Indexed OCR Text

Pages 281-300

قدم أولاده بين يديه ، وكذلك الشدة والقوة محبوبة ، فبين أن قوة
النفوس أحق بالمدح من قوة البدن ، وهو أن يملك نفسه عند الغضب ،
كما قيل لبعض سادات العرب: ما بال عبيدكم أصبر منكم عند الحرب وعلى
الأعمال ؟ قال : هم أصبر أجساداً ونحن أصبر نفوساً .
وأما قوله : فى اسم المسلمين فهو من جنس قوله : فى المسلم
والمؤمن والمهاجر والمجاهد وهذا مطابق لما تقدم من أن الشارع لا ينفى
مسمى اسم شرعى إلا لانتفاء كماله الواجب ؛ فإن هجر ما نهى الله عنه
واجب ؛ وسلامة المسلمين من عدوان الإنسان بلسانه ويده واجب ،
والمؤمن على دمائهم وأموالهم لا يكون من أمنه الناس إلا إذا كان أميناً
والأمانة واجبة، والمسكين الذي لا يسأل ولا يعرف هو أحق بالإعطاء
ممن أظهر حاجته وسؤاله ، وعطاؤه واجب ، وتخصيص السائل بالعطاء
دون هذا لا يجوز ، بل تخصيص الذي لا يسأل أولى وأوجب وأحب.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح ؛ ولكن جهاد
ونية؛ وإذا استنفرتم فانفروا))، وقال (( لا تنقطع الهجرة ما قوتل
العدو )) وكلاهما حق . فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه ، وهي
الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب ، فإن هذه الهجرة
كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان
بالمدينة ، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن
قدر عليها ، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ودخلت العرب في الإسلام
٢٨١

صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام، فقال: ((لا هجرة بعد الفتح))
وكون الأرض دار كفر ودار إيمان أو دار فاسقين ليست صفة لازمة
لها ؛ بل هي صفة عارضة بحسب سكانها ، فكل أرض سكانها المؤمنون
المتقون هي دار أولياء الله فى ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الكفار
فهي دار كفر فى ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الفساق فهي
دار فسوق في ذلك الوقت ، فإن سكنها غير ماذكرنا وتبدلت بغيرهم
فهي دارم .
وكذلك المسجد إذا تبدل بخارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو
كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه ؛ وكذلك دار الخمر والفسوق
ونحوها إذا جعلت مسجداً يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ذلك .
وكذلك الرجل الصالح بصير فاسقاً والكافر بصير مؤمناً أو المؤمن
بصير كافراً أو نحو ذلك ، كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال
وقد قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً) الآية
نزلت في مكة لما كانت دار كفر وهي ما زالت فى نفسها خير أرض
الله وأحب أرض الله إليه، وإنما أراد سكانها. فقد روى الترمذى
مرفوعا: ((أنه قال لمكة وهو واقف بالحزورة: والله إنك لخير أرض
الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما
خرجت))، وفى رواية: ((خير أرض الله وأحب أرض الله إلي))
فبين أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله، وكان مقامه بالمدينة ومقام
٢٨٢

من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم
ولهذا كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة ، كما ثبت فى
الصحيح: ((رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ،
ومن مات مرابطاً مات مجاهداً ، وجرى عليه عمله ، وأجرى رزقه من
الجنة ، وأمن الفتان ))
وفى السنن عن عثمان عن النبى صلى الله عليه وسلم : أنه قال :
((رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)»
وقال أبو هريرة : لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن
أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود ؛ ولهذا كان أفضل الأرض في حق
كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله ، وهذا يختلف
باختلاف الأحوال ، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل
وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع
والخضوع والحضور ، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان : هلى إلى الأرض
المقدسة ! فكتب إليه سلمان : إن الأرض لا تقدس أحداً وإنما يقدس
العبد عمله . وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بين سلمان وأبى
الدرداء ؛ وكان سلمان أفقه من أبى الدرداء فى أشياء من جملتها هذا .
وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: (سَأُؤْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ)
وهي الدار التى كان بها أولئك العمالقة ، ثم صارت بعد هذا دار
المؤمنين ، وهي الدار التى دل عليها القرآن من الأرض المقدسة ،
٢٨٣

