Indexed OCR Text
Pages 261-280
مثل صوم شهر رمضان ، فغالب المسلمين يصومونه لله ، وكذلك من داوم على الصلوات فإنه لا يصلي إلا لله عز وجل ، بخلاف من لم يحافظ عليها فإنما يصلي حياء أو رياء أو لعلة دنيوية؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: (( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ فإن الله تعالى يقول: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَآ مَنَ بِاللّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّ اللَّهَ) الآية)). ومن لم يصل إلا بوضوء واغتسال فإنه لا يفعل ذلك إلا لله ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد . وابن ماجه من حديث ثوبان عنه أنه قال: ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ، فإن الوضوء سر بين العبد وبين الله عز وجل))، وقد ينتقض وضوؤه ولا يدري به أحد ، فإذا حافظ عليه لم يحافظ عليه إلا لله سبحانه، ومن كان كذلك لا يكون إلا مؤمنا، والإخلاص فى النفع المتعدى أقل منه فى العبادات البدنية ، ولهذا قال فى الحديث المتفق على صحته: ((سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله )) الحديث . ٢٦١ فصل والنية محلها القلب باتفاق العلماء ؛ فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأنه النية باتفاقهم ، وقد خرج بعض أصحاب الشافعي وجهاً من كلام الشافعي غلط فيه على الشافعي ؛ فإن الشافعي إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن الصلاة في أولها كلام ، فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية ، وإنما أراد التكبير ، والنية تتبع العلم ، فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينوبه ضرورة ، كمن قدم بين يديه طعاماً ليأ كله فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بد أن ينويه ، وكذلك الركوب وغيره ؛ بل لو كلف العباد أن يعملوا عملا بغير نية كلفوا مالا يطيقون؛ فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملا مشروعا أو غير مشروع فعلمه سابق إلى قلبه وذلك هو النية ، وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم فلا بد أن ينويه إذا علمه ضرورة ، وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد ، مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد ، أو من يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم يرد أنه يتوضأ لنفسه ، أو من لا يعلم أن غداً من رمضان فيصبح غير ناو للصوم . ٢٦٢ وأما المسلم الذي يعلم أن غداً من رمضان وهو يريد صوم رمضان ، فهذا لا بد أن ينويه ضرورة ، ولا يحتاج أن يتكلم به، وأكثر ما يقع عدم التبيت والتعيين في رمضان عند الاشتباه مثل من لا يعلم أن غداً من رمضان أم لا، فينوي صوما رمضان مطلقاً أو يقصد تطوعا، ثم يتبين أنه من رمضان، ولو تكلم بلسانه بشيء وفي قلبه خلافه كانت العبرة بما فى قلبه لا بما لفظ به ، ولو اعتقدبقاء الوقت فنوى الصلاة أداء ثم تبين خروج الوقت ، أو اعتقد خروجه فنواها قضاء ثم تبين له بقاؤه أجزأته صلانه بالاتفاق . ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم فى غاية اليسر لاتحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال ؛ ولهذا قال بعض العلماء : الوسوسة إنما تحصل للعبد من جهل بالشرع أو خبل فى العقل . وقد تنازع الناس : هل يستحب التلفظ بالنية ؟ فقالت طائفة من أصحاب أبى حنيفة والشافعى وأحمد : يستحب ليكون أبلغ؛ وقالت طائفة من أصحاب مالك : وأحمد : لا يستحب ذلك ، بل التلفظ بها بدعة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لم ينقل عن واحد منهم أنه تكلم بلفظ النية لافي صلاة ولا طهارة ولا صيام ، قالوا: لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة ، فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان، والنية تكون فى قلب الإنسان ويعتقد أنها ليست في قلبه فيريد ٢٦٣ تحصيلها بلسانه وتحصيل الحاصل محال، فلذلك يقع كثير من الناس في أنواع من الوسواس . واتفق العلماء على أنه لا يسوغ الجهر بالنية لا لإمام ولا لمأموم ولا لمنفرد، ولا يستحب تكريرها، وإنما النزاع بينهم فى التكلم بها سراً: هل بكره أو يستحب ؟ . فصل لفظة ((إنما)) للحصر عند جماهير العلماء، وهذا مما يعرف بالاضطرار من لغة العرب كما تعرف معاني حروف النفي والاستفهام والشرط وغير ذلك ، لكن تنازع الناس : هل دلالتها على الحصر بطريق المنطوق أو المفهوم ؟ على قولين ، والجمهور على أنه بطريق المنطوق، والقول الآخر قول بعض مثبتى المفهوم، كالقاضي أبى يعلى فى أحد قوليه، وبعض الغلاة من نفاته، وهؤلاء زعموا أنها تفيد الحصر، واحتجوا بمثل قوله : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ). وقد احتج طائفة من الأصوليين على أنها للحصر بأن حرف ((إن)) للإثبات وحرف (( ما)) للنفي فإذا اجتمعا حصل النفي والإثبات جميعاً، ٢٦٤ وهذا خطأ عند العلماء بالعربية؛ فإن ((ما)) هنا هي ما الكافة ليست ما النافية، وهذه الكافة تدخل على إن وأخواتها فتكفها عن العمل ، وذلك لأن الحروف العاملة أصلها أن تكون للاختصاص ؛ فإذا اختصت بالاسم أو بالفعل ولم تكن كالجزء منه عملت فيه ، فإن وأخواتها اختصت بالاسم فعملت فيه، وتسمى الحروف المشبهة للافعال ؛ لأنها عملت نصباً ورفعاً وكثرت حروفها ، وحروف الجر اختصت بالاسم فعملت فيه، وحروف الشرط اختصت بالفعل فعملت فيه ، بخلاف أدوات الاستفهام فإنها تدخل على الجملتين ولم تعمل ، وكذلك ما المصدرية . ولهذا القياس فى ما النافية أن لا تعمل أيضا على لغة تميم ، ولكن تعمل على اللغة الحجازية التى نزل بها القرآن فى مثل قوله تعالى : (مَاهُرَ أُمَّهَتِهِمْ)، و (مَاهَذَا بَشَرًا) استحساناً لمشابهتها ((ليس)) هنا، لما دخلت ما الكافة على إن أزالت اختصاصها فصارت تدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية فيطل عملها ، كقوله: ( إِنَّمَآ أَنْتَ مُنذِرٌ )، وقوله : ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ). وقد تكون ما التى بعد إن اسماً لا حرفا، كقوله: (إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُسَحِرٍ ) بالرفع ، أي : أن الذى صنعوه كيد ساحر ، خلاف قوله: (إِنَّمَانَقْضِى هَذِهِ الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَا)، فإن القراءة بالنصب لانستقيم إذا كانت ما بمعنى الذي ، وفى كلا المعنيين الحصر موجود ، لكن إذا ٢٦٥ كانت ما معنى الذي فالحصر حاء من جهة أن المعارف هي من صيغ العموم ، فإن الأسماء إما معارف وإما نكرات، والمعارف من صيغ العموم والنكرة فى غير الموجب كالنفي وغيره من صيغ العموم ، فقوله: (إِنَّا صَنَعُواْ كَيْدُسَحِرٍ ) تقديره: إن الذى صنعوه كيد ساحر . وأما الحصر في ((إنما )) فهو من جنس الحصر بالنفي والاستثناء ، كقوله تعالى: (مَآأَنْتَ إِلََّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)، (وَمَا مُحَمَّدُّ إِلََّ رَسُولٌ). والحصر قد يعبر عنه بأن الأول محصور فى الثانى ، وقد يعبر عنه بالعكس ، والمعنى واحد، وهو أن الثانى أثبته الأول ولم يثبت له غيره ما يتوهم أنه ثابت له، وليس المراد أنك تنفي عن الأول كل ما سوى الثاني، فقوله: (إِنَّمَاأَنْتَ مُنذِرٌ) أي: إنك لست ربا لهم؛ ولا محاسباً ؛ ولا مجازيا؛ ولا وكيلا عليهم؛ كما قال: (لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) وكما قال: ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ)، (مَا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ ليس هو إلها ولا أمه إلهة ، مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِيقَةٌ ) ، بل غايته أن يكون رسولا ، كما غاية محمد أن يكون رسولا، وغاية حيم أن تكون صديقة . وهذا مما استدل به على بطلان قول بعض المتأخرين : إنها نبية ، وقد حكى الإجماع على عدم نبوة أحد من النساء القاضي أبو بكر ٢٦٦ ابن الطيب والقاضي أبو يعلى، والأستاذ أبو المعالي الجونى، وغيرهم . وكذلك قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِالرُّسُلُ )، أى : ليس مخلداً فى الدنيا لا يموت ولا يقتل ، بل يجوز عليه ماجاز على إخوانه المرسلين من الموت أو القتل ، (أَفَإِئْن مَّاتَ أَوْقُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَ أَعْقَبِّكُمْ) نزلت يوم أحد لما قيل إن محمداً قد قتل، وتلاها الصديق يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وتلى هذه الآية ، فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فكان لا يوجد أحد الإ يتلوها . فصل وأما قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية فهذه الآية أثبت فيها الإيمان لهؤلاء ونفاه عن غيره، كما نفاء النبى صلى الله عليه وسلم عمن نفاء عنه فى الأحاديث مثل قوله: ((لا يزنى الزابي حين يزبى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، فإياكم وإياكم)) وكذلك قوله : (( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))، ومن هذا ٢٦٧ (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ ) الباب قوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَاكَانُواْ مَعَهُ, الآية . وقوله : عَّ أَمْرِ جَامِع ) الآية . وهذه المواضع قد تنازع الناس فى نفيها ، والذي عليه جماهير السلف وأهل الحديث وغيرم : أن نفي الإيمان لانتفاء بعض الواجبات فيه ، والشارع دائماً لا ينفي المسمى الشرعى إلا لانتفاء واجب فيه ، وإذا قيل: المراد بذلك نفى الكال فالكمال نوعان واجب ومستحب ، فالمستحب كقول بعض الفقهاء : الغسل ينقسم إلى كامل ومجزئ ، أي : كامل المستحبات ، وليس هذا الكمال هو المنفى فى لفظ الشارع ، بل المنفي هو الكمال الواجب وإلا فالشارع لم ينف الإيمان ولا الصلاة ولا الصيام ولا الطهارة، ولا نحو ذلك من المسميات الشرعية لانتفاء بعض مستحباتها ؛ إذ لو كان كذلك لاتنفى الإيمان عن جماهير المؤمنين ، بل إنما نفاه لانتفاء الواجبات ، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صيام لمن لم يبيت النية))، و((لا صلاة إلا بأم القرآن )). وقد رويت عنه ألفاظ تنازع الناس فى ثبوتها عنه مثل قوله: (( لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) (( ولا صلاة إلا بوضوء ، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه))، ((لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد ))، من ثبتت عنده هذه الألفاظ فعليه أن يقول بموجبها . ٢٦٨ فيوجب ما تضمنته من : التبيت ؛ وذكر اسم الله ؛ وإجابة المؤذن ؛ ونحو ذلك . ثم إذا ترك الإنسان بعض واجبات العبادة : هل يقال : بطلت كلها فلا ثواب له عليها ؟ أم يقال : يثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه ؟ وهل عليه إعادة ذلك ؟ هذا يكون بحسب الأدلة الشرعية ، فمن الواجبات فى العبادة ما لا تبطل العبادة بتركه ولا إعادة على تاركه، بل يجبر المتروك ؛ كالواجبات فى الحج التى ليست أركانا ، مثل رمي الجمار ، وأن يحرم من الميقات ، ونحو ذلك . وكذلك الصلاة عند الجمهور كمالك، وأحمد وغيرهم، فيها واجب لا تبطل الصلاة بتركه عندهم ، كما يقول أبو حنيفة في الفاتحة والطمأنينة. وكما يقول مالك ، وأحمد فى التشهد الأول ؛ لكن مالك وأحمد يقولان : ما تركه من هذا سهواً فعليه أن يسجد للسهو ، وأما إذا تركه عمداً فتبطل صلاته كما تبطل الصلاة بترك التشهد الأول عمداً فى المشهور من مذهبيها ، لكن أصحاب مالك بسمون هذا سنة مؤكدة ، ومعناه معنى الواجب عندم . وأما أبو حنيفة فيقول : من ترك الواجب الذي ليس بفرض عمداً أساء ولا إعادة عليه ، والجمهور يقولون: لا نعهد فى العبادة واجباً فيما يتركه الإنسان إلى غير بدل ولا إعادة عليه ، فلابد من وجوب البدل للإعادة . ولكن مع هذا اتفقت الأئمة على أن من ترك ٢٦٩ واجباً فى الحج ليس بركن ولم يجبره بالدم الذي عليه لم يبطل حجه ولا يجب إعادته ، فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث : أن من ترك واجباً من واجبات الإيمان الذي لا يناقض أصول الإيمان فعليه أن يجبر إيمانه ، إما بالتوبة ؛ وإما بالحسنات المكفرة . فالكبائر يتوب منها والصغائر تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن لم يفعل لم يحبط إيمانه جملة . وأصلهم أن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه ، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، ولهذا مذهبهم أن الإيمان يتفاضل ويتبعض ، هذا مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وغيرهم . وأما الذين أنكروا تبعضه وتفاضله كأنهم قالوا : متى ذهب بعضه ذهب سائره ، ثم انقسموا قسمين : فقالت الخوارج والمعتزلة : فعل الواجبات وترك المحرمات من الإيمان ، فإذا ذهب بعض ذلك ذهب الإيمان كله ! فلا يكون مع الفاسق إيمان أصلا بحال . ثم قالت الخوارج : هو كافر ، وقالت المعتزلة : ليس بكافر ولا مؤمن . بل هو فاسق ننزله منزلة بين المنزلتين ، خالفوا الخوارج فى الاسم ووافقوهم فى الحكم ، وقالوا : إنه مخلد في النار لا يخرج منها ٢٧٠ بشفاعة ولا غيرها . والحزب الثاني وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد ، ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان ؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض ، فقالوا: كل فاسق فهو كامل الإيمان، وإيمان الخلق متماثل لامتفاضل ، وإنما التفاضل فى غير الإيمان من الأعمال، وقالوا : الأعمال ليست من الإيمان لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال فى كتابه . ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول : إن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان ، وهذا المنقول عن حماد بن أبى سليمان ومن وافقه كأبى حنيفة وغيره ، وقال جهم والصالحي ومن وافقها من أهل الكلام كأبى الحسن وغيره : إنه مجرد تصديق القلب . وفصل الخطاب في هذا الباب : أن اسم الإيمان قد يذكر مجرداً ؛ وقد يذكر مقروناً بالعمل أو بالإسلام . فإذا ذكر مجرداً تناول الأعمال كما فى الصحيحين: ((الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، وفيها أنه قال لوفد عبد القيس: ((آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم))، وإذا ذكر مع الإسلام - كما في حديث جبريل أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ٢٧١ الإيمان والإسلام والإحسان - فرق بينهما، فقال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ))، إلى آخره ..! وفي المسند عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام علانية والإيمان فى القلب))، فلما ذكرهما جميعاً ذكر أن الإيمان في القلب والإسلام ما يظهر من الأعمال . وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة ، لأنها لوازم ما فى القلب ؛ لأنه متى ثبت الإيمان فى القلب والتصديق بما أخبر به الرسول وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة ؛ فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه ألبتة ، فلا نستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر فى الظاهر . ولهذا ينفى الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه ؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم ، كقوله تعالى: ( وَلَوْكَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ)، وقوله: (لَا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِيُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ ). الآية ونحوها ، فالظاهر والباطن متلازمان لا يكون الظاهر مستقيماً إلا مع استقامة الباطن ، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)). ٢٧٢ وقال عمر لمن رآه يعبث فى صلاته: ((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه))، وفي الحديث: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه)). ولهذا كان الظاهر لازماً للباطن من وجه وملزوماً له من وجه ، وهو دليل عليه من جهة كونه ملزوماً لا من جهة كونه لازماً ؛ فإن الدليل ملزوم المدلول يلزم من وجود الدليل وجود المدلول ، ولا يلزم من وجود الشيء وجود ما يدل عليه ، والدليل يطرد ولا ينعكس بخلاف الحد فإنه يطرد وينعكس . وتنازعوا فى العلة هل يجب طردها بحيث تبطل بالتخصيص والانتقاض ؟ والصواب أن لفظ العلة يعبر به عن العلمة التامة وهو مجموع ما يستلزم الحكم فهذه يجب طردها ، ويعبر به عن المقتضى للحكم الذي يتوقف اقتضاؤه على ثبوت الشروط وانتفاء الموانع ، فهذه إذا تخلف الحكم عنها لغير ذلك بطلت . وكذلك تنازعوا فى انعكاسها وهو أنه هل يلزم من عدم الحكم عدمها ؟ فقيل : لا يجب انعكاسها ؛ لجواز تعليل الحكم بعلتين. وقيل: يجب الانعكاس؛ لأن الحكم متى ثبت مع عدمها لم تكن مؤثرة فيه بل كان غنياً عنها ، وعدم التأثير مبطل للعلة . وكثير من الناس يقول ٢٧٣ بأن عدم التأثير يبطل العلة ، ويقول بأن العكس ليس بشرط فيها ، وآخرون يقولون : هذا تناقض . والتحقيق في هذا: أن العلة إذا عدمت عدم الحكم المتعلق بها بعينه ، لكن يجوز وجود مثل ذلك الحكم بعلة أخرى ، فإذا وجد ذلك الحكم بدون علة أخرى على أنها عديمة التأثير وبطلت ، وأما إذا وجد نظير ذلك الحكم بعلة أخرى كان نوع ذلك الحكم معللا بعلتين وهذا جائز ، كما اذا قيل فى المرأة المرندة : كفرت بعد إسلامها فتقتل قياساً على الرجل ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا اله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه؛ أو قتل نفساً فقتل بها)). فإذا قيل له: لا تأثير لقولك: كفر بعد إسلامه فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر ، وحينئذ فالمرأة لا تقتل بمجرد الكفر ؛ فيقول: هذه علة ثابتة بالنص وبقوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وجراءته ، ولهذا لا أقتل من كان عاجزاً عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه . وأما الكفر بعد إلاسلام فعلة أخرى مبيحة للدم؛ ولهذا قتل بالردة من كان عاجزاً عن القتال كالشيخ الكبير . وهذا قول مالك وأحمد ، وإن كان ممن يرى أن مجرد الكفر ٢٧٤ يبيح القتال كالشافعى ؛ قال : الكفر وحده علة ؛ والكفر بعد الإسلام علة أخرى . وليس هذا موضع بسط هذه الأمور ، وإنما نذبه عليها . والمقصود : أن لفظ إلايمان تختلف دلالته بالإِطلاق والاقتران ، فإذا ذكر مع العمل أريد به أصل الإيمان المقتضى للعمل ، وإذا ذكر وحده