن
كثيراً من الأمور تعرف بالخبر الصادق ومع هذا فالرسول بين الأدلة
العقلية الدالة عليها ؛ جمع بين الطريقين : السمعي ؛ والعقلي .
وبينا أن دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين ليست بمجرد
الخبر ؛ كما نظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء
والصوفية وغيرهم، بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهديام إلى الآيات
والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين ، وهؤلاء الغالطون الذين أعرضوا
عما فى القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية صاروا إذا صنفوا
فى أصول الدين أحزابا :
حزب : يقدمون فى كتبهم الكلام فى النظر والدليل والعلم، وأن النظر
يوجب العلم وأنه واجب ، ويتكلمون فى جنس النظر وجنس الدليل وجنس
العلم بكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل ، ثم إذا صاروا إلى ما هو
الأصل والدليل للدين استدلوا بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام،
وهو دليل مبتدع في الشرع وباطل فى العقل .
والحزب الثاني : عرفوا أن هذا الكلام مبتدع ، وهو مستلزم
مخالفة الكتاب والسنة ، وعنه ينشأ القول بأن القرآن مخلوق ، وأن
١٦٠