وأرض مصر التى أورثها اللّه بني إسرائيل ، فأحوال البلاد كأحوال العباد
فيكون الرجل تارة مسلماً ، ونارة كافراً ، وتارة مؤمناً ؛ وتارة منافقاً ،
وتارة براً نقياً ، وتارة فاسقاً ، ونارة فاجراً شقياً .
وهكذا المساكن بحسب سكانها ، فهجرة الإنسان من مكان
الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر
والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة ، والله
تعالى قال: ( وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ مَعَكُمْ فَأَوْلَئِكَ مِنْكُمْ).
قالت طائفة من السلف : هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد
إلى يوم القيامة، وهكذا قوله تعالى: (ثُمَّإِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ
بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُوَأْإِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) يدخل في
معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية ثم هجر
السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو ، وجاهد المنافقين بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغير ذلك وصبر على ما أصابه من قول
أو فعل . والله سبحانه وتعالى أعلم .
٢٨٤

وقال :
فصل
الأذكار الثلاثة التى اشتملت عليها خطبة ابن مسعود وغيره، وهى
الحمد لله، نستعينه، ونستغفره: هي التى يروى عن الشيخ عبد القادر
ثم أبي الحسن الشاذلي ، أنها جوامع الكلام النافع. وهي : الحمد لله
واستغفر الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك أن العبد بين أمرين
أمر يفعله الله به ، فهي نعم اللّه التى تنزل عليه، فتحتاج إلى الشكر.
وأمر يفعله هو: إما خير ، وإما شر، فالخير يفتقر إلى معونة الله له ،
فيحتاج إلى الاستعانة ، والشر يفتقر إلى الاستغفار ، ليمحو أثره .
وجاء في حديث ضاد الأزدي: ((الحمد لله نحمده ونستعينه)) فقط
وهذا موافق لفاتحة الكتاب ، حيث قسمت نصفين : نصفاً للرب ،
ونصفاً للعبد، فنصف الرب مفتتح بالحمد لله، ونصف العبد مفتح
بالاستعانة به ، فقال نحمده ونستعينه ، وقد يقرن بين الحمد والاستغفار
كما في الأثر الذى رواه أحمد فى الزهد «أن رجلا كان على عهد
٢٨٥

الحسن فقيل له : تلقينا هذه الخطبة عن الوالد عن والده كما يقولها
كثير من الناس : الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا)» فأما نحمده
ونستعينه ففي حديث ضماد، ((ونستعينه ونستغفره)) في حديث ابن
مسعود . وأما نستهديه ففى فاتحة الكتاب ، لأن نصفها للرب وهو
الحمد ، ونصفها للعبد ، وهو الاستعانة والاستهداء ، وليس فيها الاستغفار
لأنه لا يكون إلا مع الذنب ، والسورة أصل الإيمان ، والفاتحة
باب السعادة، المانعة من الذنوب. كما قال تعالى: (إِنَ الضَّلَوةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ )
وعن ابن عباس أن ضماداً قدم مكة وكان من أزدشنوءة . وكان
يرقى من هذه الريح ، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون : إن محمداً
مجنون ، فقال لو أنى رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على بدي،
قال فلقيه فقال : يا محمد إني أرقي من هذه الربح ، وإن الله يشفى
على يدي من شاء اللّه، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل
فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن
محمداً عبده ورسوله ، أما بعد )) قال : فقال أعد على كلماتك هؤلاء ،
فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال : فقال:
٢٨٦

لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت
يمثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغت قاموس البحر ، قال: فقال هات يدك أبايعك
على الإسلام ، قال : فبايعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى
قومك ، فقال وعلى قومي )) رواه مسلم فى صحيحه .
ولهذا استحبت ، وفعلت فى مخاطبة الناس بالعلم عموما وخصوصاً :
من تعليم الكتاب والسنة والفقه فى ذلك . وموعظة الناس ، ومجادلتهم
أن يفتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية، وكان الذي عليه شيوخ زماننا
الذين أدركنام وأخذنا عنهم وغيرهم يفتتحون مجلس التفسير أو الفقه فى
الجوامع والمدارس وغيرها بخطبة أخرى .
مثل : الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم المرسلين،
وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عنا وعنكم، وعن مشايخنا ، وعن
جميع المسلمين ، أو وعن السادة الحاضرين، وجميع المسلمين ؛ كما رأيت
قوما يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعة ، وكل قوم لهم نوع غير
نوع الآخرين ، فإن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح ، وإنما هي
خطبة لكل حاجة فى مخاطبة العباد بعضهم بعضاً ، والنكاح من جملة
ذلك ، فإن مراعاة السنن الشرعية فى الأقوال والأعمال فى جميع العبادات
والعادات، هو كمال الصراط المستقيم ، وما سوى ذلك إن لم يكن
٢٨٧

منهياً عنه ، فإنه منقوص مرجوح ، إذ خير الهدى هدي محمد صلى الله
عليه وسلم .
والتحقيق أن قوله: ((الحمد لله نستعينه ونستغفره)) هي الجوامع،
كما فى الحديث النبوي ، حديث ابن مسعود ذكر ذلك ، وأن النى
صلى الله عليه وسلم أوتى جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه . كما في
سورتى ((أبي)) فإن الاستهداء يدخل فى الاستعانة ، وتكرير نحمده قد
استغنى به بقوله ((الحمد لله))، فإذا فصلت جاز ، كما فى دعاء القنوت :
((اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل
عليك ، ونثني عليك الخير كله، ونشكرك ، ولا نكفرك، وتخلع ،
ونترك من يفجرك)). فهذه إحدى سورتى ((أبي))،وهي مفتحة بالاستعانة
التى هي نصف العبد ، مع ما بعدها من فاتحة الكتاب ، وفي السورة
الثانية: ((اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى وتحفد،
نرجو رحمتك، وتخشى عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق)) .
فهذا مفتح بالعبادة التى هي نصف الرب ، مع ما قبلها من الفاتحة ، ففي
سورتى القنوت مناسبة لفاتحة الكتاب ، وفيها جميعاً مناسبة لخطبة الحاجة
وذلك جميعه من فواتح الكلم ، وجوامعه ، وخواتمه .
وأما قوله: (( ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا)»
فإن المستعاذ منه نوعان : فنوع موجود ، يستعاذ من ضرره الذي لم
٢٨٨

يوجد بعد ، ونوع مفقود يستعاذ من وجوده ؛ فإن نفس وجوده ضرر ،
مثال الأول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم))، ومثال الثانى :
(رَّتِّ أَعُوذُبِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ )
و ((اللهم إنى أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل
أو أزل )).
وأما قوله: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّمَاخَلَقَ * وَمِن شَرِّ
غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّالنَّفَّئَاتِ فِى الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا
حَسَدَ ) فيشترك فيه النوعان ، فإنه يستعاذ من الشر الموجود أن
لا يضر ، ويستعاذ من الشر الضار المفقود ألا يوجد ، فقوله فى
الحديث: ((ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)) يحتمل القسمين: يحتمل
نعوذ بالله أن يكون منها شر ، ونعوذ بالله أن يصيبنا شرها ، وهذا
أشبه والله أعلم .
وقوله: ((ومن سيئات أعمالنا)» السيئات هي عقوبات الأعمال ،
كقوله: ( سَيِّئَاتِ مَامَكَرُواْ) فإن الحسنات والسيئات يراد بها النعم
والنقم كثيراً كما يراد بها الطاعات والمعاصي ، وإن حملت على السيئات
التى هي المعاصي ، فيكون قد استعاذ أن يعمل السيئات ، أو أن نضره
وعلى الأول وهو أشبه فقد استعاذ من عقوبة أعماله أن تصيبه ،
وهذا أشبه .
٢٨٩