دخل فيه لوازم ذلك الأصل . وكذلك إذا ذكر بدون الإسلام كان الإسلام جزءاً منه وكان كل مسلم مؤمناً، فإذا ذكر لفظ الإسلام مع الإيمان تميز أحدهما عن الآخر كما فى حديث جبريل، وكما فى قوله تعالى: (إِنَّالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ)، ولهذا نظائر كلفظ المعروف والمنكر والعدل والإحسان وغير ذلك ، ففي قوله: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) يدخل فى لفظ المعروف كل مأمور به ، وفي لفظ المنكر كل منهى عنه ، وفى قوله تعالى : (إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) جعل الفحشاء غير المنكر، وقوله: (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَ الْبَغِى) جعل الفحشاء والبغي غير المنكر . وإذا قيل : هذا من باب عطف الخاص على العام والعام على الخاص ٢٧٥ فللناس هنا قولان : منهم من يقول : الخاص دخل فى العام وخص بالذكر ، فقد ذكر مرتين . ومنهم من يقول : تخصيصه بالذكر يقتضى أنه لم يدخل فى العام ، وقد يعطف الخاص على العام كما فى قوله : (وَمَلَئِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ)، وقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَامِنَ النَّبِئْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ) الآية ، وقد يعطف العام على الخاص كما فى قوله تعالى : ( وَأَوْرَنَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَكَهُمْ وَمْوَهُمْ وَرْضَ لَمْ تََّقُوهَا ) . وأصل الشبهة فى الإيمان أن القائلين : أنه لا يتبعض قالوا : إن الحقيقة المركبة من أمور متى ذهب بعض أجزائها انتفت تلك الحقيقة ، كالعشرة المركبة من آحاد ، فلو قلنا : إنه يتبعض لزم زوال بعض الحقيقة مع بقاء بعضها ، فيقال لهم : إذا زال بعض أجزاء المركب تزول الهيئة الاجتماعية الحاصلة بالتركيب ، لكن لا يلزم أن يزول سائر الأجزاء، والإيمان المؤلف من الأقوال الواجبة والأعمال الواجبة الباطنة والظاهرة هو المجموع الواجب الكامل ، وهذه الهيئة الاجتماعية تزول بزوال بعض الأجزاء، وهذه هي المنفية فى الكتاب والسنة في مثل قوله: ((لا يزنى الزانى)) الخ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِلّهِ الآيات ، ولكن لا يلزم أن تزول سائر وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ) الأجزاء ؛ ولا أن سائر الأجزاء الباقية لا تكون من الإيمان بعد زوال بعضه. كما أن واجبات الحج من الحج الواجب الكامل وإذا زالت زال ٢٧٦ هذا الكمال ولم يزل سائر الحج . وكذلك الإنسان الكامل يدخل فى مسماه أعضاؤه كلها ، ثم لو قطعت بداء ورجلاه لم يخرج عن اسم الإنسان وإن كان قد زال منه بعض ما يدخل [فى] الاسم الكامل . وكذلك لفظ الشجرة والباب والبيت والحائط وغير ذلك ، يتناول المسمى فى حال كمال أجزائه بعد ذهاب بعض أجزائه . وبهذا تزول الشبهة التى أوردها الرازي ومن اتبعه كالأصبهانى وغيره على الشافعي ؛ فإن مذهبه فى ذلك مذهب جمهور أهل الحديث والسلف ، وقد اعترض هؤلاء بهذه الشبهة الفاسدة على السلف . والإيمان يتفاضل من جهة الشارع ، فليس ما أمر الله به كل عبد هو ما أمر الله به غيره، ولا الإيمان الذي يجب على كل عبد يجب على غيره ، بل كانوا فى أول الإسلام يكون الرجل مؤمنا كامل الإيمان مستحقا للثواب إذا فعل ما أوجبه اللّه عليه ورسوله ، وإن كان لم يقع منه التصديق المفصل بما لم ينزل من القرآن ولم يصم رمضان ولم يحج البيت ، كما أن من آمن فى زمننا هذا إيمانا ناما ومات قبل دخول وقت صلاة عليه مات مستكملا للإيمان الذي وجب عليه ، كما أنه مستحق للثواب على إيمانه ذلك . ٢٧٧ وأما بعد نزول ما نزل من القرآن وإيجاب ما أوجبه