Indexed OCR Text
Pages 301-320
بل سيأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ، فيتولون المؤمنين دون الكفار ويجاهدون فى سبيل الله لا يخافون لومة لائم ، كما قال فى أول الأمر (فَإِ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ ) . فهؤلاء الذين لم يدخلوا فى الإسلام ، وأولئك الذين خرجوا منه بعد الدخول فيه - لا يضرون الإسلام شيئا. بل يقيم الله من يؤمن بما جاء به رسوله وينصر دينه إلى قيام الساعة . وأهل اليمن هم ممن جاء الله بهم لما ارتد من ارتد إذ ذاك . وليست الآية مختصة بهم ، ولا فى الحديث ما يوجب تخصيصهم . بل قد أخبر الله أنه يأتى بغير أهل اليمن كأبناء فارس، لا يختص الوعد بهم . بل قد قال تعالى: ( يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَاقِيلَ لَكُ أَنِفِرُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَامِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَعُ إِلََّنَفِرُ وايُعَذِّ بُكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلََّ قَلِيلُ * وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ( وهذا أيضا خطاب لكل قرن ، وقد أخبر فيه أنه من نكل عن الجهاد المأمور به عذبه واستبدل به من يقوم بالجهاد . وهذا هو الواقع . (هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ وكذلك قوله فى الآية الأخرى : لِنُنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللّهُ الْغَنِىُّ ٣٠١ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْيَسْتَبْدِلْ قَوْمَا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا يَكُونُواْأَمْثَلَكُمْ ) . فقد أخبر تعالى أنه من يتول عن الجهاد بنفسه أو عن الإنفاق فى سبيل الله استبدل به . فهذه حال الجبان البخيل ، يستبدل الله به من ينصر الإسلام وينفق فيه . فكيف تكون حال أصل [الإسلام] من ارتد عنه؟ أتى الله بقوم يجبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم . وهذا موجود فى أهل العلم ، والعبادة ، والقتال ، والمال؛ مع الطوائف الأربعة مؤمنون مجاهدون منصورون إلى قيام الساعة ، كما منهم من يرتد أو من ينكل عن الجهاد والإنفاق . ( وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وكذلك قوله تعالی: ◌َيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) . فهذا الوعد مناسب لكل من الصف بهذا الوصف . فلما اتصف به الأولون استخلفهم الله كما وعد. وقد اتصف بعدم به قوم بحسب إيمانهم وعملهم الصالح . فمن كان أكمل إيمانا وعمل صالحا كان استخلافه المذكور أتم . فإن كان فيه نقص وخلل كان فى تمكينه خلل ونقص . وذلك أن هذا جزاء هذا العمل ، فمن قام بذلك العمل استحق ذلك الجزاء . (١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب [ إسلام ]. ٣٠٢ لكن ما بقى قرن مثل القرن الأول ، فلا جرم ما بقى قرن يتمكن تمكن القرن الأول . قال صلى الله عليه وسلم: ((خير القرون القرن الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم)). ولكن قد يكون هذا لبعض أهل القرن ، كما يحصل هذا لبعض المسلمين فى بعض الجهات ، كما هو معروف في كل زمان . وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((إن الله يبعث ريحا تقبض روح كل مؤمن)) فذاك ليس فيه ردة ، بل فيه موت المؤمنين . وهو لم يقل ((إذا مات كل مؤمن)) أن يستبدل الله موضعه آخر، وإنما وعد بهذا إذا ارتد بعضهم عن دينه . وهو مما يستدل به على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا ترند جميعها، بل لا بد أن يبقى الله من المؤمنين من هو ظاهر إلى قيام الساعة . فإذا مات كل مؤمن فقد جاءت الساعة . وهذا كما فى حديث العلم « إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء . فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)). والحديث مشهور فى الصحاح من حديث عبد الله بن عمرو عن النى صلى الله عليه وسلم . ٣٠٣ فإن قيل: ففي حديث ابن مسعود وغيره أنه قال (( يسرى على القرآن فلا يبقى فى المصاحف منه آية ولا فى الصدور منه آية)) وهذا يناقض هذا . قيل : ليس كذلك . فإن قبض العلم ليس قبض القرآن بدليل الحديث الآخر ((هذا أوان يقبض العلم)). فقال بعض الأنصار: وكيف يقبض وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءنا وأبناءنا ؟ فقال : (( ثكلتك أمك! إن كنت لأحسبك لمن أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟ فماذا يغنى عنهم؟)). فتبين أن مجرد بقاء حفظ الكتاب لا يوجب هذا العلم، لا سيما أن القرآن يقرؤه المنافق والمؤمن، ويقرؤه الأمي الذي لا يعلم الكتاب إلا أمانى. وقد قال الحسن البصري: ((العلم علمان : علم فى القلب ، وعلم على اللسان . فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده )). فإذا قبض الله العلماء بقى من يقرأ القرآن بلا علم، فيسرى عليه من المصاحف والصدور فإن قيل : ففي حديث حذيفة الذي فى الصحيحين أنه حدثهم عن قبض الأمانة وأن « الرجل ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت . ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل ٣٠٤ أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فتراه منتبراً وليس فيه شيء )). قيل : وقبض الأمانة والإيمان ليس هو قبض العلم . فإن الإنسان قد يؤتى إيمانا مع نقص علمه . فمثل هذا الإيمان قد يرفع من صدره، كإيمان بني إسرائيل لما رأوا العجل . وأما من أوتى العلم مع الإيمان فهذا لا يرفع من صدره . ومثل هذا لا يرتد عن الإسلام قط ، بخلاف مجرد القرآن أو مجرد الإيمان ، فإن هذا قد يرتفع . فهذا هو الواقع. لكن أكثر ما نجد الردة فيمن عنده قرآن بلا علم وإيمان ، أو من عنده إيمان بلا علم وقرآن . فأما من أوتى القرآن والإيمان فحصل فيه العلم فهذا لا يرفع من صدره . والله أعلم . ٣٠٥ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل أمتى كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أو آخره)) فهذا قد رواه أحمد في المسند ، وقد ضعفه بعض الناس ، وبعضهم لم يضعفه، لكن قال معناه: أنه يكون فى آخر الأمة من يقارب أولهم فى الفضل، وإن لم يكن منهم ، حتى يشتبه على الناظر أيهما أفضل، وإن كان الله يعلم أن الأول أفضل، كما يقال فى الثوب المتشابه الطرفين : هذا الثوب لا يدرى أي طرفيه خير ، مع العلم بأن أحد طرفيه خير من الآخر ، وذلك لأنه قال : لا يدرى أوله خير، أو آخره، ومن المعلوم أن الله يعلم أيها خير، إذا كان الأمر كذلك ، وإنما ينفى العلم عن المخلوق، لا عن الخالق ؛ لأن المقصود التشابه والتقارب ، وما كان كذلك اشتبه على المخلوق أيهما خير . ٣٠٦ وسئل : عن حديث أنس بن مالك عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سبعة لا يموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء: النار وسكانها ، واللوح، والقلم ، والكرسي، والعرش)) فهل هذا الحديث صحيح أم لا ؟ . فأجاب : هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو من كلام بعض العلماء . وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات مالا يعدم ولا يفنى بالكلية ، كالجنة والنار ، والعرش وغير ذلك . ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين ، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوم ، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع سلف الأمة وأئمتها . كما فى ذلك من الدلالة على بقاء الجنة وأهلها ، وبقاء غير ذلك مما لا تتسع هذه الورقة لذكره . وقد استدل طوائف من أهل الكلام والمتفلسفة على امتناع فناء جميع المخلوقات بأدلة عقلية . والله أعلم . ٣٠٧ وقال شيخ الإسلام فصل قال صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت جوامع الكلم) - وروى - ((وخواته)) - وروى ((وفوائحه، وخواعه)) وقال في حديث : ((أعطى نبيكم جوامع الكلم وفوائحه وخواتمه)). وهذا حديث شريف جامع ، وذلك أن الكلم نوعان : إنشائية فيها الطلب، والإرادة، والعمل. وإخبارية فيها الاعتقاد والعلم ، وكل واحد من العلم والإرادة الذي هو الخبر والطلب فيه فروع كثيرة ، وله أصول محيطة . وهي نوعان : كلية جامعة عامة ، وأولية علية ، فالعلوم الكلية والأولية ، والإرادات والتدابير والأوامر الكلية والأولية هي جماع أمر الوجود كله . والخبر المطلوب كله الحق الموجود ، والحق المقصود ؛ ولهذا كان القياس العقلي والشرعي وغيرهما نوعين : قياس شمول ، وقياس تعليل . فإن قياس التمثيل مندرج فى أحدهما؛ لأن القدر المشترك بين المثلين إن كان هو محل الحكم فهو قياس شمول ، ٣٠٨ وإن كان مناط الحكم فهو قياس تعليل . وذلك أن العلوم والإرادات وما يظهر ذلك من الكلمة الخبرية والطلبية إذا كانت عامة جامعة كلية فقد دخل فيها كل مطلوب ، فلم يبق مما يطلب علمه شيء ، وكل مقصود من الخبر ، فلم يبق فيها مما يطلب قصده شيء ، ثم ذلك علم وإرادة لنفسها وذاتها ، سواء كانت مفردة أو مركبة . ثم لابد أن يتعلق بها علتان : إحداهما، السبب وهي العلة الفاعلة، والثاني الحكمة: وهي العلة الغائية . فذلك هو العلم والإرادة للأمور الأولية . فإن السبب والفاعل أدل فى الوجود العيني . والحكمة والغاية أدل فى الوجود العلمي الإرادي ؛ ولهذا كانت العلة الغائية علة فاعلية للعلة الفاعلية . وكانت هي فى الحقيقة علة العلل لتقدمها علماً وقصداً ، وأنها قد تستغني عن المعلول والمعلول لايستغني عنها ، وأن الفاعل لا يكون فاعلا إلا بها ، وأنها هي كمال الوجود وتمامه ؛ ولهذا قدمت في قوله: (إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّكَ نَسْتَعِينُ ) . فإذا كانت