فيكون الحديث قد اشتمل على الاستعاذة من الضرر الفاعلي ،
والضرر الغالى ، فإن سبب الضرر هو شر النفس ، وغايته عقوبة الذنب ،
وعلى هذا فيكون قد استعاذ من الضرر المفقود الذي انعقد سببه أن لا
يكون ، فإن النفس مقتضية للشر ، والأعمال مقتضية للعقوبة ، فاستعاذ
أن يكون شر نفسه، أو أن تكون عقوبة عمله ، وقد يقال : بل
الشر هو الصفة القائمة بالنفس الموجبة للذنوب ، وتلك موجودة كوجود
الشيطان، فاستعاذ منها أن تضره أو نصيبه، كما يقال: ((أعوذ بالله
من الشيطان الرجيم ))، وإن حمل على الشرور الواقعة ، وهي الذنوب
من النفس ، فهذا قسم ثالث .
٢٩٠

وقال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
في قول النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح .
((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء!)).
لا يقتضي هذا أنه إذا صار غريباً يجوز تركه - والعياذ بالله! بل
الأمر كما قال تعالى: (وَمَن يَبْتَعْ غَيَّ الْإِسْلَكِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ
مِنَ الْخَسِرِينَ )، وقال تعالى: (إِنَّاُلِّيْنَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ )،
وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ).
وقال تعالى: ( وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِى
الدُّنْيَا وَإِنَّهُ، فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
*
إِذْ قَالَ لَهُرَبُّهُ أَسْلِمّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ
اُلْعَلَمِينَ * وَوَضَى بِهَآ إِثْرَهِمُ بَذِهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الْذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ).
٢٩١

وقد بسطنا الكلام على هذا فى موضع آخر ، وبينا أن الأنبياء
كلهم كان دينهم الإسلام من نوح إلى المسيح .
ولهذا لما بدأ الإسلام غريباً لم يكن غيره من الدين مقبولا ،
بل قد ثبت فى الحديث الصحيح - حديث عياض بن حمار -
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله نظر إلى أهل
الأرض فمقتهم - عربهم وعجمهم - إلا بقايا من أهل
الكتاب )» الحديث .
ولا يقتضي هذا أنه إذا صار غريباً أن المتمسك به يكون فى شر،
بل هو أسعد الناس كما قال فى تمام الحديث ((فطوبى للغرباء))، و
((طوبى)) من الطيب، قال تعالى (طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ ) فإنه يكون
من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريباً .
وثم أسعد الناس ، أما فى الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء
عليهم السلام .
وأما فى الدنيا فقد قال تعالى ( يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ) أي إن اللّه حسبك وحسب متبعك. وقال تعالى (إِنَّ
وقال تعالى ( أَلَيْسَ
وَلِغَّى اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّلِينَ)
٢٩٢

وقال (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ نَخْرَجًا * وَبَرْزُقْهُ
اُللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ( )
فالمسلم المتبع
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُّ وَ مَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) .
للرسول : اللّه تعالى حسبه وكافيه، وهو وليه حيث كان
ومتی کان .
ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالإسلام فى بلاد الكفر لهم
السعادة كلما كانوا أتم تمسكا بالإسلام، فإن دخل عليهم شر كان بذنوبهم؛
حتى إن المشركين وأهل الكتاب إذا رأوا المسلم القائم بالإسلام عظموه
وأكرموه وأعفوه من الأعمال التى يستعملون بها المنتسبين إلى ظاهر
الإسلام من غير عمل بحقيقته لم يكرم .
وكذلك كان المسلمون في أول الإسلام وفى كل وقت .
فإنه لابد أن يحصل للناس في الدنيا شر ولله على عباده نعم ،
لكن الشر الذي يصيب المسلم أقل والنعم التى تصل إليه أكثر.
فكان المسلمون فى أول الإسلام وإن ابتلوا بأذى الكفار والخروج من
الديار فالذي حصل للكفار من الهلاك كان أعظم بكثير ، والذي كان
يحصل للكفار من عن أو مال كان يحصل للمسلمين أكثر منه حتى
من الأجانب .
٢٩٣