الله ورسوله من الواجبات وتمكن من فعل ذلك فإنه لا يكون مستحقا للنواب بمجرد ما كان يستحق به الثواب قبل ذلك ، فلذلك يقول هؤلاء : لم يكن هذا مؤمنا بما كان به مؤمنا قبل ذلك ، وهذا لأن الإيمان الذي شرع لهذا أعظم من الإيمان الذي شرع لهذا، وكذلك المستطيع الحج يجب عليه ما لا يجب على العاجز عنه ، وصاحب المال يجب عليه من الزكاة مالا يجب على الفقير ، ونظائره متعددة . وأما تفاصيله من جهة العبد فتارة يقوم هذا من الإقرار والعمل بأعظم مما يقوم به هذا . وكل أحد يعلم أن ما فى القلب من الأمور يتفاضل، حتى إن الإنسان يجد نفسه أحيانا أعظم حبا لله ورسوله وخشية لله، ورجاء لرحمته وتوكلا عليه؛ وإخلاصا منه فى بعض الأوقات. وكذلك المعرفة والتصديق تتفاضل فى أصح القولين ، وهذا أصح الروايتين عن أحمد ، وقد قال غير واحد من الصحابة كعمر بن حبيب الخطمي وغيره: الإيمان يزيد وينقص ، فإذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه . ولهذا سن الاستثناء في الإيمان ، فإن كثيراً من السلف من الصحابة والتابعين وغيرم استثنوا فى الإيمان ، وآخرون أنكروا الاستثناء فيه ٢٧٨ وقالوا : هذا شك . والذين استثنوا فيه منهم من أوجبه ، ومنهم من لم يوجبه، بل جوز تركه باعتبار حالتين، وهذا أصح الأقوال، وهذان القولان في مذهب أحمد وغيره، فمن استثنى لعدم علمه بأنه غير قائم بالواجبات كما أمر الله ورسوله فقد أحسن، وكذلك من استثنى لعدم علمه بالعاقبة ، وكذلك من استثنى تعليقاً للأمر بمشيئة الله تعالى لا شكا، ومن جزم بما هو فى نفسه في هذه الحال كمن يعلم من نفسه أنه شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللّه فجزم بما هو متيقن حصوله فى نفسه فهو محسن فى ذلك . وكثير من منازعات الناس فى مسائل الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام هي منازعات لفظية، فإذا فصل الخطاب زال الارتياب. والله سبحانه أعلم بالصواب . فصل قوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)) ليس هو تحصيل الحاصل ، لكنه إخبار بأن من نوى بعمله شيئاً فقد حصل له ما نواه ، أي : من قصد بهجرته الله ورسوله حصل له ما قصده، ومن كان قصده الهجرة إلى دنيا أو امرأة فليس له إلا ذلك، فهذا تفصيل لقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) ٢٧٩ ولما أخبر أن لكل امرئ ما نوى ذكر أن لهذا ما نواه ولهذا ما نواه. والهجرة مشتقة من الهجر ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه فى ذات الله))، كما قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم))، وهذا بيان منه لكمال مسمى هذا الاسم، كما قال: (( ليس المسكين بهذا الطواف)» إلخ ، وقد بشبه هذا قوله: (( ما تعدون المفلس فيكم؟ )) قالوا : من ليس له درهم ولا دينار . قال : ليس هذا المفلس ! ولكن المفلس من يأتى يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ، فيأتي وقد ضرب هذا ؛ وشتم هذا ؛ وأخذ مال هذا ؛ فيعطى هذا من حسناته ؛ وهذا من حسناته ؛ فإذا لم يبق له حسنة أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه؛ ثم طرح فى النار)). وقال: (( ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قالوا : من لا يولد له . قال : الرقوب من لم يقدم من ولده شيئاً))، ومثله قوله: (( ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)). لكن فى هذه الأحاديث مقصود وبيان ما هو أحق بأسماء المدح والذم مما يظنونه . فإن الإفلاس حاجة وذلك مكروه ، فبين أن حقيقة الحاجة إنما تكون يوم القيامة ، وكذلك عدم الولد تكرهه النفوس لعدم الولد النافع ، فبين أن الانتفاع بالولد حقيقة إنما يكون في الآخرة لمن ٢٨٠