الحكم المظهرة للعلم والطلب فيها الفواتح، وفيها الخوام ، جمعت نوعى العلتين الأوليين . وإذا كانت جامعة كانت علة عامة . ٣٠٩ وقال الشيخ رحمه الله: قوله فى حديث الكرب الذي رواه أحمد من حديث ابن مسعود: (( اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته فى كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزنى ، وذهاب همي وعمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله به فرحاً)). الربيع : هو المطر المنبت للربيع ، ومنه قوله فى دعاء الاستسقاء : ((اللهم اسقنا غيئاً مغيئاً، ربيعاً، مربعاً)) وهو المطر الوسمي الذي بسم الأرض بالنبات، ومنه قوله: ((القرآن ربيع للمؤمن)). فسأل الله أن يجعله ماء يحي به قلبه كما يحي الأرض بالربيع. ونوراً لصدره. والحياة والنور جماع الكمال، كما قال: ( أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورَّا يَمْشِى بِهِ فِىِ النَّاسِ ) وفى خطبة أحمد بن حنبل : يحيون بكتاب الله الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ؛ لأنه ٣١٠ بالحياة يخرج عن الموت ، وبالنور يخرج عن ظلمة الجهل ، فيصير حياً عالماً ناطقاً ، وهو كمال الصفات فى المخلوق . وكذلك قد قيل [ فى ] الخالق ، حتى النصارى فسروا الأب والابن وروح القدس بالموجود الحي العالم . والغزالي رد صفات اللّه إلى الحي العالم ، وهو موافق فى المعنى لقول الفلاسفة : عاقل ، ومعقول ، وعقل ؛ لأن العلم يتبع الكلام الخبري ، ويستلزم الإرادة ، والكلام الطلبى ؛ لأن كل حي عالم فله إرادة وكلام ، ويستلزم السمع والبصر ، لكن هذا ليس بجيد لأنه يقال : فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات ، وهو أصلها ؛ ولهذا كان أعظم آية فى القرآن: (اللّهُلا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىّالْقَيُومُ). وهو الاسم الأعظم ؛ لأنه ما من حي إلا وهو شاعر مريد ، فاستلزم جميع الصفات ، فلو اكتفى فى الصفات بالتلازم لاكتفى بالحي ، وهذا ينفع فى الدلالة والوجود ، لكن لا يصح أن يجعل معنى العالم هو معنى المريد فإن الملزوم ليس هو عين اللازم ، وإلا فالذات المقدسة مستلزمة لجميع الصفات . فإن قيل : فلم جمع في المطلوب لنا بين ما يوجب الحياة والنور فقط دون الاقتصار على الحياة ، أو الازدياد من القدرة وغيرها ؟ قيل : لأن الأحياء الآدميين فيهم من يهتدي إلى الحق ، وفيهم من لا يهتدي . فالهداية كمال الحياة ، وأما القدرة فشرط فى ٣١١ التكليف لا فى السعادة ، فلا يضر فقدها ، ونور الصدر يمنع أن يريد سواه . ثم قوله: ((ربيع قلبي ونور صدري)) لأنه والله أعلم: الحيا لا يتعدى محله ؛ بل إذا نزل الربيع بأرض أحياها . أما النور فإنه ينتشر ضوؤه عن محله. فلما كان الصدر حاوياً للقلب جعل الربيع فى القلب والنور في الصدر لانتشاره ، كما فسرنه المشكاة فى قوله: ( مَثَلُ نُورِهِء كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاعِ الْمِصْبَاحُ فِزُجَاجَةٍ ) وهو القلب . ٣١٢ وقال شيخ الإسلام فصل وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب)) فهو من أصح الأحاديث ، وقال أنس فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث ، فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيا بكر وعمر ، وأرجو أن يحشرنى الله معهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم، وكذلك ((أوثق عرى الإسلام الحب فى الله، والبغض في الله)) لكن هذا بحيث أن يحب المرء ما يحبه الله، ومن يحبه الله. فيحب أنبياء الله كلهم؛ لأن الله يجبهم، ويحب كل من علم أنه مات على الإيمان والتقوى ، فإن هؤلاء أولياء الله، والله يحبهم كالذين يشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ، وغيرهم من أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان . فمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة شهدنا له بالجنة ، وأما من لم يشهد له بالجنة فقد قال طائفة من أهل العلم : لا يشهد له بالجنة ٣١٣ ولا نشهد أن الله يحبه. وقال طائفة: بل من استفاض من بين الناس إيمانه وتقواه ، واتفق المسلمون على الثناء عليه ، كعمر بن عبد العزيز ، والحسن البصري ، وسفيان الثوري ، وأبى حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، والفضيل بن عياض، وأبى سليمان الدارانى ، ومعروف الكرخي ، وعبد الله بن المبارك - رضي الله عنهم - وغيرهم ، شهدنا له بالجنة؛ لأن في الصحيح: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيراً ، فقال : وجبت ، وجبت ، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شراً . فقال : وجبت، وجبت . قالوا: يا رسول الله! ما قولك وجبت، وجبت؟. قال: هذه الجنازة أنيتم عليها خيراً، فقلت وجبت لها الجنة ، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً، فقلت : وجبت لها النار : قيل بم يا رسول الله؟ ! قال : بالثناء الحسن والثناء السيء)). وإذا على هذا فكثير من المشهورين بالمشيخة في هذه الأزمان قد يكون فيهم من الجهل والضلال والمعاصي والذنوب ما يمنح شهادة الناس لهم بذلك ؛ بل قد يكون فيهم المنافق والفاسق ، كما أن فيهم من هو من أولياء الله المتقين، وعباد الله الصالحين، وحزب الله المغلحين، كما أن غير المشايخ فيهم هؤلاء - وهؤلاء فى الجنة - كالتجار والفلاحين وغيرهم من الأصناف . ٣١٤ وإذا كان كذلك فمن طلب أن يحشر مع شيخ لم يعلم عاقبته كان ضالا ، بل عليه أن يأخذ فيطلب بما يعلم أن يحشره الله مع نبيه والصالحين من عباده. كما قال الله تعالى: (وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَنْهُ وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) وقال الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَنَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِرْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ ). وعلى هذا فمن أحب شيخاً مخالفاً للشريعة كان معه ، فإذا أدخل الشيخ النار كان معه ، ومعلوم أن الشيوخ المخالفين للكتاب والسنة أهل الضلال والجهالة ، فمن كان معهم كان مصيره مصير أهل الضلالة والجهالة ، وأما من كان من أولياء الله المتقين كأبى بكر وعمر وعثمان وعلي ، وغيرهم فمحبة هؤلاء من أوثق عرى الإيمان ، وأعظم حسنات المتقين ، ولو أحب الرجل لما ظهر له من الخير الذي يحبه الله ورسوله أثابه الله تعالى على محبة ما يحبه الله ورسوله وإن لم يعلم حقيقة باطنه، فإن الأصل هو حب الله، وحب ما يحبه الله، فمن أحب الله وأحب ما يحبه اللّه كان من أولياء الله. لكن كثيراً من الناس يدعى المحبة من غير تحقيق ، قال الله تعالى: قال ( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْذُنُوبَكُمْ ) . بعض السلف : ادعى قوم على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنهم ٣١٥ يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية، فمحبة الله ورسوله ، وعباده المتقين تقتضى فعل محبوباته ، وترك مكروهاته ، والناس يتفاضلون فى هذا تفاضلا عظيماً ، فمن كان أعظم نصيباً من ذلك كان أعظم درجة عند اللّه، وأما من أحب شخصاً لهواه ، مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه، أو لحاجة يقوم له بها ، أو المال يتأكله به، أو بعصبية فيه ، ونحو ذلك من الأشياء ، فهذه ليست محبة لله ، بل هذه محبة لهوى النفس، وهذه المحبة هي التى توقع أصحابها في الكفر والفسوق والعصيان . وما أكثر من يدعى حب مشايخ لله، ولو كان يحبهم الله لأطاع الله الذي أحبهم لأجله ، فإن المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير ، وكيف يحب شخصاً لله من لا يكون محباًلله ؟ وكيف يكون محبا للّه من يكون معرضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسبيل الله؟ وما أكثر من يحب شيوخا أو ملوكا وغيرهم ، فيتخذم أنداداً يحبهم كب اللّه، والفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله ظاهرة، فأهل الشرك يتخذون أنداداً، يحبونهم كب الله ، والذين آمنوا أشد حبالله، وأهل الإيمان يحبون ، وذلك أن أهل الإيمان أصل حبهم هو حب الله، ومن أحب الله أحب من يحبه الله، ومن أحبه الله أحب الله، فمحبوب المحبوب محبوب لله، يحب الله، فمن أحب الله أحبه الله، فيحب من أحب الله . ٣١٦ وأما أهل الشرك فيتخذون أنداداً وشفعاء يدعونهم من دون الله، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىُ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْفِيَكُمْ شُرَّكَوُاْ لَقَدَ تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ـے وَضَلَّ عَنكُم مَّاكُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) وقال الله تعالى: (وَمَالِىَ لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *،َأَقَّخِذُ مِن دُونِهِ:َالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ عَنِّى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ * إِنِّ إِذَّالَّفِىِ ضَلَلِ مُبِينٍ * إِنَّ ءَامَنْتُ بِرَبِكُمْ فَأَسْمَعُونِ ) وقال الله تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِّ وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وقال الله تعالى: (مَاكَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّيَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَّالِ مِن دُونِ اُللّهِ وَلَكِنْ كُنُوْ رَبَِّنِِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَن تَتَّخِذُواْلَئِكَةَ وَالنَّبِِّنَ أَرْبَأَبَا أَيَأْمُرُّكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ) . واللّه