فرسول الله صلى الله عليه وسلم - مع ما كان المشركون يسعون
في أذاه بكل طريق - كان اللّه يدفع عنه ويعزه ويمنعه وينصره، من
حيث كان أعن قريش ما منهم إلا من كان يحصل له من يؤذيه ، ويهينه
من لا يمكنه دفعه ، إذ لكل كبير كبير يناظره ويناوئه ويعاديه . وهذه
حال من لم يتبع الإسلام - يخاف بعضهم بعضا ، ويرجو
بعضهم بعضاً .
وأتباعه ، الذين هاجروا إلى الحبشة أكرمهم ملك الحبشة وأعزم
غاية الإكرام والعز، والذين هاجروا إلى المدينة فكانوا
أكرم وأعن .
والذي كان يحصل لهم من أذى الدنيا كانوا يعوضون عنه عاجلا
من الإيمان وحلاوته ولذته ما يحتملون به ذلك الأذى . وكان أعداؤهم
يحصل لهم من الأذى والشر أضعاف ذلك من غير عوض لا آجلا ولا
عاجلا ، إذ كانوا معاقبين بذنوبهم .
وكان المؤمنون ممتحنين ليخلص إيمانهم وتكفر سيئاتهم. وذلك أن
المؤمن يعمل لله، فإن أوذى احتسب أذاه على الله ، وإن بذل سعياً
أو مالا بذله لله فاحتسب أجره على الله .
٢٩٤

والإيمان له حلاوة فى القلب ولذة لا يعدلها شيء ألبتة . وقد قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة
الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن كان
رجع في الكفر بعد
يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن
إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار )) أخرجاه فى الصحيحين .
وفى صحيح مسلم: (( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالإسلام
دينا، وبمحمد نبياً)).
وكما أن الله نهى نبيه أن يصيبه حزن أو ضيق ممن لم يدخل فى
الإسلام فى أول الأمر فكذلك في آخره . فالمؤمن منهى أن يحزن
عليهم أو يكون فى ضيق من مكرم .
وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال
الإسلام جزع وَكَلَّ وناح كما ينوح أهل المصائب ، وهو منهى عن هذا ؛
بل هو مأمور بالصبر والتوكل والثبات على دين الإسلام ، وأن يؤمن
باللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وأن العاقبة للتقوى . وأن
ما يصيبه فهو بذنوبه فليصبر ، إن وعد الله حق ، وليستغفر لذنبه ،
وليسبح بحمد ربه بالعشى والإبكار .
وقوله صلى الله عليه وسلم (( ثم يعود غريباً كما بدأ)» يحتمل شيئين:
٢٩٥

أحدهما أنه في أمكنة وأزمنة يعود غريباً بينهم ثم يظهر ، كما كان فى
أول الأمر غريباً ثم ظهر. ولهذا قال ((سيعود غريباً كما بدأ)).
وهو لما بدأ كان غريباً لا يعرف ثم ظهر وعرف ، فكذلك يعود
حتى لا يعرف ثم يظهر ويعرف . فيقل من يعرفه فى أثناء الأمر كما
كان من يعرفه أولا .
ويحتمل أنه في آخر الدنيا لا يبقى مسلماً إلا قليل . وهذا إنما
يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة . وحينئذ يبعث
الله ريحاً تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة.
وأما قبل ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة
من أمتى ظاهرين على الحق ، لا يضرم من خالفهم ولا من خذلهم ،
حتى تقوم الساعة)) . وهذا الحديث فى الصحيحين ، ومثله من
عدة أوجه .
فقد أُخبر الصادق المصدوق أنه لا تزال طائفة ممتنعة من أمته على
الحق أعزاء لا يضرم المخالف ولا خلاف الخاذل . فأما بقاء الإسلام
غريباً ذليلا فى الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا .
وقوله صلى الله عليه وسلم ((ثم يعود غريباً كما بدأ))، أعظم
٢٩٦

ما تكون غربته إذا ارتد الداخلون فيه عنه ، وقد قال تعالى ( مَن
يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنِدِينِ، فَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُوَأَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ
يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآيٍِ) . فهؤلاء يقيمونه إذا ارتد عنه
أولئك .
وكذلك بدأ غريباً ولم يزل يقوى حتى انتشر . فهكذا يتغرب فى
كثير من الأمكنة والأزمنة ثم يظهر حتى يقيمه الله عز وجل ، كما
كان عمر بن عبد العزيز لما ولى قد تغرب كثير من الإسلام على كثير
من الناس حتى كان منهم من لا يعرف تحريم الخمر . فأظهر اللّه به فى
الإسلام ما كان غريباً .
وفى السنن: (( إن الله يبعث لهذه الأمة فى رأس كل مائة سنة
من يجدد لها دينها)). والتجديد إنما يكون بعد الدروس ، وذاك هو
غربة الإسلام .
وهذا الحديث يفيد المسلم أنه لا يغتم بقلة من يعرف حقيقة الإسلام،
ولا يضيق صدره بذلك ، ولا يكون فى شك من دين الإسلام ، كما
قال تعالى ( فَإِنْ كُتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
كان الأمر حين بدأ .
)، إلى غير ذلك من الآيات
فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ
٢٩٧