تعالى بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، وقال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (( إنا معشر الأنبياء ديننا واحد)). فالدين واحد وإن تفرقت الشرعة والمنهاج ، وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا قال الله تعالی: ( فَاعْبُدُونِ ) وقال الله تعالى: ( وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةً يُعْبَدُونَ) وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ٣١٧ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَذِبُواْالطَّاغُوتَ) ومن حين بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ما يقبل من أحد بلغته الدعوة إلا الدين الذي بعثه به ، فإن دعوته عامة لجميع الخلائق ، قال اللّه تعالى: (وَمَاأَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَافَةَ لِلنَّاسِ) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( لا يسمع بى من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بى إلا دخل النار)). وقال الله تعالى: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَشِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ اُلْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْنُوبَا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ وَآلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِّثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَعْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىَّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُمُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَيُخِى، وَيُمِيتُ فَشَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِبُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ). فعلى الخلق كلهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يعبدون إلا الله، ويعبدونه بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا بغيرها، قال الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأنَّعْهَا وَلَا تَشَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْعَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ ٣١٨ ويجتمعون على ذلك ولا يتفرقون ، كما اُلْمُنَّقِينَ ) ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)) وعبادة اللّه تتضمن كمال محبة الله، وكمال الذل لله، فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي يحبه القلوب وتخشاه ، ولا يكون لها إله سواه، و((الإله)) ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ، ونحو ذلك . والله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه [بمحبته ] وبرجائه ، وعن سؤال ما سواه بسؤاله ، وعن العمل لما سواه بالعمل له ، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به . ولهذا كان وسط الفاتحة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيبُ) قال النبى صلى الله عليه وآ له وسلم في الحديث الصحيح يقول الله تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: (مَلِكِ يَوَمِ الدِّينِ ) قال : مجدنى عبدي ، وإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قال : هذه الآية بينى وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: (أَهْدِنَا الصِّرَّطَ الْمُسْتَقِيمَ ٣١٩ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ) قال: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل)) فوسط السورة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيُ ) فالدين أن لا يعبد إلا الله ، ولا يستعان إلا إياه. والملائكة والأنبياء وغيرهم عباد الله. كما قال الله تعالى: ( لَّن يَسْتَنَكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاللَّهِ وَلَا الْمَلَبِكَةُ الْمُقْرَّبُونَّ وَمَن يَسْتَنْكِفْ فَأَمَّا الَّذِينَ * عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ٢//".وو ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا فالحب لغير الله كب النصارى للمسيح ، وحب وَلَا نَصِيرًا ) اليهود لموسى ، وحب الرافضة لعلي ، وحب الغلاة لشيوخهم ، وأكمتهم مثل من يوالي شيخاً أو إماماً وينفر عن نظيره ، وهما متقاربان ، أو متساويان فى الرتبة ، فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض ، وحال الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم ، وحال أهل العصبية من المنتسبين إلى فقه وزهد : الذين يوالون الشيوخ والأئمة دون البعض . وإنما المؤمن من يوالي جميع أهل الإيمان . قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً - وشبك بين أصابعه -)) وقال: ((مثل ٣٢٠