والبراهين الدالة على صحة الإسلام .
وكذلك إذا تغرب يحتاج صاحبه من الأدلة والبراهين إلى نظير
ما احتاج إليه فى أول الأمر. وقد قال له ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَّا وَهُوَ
الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّيِّكَ
بِالْقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ،
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن
*
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يَتَّبِعُونَ إِلَّاَ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)، وقال تعالى (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّأَكْثَرَهُمْ
٠١٠٠٠/٤/١
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْإِلَّ كَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلَّ سَبِيلًا).
وقد تكون الغربة في بعض شرائعه ، وقد يكون ذلك في بعض
الأمكنة . ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير [ به]
غريباً بينهم لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد .
ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر الله ورسوله.
فإن إظهاره والأمر به والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة
والأعوان. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من رأى منكم
منكراً ، فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه،
٢٩٨

ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).
وإذا قدر أن في الناس من حصل له سوء فى الدنيا والآخرة
بخلاف ما وعد الله به رسوله وأتباعه فهذا من ذنوبه ونقص إسلامه ،
كالهزيمة التى أصابتهم يوم أحد .
وإلا فقد قال تعالى ( إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَءَامَنُواْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا
وقال تعالى ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِتْنَا لِبَادِنَا
وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ ) ،
الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْلَهُمُ الْمَصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَالَمُ الْغَلِبُونَ ). وفيما قصه الله
تعالى من قصص الأنبياء وأتباعهم ونصرم ونجاتهم وهلاك أعدائهم
عبرة ، والله أعلم .
( مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ فَسَوْفَ
فإن قيل : قوله تبارك وتعالى
هو خطاب لذلك القرن ، كقوله تعالى
(
يَأْتِى اُللَّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ مِنْكُمْوَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
ولهذا بين النبى صلى الله عليه وسلم أنهم
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ).
أهل اليمن الذين دخلوا فى الإسلام لما ارتد من ارتد من العرب. ويدل على
ذلك أنه فى آخر الأمر لا يبقى مؤمن .
قيل: قوله تبارك وتعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ) خطاب لكل من
٢٩٩

بلغه القرآن من المؤمنين كسائر أنواع هذا الخطاب، كقوله تعالى: (يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ) وأمثالها. وكذلك قوله تعالى: ( وَعَدَ
اللّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ ).
وكلاهما وقع ويقع كما أخبر الله عز وجل . فإنه ما ارتد عن
الإسلام طائفة إلا أتى الله بقوم يحبهم يجاهدون عنه، وهم الطائفة
المنصورة إلى قيام الساعة .
يبين ذلك أنه ذكر هذا فى سياق النهى عن موالاة الكفار ،
(يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُ واْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَاءَبَعْضُهُمْ
فقال تعالى :
فَتَرَى الَّذِينَ
*
أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَ مَنْ يَوَهُمْ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّاللَّهَ لَ يَهْدِى أَلْقَوْمَ اُلَّلِينَ
فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اَللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْأَمْرِ
ج
مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِ حُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِى أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ - إلى قوله - يَأَيُها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْتَدَ مِنَّكُمْ عَن ◌ِدِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ). فالمخاطبون
بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى م المخاطبون بآية الردة . ومعلوم
أن هذا يتناول جميع قرون الأمة .
وهو لما نهى عن موالاة الكفار وبين أن من تولام من المخاطبين
فإنه منهم بين أن من تولام وارتد عن دين الإسلام لا يضر
الإسلام شيئا .
٣٠٠